مع شروق الشمس في يومنا الثاني داخل مسار القصة، شعرت بطاقة في الجو لا تمت إلى بداية الولادة من جديد بصلة. كان الإحساس أقرب إلى النهاية. كأن الخاتمة توشك أن تنتهي. كان الأمر أشبه بعطلة نهاية أسبوع من ثلاثة أيام، حين تحصل على إجازة يوم الاثنين، ثم لا يعود شيء إلى طبيعته طوال بقية الأسبوع. لا يبدو الثلاثاء مثل الثلاثاء. ولا الخميس مثل الخميس. ولا يستقيم إحساسك بالزمن إلا يوم الاثنين التالي. انتهى مسار القصة الأصلي، وصار علينا الآن أن نمنحه نهاية جديدة. كانت لدينا بعض الأفكار. لكن في الجو إحساس بأن القصة تقترب من ختامها. على الشاشة. قالت كيمبرلي وهي ترفع دبوس نادي المنقذين الأبديين أمام وجهي: "عليك أن تذهب وتتحقق من الأمر." سألتها: "علي أنا؟ لماذا علي أنا؟" قالت بلهجة تقريرية وهي تطاردني من غرفة الجلوس إلى مطبخ قصرها في مرتفعات كاروسيل: "أنت الشخص الوحيد الذي لن يتعرفوا إليه." قلت: "أنت لا تعرفين ذلك. ماذا لو كان بعضهم من محبي أفلام الرعب وقد تجاوزوا سنا معينا؟ سيتعرفون إلي في النهاية." قالت: "رايلي، انظر إلي." كنت أفتش في خزائنها عن وعاء أضع فيه حبوب الإفطار. تابعت: "علينا أن نحقق في الأمر." قلت: "لا نحتاج إلى فعل أي شيء. لقد نجونا. علينا أن نجلس ونرى ما الذي كان يدور حوله كل هذا. دع الشرطة تتولى الأمر." ضربت سطح المنضدة بقبضتها. قالت: "الشرطة لن تفعل شيئا. صدقني، ما إن تبدأ الأمور في اتخاذ منحى غريب، لا تريد الشرطة إلا أبسط تفسير. وبالنسبة إليهم، سيكون أبسط تفسير هو الإرهابيون أو عصابة ما. لم يعثروا حتى الآن على أي من المفقودين. وقد استبعدوا، منذ الآن، كل بلاغ عن ظواهر خارقة للطبيعة في الأخبار، وعدوه نوعا من الهستيريا." قلت: "هذا غير صحيح. كانوا يتحدثون على القناة الرابعة عن احتمال استخدام أسلاك توجيه ورافعات ذات سلال، كما تعرف، لمساعدتهم على الطيران." لكنها لم تجبني بالكلمات. خفضت كتفيها وأطلقت زفرة، ثم رمقتني بنظرة يائسة متوسلة. قلت: "هل تعرفين كم يبدو هذا سخيفا؟ طائفة سحرية في متجر للسلع الرخيصة؟" اتجهت إلى إحدى الخزائن، وفتحتها، وأخرجت لي وعاء، ثم وضعته على المنضدة. تناولته بسرعة. قالت: "إن لم يكن الأمر شيئا، فما الذي يدعو إلى القلق؟ أما إن كان شيئا، فعلينا أن نفعل كل ما يلزم. ربما لا يزال أولئك الأشخاص أحياء." سألتها: "ما الذي يجعلك تظنين ذلك؟" سألت كيمبرلي: "لو كانوا يريدون قتلهم، لفعلوا ذلك في الحال. فلماذا اختطفوهم؟ ولماذا نقلوهم آنيا إلى تلك الظلال، أو أيا كان ما فعلوه؟" قلت: "لا أملك كثيرا من الإجابات. ربما... ربما دس أحدهم مخدرا في الشراب، كما تعرفين. ربما كان هناك شيء في الشمبانيا. هل نعرف أننا رأينا فعلا ما نظن أننا رأيناه؟ ربما لم يكن الأمر أكثر من حيلة دعائية أو شيء من هذا القبيل." اتجهت كيمبرلي غاضبة إلى خزانة أخرى، وأخرجت علبة حبوب الإفطار، ثم ناولتني إياها. قالت: "رايلي، أرجوك، اذهب وتحقق من الأمر فحسب." دفعت دبوس نادي المنقذين الأبديين نحوي، فالتقطته. سألتها: "كيف نعرف أصلا أنه من نادي المنقذين الأبديين؟ ESC... ربما يكون من... شركة إفرست للإبحار. أو شيء من هذا القبيل." نظرت إلي كأنني فقدت صوابي. سألت: "شركة إفرست للإبحار؟ هل تنظم جولات إبحار في جبل؟" قلت: "بالطبع. يسألهم الناس لماذا يفعلون ذلك، فيجيبون: لأنه كان هناك." ضحكت، وسكبت حبوب الإفطار في وعائي مستسلما. خارج الشاشة.
تبعت خطى كيمبرلي فسرقت سيارة من موقف قريب من شقة شخصيتي. بالطبع لم تكن كلمة سرقة دقيقة لأن اسمي كان يدون على كل بطاقات الهوية في درج السيارة لكن الأمر ظل يشبه السرقة. قدت إلى موقف نادي إيفرنال سيفرز وما إن وصلت حتى تحولت إلى وضعية الشاشة. حان وقت تمثيل التوتر والغرابة وهو اختصاصي الأصيل. التقطت عربة عند دخولي خائفاً من أن يدققوا في نوع من العضوية لا أملكه رغم أنني لو سئلت تقنياً لأمكنني القول نعم ثمن لي لحظة أحضر محفظتي وربما أجدها هناك. أثبت الارتجال أنه أداة أساسية في عدتنا. لكنهم لم يسألوا ومع توغلي في المتجر صدمتني ضخامته دفعة واحدة. كدت أقسم أنه أكبر من الداخل مقارنة بخارجه وجعلتني نفخة الهواء البارد المكيف أشعر وكأنني فوق قمة جبل ما. لم تكن الصفوف والممرات منتظمة في شبكة مرتبة كما تتوقع بل بدت أشبه بمتاهة. شككت في أن تكشف الكاميرا عن ذلك. بل كانت الكاميرا موجهة نحوي وإلى دهشتي الحقيقية وأنا أجول ناظراً إلى كل ما يعرض للبيع. كان بإمكانك شراء قارب رياضي أو معدات تسلق الجبال. كان الناس يتجولون في الداخل على عربات غولف إنه مكان هائل حقاً. انتشر طعام من كل بقاع العالم في أنحاء المتجر. تذكرت القدر ذاته من المرة السابقة حين ساعدت في حمل البقالة لكن الوجود هنا بينما لا يطارد الجميع مذعورين أو موتى تحت الأنقاض كان أمراً مختلفاً. كان هذا عالماً قائماً بذاته. وكل شيء كان رخيصاً للغاية. التخفيضات تحيط بي يمنة ويسرى. عرضوا حوضاً بلاستيكياً من كرات الجبن بحجم سخان مياه مقابل تسعة دولار وخمسة وتسعين سنتاً وفواكه وخضروات بشتى الأنواع للبيع ببضعة أرباع دولار للرطل الواحد. وتكون الممر بأسره من علب المشروبات الغازية ورصت العبوات الست الصغيرة فوق بعضها لتشكل تصاميم معقدة اعتماداً على ألوانها. وكان الناس يلتهمونها حولي. راح البشر يحشرون الأشياء في عرباتهم. لم يكن هناك شخص واحد بلا عربة ممتلئة بالنصف على الأقل وسرعان ما أدركت أنني أشمل بذلك. كنت ألتقط الأشياء في البداية ربما لأنني رغبت في التظاهر بانتمائي. لكني أدركت لاحقاً أنها غاية أعمق شيء ما داخل رأسي. لم يكن صوتاً بل شعوراً قوياً لدرجة أنه كاد يكون صوتاً. سمعته وشعرته مثل زلزال ينبعث من الأرض. رن الصوت في أعماق أذني قائلاً: أنت. حاربت الصوت لعلمي بوجود خلل ما لكنني رغبت بقوة بالاستسلام أيضاً. نادتني صفوف متتالية من اللحوم المبردة في قسم الطعام. شرائح لحم وأطعمة غريبة مثل الأقطبوط كلها هنا مذبوحة بعناية وجاهزة للأخذ. قال الصوت: يمكنك الأخذ. وفي ركن آخر من عقلي كدت أسأله عما إذا كان متأكداً. سمع الناس حولي الصوت أيضاً. رأيتهم يحدقون بأعين متسعة نحو الممرات الهائلة والأسعار الزهيدة بينما يملؤون عرباتهم. عاد الصوت ليقول: يمكنك الأخذ. سألت في رأسي وحدي وأنا أجوب الممرات صعوداً وهبوطاً: أيمكنني حقاً؟ أقواس نشابة بنصف السعر. خراطيش بنادق صيد. احتجنا لبعضها من أجل بندقية دينا المقطوعة. لو اشتريت بعضها لكان ذلك مجدياً للغاية. اضطررت أساساً لشرائها بذلك السعر. قال الصوت: أياً كان. لم أصدقه. أياً كان؟ عرضوا هوديس حمراء بخصم. لم أكن بحاجة لواحد جديد حقاً لكن بسعر كهذا لم لا ألتقط واحداً احتياطياً؟ كل ما تريده. لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً. الأمر أفضل من أن يصدق، حدثت نفسي. كان لديهم دوريتوس. دوريتوس حقيقي من عالمنا. وجب علي التقاط كيس منها. سيقتلني اللاعبون الآخرون إن لم أعل فعل ذلك. كل ما تريده. يمكنني الحصول على كل شيء وحتى العربة الممتلئة لن تشكل عبئاً على ميزانيتي. وجدت نفسي أتحول إلى كل مكان أحياناً بصفاء ذهني يكفي للبحث عن الموظفين الذين يعيدون رص الصندوق باجتهاد ويتنقلون من ممر لآخر للتأكد من نظافة البضائع وترتيبها. ومع مشيي أدركت بحدة أنني لست وحدي. علمتني غريزتي المتمرسة بحذر الشاهد الغافل ألا أتلفت حولى بطريقة واضحة. عوضاً عن ذلك توقفت عن وضع الأشياء في عربتي وواصلت المشي باحثاً عن الموظفين، باحثاً عن ذلك الذي رأيته الليلة الفائتة. بينما لم يظهر معظم الموظفين وجوههم إلا ومضة سريعة ولم أتذكرهم، كشف ذلك الذي غرزنا المقعد فيه عن مظهره وألقينا نظرة جيدة عليه. شعر أشعث وزن زائد وقليل ومحة ألم على وجهه رغم أن تلك ربما لن تدوم طويلاً. بحثت عنه في كل مكان لكنني لم أره. ورغم ذلك ظللت أشعر أن أحداً يتبعني. أكنت أسمع وقع خطوات أم كان ذلك حدساً روحياً؟ أهو الذي يمشي خلف الممرات؟ تابعت طريقي مصطاداً العملاء الآخرين تقريباً أثناء تجوالي بين الممرات بحثاً عن المخرج الذي يبدو أنني ضللته. انتظر، هل لديهم دروع واقية من الرصاص؟ لا. وجب علي التركيز. كان أحدهم يتعقبني واحتاجت غريزتي لتبقى حادة. لذا يمكنني الحصول على ستر واقية من الرصاص واحدة فقط ورميها في العربة. وربما بعض واقيات القصبة لرخص ثمنها. والقفازات تحسباً لأي عمل قد يؤذي بشرتي. كل ما تريده. وبعدها يمكنني الانطلاق عائدأً عبر الممرات حيث وجدت نفسي في مؤخرة المتجر في أحد الممرات القليلة التي كنت فيها وحدي وسط صناديق متراصة من أطعمة ومستلزمات الحيوانات الأليفة المختلفة على وشك التقاط كيس طعام كلاب لبوبي على سبيل الاحتياط. بسعر كهذا سيكون الجنون بعينه عدم فعل ذلك. رأي ظلاً على الأرض. وقف أحدهم خلفي. يمكنك الأخذ. كنت عند نهاية الممر. إن كان عدواً فلا مفر. أيمكنني القيام باستدارة مضحكة دون رؤية من يتبعني؟ ربما. لقد فعلت أشياء سخيفة كهذه من قبل حين كانت جرأتي أعلى بكثير من أي شيء آخر في القصة. وجب على الثقة بأننا في مرحلة توتر منخفض ولن أتعرض للهجوم. كان علي فقط أن أبدوا وكأنني أمضي في شؤوني. استدرت. صرخ الصوت في رأسي: يمكنك أخذ كل ما تريده! وطغى على انتباهي لدرجة أنني حين ركزت على هوية متعقبي كدت أصرخ رعباً. كان توم. توم قائد علاجنا الجماعي. توم المدير المؤقت لنادي إيفرنال سيفرز. كان طويلاً للغاية وأنيق الملبس والهندام. نبض قلبي سريعاً وأنا أحاول عبثاً إخفاء مفاجأتي. كان الأمر جيداً. مصادفته كانت في الواقع شيئاً تمنيت حدوثه. قلت مبتسماً: توم. لم أكن أتصور لقاءك هنا. إنه المكان الوحيد لمقابلتي هذه الأيام. لقد جعلوني أعمل في مناوبات متعاقبة. ارتسمت ابتسامات مزيفة متطابقة على وجهينا. قلت مستعيداً فجأة ما رأيته على اخبار الصباح: هذا صحيح. لقد فقدتم مديركم أصحبت كذلك؟ عقد توم يديه وأنزل نظره بحزن. أجل. لقد أثرت تلك الحادثة البشعة الليلة الماضية بشكل مباشر هنا في نادي إيفرنال سيفرز. يا للعار. لقد بدأت العمل للتو. بدا حزيناً حقاً بشأن الأمر رغم أن كل المؤشرات التي امتلكتها دلت على تورطه. قلت: آسف لخسارتك. أكنت تعرفها جيداً؟ قال بعد لحظة تأمل: لست بالقدر الذي تمناه للأسف. لكن علينا الاكتفاء بمعرفة أنها ستكون معنا في العالم القادم أليس كذلك؟ قلت: بالتأكيد. سأل: هل يمكنني مساعدتك في العثور على شيء؟ بدا أنك تتجول بعشوائية إلى حد ما. ضحكت وبدت ضحكتي شبه حقيقية. قلت: إنه أمر كثير الاستيعاب. ببساطة لا أريد تفويت أي شيء. قال توم: أنا أعلم هذا الشعور. لن تصدق بعض الصفقات التي نعقدها الآن. أتحب سمك أبو سيف؟ قلت: لم ألتقِ بواحد من قبل. أجاب: يا لك من مشاكس. حسناً إن كنت تحب سمك أبو سيف فلدينا صفقة العمر الآن. لدينا أطنان منه وليس لدينا مكان لنضعه فيه. لذا فهو موجود في المقدمة بجوار الكوخ الثلجي. إن رغبت في تخليصنا من بضعة أرطال فهو بمثابة السرقة عملياً. قلت: يا له من أمر. أظن علي معرفة كيفية طهي سمك أبو سيف. فقال: هذا هو نادي إيفرنال سيفرز بالنسبة لك. يمكنك أخذ ما تريده. قلت: لقد شعرت بذلك. حسناً لدي عمل للقيام به فإن احتجت لأي مساعدة فاسأل أي من زملائي. فهم على دراية تامة ومستعدون لفعل أي شيء ليجعلوا يومك يوماً في نادي إيفرنال سيفرز. قلت: حسناً. هذا جيد معرفته. صافحني واستدار للغادر ثم تذكرت فجأة سبب مجيئي. كان علي محاولة الانضمام مجدداً إلى الحبكة الفرعية الخاصة ببوبي والتي أفسدتها. قلت: توم. فقط... فقط شيء واحد. أريدك أن تعلم أنني لا أحاول إضاعة وقت الجميع في المجموعة كما تعلم بعدم التحدث عن والدي. ليس الأمر أنني لا أود المشاركة بل إن... أوقفني قائلاً: أنا أتفهم تماماً. أحياناً يكون الحديث صعباً ولا يهم أي شخص آخر حقاً. طالما أنك تستفيد من العلاج الجماعي فأنت تستحق الوجود هناك بقدر أي شخص آخر. سأخبرك لولا راحة الرفقاء لما استطعت أبداً تجاوز وفاة أخي. بدا شخصاً حقيقياً للغاية. سعيداً حين يحاول تبدو لطيفاً لكنه حزين أيضاً. حزين دائماً بعض الشيء. قلت: صحيح. رأيت نصباً تذكارياً له عند نهاية الموقف. أتمات هنا؟ لم يكن ذلك استجواباً سلساً تماماً. أخذ توم نفساً عميقاً. أجل لقد مات في الموقع. التقط توم إشارتي الساذجة في طرح الأسئلة واستدار بحرج ليغادر مرة أخرى. بدا أنني لن أحصل على تلك الدعوة إلى نادي المرح فائق السرية تحت المتجر بعد كل شيء. وجب على فعل أمر جذري. كان علي أن أكون صادقاً. قلت: ليس الأمر أنني لا أريد التحدث عن والدي. فقط... حين يتحدث الناس عن أحبائهم الراحلين يكون لديهم دائماً الكثير ليقولوه. كما تعلم، الطريقة التي تتحدث بها عن أخيك تجعلني كأنني أعرفه في هذه المرحلة. أتعني ما أصدق? لكن الأمر هو أن والدي توفيا وأنا صغير نسبياً وكبحت الكثير مما أتذكره. أخشى إن بدأت الكلام ألا أملك الكثير لأقوله أتعلم؟ وماذا سيظن الجميع حيال ذلك؟ إن عجزت حتى عن التحدث عنهما لأكثر من دقيقة فهذا كل ما هنالك. انكسر صوتي وأنا انطق بذلك. عاد توم نحوي ووضع يده على كتفي. وقال بصوت مهدئ للغاية: صدقني عندما تكون مستعداً للكلام ستجد الكلمات. وسنكون مستعدين للاستماع. عانقني وهو ما فاجأني ثم استدار للمغادرة. لا دعوة. بقيت واقفاً في الممر برغبة مبهمة في وضع المزيد من الأشياء في عربتي لكن رافقني صفاء ذهني مفاجئ يمنعني عن ذلك. تلفت حولي ورغم عدم رؤية أحد ظللت أشعر بأن أحداً يراقبني.