اتسعت عيون كل ناظر إلى الشاشة من شدة المفاجأة. لكلمة جوع وقع خاص وخطير داخل اتحاد مانيليست. قال سانت فاين: "أحضروا روز إليّ فوراً". كان ألدريْر روز واقفاً خلفه مباشرة. أجاب الرجل الوديع: "ها أنا ذا يا سيّدي". أمر سانت فاين: "فسّر لي هذا". قال الدكتور روز: "أفسّر ماذا؟ استحالة أن يكون الجوع المتعدد. لا سبيل لإصابته بعدوى مماثلة. لم نرَ أي مؤشر عليه بين اللاجئين الذين استقبلناه. عجزنا عن الاقتراب بأية حال من الأحوال من الجوع. لا بد أن الأمر مجرد صدفة من الصدف". حسبما فهمت، كان الجوع المتعدد نوعاً من أمراض خلايا النحل الجماعية التي تشق طريقها خفية عبر الأكوان المتعددة بحثاً عن طريدتها. صمم الدكتور روز خط سير بحثياً خصيصاً لإيجاد علاج له. كان يتحدث عنه باعتباره ممرضاً يجب بحث أمره والقضاء عليه. لكن لاكي تحدث عنه باستهانة وكأنه نزلة برد عادية لا تُعطى بالاً. بدا وكأن أياً منهما لم يكن على صواب. لم يمر وقت طويل حتى بلغ جيم الغابة، وما هي إلا لحظات حتى علت صرخات من بين الأشجار. لكن العجيب أنها لم تكن صرخات فزع بالمعنى المعهود. بل أشبه بما تسمعه من أحدهم على متن قطار الموت، ممتزجة بصراخ امرأة تضع مولودها. حولّت الكاميرات تركيزها. اتضح عجزها عن تتبع جيم إلى داخل الغابة، أو هكذا منعتها كاروسيل على الأرجح. نقلتنا اللقطة التالية إلى أهل البلدة وهم يستعدون لما هو آت. لم يحدث شيء لبرهة، لكن جيم ما لبث أن خرج جاشعاً من الغابة على أربع بينما نبت الشعر في بدنه، وتضخمت أنيابه، واستطال وجهه مستبقاً بخطم. أصار ذئباً بشرياً على حين غرة؟ إن كان الأمر كذلك، فلم يكن هذا من صنف الذئاب البشرية التي واجهناها من قبل. فرغم أن وجهه بدا آكلاً للحوم أكثر من البشر العاديين، إلا أنه خلا من رأس الذئب الحقيقي، ورغم عدوه على أربع، فقد بدا محروباً إذ لم تكن ذراعاه بطول كافٍ، فاضطرت قدماه الخلفيتان إلى الانفراج في أثناء الجري. كانت جولز تعتلي أحد المنازل في الملاذ وآلة تصوير مقرب وجهاز لاسلكي بحوزتها. ضغطت على الزر وقالت: "أردوه برصاصة فضية". سرعان ما أرسل المنصة التي رأيتها مبنية تحت برج المياه وميضاً، واخترقت رصاصة صدر جيم ليهوي واقعاً على الأرض. أثبتت الرصاصة الفضية نجاعتها. ترك جيم يلفظ أنفاسه الأخيرة. قالت جولز: "بيت الشجرة. راقبوه". لكن ثمة ما أثار الريبة، فجيم الذي رأيته لتوه يتحول إلى ذئب بشري لم يكن يرتدي قميصاً، وخلا تماماً من السراويل الجينز التي كان يرتديها لحظة دخوله الغابة. كان يرتدي سروالاً قصيراً. أأبدل ثيابه لسبب ما؟ أطلقت جولز عبر اللاسلكي: "لدينا واحد آخر". وصدقت، فقد برز من الغابة ذئب بشري آخر لجيم وقد توغل في التحول أكثر. كان هذا يرتدي زي صياد سمك، وبحذافير بنطال صيد مطاطي كأنه خرج لتوه من نهر بحر. سأل كامدن: "ما الذي يحدث بحق الجحيم؟" بطبيعة الحال، لم يعلم أحد إجابة. اللاعبون بالتأكيد لا. وحتى اتحاد مانيليست عجز عن إيجاد تفسير. قال لاكي وهو يهم بالتحرك جالساً أمام إحدى آلات شبه البخار الغريبة يتأمل المؤشرات: "ظننتك تقتفي أثره يا روز". رد الدكتور روز: "ما زلنا في الخطوات الأولى لفهم الجوع المتعدد. لم يحظ بالأولوية. لكن لا أرى صلة لكل هذا به. أقصى تقديراتنا أشارت إلى كونه عقلاً جماعياً. يستحيل أن يكون الجوع". شرع بعض المحللين يناقشون محاولاتهم الفاشلة لفك تزامن أي عقل جماعي. قال أحد المحللين: "انظروا إلى الأشجار". تبع الدكتور روز موضع بصرها ليرى ما بدا لي مشهداً بالغ الجمال للغابة وخلا من أي بصيرة أخرى. غشي الإدراك وجه روز. تذكرت أول لقاء جمعني بالدكتور روز. لم نلتقِ رسمياً. كنت أتلصص متسللاً، وكان يشرح كيف يتمتع الجوع المتعدد بقدرة غريبة للغاية على تنسيق ودعم النظم البيئية في عوالم تخلو من البشر. أهذا ما شهدته عيناي؟ أكانت هذه القوة المهيمنة تحسن الغابة بأي شكل؟ وماذا يعني هذا لجيم إذن؟ أُردي الذئب البشري الثاني بعد الأول بفترة وجيزة. أدت الرصاصات الفضية الغرض. وما إن تفارقهما الحياة حتى يعودان لهيئة جيم. برزت ثلاثة ذئاب أخرى من الغابة بعدها بقليل، لكنها قُضيت بالسهولة ذاتها. مجدداً، اختلف لباس كل منهم، وبدوا جميعاً كالشخص الواحد. ثم ظهر جيم نفسه مجدداً. أو هكذا بدا جيم. كان الرجل ملفوفاً بالضمادات. ظننته مومياء للوهلة الأولى، لكن الأمر لم يكن كذلك. نادى سانت فاين: "تحليل". رد أحد الخالدين بينما ظهر جيم المضمّد من الغابة باذلاً وسعه للعدو نحو الملاذ بملامح يملؤها الذعر على وجهه الندب: "إنه الجذام يا سيّدي". لم يدْرِ أحد ما يفعل، في مركز القيادة على الأقل، لكن جولز امتلكت رأياً حاسماً حيال ما يجب فعله. قالت: "أريحوه من عذابه". وهذا ما فعله أتباعها. دوت طلقة أخرى، وسقط هذا الإصدار من جيم ميتاً على الأرض. لم أبصره ولا أياً من الآخرين على ورق الجدران الأحمر، وعليه، وبينما تيقنت إلى حد بعيد من عداوة الذئاب، فمن المستحيل أن يكون المصاب بالجذام خصماً. لكن الأمر سيان بالنسبة إلى جولز، ومخاطرة لا أقبلها. ثم انهمر الطوفان. ليس طوفان مجاز، بل مجرى ماء متدفق يتحدى قوانين الفيزياء وهو ينساب خارج الغابة، وكأنه كائن حي، وتخبط غرقاً جيم في جوفه. كان يرتدي لباس بحر ويصارع لارتداء سترة نجاة. لم تحرك جولز ساكناً إزاء هذا إذ تمدد الماء ببساطة فغمر الحقل، وخبت القوة التي خلقت ذلك النهر ما إن هوى جيم الغريق على الأرض. خرج ذئب آخر بعدها وتم القضاء عليه سريعاً. لكن جيم تلاه. جيم الحقيقي. استطعت تمييزه لارتدائه الثياب ذاتها التي ظهر بها سابقاً. لم يكن يعدو، لكنه حدق ممعناً في السماء كمن نال كشفاً كونياً ما. وتدفق الدمع على وجهه غزيراً. ثم ومض. لم يكن وميض تلفاز، وهو تأثير لطالما فضلته كاروسيل. بل أشبه بخداع بصري. وجد جيم واحد، ثم صاروا اثنين. فارق الثاني الحياة مسبقاً، لكن ذلك لم يمنعه من التقدم بخطواته. وجهه متعفن. وأسنانه عارية لخلوّه من الشفاه. لقد كان زومبي حقيقي. لمح جيم شبيهه الميت الحي فتفاجأ لاهثاً. لم يبدُ زومبي جيم مذهولاً بالقدر ذاته لرؤية شبيهه. بل بادر بمهاجمة الأصلي حتماً. لحسن الحظ، وأياً كان صنف هذا الزومبي، فقد كان ضعيف البنية، ونجح جيم الحقيقي في دفعه ليهوي منزلقاً في طين النهر المتدفق قبل لحظات وعجز عن النهوض مجدداً. واصل جيم مسيره مقبلاً نحو الملاذ. لسوء الحظ، لم تكن تلك النسخة الزومبي الوحيدة التي تخلت عنه. ومض جيم ثلاث مرات إضافية وحاصره ثلاثة زومبي آخرين. قالت جولز: "تخلصوا منهم". علا صوت عبر اللاسلكي يسألها: "والأصلي؟" فكرت برهة ثم قالت: "فلنمنحه بعض الوقت. لا يبدو مسبباً للمشاكل". بعد لحظات قليلة، انطلق فريق مكون من ثلاثة شخصيات غير لاعبة، يرتدون زي الصليبيين الضواحيين، ويحملون مضارب بيسبول وبندقية، ومغطين بدروع مرتجلة، نحو الحقل متجاوزين جيم الأصلي وشرعوا في سحق مطارديه من الزومبي. لم يلقِ جيم الأصلي بالاً لهم إلى حد بعيد. كان مشتت الفكر للغاية. تابعت كل هذا في ذهول ورعب، وشرعت تروس تفكيري تدور. في كاروسيل، لا تمثل نقطة المنتصف بالضرورة الجزء الأهم أو الأكبر في القصة. في الواقع، غالباً ما تمر وتنقضي دون وعي اللاعبين، ولا يدركون كنهها إلا بعد التأمل. تتجلى أحياناً في إدراك أن الشخصية المحسوبة كبطل رئيسي هي في السر وبلا علم وحش كوني قديم متبدل الأشكال. وفي أحيان أخرى، في الاستيعاب البسيط بأن ما حسبته مغامرة خيال علمي ما بعد كارثية إنما هي قصة خرافية عادية صادف وقوعها في المستقبل. قد تفصح لك عن هوية العدو. وقد تطلعك على مزيد من الحبكة. لكن أياً كانت حقيقة كشف نقطة المنتصف، استوجب الأمر الانتباه لأنه يفصح عن طبيعة القصة التي تحيا وسطها. أكد بوبي أن مساعيه لإحياء زوجته قادتنا إلى نقطة المنتصف بجلوسنا هنا، ورغم عدم تأكدي الجازم من صحة قوله، تعذر عليّ دحضه كلياً. لقد جرّنا مخططه الطائش إلى قلب لا مكان نحو ساحة معركة عجزنا عن إدراكها، وعبر ذلك، عرّفنا صدفة على فصيلة من متبدلي الأشكال بعيدة الشأن عن فهمنا لدرجة اضطرت كاروسيل إلى اضعافهم لنحظى بفرصة قهرهم. فصيلة كاد يطالها الانقراض قبل حلولها بكاروسيل ووضعها في هذه البقعة المحددة. وإن صحت كونها نقطة المنتصف لأي قصة ملتوية حاكتها كاروسيل، فتساءلت عمّا إن كانت كاروسيل تلمح لنا بلمحة عن الوحش الذي رسمته لدور الشرير الأكبر. هوى جيم على ركبتيه قبل بلوغ الملاذ. احمرّ وجهه. وانتفخ جسده. وبدا أن زومبي عشوائياً ينبثق منه لترديه بسرعة الفرقة التي أرسلتها جولز. رفع بصره إلى السماء، ولن أنسى قط ما تفوه به. قال بصوت أجش: "الأمر أعظم مما تظنون. لا تدركون كنه الجاذبية حتى تصطدموا بالأرض. ولا تدركوا معنى الشبع حتى يحلّ الجوع. إنه يريد. ويبحث. لكن ليس عني. سيصنع من عوالم شتى عالماً واحداً، وسيغدو الواحد فرحاً مبتهجاً". حينها سقط جيم، الرجل الشجاع النبيل، أرضاً، وقبل ملامسة وجهه للتراب، اختفى تماماً. وتلاشى الذئب الهالك كذلك. ومثلهم الزومبي، والرجل الغريق، والمصاب بالجذام. عادت الكاميرات إلى الغابة. وقف عند حافتها المئات من أشباه جيم، متبلدين ومترنحين. ذئاب بشرية، وزومبي، وحتى مخلوقات عجبت لمعرفتها، ممتزجة بكل أشكال الرجال الجرحى المتخيلة. جيم في أثواب المستشفيات. جيم في بدلة جنازته. جيم ممزق في عدة قفز مظلي، لكنه ما زال واقفاً. وجيم طاعن في السن. رجل واحد في أشكال شتى، وتلاشى الجميع في لمح البصر. وما لبست الأشجار الباسقة الجميلة أن استبدلت بأخرى عادية. وتراجعت القوة التي نسقتها إلى مخبأها. أهذا ما أرادتنا كاروسيل أن نراه؟ غزو من كيان قد يماثلها ضخامة وجهلاً؟ جهلت كيف نشأت كاروسيل، لكني عرفتها. عرفت البلدة، والمكان. لقد كان عالماً من الرعب، وعالماً من الظلم والمعاناة. نعم، كانت كاروسيل كياناً شريراً ذي سلطان ومدى يفوق إدراك البشر. سحرها مستغلق، ودوافعها مستعصية على الفهم. تقدر على القتل والدمار والخلق بلا قيد يذكر. كانت قوة مرعب وبلاءً على الأكوان المتعددة... لكنها لم تكن الوحيدة.
اللعبة في كاروسيل: ليتآربيجي فيلم رعب الفصل 353 — الكتاب الثامن، الفصل 110: لمحة إلى الأمام، الجزء الثاني
اقرأ اللعبة في كاروسيل: ليتآربيجي فيلم رعب الفصل 353 — الكتاب الثامن، الفصل 110: لمحة إلى الأمام، الجزء الثاني باللغة العربية على مانجا تايم.