كانت نهاية العالم حقا. كان الجو يحمل شعورا غريبا وأنا أهبط الشارع. فراغ يتخلل كاروسيل برغم آلاف الشخصيات التي تمضي في حياتها. سمعت صفارات الإنذار في الأفق لكنني لم أرى قط المركبات التي تتبعها. بدا الأمر وكأن ملايين الأشياء تدور في كل مكان عدا حيث أقف. بصراحة لم أستطع حتى أن أجزم إن كانت الشخصيات تمثل أدوارا أم أنها تأخذ استراحة. بدا وكأنهم لا يبالون ولا يحذرون كأنهم يدخنون سيجارة نهاية نوبة عمل شاقة.
جلس كثيرون على شرفات المنازل المصطفة على طول الشوارع أو تجمعوا ببساطة على الأرصفة يتبادلون أحاديث تخفت دائما كلما اقتربت لأسمعها. لم ينظر إلي أحد. لم يكلمني أحد. في هذه المدينة التي تعد إحدى أكبر نسخ كاروسيل التي رأيتها وحيدا بطريقة ما. كانت السماء حمراء بغروبها. لون الدم الأحمر الوحيد الذي تعرفه هذه السماء. لم يبدو الأمر كفترة الحفلة. على العكس بدا كأن القصة وشيكة الانتهاء.
دائر الحبكة لم تلحق بالركب بعد. كم خطة سردية عبرت؟ عجزت عن التذكر فوراً. في جميعها كان رؤية الأطفال طرافا لدرجة جعلتني أنظر إليهم بخوف كأن تغييراً طرأ في الجو لا أستطيع قياسه أو فهمه. اعتادت كاروسيل حماية صغارها ربما لتتركهم يكبرون فتقتلهم كبالغين أو ربما لأن تمثيلهم سيء لدرجة لا تريد معها تخريب المشهد. لكن أينما خبأت أطفالها خلال الخطط العادية فهي لا تخبئهم هنا خلال هذه الكارثة.
كان الصغار يملؤون المكان. تحدث الأطلس عن الأطفال بعملية بحتة. في الغالب أنت لا تتعامل معهم وإذا فعلت فلن يطول بقاؤهم. يُزعَم أن مدرسة خاصة في أطراف كاروسيل العادية شهدت خططا عدة تتضمن ممثلين أطفالا حقيقيين كأن كاروسيل فصلتهم عن الخطط العادية. ربما لأن الأطفال يملكون قوة هائلة على الجمهور. اقتل بالغا عشوائيا ولا يهتم الجمهور لكن إذا أزهق قاتل روح طفل فستتطلب الأمر تخطيطا وقوالب محددة للغاية.
ربما كان إزالتهم كعقبة أبسط تماما. ربما كان اتحاد مانيست هو من دبر هذه الخطة. فلديهم تذاكر للبيع بعد كل شيء. ومع ذلك بينما كنت أمشي في شوارع هذه النسخة الواسعة الشبيهة بالمدن من كاروسيل والتي تدور أحداثها أوائل العقد الأول من الألفية رأيت أطفالا في كل مكان بالأماكن المعتادة وبأعداد غفيرة. عصابات صغار تجوب الشوارع صعودا وهبوطا تضحك وتتغنج وتتبادل النكات السرية عندما لا يسمعهم الكبار.
شعرت بأن شيئا ما يحاك. لم يكن إحساسا ميتافيزيقيا. بل نفسيا. خلفيتي السردية تعمل لوقت إضافي وهدية جدتي تمنحني إرشادات تعجزني عن تفسيرها. ومع ذلك كان شعورهم وطاقتهم طاغيا. شيء نفسي هائل يدور بمعزل عن الاضطراب النفسي المسبب للكارثة. عجزت عن تحديد ماهيته لكن هؤلاء الصغار أرعبوني لسبب ما ولم يكن ذلك لحجمهم ونبرات أصواتهم الحادة فقط. كانوا يدبرون أمرا ما حتى خلف الستار. مشيت في الشوارع ويداي في جيبي أتأمل الناس وأراقبهم وأنتظر نهاية اليوم ليبدأ قالب يومياتي ويمنحني جرعة وافرة من الشرح.
وحين مررت بأحد المداخل جلس طفل على الدرج يلون ورقة. ارتدى سترة واسعة وبدا عليه ذلك السحر اللطيف الذي تكره رؤيته في فيلم رعب. ربما بلغ التاسعة أو العاشرة أو الثامنة أو السابعة. ماذا أدري؟ مهما يكن فقد بدا مدركا أنني رأيته فرفع عينيه والتقى نظري مبتسما. ابتسمت بارتباك ومكثث عن التلويح راجيا ألا أبدو كبالغ مرعب. لكنه لوح لي فرفعت راحة كفي سريعا راجيا أن يكفي ذلك. رداً على ذلك قلب الصفحة التي يلونها وأراها لي.
أدركت عجزي عن تجاوز ما رسمه بالألوان الخشبية إذ كان خيمة سيرسك. لن تفوتني فرصة لاكتساب بصيرة حول الحبكة.
اقتربت وقلت: "ماذا لديك هناك؟"
رفع الورقة لأراها بوضوح. ظهرت خيمة سيرك نعم ومستطيل أزرق عملاق بداخله امرأة. رُسمت ساقاها بغرابة اعتقدت لاحقا أنهما زعانف.
"ما هذا؟ أهذه حورية بحر؟"
سألت وأنا أجثو بجانبه. كان اسمه نيلسون على ورق الحائط الأحمر. شخصية غير لاعبة. لا شيء مميز في إحصاءاتها لكن للجميع أسرارهم التي استعصت على رؤيتي.
قال وهو يعيد قلب الصفحة ويواصل التلوين: "لا أعرف. لا أظنها تدعو نفسها حورية لأن لها ساقين. ألا ترى؟"
دققت النظر وصحيح أن لها ساقين بشريتين لكن قدميها كانتا زعانف بلا شك. امتلكت أيضا أسنانا حادة لكني تجنبت الإشارة إلى ذلك.
قلت: "حسنا تبدو رائعة جدا. وما هذه هنا؟ أهذه خيمة سيرك؟"
أومأ الصفل برأسه واستمر في تلوين خطوط بيضاء وحمراء متبادلة. لم أكن تحت الاضواء فبدا لي أن أبذل قصارى جهدي.
"أرايت سيركا هنا؟"
رفع نيلسون بصره وحدق بعينيه كأنني سألت غباء ثم أجاب: "أجل."
"وهذه المرأة أكانت في السيرك؟"
أومأ برأسه.
وقال: "اضطررنا لقطع طابور طويل من الخيام ورأينا أشياء مخيفة في جرات حتى وصلنا إليها فنظرت إلي وغمزت."
وأنا أتفرس في الرسم أدركت أن المستطيل الأزرق الذي تحويه بدا كحوض سمك.
"أكان نوعا من عروض المسوخ؟"
سألت مدركا حينها جهلي بما إن كان مصطلح عرض المسوخ ما زال متداولا وهل يلائم نطقه أمام طفل.
قال: "أجل لكنهم لم يملكوا مسوخا كثر. ليس بعد."
شيئاً ما أخبرني أن هذا سيتغير.
"أيمكنك إرشادي لمكان السيرك؟"
سألت.
قال الطفل بجدية: "لا."
عجزت حقاً عن الرد. إن كانت هذه تفاعلاً مبنياً على الجرأة وحدها فمن الغريب مجابهتي هكذا ما لم يملك الطفل قالب شخصية غير لاعبة يعجز بصري عن كشفه ليعاكس جرأتي تماماً.
قلت: "حسنا آمل زيارة السيرك قريباً."
قال الطفل: "ستفعل. أنت بالغ. يمكنك دائما ارتياد السيرك."
يا له من منظور. ودعته ومضيت في طريقي طوال الوقت غير متيقن تماماً إن كان تفاعلاً من صلب الشخصية أم ميتافيزيقيا بحتة. بطريقة غريبة ستشبه إجابات الطفل الحالتين على الأرجح. نحن جميعاً ذاهبون إلى السيرك لكن بتلفتي حول مدينة كاروسيل غابت أي إشارات لمكان ظهوره أو طريقة الوصول إليه. واصلت مسيري. - حملت رخصة قيادتي عنواناً فقصدته لأكتشف نوع حياة شخصيتي. كان منزلاً لطيفاً بتصميم مفتوح أفضل بكثير من منزل الزجاج الشامل الذي أُسند إلي في ذا داي كاست.
بدا أن شخصيتي عازب فهذا مسكن عزاب تماماً ووضح جلياً عملي في صناعة السينما. اصطفت على جدراني ملصقات أفلام من إنتاج جيلست فيلم برودكشنز. من إخراج وإنتاج و/أو كتابة كارلايل جيلست. وبرغم شيوع اسم العائلة هذا قلما بدا ذا صلة. نقبت عن وثائق شخصيتي أو أي دليل على تورطها بأمر يخص الحبكة وكالعادة خرجت بخفي حنين. بدا موجها سينمائيا عاديا وناجحا نوعا ما. على الأرض لطالما مثلت هذه حياة أحلامي بنواحي عدة لكنني شعرت بخيبة أمل هنا لعدم امتلاكي رابطا مباشرا بالحبكة ولا أنني توقعت ذلك في كاروسيل مروعة.
والأهم أنني لم أعثر على شيء يربطني برامونا. تمنيت سلاسة الأمور لتكون صديقتي في المستشفى التي أزورها مثلا لكني لم أجد دليلا على ذلك. ضمن قالب التخشب الاستشفائي غيبوبتها في مكان ما. طفقت أفكر بطرق لإيجادها وإيقاظها. كعازب حظيت بمطبخ مجهز إلى حد ما فأعددت لنفسي معكرونة بالجبن معلبة بينما انتظرت اليوميات. والحقيقة أنني توقعت معلومات شحيحة ولهذا أقلعت عن استخدام القالب طويلا.
عادة وجدت سبلا أفضل وأكثر نشاطا للجمع ومع الحقائق بات تصفح ساعات من اللقطات بحثا عن فتات خُبز متعبا. كانت الكارثة موقفا فريدا لعجزي عن إيجاد طرق أفضل للمعلومات. لم أكن مرتبطا بالقصة. عجزت عن تقمص شخصية وحسب. لذا وعند غروب الشمس وحلول الليل طالعت ورق الحائط الأحمر ووجدت نفسي غارقا بمئات الساعات من اللقطات بمتناول يدي. لم تخبئ كاروسيل الكثير. فحتى مع التقديم السريع سيستغرق هذا وقتا.
جلست على أريكة كبيرة مريحة بغرفة المعيشة وحدقت بجدار فارغ أراقب كاميرات المراقبة من أنحاء كاروسيل. حزت لقطات كثيرة لدرجة عجزي عن حسن تدبرها لكن بتصفحها عقلياً ظفرت بأضواء حمراء وزرقاء كثيرة تبين مواقع هؤلاء الشرطة. وبينما ظننتنا في فترة الحفلة باشرت كاروسيل القتل بالفعل. عاينت لقطات جافة مجردة من السياق لجثث تُنتشل من بحيرة داير تحجبها أكياس الجثث وحين تتطلب حمل جثة عدة أكياس تشرح الحكاية نفسها بطريقة ما.
غابت الحكاية المترابطة بعد. لم أعرف أيا من الشخصيات كأبطال بارزين. بدا كأنه أسوأ قناة جرائم حقيقية مونتاجاً بالعالم. تابعت المشاهدة ومع تراكم الجثث أدركت ببطء ما أطالعه. كان مونتاجا أو على الأقل القطع التي ستدمجها كاروسيل في مونتاج. تلك خطط كاروسيل السردية. ربما لم تكتمل فصولها لكنها حدثت. جثث تُنتشل من بحيرة ومن مجرور وتُكتشف بمستودعات مهجورة خاوية وأزقة مظلمة وممرات مشاة عبر غابات مرعبة.
انتشرت بكل مكان ورغم غياب لقطات ما يضع تلك الجثث هنا لرفض كاروسيل كشف الكل تشكلت صورة ببطء في عقلي. حين رأيت شابة تُنتشل من متاتاة ذرة انجلت الصورة تماما. يمكنك تسميتها القشة التي قصمت ظهر البعير. كان هذا مونتاج تصعيد المخاطر وهو ما يحدث عادة في الدم الثاني.
طالعت لقطات الفتاة بمتاهة الذرة بينما أدار مسعف جثتها متجاوزة لافته تدون: "أتشجع متاهة بيني؟"
وظهرت صورة هزلية لبيني الفزاعة المسكونة على اللافتة. توقفوا طويلا لنيل لقطة لتلك اللافتة. كان سرداً بصرياً متعمدا. ورغم كونها فترة الحفلة بلغنا مرحلة تتساقط فيها الموتات. أشبه بمشهد جوستباسترز إثر إطلاق الأشباح من وحدة الاحتواء وعبثها بخراب نيويورك. عدا عن كثرة الأشباح هنا ولو حدث كل هذا بفترة الحفلة لخشيت ما يخبئه الدم الأول. جلست أراقب اللقطات لساعات. ورغم عدم معرفتي لكل شي حزت فكرة جيدة عن جغرافيا القصة العامة.
تضمنت مخيم داير يقيناً. صُورت هناك الكثير من لقطات التأسيس. تجلت لقطة أخيرة في عقلي قبل خلودي للننام تلك الليلة. جثة تُنتشل من ممر طويل. عرفت المكان. أجريت جلسة علاجية هناك للتو. طبيب مينتيس ما عرفتك إلا قليلا. حسنا حظيت ببريق أمل على الأقل.