كان عليَّ الكفّ عن القلق بشأن الشرّ المطلق والانكبَاب على معالجة المشكلة. لم أتفاجأ حين تبيّن أنّها جرذان.
فالفكرة القائلة بأنّ "الجرذان داخل الجدران"
مرتبطة بصدمة نفسيّة أو علّة عقلية كانت راسخة تماماً في هذا النوع من القصص. لكنّني تفاجأت بالجرذان نفسها. لم تكن حيوانات عاديّة. بدا ذلك جليّاً للعيان. لم تكن مجرّد طفرات أو كائنات معزّزة نفسيّاً. لقد واجهنا كلا النوعين من الأعداء. بل كانت تشعّ بالشرّ على غرار بعض الكائنات الكونية التي صادفناها. طبع عليها طابع بدائيّ مبين. وحين رمقتها وهي تتسلّل خارج الثقوب في الجدران، تفجّر خوف في عقلي، شعور لم يكن منطقيّاً قطّ.
كان غريزيّاً بحتاً. ظننت أنَّني صرت بارعاً في التمييز بين مشاعري وتلك التي تفرضها كاروسيل عليَّ، غير أنّ هذا الإحساس تجاوز ذلك تماماً. كانت الاستجابة ذاتها التي تباغت المرء حين يلمح أفعى في العشب أو صرصوراً يزحف على جدار من مسافة بعيدة. ثمة مخاوف فطريّة في العقل البشريّ. تعود إلى جذور سحيقة تقرب من البيولوجيا أكثر من النفسيّة. هذا ما شعرت به، شيئاً عميقاً ودائماً عجزت عن إدراكه.
انطلقت كبحر من الفرو والذيل. تعذّر عليَّ سماع ما يدور، طبعاً، لكنّني شعرت به بطريقة غريبة. أدركتها كرسل لموت محتوم، تماماً كالمرء حين يشاهد مقطع فيديو لشخص يلفظ أنفاسه الأخيرة في حادث مصنع، حيث يوقن بلا تأكيد أنّه فارق الحياة، وأنه لا مناص من الموت هناك. كانت المخلوقات ضخمة بالنسبة للجرذان، لكنّ هذا لم يكن سبب رعبها. مرعبعة لسرعتها، سرعة تفوق التصور. حتى وأنا أرمقها، خيل إليّ أنها تتحرك بأسرع مما تتحمله عيناي وأنا أجول بهما يمنة ويسرة.
غطّت أرضيّة المكتب بأسره، متسلقة الأقطع، ومطوقة جينيفا وسيدني وإيس. افترضت أنّهما هالكان في تلك اللحظة. لم أظنّ أن أحداً سينجو بعد معاينة ما فعلته بالدكتور مينتس. لكنّ جينيفا أحضرت معها بخاخ الفلفل لحسن الحظّ، فناولته لسيدني الذي استعمله بحماس ضدّ حشد الهوامّ المطارد. نجح الأمر. لا بدّ من وجود قالب سرديّ فاعل هنا، بالنظر إلى تراجع الجرذان، لكنّ ذلك لم يحلّ سائر مشاكلهم.
كانت الجرذان قد قطعت عليهم طريق الباب بالفعل. وقفت أراقب، محاولاً تبين طريقة نجاة هؤلاء الشخصيات. لم يمتلك الأبطال المثاليون سوى خمسين نقطة من درع الحبكة. يُحتمل امتلاكهم دفاعات خفية تخفى عليّ، كما يفعل بعض الشخصيات غير القابلة للعب، وإن لم يكن الأمر كذلك، فلم أستوعب سبيل خروجهم من المأزق ما لم يتسلحوا بالقالب السردي الملائم تماماً للموقف. طوال فترة مراقبتي عبر المنظار، كنت أعلق بصوتي، غير أن الآخرين تبيّنوا مجريات الأمور بالعين المجردة إلى حد كبير.
سألت كمبرلي: "إلى أين سيهربون؟ لا سبيل لهم للوصول إلى السلالم".
ظننت أنَّني أنقذتهم حين ارتجلت وجود تلك السلالم، لكن ثمة ما هو أضخم يحاك هنا، أمر تعجز الاستراتيجية والدهاء الطفيف عن قهره.
قلت: "مكتوب عليهم الموت في السيناريو. ليس مفترضاً أن ينجوا".
أدهشني الأمر، مع علمي بأنّ الشرّير الأعظم هو هايبروو هيو. فكرة هلاك الشخصيات الرئيسية على يد جرذان ضعيفة المستوى في هذه المرحلة المبكرة من الحفلة — انتظر ثانية واحدة. لم تكن المرحلة مبكرة من الحفلة. قفز مؤشر دورة الحبكة، وصار قريباً جداً من الدم الأول. ظننت أن لدينا متسعاً أطول من الوقت. على الجانب الآخر من الشارع، تراجع الأبطال الثلاثة إلى حمّام الدكتور مينتس وأوصدوا الباب في وجه الجرذان بالخارج.
نجح الأمر في البداية، غير أن الجرذان تاقت للمرور عبر الجدران، وأحدث مينتس ثقوباً عديدة في جداره لدرجة عثور الجرذان على مدخل بسيط وبدء تدفقها عبر ثقوب صغيرة شقّها، مهشمة الجدار الجاف ومكبرة إياه.
قال أنتوان: "سيهلكون. لا سبيل للخروج من تلك الغرفة".
أهذا ما سيؤول إليه مسار القصة؟ أعداء لا تُقهر وشحّ ملحوظ في آليات اللعب؟ فحص بسيط للإحصاءات وتنتهي إلى الموت؟ سيناريو يعمل ضدّك بطريقة لم تحدث قطّ من قبل؟ عادةً، لا يهاجمك الأعداء ذوو درع الحبكة المرتفع هكذا مباشرة. يلتزمون أطراف القصة، أو يقودون الجيوش، لكنّ الأمر اختلف في هذه الكارثة. أكان فخّاً حقّاً إذن؟ أأوديت بأصدقائي نحو حتفهم؟ تجلى لي إدراك ما حين اقترب مؤشر دورة الحبكة من الدم الأول.
بات على المحكّ تقريباً. أدركت أن الكونسورتيوم، حين ابتكر مفهوم الكارثة، فعل ذلك بطريقة ما عبر تحويل مسارات القصص العادية إلى أشياء أضخم وأشدّ خطورة. ولم يتبين لي بدقة كيف أنجزوا ذلك إلا الآن. كان الأمر بسيطاً. تضم مرحلة الحفلة من الكارثة مسار القصة الأساسيّ برمّته، وستكون لحظة الدم الأول هي النقطة التي يفشل فيها الأبطال، مما يفضي إلى نهاية العالم حقّاً. الكارثة هي ما تؤول إليه الأمور إن استمر مسار قصة فاشل.
كانوا يكتفون بتمديد ما هو قائم بالفعل. إن كنت مصيباً، فهذا يحمل دلالة مهمة. معناه أنّه طالما ظلّ أولئك اللاعبون على قيد الحياة، فلدينا حاجز بينا وبين الهلاك المحتوم يتيح لنا التعلم والتكيف والتخطيط. لكنّهم لن يعيشوا طويلاً. السيناريو لن يسمح بذلك ببساطة. فحياتهم وموتهم مجرد أداة حبكة لإحداث نهاية العالم. ليس مقرراً لهم النجاح. بدا مصرعهم أشبه بأمر تافه. لكن ماذا لو نجوا، لفترة وجيزة على الأقل؟
قلت: "علينا مساعدتهم. كلما طال بقاؤهم أحياء، امتلكنا وقتاً أطول للاستعداد".
سأل أنتوان: "كيف سنساعد في مواجهة هذا؟".
في جميع المواقف التي خبرناها، قلّما بدا ميالاً لليأس هكذا، حتى حين كان يصارع صدمته. بصراحة لم أدرِ. فتشت في الجرذان علّي أعثر على حلّ متوارٍ في قوالبها السردية. غالباً ما تتوارى نقاط الضعف جنباً إلى جنب مع نقاط القوة داخل قواعد العدو. أحياناً يتخفى أحدهما في زي الآخر. بدa الأمر ميؤوساً منه بالكامل. سيهلكون خلال دقائق، ولا حيلة بيدنا. إن اقتربنا من تلك الجرذان، فلن نكون أكثر نفعاً في الفتك بها من قطع الورق المقوى.
التفتُّ حولي، راجياً إلهاماً ينشط إبداعي. لمحته مصادفة. في الشارع أدناه، رأيت أشخاصاً غير قابلين للعب يرتدون أزياء مسعفين، ورجال شرطة، بل وحتى زوجاً من رجال الإطفاء. لم يكونوا ظاهرين على الشاشة. كانت كاروسيل ببساطة تعدّ المشهد التالي، حيث ستُسحب شخصياتنا الرئيسية الميتة خارج المبنى تماماً مثلما حدث مع الدكتور مينتس. كاروسيل تتسم بالفعالية على هذا النحو، وإن بدا طريفاً مشاهدة حدوث ذلك حياً.
عادةً، تنجز كل شيء بينما تلتفت إلى أمر آخر. شرطة ورجال إطفاء... وميض فكرة في عقلي. التفتُّ إلى الجرذان مجدداً واستعرضت قوالبها السردية حتى عثرت على ضالتي.
قلت: "وجدتُها. لن يصدقوك أبداً. لن تقتنع السلطات بوجود جرذان هنا، أو بكارثة جرذان على الأقل. ينبغي أن نتصل بالشرطة. لا، انتظر... فرقة الإطفاء. يا كمبرلي، ابحثي عن هاتف في هذا المبنى. اتصلي برقم الطوارئ وقولي إنك ترين دخاناً يتصاعد من، ما اسم الطابق، الطابق السابع عشر".
قالت وهي تغادر المكتب الفارغ للبحث عن آخر مفروش: "أنا على أهبة الاستعداد".
من قواعد كاروسيل شديدة التدقيق حظرنا من استخدام هواتفنا الذكية في قصص تدور أحداثها قبل اختراع الهواتف الذكية، وكان هذا الزمن يبعد نحو نصف عقد من الزمان.
قلت: "سأذهب لإطلاق إنذار الحريق".
توقفت برهة ثم أردفت: "علينا إيجاد سبيل ليبدو الأمر مندمجاً في القصة. جدي كمبرلي وأخبريها أن تقول إنها رأت شرارات أيضاً. قد يجعلهم ذلك يظنون أنه حريق كهربائي، كأن تكون الجرذان قد قضمت سلكاً لم يكن مفترضاً بها قضمه. لا تأتي على ذكر الجرذان، بطبيعة الحال. هكذا يندمج الأمر في القصة على الأقل".
غادرت إثر ذلك، متخذاً درج السلالم ورافعاً من سرعة جريي حتى أبلغ الطابق الأول من مبنانا، عابراً الشارع. كان عليَّ المرور بجانب مجموعة ضخمة من الشخصيات غير القابلة للعب ممن افترضت وجودهم كمتفرجين. كان شريط الشرطة قد رُفع بالفعل، محاصراً مدخل المبنى، وبما أننا كنا خارج الشاشة، فلم ينطبق ذلك عليّ، رغْم محاولة واهية من شرطيي دورية لثنيي عن اجتياز الحاجز. بلغت الردهة بسرعة كافية، حيث أشرت المسعفين منتظرين ومعهم ثلاث نقّالات منفصلة.
عبرت بجانبهم مباشرة. لاحظت أحدهم يلعب لعبة تحطيم الطوب على جهاز شبيه للغاية بالبلاك بيري. وجب عليَّ تواري الأنظار. جهلت مدى أهمية عدم رؤيتي، بما أنني كنت خارج الشاشة على أي حال، لكنّ غريزتي أبت إطلاق إنذار حريق أمام شرطي. لم يكن المبنى مطابقاً لمعايير الحريق بدقة، لا سيما مع وجود مخارج الطوارئ المسدودة بألواح خشبية والمغطاة بالجدار الجاف لتقليل التشتت البصري تلبية لمتطلبات كاروسيل السينمائية.
بعد بحث يسير، عثرت فعلاً على إنذار حريق في ممر خلفيّ. أطلقته. جلّ ما تطلبه الأمر هو إطلاق إنذار يدوي يدوّي في الطوابق العليا ضمن نطاق الكاميرات الظاهرة على الشاشة. لم أسبق لي رؤية إنذار حريق يُسحب في الواقع، لكنّه في الأفلام يطلق إنذاراً صاخباً ووامضاً في كل غرفة بالمبنى. إن أدّت كمبرلي دورها ووجدت سبيلاً لجلب رجال الإطفاء إلى الطابق السابع عشر، تيقّنت تماماً من خلوّ المكان من تلك الجرذان.
فلو عثر رجال الإفتاء على تلك الجرذان الكابوسية الشيطانية تكتسح المكان، لتعارض ذلك تماماً مع قالبها السردي. توجب عليَّ الركون إلى ذلك. عجزت عن استخدام قوالبي السردية الخاصة لردع هذه المخلوقات، لكن بإمكاني تسخير قوالبها ضدها. لم يبقَ سوى الانتظار بينما دوّى الصافرات بصخب في الأرجاء وتحولت الأضواء إلى اللون الأحمر كلياً. لم أتيقن من واقعية ذلك الجزء، لكنني شاهدته في الأفلام من قبل.
وبينما اتجهت نحو الردهة، دفعتني مجموعة ضخمة من رجال الإطفاء متخذين طريقهم نحو درج السلالم الذي سحرته إلى الوجود. السؤال الوحيد هو، أسيصلون في الموان المناسب؟ فسبعة عشر طابقاً، بعد كل شيء، مسافة طويلة للتسلق. كل ما تمكنت منه هو الانسلال من الردهة متجاوزاً المستجيبين المرتبكين للطوارئ ممن لم يتلقوا تعليمات السيناريو بعد، راجياً نجاحنا. رفعت بصري إلى برج المراقبة حيث انتظرنا.
كان أنتوان هناك بجانب المنظار. تسنى لي رؤيته بوضوح. كان يترقبني. بعد دقائق، رمق بصرَه أسفل ومنحني علامة الإبهام لأعلى. بعد لحظات، تلقيت تأكيداً على ورق الجدران الأحمر حين تراجع مؤشر دورة الحبكة إلى الوراء. سيتوجب على الدم الأول الانتظار. لقد نجا اللاعبون، أو أحدهم على الأقل، من الهجوم الكسح. إن كانت الجرذان بهذه البشاعة، فلا أستطيع تخيل ما سنواجهه سواه.