قاد توماس سيارته نحو البيت غارقاً في إرهاق مخدر. تخطى مرحلة التعب إلى التبلد. بالنظر إلى الوراء، كان خطراً حقيقياً على الطريق. لم يكن زاك بأفضل حال منه، إذ غط في النوم فور وصولهما إلى الطريق الرئيسي المتعرج صعوداً نحو الجبل باتجاه تاهو. لم يستيقظ إلا حين عادا إلى المدينة، وقال: "لقد تفوتت موضع نزولي". كان قد مر للتو بجوار الحديقة. "معذرة". أضاء توماس إشارة الانعطاف وتوقف فجأة إلى جانب الطريق. تصرف كهذا ليكون محفوفاً بالمخاطر عادة، لكن حركة المرور بدت خفيفة للغاية إثر إعلان النظام. "لا بأس". تمطى زاك، ومد يده نحو الباب، ثم تردد لحظة. "أقول، كنت أفكّر في التوجه إلى الجبال لأيام قليلة. عليّ إيجاد بعض السكينة والهدوء لإعادة توازن المانا خاصتي. أحتاج إلى السلام والطبيعة، أتعلم؟" من المفهوم تماماً أن موهبة زاك المرتبطة بالمانا تتطلب صيانة أكثر مقارنة بسواه. "حسناً، أرجو ألا تتسبب في نشوب حريق غابات". ابتسم ببساطة. "إن فعلت، فسأحرص على إخماده". "شقتي تقع في الواقع على المرتفع قليلاً، قرب مسار التزلج"، قال توماس، قاصداً بذلك الحي السكني لا مسار تزلج حقيقياً فهو ليس من أصحاب الملايين القادرين على شراء شقة في مدينة تزلج شهيرة عالمياً. "أتريد أن أوصلك؟ سيوفر عليك بضعة أميال". أومأ: "إن لم يكن لديك مانع في الانتظار بضع دقائق. لن يستغرق جمع أمتعتي وقتاً طويلاً". وافق توماس، وترجل زاك من السيارة ليهرول نحو حيث تقبع خيمته. لم يمانع الانتظار فقد كان لديه ما يشغله. مد توماس يده نحو المقعد الخلفي وأخرج الصندوق الذي يحوي شظية المهارة. فتح الغطاء، وأطال النظر في الداخل للحظة. لم يتبق لديه سوى خانة مهارات واحدة حتى يبلغ المستوى التالي، وإن كانت هناك طريقة لاستبدال شظايا المهارات، فهو لا علم له بها. على الرغم من أنه... كان قد اتخذ قراره بالفعل. لا جدوى من التردد. التقط الشظية، وركز عليها. تحولت إلى سائل في كفه، وتغلغلت داخل بشرته. وجّه تركيزه نحو الداخل، فشعر بطاقة الشظية تندفع مباشرة نحو جوهره، حيث بدت وكأنها تندمج مع طاقة الشفاء والطبقة الرقيقة من مانا الينبوع التي نجحت في الالتصاق هناك. شعر بحرارة في معدته لثانية واحدة، كادت تكون مزعجة. ثم هدأت الأمور، وتم الأمر. فحص شاشة حالته.
المهارات ٢/٢: الرؤية التنبؤية الأساسية ضد الخصوم العمارة الحية
فعلها. لكن احتياطاً، استخرج بلورة شفاء من الفئة بي وامتصها، ومثلها بلورة مانا متكيفة أخرى. كان الكثير من مانا النبع العذب ما زال يجري في عروقه، فانتابه شعور مزعج بأنه أكل أكثر من حمّلته. حسناً، سيستهلكها كلها قريباً. **** عاد زاك بعد دقيقتين بحزمتين محكمتين. قذفهما في مؤخرة السيارة وانطلقا. أدرك توماس وجود مشكلة بمجرد أن أوقف السيارة أمام الشقة. كان ابناؤه أشتون وكينغستون وبريكستون في الخارج في يوم دراسي. يتناوبون القفز بدراجاتهم عن منحدر من الخشب الرقائقي مُسند إلى جذع شجرة وضعوه وسط موقف سيارات شخص ما. قبل أن يفقد أعصابه، أجرى توماس جردة سريعة في ذهنه. أهو الثلاثاء؟ الأربعاء؟ لم يتذكر، لكن كان مفترضاً بهم أن يكونوا في صفوفهم الدراسية. — اللعنة. — أهناك خطأ ما؟ — هؤلاء الصبية أبناء أخي، مما يعني أن أخي لم ينهض ليأخذهم إلى المدرسة مجدداً. تنهد. — وسيدسّون أنوفهم في كل شؤوني بينما أحاول إعادة إنماء يد أبيهم. — اترك الأمر لي. تعرف الصبية على السيارة وأوقفوا دراجاتهم يحدقون عندما توقف توماس. بابتسامة وقحة، التقط زاك السيف. قطع أطراف ابن أخي لن يحل هذا، فكر توماس، لكنه لم ينطق بحرف. وثق بالرجل لكيلا يكون مختلاً عقلياً. كان ذلك من لوازم اجتياز زنزانتين عاليتي الخطورة معاً. وبالفعل، ترجل زاك من السيارة وشرع فوراً في موازنة السيف بالغ الطول على إصبع واحدة، قائلاً بعفوية: — أأنتم أبناء توماس؟ أولئك الذين قال إنهم يريدون دروساً في المبارزة؟ — أجل! صاح الثلاثة معاً. قرر توماس أن الأجواء خالية، فتسلل إلى الطابق العلوي متوجهاً إلى الشقة. **** وجدها فوضى عارمة، مع كومة أطباق متسخة في حوض المغسلة. كان باب غرفة النوم، غرفة توماس سابقاً، موصداً. هز توماس المقبض بنفاد صبر، ونادى اسم ديريك، لكنه لم يتلقَ أي رد. لذا مد توماس يده إلى أعلى إطار الباب والتقط مفتاح غرفة النوم، ثم فتحه وولج إلى الداخل. كان ديريك كتلَةً على السرير، وحين رأى أخاه هناك، تحرك وسحب الأغطية فوقه. انقطع آخر خيوط صبر توماس. — أتمزح معي الآن؟ اتهض. صفعه على كتفه. — لم تأخذ ولديك إلى المدرسة اليوم. ما اللعين في أمرك يا ديريك؟ — اتركني وشأني. قال ديريك، بصوت يشبه صوت طفل، رغم أنه أكبر سناً من توماس. لم يره أخاه هكذا قط. ولا حتى عندما هجرته تيفاني، زوجته، هي والولدين لتسكن مع صديقها الذي تعرفت عليه أثناء فترة إعادة التأهيل. من ناحية أخرى، كان ديريك يحب أن يعطي انطباعاً بأنه يعلم كل شيء ومسيطر على زمام الأمور برمتها. — انهض. أزاح توماس الغطاء. — لقد فقدت يدك اللعينة يا ديريك، لا ساقيك. حاول ديريك جذب الغطاء مجدداً. — أنا نائم. — أنت نائم منذ أيام. هذه المرة، مزق توماس الغطاء العلوي تماماً. أمعن ديريك النظر إليه بعينين ضيقتين. — ماذا تريد؟ — اجلس. قال توماس. عبس ديريك لكنه امتثل. — لا أستطيع فعل أي شيء بيدي اليمنى، حسناً؟ أهذا ما تريد سماعه؟ لا أستطيع حتى صنع القهوة لنفسي. ظللت أمد يدي بالجذع المقطوع. لوح بذراعه أمام توماس. — أتظن القيادة هكذا آمنة؟ بيد واحدة؟ يفعلها الناس طوال الوقت، كاد توماس يرد بسخرية. — إذن ما الحل؟ ستستسلم وحسب؟ لا، لا تقم ببال. قال توماس قبل أن يتمكن ديريك من الرد. لم يعلم إن كان أخوه بحاجة إلى عناق أم إلى ركلة في مؤخرته، أو ماذا بالتحديد. لكن توماس لم يكن معالجه النفسي، وبصراحة، لقد كان منهكاً. — اعطني ذراعك. أعتقد أن لدي حلاً. حدق به ديريك كأنه مجنون، وهو ما كان مهيناً قليلاً بالنظر إلى أنه فقد يده حرفياً في زنزانة سحرية. لكنه مد ذراعه ببطء. أمسكه توماس من المرفق، ولمس الجذع الذي أصبح نظيفاً تماماً وغير مُهتّج بفضل بلورة شفاء سابقة، وركز على مهارة العمارة الحية. فوراً، شعر بطاقة شفائه تتدفق، و... أدرك أنه لم يكن متأكداً تماماً من كيفية بناء يد. أجل، كانت هناك عظام وأعصاب ولحم وأوتار، و... أشياء. بطبيعة الحال. وكان يعرف شكل اليد، لكن لم يكن الأمر كأن توماس التحق بمدرسة طب قط. كانت شظية العمارة الحية تطالب صامتة بإجابات لم تكن بحوزته. وفجأة، فهم توماس سبب إشارة رجال الحرس الوطني إلى أن أحداً لم يتأهل لهذه الشظية. لا بد أن لديهم معالجين في صفوفهم الآن، أليس كذلك؟ لكنه لم يخض كل هذا لكي يستسلم فحسب. احتفظ بصورة لما يفترض أن يكون موجوداً هناك، ثم أمسك بيد ديريك الأخرى صامتاً لمقارنة لطيفة. دفع بقوة أكبر، وبدأ طرف الجذع يلمع بطريقة تذكره بمانا التكيف. صاح ديريك مندهشاً وكاد يرتجف خارج قبضة توماس، لكن توماس زمجر: — اثبت. عندما دفع توماس بقوة أكبر عقلياً، تولى مانا النبع العذب زمام الأمور عندئذ. فجأة، اندفعت الهبات التي كانت قوية لدرجة أنها جمدت عضلاته حرفياً عند امتصاصها نحو المقدمة. مر توماس بلحظة هلع إلى أن أدرك أن الهبات كانت تعزز نوعاً ما كلّاً من مانا الشفاء ومانا التكيف. وهكذا تماماً، بدأت يد جديدة تنمو من معصم ديريك. — توماس، أمم، شيء ما يخرج من الجذع. لم يلم ديريك على تبنيه نبرة قلقة. في هذه اللحظة، بدا الأمر كأن يد دمية أطفال قد نبتت من جذعه. — لا تتحرك. قال توماس مجدداً، معجباً قليلاً بأن صوته بدا حاسماً في أذنيه. في داخله، كان يصاب بالجنون ويتساءل لمَ لم يتدرب على هذا مسبقاً. على الأقل لم يكن ديريك يصرخ من الألم. ضاعف جهده، مطرقاً بنظره بشدة على يد ديريك المتبقية، مستحثاً مانا النبع العذب ومانا الشفاء ومانا التكيف على نسخها، ولكن كصورة مرآة. لن تفيد ديريك كثيراً إن امتلك يدين يمينيتين. وببطء وثبات، كمن يتابع أحد مقاطع فيديو نمو النباتات، بدأ المعصم واليد الورديان في التشكّل. اكتسبتا مظهر لحم شاحب لبشرة لم تر نور الشمس قط. من الواضح أن توماس لم يكن ماهراً بما يكفي ليطابق لون بشرته السمراء. أخيراً، اكتمل الأمر. محرراً أخاه، جلس توماس إلى الخلف، متنفساً بصعوبة. شعر كأنه خرقة معصورة، وكانت يداه ترتجفان لدرجة اضطر معها إلى ضغطهما مسطحتين على ركبتيه. كان ديريك يحدق في يده فحسب. ثنى أصابعه ببطء لتصير قبضة، ثم بسطها مجدداً. ثم جلب يده الأخرى وونخها. — لقد... عادت. قال بصدمة، رافعاً بصره إلى توماس. — كيف فعلت ذلك؟ لكنه لم يمنح أخاه وقتاً للرد بل غطى يده الجديدة تماماً على عينيه، مستديراً بعيداً. منحه توماس دقيقة. لقد احتاج إليها هو أيضاً. شعر كأنه كان يركض في سباق ماراثون، ولم يكن توماس يوماً عداء ماراثون بالضبط. أخيراً، فرك ديريك وجهه وأسفل يده. — حسناً. قال: — هذه هبتك، أليس كذلك؟ حسناً. كرر زافراً بحدة: — يجب أن تذهب إلى المستشفى. رمش توماس نحوه. — أمم، ماذا؟ جلس ديريك مستقيماً، مشعاً بهالة من السلطة. — انظر، إن كنت تستطيع فعل هذا، وثنى أصابعه، فهناك أشخاص يحتاجون إليك. يا للهول يا توماس، يمكنك جني أموال جراح. أفضل من أموال الجراحين. يدي لا تألمني. هذا مذهل. — لا. قال توماس بجفاف. — لماذا لا؟ أتعرف ما سيدفعه الناس حقاً؟ وكيف يمكنك مساعدة الناس... اضطر توماس لقطع مسار التفكير هذا فوراً، لأنه لعمر اللعنة، شعر بالفعل بوخزة رغبة في المساعدة. ولم يعلم إن كانت نابعة من مانا خاصته، أم الشظية، أم مجرد كرامة بشرية أساسية. — أه، أجل، تلك فكرة رائعة يا ديريك. لما لا أعالج الناس علناً بالسحر؟ ربما أنشر ذلك على تيك توك لأستفيد مادياً من تلك النقرات؟ وبعدها وقبل أن أدرك ما يحدث، أتعرض للاختطاف على يد... لا أعلم، كارتل أو ما شابه، وأعلق وأنا أعالج الناس تحت تهديد السلاح؟ انفتح فم ديريك قليلاً. أياً ما كان على وشك قوله، لم يرغب توماس في سماعه. — دعني أوضح لك الأمور جيداً. تابع توماس: — لدي قدرة شفاء تستطيع إعادة إنماء الأطراف. لو اكتشف الشخص الخطأ أمري، سأتحول إلى مورد. ليس الأمر أنني لا أود مساعدة الناس، فأنا أود ذلك. إنما... العالم على وشك التحول إلى حثالة. — ليس الأمر هكذا. ولم أذكر شيئاً عن تيك توك أبداً. أبرز ديريك ذقنه بعناد. — اذهب إلى الحكومة. — أتظن أن الحكومة ستظل موجودة خلال ستة أشهر؟ سأل توماس. — حين يمتلك الجميع قوى سحرية؟ لم يعبر عن الأمر بهذه الطريقة طوال حياته، لكنه ظل عالقاً بينهما. — إذن لن تفكر في الأمر حتى؟ سأل ديريك. — أنت تعمل بدوام جزئي مساعداً لمستشار قانوني. يمكنك الآن منافسة مستشفيات عالمية بمفردك وحدك. إن انهارت الأمور، ستكون قيّماً. ستملك خبرة في فعل شيء سيحتاجه الجميع. سيؤمن هذا حياتك للأبد. لم يكن توماس ليأخذ النصيحة ممن أخفق في زنزانته الأولى وظل ينوح في السرير ثلاثة أيام. — يا ديريك. قال: — إن سأل أحدهم، فقد شفيتك مستخدماً عنصراً أحادي الاستخدام يسمى كفناً. ليست لديك أي فكرة عما مررت به لتلقي هذه القدرة. لقد رأيت الزنزانات لثوانٍ معدودة قبل أن تُقضم يدك، بينما مكثت أنا في زنزانة لأكثر من يوم. لا تختبر صبري في هذا الأمر. لم يرهبْه ديريك. استطاع رؤية ذلك في عينيه. ربما قال شيئاً سيندمان عليه كليهما، لكن عندئذ أطلق أحد أبناء الأخوة صرخة طفولية من الفرح في الخارج. قاطعاً حدقة التحدي، انسلّ ديريك خارج السرير واتجه نحو النافذة. تصلب جسده بوضوح. — هناك رجل ما يحمل سيفاً يتحدث إلى أطفالي. — هذا زاك. قال توماس. — إنه بخير. كان متبلداً لدرجة حرقت عينيه. أو ربما كان... ضجراً من ديريك. كان الرجل يتصرف هكذا لأنه كان مغموراً بالمهام وأراد استعادة السيطرة على حياته. في نواحٍ عديدة، كان ديريك هشاً. بمجرد أن ثُقب شعوره بذاته، انهار تماماً. والآن بعد أن استعاده، شعَرَ وكأن لديه شيئاً يثبته. لم تكن هناك منطقة وسطى. وكما هو متوقع، لم يستمع ديريك واندفع خارج الغرفة مباشرة. أطلق توماس تنهيدة ولحق به. وصل إلى الخارج تماماً بينما كان ديريك يقترب منهم، نافخاً نيراناً عملياً، لكن المواجهة الوشيحة أُحبطت حين لمح الأطفال أباهم. كانوا قد اصطفوا في صف، من الأطول إلى الأقصر، يحمل كل منهم عصا مستقيمة طويلة، بينما استعرض زاك السيف الحقيقي وأراهم بضع حركات مبهرجة. لكن ما إن رأى الأطفال أباهما ولاحظوا امتلاكه ليدين مجدداً، حتى جروا نحو محاصرته. متفادياً التعجبات والأسئلة المتلاحقة بسرعة، التقط توماس نظرة زاك. قل شيئاً واحداً لصجبه زاك: لقد كان يجيد قراءة الأجواء. بسرعة، غمد الكاتانا، ثم رماها إلى توماس. التقطها توماس بسهولة. أدى زاك تحية صغيرة، وألقى حزمتيه على كتفه وابتعد. فعل توماس المثل، عائداً إلى الدرج، ماراً بشقة بدت كمنطقة كارثة. بالمفتاح في يده، دخل غرفة نومه السابقة، وأصد الباب، وارتمى على السرير. سيظل الصبيان في حالة هياج لساعات، ويمكن لديريك النوم على الأريكة. استغرق في النوم. لم يقل ديريك شكراً حتى. كان أخاه، لكن توماس سيتذكر ذلك. كان حرياً به منحه يدين يمينيتين.