اول ما فعلته في ذلك الصباح هو شراء صحيفة. بحثت عن أي معلومة أستطيع العثور عليها تخص اللقطات التي شاهدتها في الليلة السابقة. توقعت أن تكون خبراً رئيسياً في الصدارة، ومثل تلك الوفيات بأسبابها الغامضة، لكن الأمر لم يكن كذلك. عثرت على معلومات حقاً، غير أن كثيراً منها جاء في مواضع غريبة. ذُكر الدكتور مينتيس، لكن أي مقال لم يوضح ما حدث له. وجدته بدلاً من ذلك في صفوف النعوات، وتضمن ذلك إفادة بكل ما أحتاجه لحضور جنازته في وقت لاحق من ذلك اليوم.
كانت كاروسيل بالغة الكفاءة حقاً في دورة العمل الخاصة بالموت وتشريح الجثث والدفن. أمكن العثور على الوفيات الأخرى التي شاهدتها مبثوثة في أنحاء الصحيفة ضمن أقسام متفرقة، وقصص تهم الرأي العام وما شابه، وطرائف، وإشارات صغيرة هنا وهناك. إشارة غامضة إلى حادثة في بحيرة دايرز. متجولون يضيعون في الغابات. هذا النوع من الأمور. لم أدرِ أكانت كاروسيل تمازحني أم كان عليّ تفسير هذا المستوى من المعلومات بوصفه دليلاً.
في مثل هذا الوقت المبكر من القصة، كان محتملاً أن تُرفض تلك الوفيات وتُعد حوادث عرضية قبل أن يبرز النمط بصورة لا تقبل الجدال. فعلى أية حال، وفي كل كارثة زومبي، يظل العالم بطريقة ما غافلاً عن المسوخ إلى ما بعد نقطة اللاعودة. وبدا أن الموتى السائرين لم يكونوا جديرين بالنشر حتى تحولوا إلى حشد. لحسن حظي، ضمت خزانة ملابس شخصيتي كل الثياب اللازمة لجنازة. وهذا يعني ثياباً سوداء، فضفاضة قليلاً لتُظهر مدى اضطرابي.
بل بدا أن لها تلك الصبغة ذاتها، مسحة تضارب بين الأزرق والأخضر، مطبوعة فيها مباشرة، من ذلك النوع الذي تراه في كل جنازة داخل أي فيلم. السلبيّة الوحيدة تمثلت في اضطراري لخلع سترتي ذات القلنسوة. بعد ذلك، استوقفت سيارة أجرة وتوجهت مباشرة إلى المقبرة. أدركت أنني في المكان الصحيح فوراً. كانت هذه جنازة سينمائية كلاسيكية، مع جماعات من المعزين الذين لن يُرى لهم أثر ولن يُسمع لهم صوت مجدداً، يتحدثون بصوت خفيض ويبكون الطبيب المسكين الراحل.
على ورق الجدران الأحمر، سُمُّوا معزين لا غير، ووقفوا بحيث يحيطون بالشخصيتين الرئيسيتين في المشهد لتقديم لقطة مثالية. لم يمشِ أحد أمام زاوية التصوير. كدت أميز مكان الكاميرات لأن الشخصيات غير القابلة للعب كانت تتحاشى المرور حولها. تعرفت إلى إحدى هاتين الشخصيتين الرئيسيتين. كانت الأولى سيدني مارتن، وهي رمز ملكة الصرخات، ولم تكن تقضي وقتاً طيباً. لقد كانت جنازة بالغة الصعوبة عليها، وبكل وضوح.
المرة الأخيرة التي رأيتها فيها كانت في وضع المراهقة، لكنها بدت الآن في وضع البلوغ التام، في اواخر العشرينيات أو نحو ذلك. لقد كانت شريكة في محاولة الخداع التي قام بها سيلاس ديركون في المئوية، لكن كان من الصعب مؤاخذة الرموز. بدا أنهم في صف الجميع، بما في ذلك اللاعبون. أما المرأة التي كانت صحبة سيدني فكانت في العمر نفسه تقريباً. كانت سمراء البشرة، وقد رُفعت خصلات شعرها إلى الوراء، وارتدت ثياباً شديدة الوقار والترتيب.
اسمها جنيف "جيني"
بانكس. لماذا تحصل على اسم رائع مثل جنيف ثم تقرر الاكتفاء بـجيني، فلن أعرف أبداً. في الأطلس، كان هذا اسم رمز المحقق. وحسب ما فهمت، كانت بمثابة نانسي درو الحقيقية. كانتا تفعلان ما تفعله الرموز، تؤديان دوريهما. استطعت رؤيتهما تنتقلان بين الظهور على الشاشة والخروج منها بين حين وآخر. اتسم هذا بعمل عملي دتوت، وانتزاع لقطات جديدة، وتكرار للسطور لكي تحصل كاروسيل على أفضلها.
لم أتمكن من سماع ما تقولانه، لكني استطعت الجزم بأنهما لم تبلغا الأجزاء المثيرة بعد لأنهما ظلتا تهمسان. لاحظت عدم وقوف أحد خلفهما. ولعل ذلك جعل اللقطة أفضل قليلاً، وساعد في إبراز مركبة كبيرة سوداء شبيهة بسيارات جيب مصطفة على طول الطريق في الخلفية، والتي افترضت أنها ذات صلة. وإلا لما وُضعت ضمن حدود الكاميرا. وظننتها إحدى سياراتهما.
قال أحدهم من خلفي: "علينا الإقلاع عن الاصطدام ببعضنا بهذه الطريقة".
تعرفت إلى الصوت فوراً. التفتُ فرأيت كمبرلي. ابتسمت. بطريقة ما، وحتى وهي مرتدية زي معزية، بدت الشخصية الأفضل هنداماً هناك. وقف أنتوان على مقربة، محاولاً فيما يبدو الاستفادة القصوى من موهبة الغريزة الحدسية لديه لاستيعاب أجواء المكان حقاً.
قلت: "يبدو حقاً أننا لا نتقابل إلا عندما يموت الناس".
سألت: "هل رأيت أيا من الآخرين؟ دينا تقف عبر الشارع عند محل الزهور. لا أعتقد أنها تخطط لحضور الجنازة الحقيقية حقاً. صاحب المتجر يثرثر بلا توقف على مسامعها".
وشرعت تضحك.
"أظن أنها تندم على جانب الوافد الجديد".
قلت: "حسب، إن كان الهدف هو إخراجها من قوقعتها، فأظن أن هذا ما يفعله. أفتترض أنك رصدت الرموز".
سألت كمبرلي: "رصدتهن؟ لقد تتبعناهما إلى هنا. وكيف أتيت أنت؟"
قلت: "كان طبيبي النفسي. مات الليلة الماضية قبل أن أحقق أي اختراق، وهم يدفنونه الآن بالفعل".
تقدم أنتوان وقال: "هذا المكان آمن، لكني أقول لك، ثمة أمر ما يحاك".
ساورني شعور مشابه بسبب خلفيتي النفسية.
قلت: "لو أننا نجد قصة لا يحاك فيها أي أمر".
قال: "أنت محق تماماً. علينا تفقد الأطلس".
سألت كمبرلي: "وماذا عنك؟ أتعثر موهبتك في التدقيق القهري على أي فضائح؟"
قالت: "لدي شيء ما، وأراهن أنك لن تخمنه".
تتبعت نظراتها، وما رأيته كان جماعة حاملي النعنع ينقلون تابوتاً خشبياً مصقولاً. نقلت بصري من وجه إلى وجه، آملاً ألا تكون كاروسيل بصدد تنفيذ رعب يقوم على التلاعب بالألفاظ وتجعل حامل نعش مقاطعة ليك هناك. على حد علمي، لم يكن كذلك. لم تكن لدي أي فكرة عما يبدو عليه. أي من أولئك الشبان العاديين طوال القامة يمكن أن يكون هو. بدت هذه الجنازة عادية جداً نسبة إلى القصة التي نحن فيها.
قلت: "حسناً، ما رأيك لو تخبريننا وحسب؟"
قالت كمبرلي وهي تقترب بجذعها: "ذلك التابوت فارغ".
قلت: "مهلا، انتظري. أتقولين إن الدكتور مينتيس زيف موته؟ الكثير من التقلبات والمنعطفات في هذه القصة حتى الآن".
قالت: "أقول إنه عندما حملوه، صدموا جميعا لمدى خفته، لكن هذا فقط لأنني كنت منتبهة".
التفتُّ نحوهم، وفعلا، لم يبدُ عليهم أنهم يكابدون مشقة.
قلت: "لم يكن مينتيس ممتلئ الجسد تماماً، لكن طوله تجاوز ستة أقدام. تابوت فارغ، هذا أمر مثير للاهتمام".
سأل أنتوان: "ماذا يمكن أن يعني هذا؟ أنه ليس ميتا حقا؟"
قلت: "حسنناً، ثمة تفسيرات عادية. نعلم أن خلفية كامدن تعني وجود منظمة سرية كبرى ضالعة في القصة، مهما كانت بعيدة. لعل موته لُفّق، وجثته في مبرد ما تُدرس هناك. لعين، على ما ندريه، كامدن ينقب في الأمر الآن".
بطبيعة الحال، الشخص الأكثر فائدة لإجراء تشريح للجثة كان أندرو، لكنه لم يكن خياراً مطروحاً.
"تظن أنه لو كان الأمر كذلك، لكانوا أحرَموه فحسب ولم يخوضوا هذه التمثيلية".
قلت: "ربما، نعم، ولكن عندها لن تحظى بمشهد يتشاجر فيه الشخصان الرئيستان في الجنازة".
التفتُّ نحو البقعة القريبة من القبر حيث كانت سيدني وجنيف تقفان. أخيراً، تحول الهمس إلى كلام جاد.
قالت جنيف: "لقد أخبرته. لم يكن مسموحاً لك إخبار أحد. لقد تعاهدنا".
أنصتُّ بتركيز كأنني جاسوس في الحرب الباردة. كنت أحمل إحدى تلك النشرات التي يوزعونها في الجنازات متضمنة معلومات عن المتوفى. لقد كانت ممتلئة بوصفات لنوع من المعجنات الفرنسية، مع معلومات أساسية فقط عن مينتيس كنت أعرفها مسبقاً، لكنها منحتني شيئاً أفعله بينما كنت أتجسس.
قالت سيدني: "لم أكن أعلم. كنت أواجه وقتاً عصيباً. أنت لا تفهمين. ليس كلنا قادراً على نسيان الأمور مثلك. لا يمكننا جميعا التظاهر بأن شيئاً لم يحدث".
احتدم الشجار، ولسوء الحظ، أدركا أن الناس يحدقون، فانتقلا مبتعدتين نحو سيارتهما. كان جلياً تماماً أن المشهد ارتحل برفقتهما لأن الشخصيات غير القابلة للعب شرعت حرفياً في حزم أمتعتها بعد أن ظفرت بلقطة للتابوت وهو يُدلّى في التراب.
قلت: "تتبعوهما أنتما. انظرا عما تتحدثان. سألقي نظرة خاطفة".
قال أنتوان مازحاً: "ستتطوع لمثل هذا حقاً".
تفركنا فوراً إذ سعت كمبرلي وأنتوان جاهدتين نحو صف السيارات، بذات الاتجاه الذي سلكته جنيف وسيدني أثناء تأدية مشهدهما. أخبرني حدسي أن الأمر لم يكن سوى اجترار لفيلم (أنا أعلم ماذا فعلت الصيف الماضي)، حيث كان الاثنان على وشك إدراك مدى اضطراب شعورهما حيال أمر مأساوي كانا شريكين فيه. على الأقل كان من الجميل رؤية حبكة فعلية. كنت أخشى أن تبدأ الكوابيس في اجتياح الشوارع قبل أن نتبين شيئاً.
وفي غضون ذلك، كنت خارج الشاشة تماماً، واقفاً بالقرب من القبر مباشرة. لم يبدُ على أحد قلق مفرط من وجودي هناك، لكن قليلاً منهم راقبوا ليروا ما سأفعله. كان طريفاً التفكير في أن هؤلاء البشر لو كانوا واعين بما وراء اللعبة، لربما عرفوا من أكون. أكانوا يشجعونني، أم ظنوني غريباً بسبب ما كنت أنويه؟ كان التابوت قد أُنزل في الأرض، غير أن التراب لم يُهال فوقه بعد. وافترضت أن السبب هو إعادة حافري القبور استخدام هذا القبر مراراً وتكراراً لموقعه المثالي في الجنازات السينمائية، المطل على بركة مياه مع حقول خلابة من شواهد القبور في الخلفية.
مددت يدي، وأمسكت بحافة التابوت، ورفعت إلى أعلى.
صاح أحدهم: "ما الذي تفعله في الجحيم ايها الفتى؟"
لكي أقول الحقيقة، توقعت ذلك، ولم أكن أنوي الرد. لربما كانا يؤديان دوراً فحسب. لم أكن على الشاشة، لذا لم يكن الأمر يهم حقاً. وأيا كانت اللقطات التي أادتها كاروسيل عني، فقد جرى التقاطها في فواصل زمنية من ثانية أو ثث بينما كنت أتجول حول الجنازة من قبل. أمسكت التابوت مفتوحاً بيد واحدة، ولكن بعد ذلك، وفي ركن قصي من عقلي، تميزت صوت الشخص الذي خاطبني للتو. التفتُّ فرأيت رجلاً يقف هناك لم أتعرف عليه للوهلة الأولى لأنه ارتدى الأسود لا الأرجواني.
لكنه كان هناك، عمدة كاروسيل، الرمز الراحل، إليوت "مونلايت"
مورو.
قلت مازحاً: "الأمر ليس كما تبدو عليه".
ارتسمت على محياه ابتسامة، لذا أدركت أنني لم أكن في ورطة حقاً. لقد جسد تماماً عازف البلوز الصوفي الذي أتذكره. كان يعلم كيف تسير هذه الأمور. لكنت غبياً لو لم أنظر داخل التابوت بعد ملاحظة كمبرلي. بل، لربما كنت فاعلاً ذلك على أية حال. أنا مصاب بجنون العظمة. أنا لا أؤمن بجنازات التوابيت المغلقة.
نظر مونلايت إلى داخل التابوت قبلي حتى وقال: "يبدو كشخص ميت جدا".
ألقيت نظرة سريعة إلى الداخل فرأيت أن كمبرلي قد أساءت تفسير الوقائع. لربما كان التابوت أخف بكثير مما ينبغي، لكن ليس لكونه فارغاً. لم تكن جثة الدكتور ترومان مينتيس مفقودة. حسناً، ليس كلها، على الأقل. أسفل مني في التابوت كانت بقايا طبيبي النفسي قصير الأمد للغاية. جمجمة، وبعض عظام الكتف، وذراع واحدة، ومعظم قفص الصدري، وبعض عظام الورك. لربما وُجدت عظام ساقين في مكان ما، لكني لم استطع رؤيتها دون فتح القسم الآخر، وما كنت لأدخل رأسي إلى الداخل.
لم تكن لدي أي فكرة عما إذا كان هذا مينتيس حقاً لأن جلده كان قد زال بغالبيته، وكذا شعره وأي شيء آخر لم يكن ملتصقاً بإحكام. وكانت العظام قد كُشطت، ليس بنظافة، بل حُوِّلت إلى كتلة حمراء وعصارية، جزئياً بواسطة من قام بالتشريح بالطبع، غير أنه كانت هناك حزوز عميقة في العظام نفسها. في نظري، بدت أشبه ما تكون بعلامات عض.