اضطررنا إلى إخراج كاسي من مخبئها الآمن في قاع القارب كيلا تتلطخ بدماء أندرو. كنت في صدمة على ما يبدو فلم يشغلني سوى سخافة ألا تختفي الدماء مثلما يحدث عند نهاية أي خط درامي. كان جثمان أندرو مقسوماً نصفين تقريباً. وما زال السيف الذي استخدمه كاليب رو ملقى إلى جواره. صار صديقنا مجرد مهمة أخرى ضمن قائمة من المهام الكئيبة. قلت: "علينا التخلص من جثمانه قبل أن تستيقظ". استمر القارب في شق طريقه بسلاسة عبر النهر والجميع صامتون على متنه. بكت آنا بصمت مطبق. وكانت كمبرلي متحفظة بينما راح كل واحد منا يتساءل إن كان ثمن عمل صالح واحد باهظاً أكثر من اللحظة. قال أنطوان متأخراً: "ربما ترغب في رؤيته. لقد كانت تلك المشكلة الكبرى عندما مات كريستيان مع ميزة الترجيع وقبل ذلك حتى، هي أنني لم أستطع رؤيته. أن أعرف أنه موجود في مكان ما، ميت على الأرجح، دون أن أتمكن من تأكيد ذلك بعيني". كان الأمر شخصياً بامتياز إذ إنني رأيت جثماني والداي حين توفيا وتلك ذكريات كنت لأدفع ثمن استئصالها جراحياً من عقلي لو استطعت. قال كامدن: "يمكننا الرسو هنا. هذه هي كاروسيل الحقيقية في الجانب الشمالي من البلدة. لا أرى السيرك". لم نكن نرى شيئاً يذكر لأن النهر كان شقاً عميقاً في الأرض وليس أخدوداً تاماً، لكنها كانت بداية جيدة. قلت وأنا أستعد بسرعة لسمة خلفيتي النفسية لاستشعار ما إذا كان النبض الأثيري لنهاية العالم لا يزال قريباً منا: "انتظروا ثانية واحدة". قلت: "نحن بخير". كنا بعيدين عن السيرك بالقدر الكافي الذي يضمن ألا تسبب كاسي إن استيقظت هنا أي ضجة. لكنني لم أكن لأشعر بالراحة حقاً إلا حين نغادر كاروسيل الحقيقية برمتها. لم يمتلك أي منا خبرة في تسيير قارب بالمقاديف، لكنها كانت مسألة عزم وهمة لحسن الحظ، ولدينا ما يكفي لإنجاز المهمة. دفعنا القارب ليستقر قرب شاطئ صخري صغير. لكي نصعد ونبلغ موقع البلدة، كان علينا تسلق نحو خمسة عشر قدماً، لكن الجرف امتلأ بالجذور البارزة التي كفت لتأمين عبورنا إن اضطررنا. قالت كمبرلي بصوت خافت: "أنطوان، أنا آسفة للغاية". نظر إليها بقلق عميق ومد يده ممسكاً بيدها ظناً منها أنها تريد المساعدة في الخروج من القارب. لكن نظرة واحدة أدركته بأنه كان مخطئاً فيما ترمي إليه. قالت آنا وقد التقطت هي الأخرى مغزى الأمر. لم تكن ترتدي سمة هل أنت بخير هناك خشية أن تكون مفرطة في نزعتها النفسية. لولا ذلك لكانت أول من يعلم. حدقت فيها. كانت كمبرلي تبدو طبيعية وإن شفاها بعض الشحوب. لكنني رأيت حينها ما كانوا يتفرسون فيه. وميض طفيف وخافت أضاء على حالة الإصابة الخاصة بها. اختفى فوراً، لكنه عاود الظهور بعد ثوان معدودة ثم كرر وميضه ليغدو أسطع وأقوى ببطء شديد. احتضنها أنطوان فجأة وطففق يتمتم بكلمات رقيقة يملؤها الذعر، مسائلاً إياها عما جرى وكأننا لم نكن نعلم حقاً. انسابت الدموع من عينيه مدرارة وكأنها انتظرت طوال الوقت لتتدفق. كل ما فعلته لتريننا إياه هو رفع ذراعها لتكشف عن بقعة دم ضئيلة. هذا كل ما في الأمر حقاً، مجرد مساحة تكفي لأن تغرز أسنان زومبي أضراسها في لحم ضلوعها. مجرد علامات لأسنان اثنين أو ثلاثة. خدش حقاً. قالت متأخرة حين بدأ الواقع يتكشف لنا: "يجب أن تتركاني هنا". سرت مسحة من الذعر في صوتها مشوبة بنبرة حالمة. كانت قد بدأت بالفعل تشعر بتأثيرات الفيروس. أولئك الزومبي الذين كادوا ينالون منها في الزنزانة اقتربوا أكثر مما ظننت. قال أنطوان: "لا. بوسعنا اجتياز الخط الدرامي وستكونين بخير، أليس كذلك؟" سأل وهو يلتفت إلي وإلى كامدن. كان لا بد أن يعرف الحقيقة. لم تتعرض للعض داخل خط درامي، بل على يد زومبي داخل وكره السفلي تحت القلعة. لا تفعل الوحوش في أوكارها لتفعيل قصصها حين تهاجمك. لم يكن هناك خط درامي يمكن اجتيازه لحمايتها. بل ستحتاج إلى عملية إنقاذ. قالت: "أنطوان. لا بأس". فتح كامدن حقيبته فوراً وأخرج منها نسخة الأطلس التي جلبناها وبدأ يقلب صفحاتها بحثاً عن الخط الدرامي الذي جاء منه أولئك الزومبي السريعون. حمل فيلمهم عنوان المطاردة المميتة. خلال فترة مكوثنا في الزنازين، صار التطلع لمعرفة الأفلام التي تنحدر منها الوحوش أمراً بديهياً. انتمى معظمها إما إلى الرعب الخيالي أو ما يشبهه. مهما يكن ما عثر عليه كامدن في الأطلس، فإنه لم يفصح عنه بصوت عال. اكتفى بالنظر إلى أنطوان وهز رأسه. ومع بدء سيطرة العدوى، واصلت حالتها على خلفية الشاشة الحمراء الوميض بسرعة أكبر فأكبر. ولأن هؤلاء لم يكونوا في الأصل من الموتى الأحياء الذين أصابوها، فلم تتأثر حالتها كميتة، بل كعاجزة. راحت تفقد قدرتها على التفكير بوضوح وسقطت فجأة بين ذراعي أنطوان. أخذت قدرتها على الوقوف تتخبط صعوداً وهبوطاً. كان ثمة أمر لاحظناه بشأن الزومبي خارج كاروسيل: فالنذير الخاص بأفلامهم يتمثل عموماً في الزومبي أنفسهم دون استثناء تقريباً. وشكل أولئك الذين استوطنوا قبو القلعة استثناءً لخضوعهم لأوامر أيفري. كان للمرء أن يلمح أحياناً نوعاً من مسوخ المخاط البيولوجي التي تُستثار بملامسة مادة لزجة خضراء، أو قد يصادف عالماً مجنوناً يخلق الموتى الأحياء مثلما خبرنا ذلك مطولاً. لكن الزومبي أنفسهم دشنوا قصصهم في الغالب بمهاجمتك متى ولجت زقاقاً مظلماً ما كان لك أن تدخله أبداً. جهزت بسرعة سمة لا يعجبني هذا المكان، وتأكدت شكوكبي شبه فوري حين بدأت ملصقات كمبرلي تتغير وتومض تزامناً مع حالة إصابتها. قلت: "احذروا. إنها تتحول إلى نذير". قالت آنا وعيناها محمرتان ومنتفختان من الدموع: "لا. لا بد من سبيل لنفعله. لا يمكننا تركها تتحول هكذا. ربما بوسعنا..." طفقت تعصر عقها باحثة عن فكرة قد تفلح في تغيير مصير كمبرلي. لكنها لم تجد شيئاً. تقدمت واحتضنت كمبرلي. وفعل كامدن وأنا المثل. قال كامدن بعد هنيهة: "علينا الابتعاد عنها حين يكتمل تحولها النهائي. أتدرك ذلك أصحبت أم لا يا أنطوان؟" كرر اسم أنطوان بضع مرات لكنه عجز عن جذب انتباهه. التفت كامدن إلي. "ما هو المحفز؟ إنه العضة طبعاً، لكن ما محفز النذير تحديداً؟" أجبت بعد أن ألقيت نظرة على خلفية الشاشة الحمراء: "يجب أن ينتشر الفيروس. السوائل الجسدية". قد يمثل هذا مشكلة. قلت وأنا أتراجع للخلف: "أنطوان، سيكون عليك تركها". حاول تجاهلي هو الآخر، لكن كمبرلي لم تفعل. دفعت بكل قوتها وصعدت الشواطئ الصخري باتجاه الجرف. كانت تستنفد طاقتها المتبقية لكبح دموعها والحفاظ على استقامتها. قالت: "عليكم الذهاب. اذهبوا!" قال كامدن: "انتظروا". التقط حقيبة كمبرلي من حيث تركتها في القارب وأدخل يده ليخرج حافظة نظارات شمسية. لكنها لم تحو أي نظارات. بل ضمت حقنة معدنية وزجاجية قديمة الطراز وبعض الإبر الاحتياطية وزجاجة صغيرة من المهدئ الذي استخدمناه مع كاسي. سأل أنطوان: "ماذا تفعل؟" لم يرد عليه كامدن مباشرة. "كمبرلي، أنت الوحيدة القادرة على استخدام هذه لأنك تمتلكين الرخصة. عليك حقن نفسك بها لكي تغشي عن الوعي". التفت إلي وسأل: "سينجح هذا أليس كذلك؟" أومأت برأسي. قلت: "ليس طالما أردنا ذلك، لكنها تقنياً مجرد إنسان مريض". يمكن للمهدئات أن تؤثر على زومبي الغضب. رمقته كمبرلي بنظرة ريبة، لكنها لم تسأله حتى عما ينويه. تقدمت وأخذت الحقنة وملأتها ببعض المهدئ وغرزتها في ذراعها. قالت لأنطوان: "أنا أحبك". وأردفت وهي تلقي نظرة تفقدية علينا جميعاً: "أحبكم جميعاً". لم يتسع الوقت للوداع. فلم يفعل قط فيما يبدو. ثم هوت غائبة عن الوعي فوق الأرض. سأل أنطوان: "ماذا فعل ذلك؟ أسيمنعها من التحول؟ أم يبطئ ضربات قلبها أو شيئاً كهذا؟" رد كامدن: "لا". تقدم بخطواته ليقف إلى جوار جسد كمبرلي على الشاطئ الصخري وانتزع الحقنة من يدها. ثم تسمر يراقب ويترقب بينما واصلت العدوى اجتياح جسدها بوتيرة متسارعة بلا هوادة، لتتحول إلى مجرد عدو، إلى نذير، دون أن تستيقظ حتى. قلت مدركاً ما كان يخطط له: "تلك سرعة بديهة تحسب لك". ظننت في البداية أنه يحاول تخفيف آلامها مع تمكن المرض منها. كان مهدئ الدكتور هاوارد هالي قوياً بمستويات خيالية. وما إن استقر مؤشر عدواها بصفة دائمة وبدا النذير وحده متصدراً ملصقها، حتى التقط الحقنة وغرزها في ذراعها مجدداً وجذب المكبس ساحباً دماءها داخلها. أعاد الحقنة بسرعة إلى حافظة النظارات ومدها نحوي. أومأت برأسي. باتت الحقنة، أو على الأقل الدماء الملوثة التي تحويها، نذيراً جديداً لمطاردة مميتة. سأل أنطوان: "انتظر. أيعني هذا أننا نستطيع تفعيل الخط الدرامي وإنقاذها؟ أهذا ما تفعله؟" قال كامدن: "هذه هي الفكرة. حسب ما أستطيع تقديره لم يتعرض للعدوى بفعل السيرك بعد، أليس كذلك؟" هززت رأسي نافياً. قلت: "عادة ما يتحدد هذا النوع من الخطوط الدرامية محلياً حيثما أطلقته. فطالما لسنا داخل السيرك فلن يسري الخط الدرامي عليه". ساد صمت قصير بينما أغلق كامدن حافظة النظارات باحكام وأخرج عجالة حقيبة أخرى من حقيبته ليضعها فيها. سألت آنا: "لكن ماذا عن ملصقها؟" ظننت للوهلة الأولى أنها تقصد الملصق المعلق على الجدار الأحمر لكنها لم تكن تعنيه. بل كانت تتحدث عن ملصق المفقودين الخاص بكمبرلي. إن أردنا إنقاذها يوماً، فسيتعين علينا خوض عملية إنقاذ. ولتنفيذ الإنقاذ، احتجنا إلى ملصق المفقودين الخاص بها. قلت: "لقد استولوا على المطعم، وأنا واثق من أن مركز الشرطة ساقط أيضاً. فأين يمكن للمرء العثور على ملصقات المفقودين غير هناك؟" قفز كامدن عائدأ إلى القارب وبدأ يقلب صفحات الأطلس. وجدت عدة مواقع يمكن العثور فيها على ملصقات المفقودين. كنا نقصد دائماً ذلك القريب من المطعم، لكنه لم يكن الوحيد. قال كامدن وهو يشير بمجداف إلى اتجاه النهر: "هناك برج مياه يحيط به سياج. ينبغي أن يكون في ذلك الاتجاه". أومأت برأسي: "فلنصل إلى هناك ونأمل ألا نكون متأخرين للغاية". في يوم ما، سنخوض عملية إنقاذ كمبرلي. لكن حسب ما أمكنني تبينه من سمة استكشاف الهستيريا لدي، كان الخط الدرامي يقع في أوائل الخمسينيات على الأرجح. ومثل هذا المستوى يعد الحد الأدنى لقصة كهذه. لم يكن الزومبي السريع مزحة قط. سيتطلب الأمر عشرة مستويات أخرى لأحظى بفرصة آمنة لخوضه، بل وأكثر للآخرين. وحتى في تلك الحالة فستبقى عملية إنقاذ، مما يعني ارتفاع مستوى الصعوبة. ومهما استغرق الأمر منا، فطالما توافرت لدينا المؤن لتحقيقه، فسوف ننقذها. وقفنا على مسافة من جثمانها متبادلين عبارات الوداع المقتضبة والمتسرعة. كان جل ما نفعله لدرء الحصيلة النفسية لموت الأشخاص الذين تعنيهم يكمن في مجرد عدم التفكير في الأمر. هذا ما علمنياه المسعفون في معسكر داير بعدما أهلك الثلج الأسود عدد السكان. بالكاد تسمع أحداً يأتي على ذكر الأمر. لم يتذكروا موتاهم بحنين، بل لم يتذكرهموهم أصلاً. وحين يموت الناس داخل الخطوط الدرامية، فإن التركيز على ذلك لا يعدو كونه ضرراً بحتاً. لذا دربنت عقلك على تجاهل كل شيء على حد سواء. لكن هذه المرة بدا الأمر مختلفاً. لم يكن التجاهل وارداً. قال أنطوان ونحن نهم بالعودة نحو القارب: "سننقذها". وتمتم بالمزيد لنفسي تعذر علي سماعه. رقدت كمبرلي على ضفة النهر، وشعرها يداعب النسيم، غارقة في سبات عميق. لم يكن بوسعنا رؤية أي وحش يكمن بداخلها الآن. صحيح أنها كانت شاحبة ومتعرقة، لكنها بدت ككمبرلي تماماً. وحتى حين بدأت تُخرج زبداً أسود لزجاً، عجزت عن تبيّن أي خلل عن بُعد. كرر حديثه: "مهما فعلنا، ينبغي أن ننقذها. مهما تطلب الأمر من مخاطر". أومأنا جميعا موافقين. كانت آنا تجهش بالبكاء على أصوله. بالنسبة لأناس ألفوا الموت ورأوه مراراً، كنا نواجه صعوبة بالغة فجأة في التعامل معه. كان الحزن يتسرب متجاوزاً الشقوق في جدراننا العازلة. لم يبد تركها هناك أمراً صائباً، لكن ماذا بيدينا أن نفعل سواه؟ وقبل أن نغادر الشواطئ، رفع أنطوان وأنا جثمان أندرو من القارب صامتين. وعملنا سريعاً على غسل قاع القارب بمياه النهر ثم إمالته لتفريغه آمملين ألا يتضح ما حدث هناك. ووهبناه لحظة صمت. كانت كل ما نملكه لنمنحه إياه. وحين عدنا إلى عرض النهر، كانت كمبرلي قد بدأت تتخبط في تشنجات، لكنني لم أر أكثر من ذلك قط. كانت كمبرلي بطلتنا الرئيسية. لقد تقدمت لتكون الفتاة الناجية حين وصفتها كاروسيل بأنها للفرجة فقط. تحولت إلى الشخصية التي احتجناها، وعلمت حينها أننا أينما ذهبنا ومهما فعلنا، سيعود مسارنا ليلتف حولها من جديد.
اللعبة في كاروسيل: ليتآربيجي فيلم رعب الفصل 277 — مثخن بالجراح
اقرأ اللعبة في كاروسيل: ليتآربيجي فيلم رعب الفصل 277 — مثخن بالجراح باللغة العربية على مانجا تايم.