أكثر ما كان يثير إحباطي في لعب اللعبة في كاروسيل لم يكن الموت. كلا، فالموت كان سهلا، جسديا على الأقل، وإن لم يكن كذلك عاطفيا. ثم إن الوحوش كانت كثيرة من حولك، ومستعدة لمساعدتك على تحقيقه. أكثر ما كان يثير إحباطي هو أنك، حتى حين تعرف من هم الأشرار وتملك فكرة عن كيفية هزيمتهم، تظل مضطرا إلى تقديم العرض. كان لا بد من أخذ ورد، بحيث لا يعرف الجمهور من سينتصر، وكنت تجهل مثلهم، لأنك إن لم تؤد الدور، فلن يهم أن تكون قد عرفت الحل. كان بوسعك أن تموت ونقطة ضعف الوحش في يدك. أخذت نفسا عميقا وأنا أقف فوق طاولة المرطبات في المنطقة المشتركة من مخبئنا تحت الأرض. كنت على الشاشة. وكان علي أن أبدو متوترا، أحاول التسلل من دون أن أثير الشبهات. لحسن الحظ، لم أكن اللاعب الوحيد هناك. كانت دينا قريبة، فجاءت إلى طاولة المرطبات ووقفت إلى جواري. همست لها: "قلت إن هناك وعاء بونش." قالت وهي تلقي نظرة إلى الطاولة: "هناك واحد. إنه هناك." قلت: "دينا، هذا ليمونادة." سألت: "وماذا في ذلك؟" قلت: "قلت بونش. البونش أحمر دائما." قالت: "كلا، ليس دائما. ما أهمية ذلك؟" قلت: "مزيج الشراب الذي كرسته بنكهة بونش الفاكهة. لا أستطيع وضعه في الليمونادة. سيعرف الناس." قالت: "يا للهول يا رايلي، سيظنونه ليمونادة بالفراولة وحسب." أطلقت زفرة ضيق مفاجئة. وبينما رفعت، بكل عفوية، كيسا صغيرا من مزيج بونش الفاكهة وأفرغته في إبريق الليمونادة، أمسكت بالمقبض وحرکته بضع مرات حتى يختلط المزيج. قلت: "لونه رمادي عكر. يكاد لا يكون ورديا." قالت دينا: "كل ما في هذه الغرفة مشوب بالحمرة بسبب قاعة العرش. لن يلاحظ أحد ذلك." هززت رأسي وقلت: "من يختار الليمونادة شرابه الأخير قبل أن ينهي العالـ..." ثم توقفت عما كنت أتمتم به حين مر أحد أتباع الطائفة. أومأت وقلت: "لا أصدق أن الموعد قد اقترب." ابتسم الرجل وأومأ إلي: "كدنا نصل يا أخي. العالم الجديد ينتظرنا." ثم واصل طريقه. قلت: "كان ذلك وشيكا. ليت هذا ينجح." غادر كل منا في وقت مختلف، وأخذنا نتنقل في أرجاء الغرفة. أخذت أطوف بالمكان، مكتفيا في الغالب بالإيماء والضحك بينما كان الناس يبتهجون بانتصارنا. شعرت فجأة بامتنان كبير لأنني بادرت إلى إحداث القفزة الزمنية، إذ لم يكن ثمة سبيل إلى أن أتمكن من التغلغل في طائفة حضوريا، لا لمدة طويلة على الأقل. كان هؤلاء لطفاء فيما يبدو. بل إنهم كانوا لطفاء أكثر مما ينبغي بقليل بالنسبة إلى طائفة، لكن أحاديثهم العابرة وودهم الدائم كانا سينهكانني. أكان علي أن أفعل ذلك أيضا؟ لحسن الحظ، كانت لدي موكسي مرتفعة، فكان بوسعي أن أتظاهر وحسب. ربما كنت سأخسر بعض النقاط في النهاية، لكن بما أن شخصيتي كانت متخفية هي الأخرى، فلم يكن بأس إن لم أتصرف بإتقان. كان هو الممثل السيئ، لا أنا. وبينما كنت أطوف بالمكان، أدركت أن الجدار الكبير، الذي كان مغطى بصور وقصاصات صحف ترمز إلى مرض هذا العالم والأمل في العالم التالي، قد فككوه. لقد نقلوا جميع صوره ورموزه المتنوعة. لقد قفزنا إلى الأمام في الزمن. وكان الطقس يقترب بسرعة. كنت أراهن بمالي على أنهم نقلوها الآن إلى قاعة العرش. في جميع الملاحظات التي تركتها شخصيتي أثناء القفزة الزمنية، كانوا يشيرون إلى تلك الغرفة باسم الغرفة المظلمة. لكن من المحتمل أن تكون التسمية مرنة. ففي النهاية، لم يُذكر أي من ذلك على الشاشة. أما الغرفة المظلمة، أو قاعة العرش، أيا يكن اسمها، فكانت تشع وهجا أحمر عميقا.
⟦135⟧ وضعت فخّ الليموناضة ثم قررت التسلل لأرى سرّ هذه الضجة. لم يلحظني أحد على ما يبدو. كان مجتمعاً سرّياً شديد الثقة. عاد الناس يسيرون بحرية نحو غرفة العرش المصبوغة بالحمرة. قبضت على كوبي الأحمر البلاستيكي الذي كنت أتظاهر بالشرب منه وشققت طريقي في الرواق الطويل. حُفر الرواق في الأرض ككل شيء آخر، غير أنه بدا وكأنه اكتُشف اكتشافاً، ممرّاً ظلّ هناك منذ الأزل. طبعت عليه سمة عتيقة أشبه باستكشاف هرم. كلما توغلت، زادت حمرة المكان. لم أكن متأكداً إن كان كاروسيل قد درس هذا القرار جيداً. قد يكون غمر المعركة الختامية برمتها بضوء أحمر مزعجاً للمشاهدين، ناهيك عن إخفائه للدماء، لكنه كان قراره. وفي حين غلب الطابع العملي البحت على معظم حفر الصخور، جاء المدخل المفضي إلى غرفة العرش متقناً وجميع الصنع، وكأنّ أعضاء نادي الموفرين الأبديين قضوا ساعات طوالاً في تجميله حين كان الباب مغلقاً، لعلهم كانوا يستمعون إلى الأصوات الآتية من الطرف الآخر. وما إن انعطفت نحو الغرفة حتى هرب الهواء من صدري رغماً عني. شعرت وكأنني على متن قطار ملاهٍ هوى لتوّه من قمة تل. كانت أمامي جنّة، أجمل ما رأيت في حياتي، الشيء الذي تاقت إليه روحي دون أن أدري. باختصار، كانت نافذة حمراء عملاقة، ربما كانت من نوع ما من الياقوت أو الزجاج الملون. لم أكن متأكداً. لم يكن الأمر يهم، فمهما تكن، لم تكن سوى حاجز. أدركت ذلك في قرارة نفسي، وكان السعادة تكمن خلفها. فجأة، فهمت سبب استماتة هؤلاء القوم في العمل بقطاع التجزئة فقط ليكونوا بالقرب من هذا الشيء. السعادة. كانت تلك هي الفكرة التي تدور في رأسي. السعادة تكمن هناك. بذلت قصارى جهدي لأعدل بصري لعلّي أرى ما كان حدسي يخبرني بأنه رائع إلى هذا الحد، لعلّي أعبر بصوتي فوق طنين أذنيّ الناجم عن النشوة الخالصة للبقاء بهذا القرب من العالم التالي. لأن ذلك كان شعوري. بدا الأمر وكأنها بوابة. تعثرت متقدماً بالكاد واعيًا بما يحيط بي. صرخ أحدهم من جانب قائلًا: "ريلي، أرجوك ساعدني. ريلي، أرجوك". كان مربوطاً بحبال إلى صفيحة معدنية كبيرة. بدت حقاً شبيهة بصحن طعام. أحاطت به ركامات من البقالة. قرابين. استبعدت أن يكون الطائفيون قد دفعوا ثمنها. لم يعنني الأمر في شيء. ناداني صوت سمعته في صدري لا في أذنيّ. وما قاله، لم يقله كلمات، ولو استخدم كلمات لكانت: "أنت لست الشخص المفترض أن تكونه". وحين أدركت عيناي أخيراً ما كانتا تريان انعكاسه في الزجاج الأحمر، رأيت منزلاً في الضواحي. عرفت ذلك البيت لأنني نشأت فيه، أو حاولت على الأقل. كان هناك باب في واجهة ذلك البيت، ولو تمكنت من العبور منه لصرت سعيداً. بل أفضل من ذلك، لصِرت شخصاً لم يعرف الحزن قط. كان هناك، ويبعد عني عشرين قدماً على ما يبدو. ما كان عليّ سوى اجتياز الزجاج الأحمر لبلوغه. هذا كل ما ينبغي فعله. لو استطعت تحطيمه بمطرقة لفعلت. تلك الحياة، ذلك الشخص، كانا هناك تماماً. قال الشخص المربوط بالصحن المعدني الكبير: "ريلي، هيا يا رجل. سيقتلونني. ألا تفهم ذلك؟ ألا تفهم ما يحاولون فعله هنا؟ إنها جريمة قتل بغض النظر عما يقع بعدها". هززت رأسي وتجاهلته. تقدمت ولمست الزجاج الأحمر. لم أشعر به. غاب الإحساس تماماً. عجزت عن الضغط للعبور، لكنني لم أشعر بضغط على جلدي حين حاولت أيضاً. لم أشعر بأي حصار أو عائق بعد الآن. شعرت فقط بأن ذلك البيت والباب يبعدان عشرين قدماً إلى الأبد. وتحدث ذلك الصوت الذي لم يكن صوتاً في صدري، مانحاً إياي اليقين بأنني لست مجبراً على حمل كل ما أكرهه في نفسي. يمكن للأمر أن يكون وكأنني لم أوجد قط. أكان هذا ما أريده؟ لم أكن مختلاً، وعلى الرغم من أن حالتي المصابة كانت تومض بضعف شديد، إلا أنني كنت مدركاً لما يجرى. لم أكن أفقد السيطرة، لكنني كنت أفكر في الأمر. رغبت بشدة في أن يكون حقيقياً. بدأت أضحك. لابد أنني بدوت مجنوناً، لكني واصلت الضحك. بدا لي مجرد شعور بأن السعادة قد تكون قريبة هكذا أمراً مضحكاً إلى حد عجزت معه عن كبح نفسي. كان الصوت في صدري يزداد غروراً. أخبرني بأن بإمكاني الحصول على أي شيء أريده. رتل تلك الكلمات عبر روحي. أهذا كل ما في الأمر إذن؟ أتلكم كانت الهالة التي دفعت الكثيرين لملء عرباتهم في المتجر الطابق العلوي؟ الشعور بأنهم يستطيعون الحصول على كل ما يريدونه، وأنه هناك في متناول اليد لو مدّوا أيديهم. ضحكت ثانية، لكنني ضحكت هذه المرة من سخافة الموقف برمته. نادى الصوت: "ألا تريد المجيء إلى هنا؟ ألا تريد استعادة والديك؟". تجاهلته. أدخلت يدي في جيبي وأخرجت لوح طاقة ببروتين من نوع دكتور أنطوان ستون ومزقته. انتزعت قطعة منه وفتتها بين أصابعئ، ثم ألقيتها سريعاً في فمي. تمتمت بصوت خفيض: "أيها الملك السماوي غو. أرجوك خلصني من هذا الفوسيرا". كانت طقوس طرد أرواح بسيطة تعود إلى الزمن الذي ظنوا فيه أن هذا الملك المسجون ليس سوى نوع من الأرواح المخادعة. وقد عثرت شخصيتي عليها أثناء البحث عن هذا الكيان السماوي. لقد قُدّم لوح البروتين لملك آخر. لا يمكن للإلهين ادعاء السلطة عليّ معاً. شعرت بفتات الجرانولا يدفأ في فمي، ومع ابتلاعه سرى ذلك الدفء في جسدي كله. فارقني الصوت. واختفى معه اليقين القائل بأن السعادة تبعد عشرين قدماً. أحزنني ذلك لأنني أحببت ذلك الجزء. حين رفعت نظري إلى الجدار الأحمر أمامي، لم يبقَ سوى زجاج لاذع بلون القرمز. لم يكن العالم التالي في الطرف الآخر. تلاشت تلك الصورة سريعاً. أما ما كان في الطرف الآخر فقد رعبني رعباً شديداً فور إدراكي لما أراه. كنت أرى ملكاً، لكنه لم يكن على عرش. كان مستلقياً على ظهره ويداه مرفوعتان فوق وجهه في وضعية دفاعية، وظل عالقاً هكذا وكأن الزجاج الملون الذي أُسر داخله قد غلفه في خضم المعركة. كان يقاتل مخلوقاً ما ذا منقار، لكنني لم أستطع تمييز الكثير. تعذر عليّ رؤية أكثر من ذلك، فقد كان الكيان ضخماً لدرجة لم أستطع معها سوى تبين نصفه العلوي على الرغم من أن الجدار يرتفع لأكثر من عشرين قدماً. كان عملاقاً، بحجم غودزيلا، كائناً قادراً حقاً على اتخاذ جبل عرشاً له. أو على الأقل كائناً قادراً على خوض صراع مع ملك يفعل ذلك. كان الملك السماوي غو هو النسخة المعاصرة لأحد الملوك التي حبست هذا الكيان المرعب في نعشه الأحمر. وبدا أنه أينما حل الملك السماوي، لم يكن بعيداً لدرجة تمنعه من التأكد من بقاء خصمه القديم محبوساً. أو لعل كاروسيل كان يزيف الأمر برمته. حشوت ما تبقى من لوح البروتين في جيبي مجدداً. فكرت مرة أخرى في الوعد الذي قُطع لي، الوعد بأن أستطيع عيش الحياة التي أرغب بها، وتساءلت لمَ استطعت المقاومة بخلاف الكثيرين؟ أكان ذلك لأنني صاحب قدرات نفسية أم بسبب قوتي التحملية؟ في الواقع، اعتقدت أن السبب يعود إلى أنه في الوقت الذي أراد فيه الآخرون استعادة أحبابهم ونشر المزيد من الطيبة في العالم، فإن تحققت أمنيتي فلن أوجد أصلاً. ليس حقاً. ليس هذه النسخة مني. إن نيل السعادة المطلقة، أو تجسيدها على الأقل، كان سيعني الموت. وعلى الرغم من أنني لم أكن أخشى الموت، إلا أنني برعت بدرجة مخيفة في تفاديه. صرخ أنطوان من مكان تقييده: "ريلي، هذه جريمة قتل. ألا تفهم ذلك؟ هذه جريمة قتل!". كنا تحت الأنظار طوال ذلك الوقت. أضحكت أمام الجميع؟ التفتّ نحوه وأومأت له بأخف إيماءة استطعت الإتيان بها في غرفة أدركت لتوّي أنها تعج بطائفيين آخرين. شعرت بأنه أومأ لي بالمثل، أو لعلّي كنت أتخيل ذلك. كان عليه أن يؤدي دوره، وكان عليّ أن أؤدي دوري لفترة أطول قليلاً. وما إن تواريْت بين الحشد وخرجت من دائرة الأنظار، حتى حدقت مطولاً في الزجاج الأحمر والعملاق المحبوس في جوفه. اختصر نادي الموفرين الأبديين بـ(إي إس سي). أكان ذلك محض صدفة، أم أن هذه الحبكة برمتها صُممت لتكون نقطة انطلاق لخط كاروسيل الدرامي؟ فخط كاروسيل الدرامي يدور حول الهروب، بعد كل شيء. لم يفتني أي من ذلك. لكننا حرصنا جميعاً ألا نتمنى الهروب. ليس بسبب هذه الحبكة وحدها، بل كان الأمر هاجساً مستمراً مع كل ما نقوم به، نحرص على ألا نأتي على ذكر الهروب، وألا نفكر فيه، وألا نتصرف بناءً عليه. لأننا إن فعلنا، سنقبل بخط كاروسيل الدرامي، وإن أتى اليوم الذي نقرر فيه فعل ذلك، وهو ما توقعت حدوثه، فستكون هذه حبكة صالحة لتحقيق الغاية. حبكة يمكنك فيها الحصول على أي ما تريده طالما كنت مستعداً لدفع الثمن. نظرت إلى مدخل غرفة العرش، متجاوزاً عيون الطائفيين الكثيرين الذين حدقوا في الزجاج الأحمر ورأوا عالمهم الأفضل، غير آبهين بالكيان السماوي العملاق المحبوس خلفه. كان توم عند المدخل. حدق في الجدار حيث نُقلت المقالات الإخبارية والصور. كانت المعركة الختامية وشيكة. تواجد هناك معي خمسة وآخرون يبلغ عددهم خمسة وأربعين أو يزيدون من الطائفيين، وسيبذل كل منهم قصارى جهده لضمان ألا أبارح المكان قط. لم يزعجني ذلك كثيراً. فعلى أية حال، أصيب نصفهم على الأقل بالعطش.