فكّر بوبي جيل وهو جالس في مقصورتها: "تحافظ كاروسيل دائماً على توازن دقيق للسيارات على الطريق". كان لا بدّ دائماً من وجود سيارات كافية لجعل العالم يبدو مأهولاً، ولكن ليس بالقدر الذي يمنعك من سماع ما يدور حولك. كانت الطرق بحاجة دائماً إلى أن تكون خالية بما يكفي لتتيح لك عبورها كيفما شئت، وإذا وجدت نفسك تمشي على طول الطريق، لاسيما في المناطق النائية، فلن تصادف سوى سيارة متجهة نحوِك من أحد الاتجاهين لا من كليهما. كانت السيارات آمنة في كاروسيل في الغالب، باستثناء المركبات المسكونة. حوادث السيارات هي كابوس العالم الحقيقي، فهي لا تنتمي إلى هنا. أدرك بوبي أن السيارات وُجدت فقط لإرساء المشهد. انحنى إلى الأمام داخل مقصورته مع اقتراب سيارة. كانت سيارة عسكرية ضخمة مُعاد تكييفها للاستخدام المدني، تشبه الهمر. كانت جانيت تكره السيارات الكبيرة من هذا النوع. لم تكن الطرق مهيأة لمركبات بهذا الحجم، وكانت ترى أن سائقيها يجعلون العالم أكثر خطورة على الجميع لمجرد إرضاء غرورهم. كانت دائماً امرأة حذرة، وعاقبتها كاروسيل على ذلك. كان سائق الهمر يرتدي قميصاً مصبوغاً بطريقة العقد والربط ومنزوع الأكمام. وكان بنطاله الجينز متسعا عند الأسفل. تدور أحداث هذه القصة في حقبة التسعينات، لذا بدا النمط مزيجاً بين عدم تناسق الأجيال وملابس المصممين باهظة الثمن التي لم يكن ليوفرها سوى أحد أكثر العقود ازدهاراً في التاريخ. على ما يبدو، لم يكن ذلك أمراً مقصوراً على الأرض وحدها. لم يكن بوبي يدري لماذا تبذل كاروسيل كل هذا الجهد لتعكس جمالية سينمائية تتماشى مع عالمه. لقد كفّ عن طرح الأسئلة الصغيرة من هذا القبيل. وكفّ عن طرح الأسئلة الكبرى. لم يبقَ سوى جواب واحد يحتاج إليه، وهو الجواب الأقل ترجيحاً للوصول إليه... أعطاه سائق الهمر المزيف المبلغ المضبوط، فأمّن عبوره. شخصيته تعمل في محطة تحصيل رسوم، لكن الأمر لم يكن هكذا دائماً. ذات يوم، في فترة أكثر سعادة من حياته، كانت شخصيته طبيباً بيطرياً. عرف بوبي ذلك لأنه حين استيقظ في منزل شخصيته ذلك الصباح، تجول في متحف من المقتنيات الشخصية التي ترسم معالم خط زمني يبدأ باتخاذ منحى محزن حقاً عندما اختفت زوجة شخصيته جانيت فجأة ودون أي أثر في أحد الأيام. في البداية، شعر بالاشمئزاز حين رأى كيف تستغل كاروسيل حياة بوبي الخاصة لصياغة قصتها الصغيرة. لكن ذلك الشعور تلاشى سريعاً، لأنه إذا بدأت كاروسيل أخيراً في الاعتراف بزوجته المفقودة، فهذا يعني أن بوبي ربما يكون اقتراب من إيجاد الأجوبة أكثر من أي وقت مضى. سيارة أخرى، والمزيد من النقود، ثم سيارة تلو الأخرى. فعل بوبي ذلك أمام الكاميرا. كان يعرف ما تبحث عنه كاروسيل. لم يبتسم. ولم يتصرف بودّ أو بمهنية. سمح للبريق أن ينطفئ في عينيه وهو يؤدي عمله. قالوا إن القصة تحمل طابع الحزن. وبوبي يستطيع إتقان الحزن. لذا عمل في محطة الرسوم أمام الكاميرا وخلفها لساعات حتى موعد تبديل المناوبات. أمام الكاميرا. كانت جوليا تقترب منه. كانت تمتلك مقصورتها الخاصة، مع أنه بخلافه، كانت معظم السيارات تعبر بجانب مقصورتها وحسب. لابد أن كاروسيل لم تكن بحاجة إلى لقطات للموظفين الآخرين وهم يعيدون المبالغ المضبوطة. ليس وكأن بوبي قد أعدّ المبلغ المضبوط، وكل ما كان عليه فعله هو أخذ المال وإعادة بقطع معدنية قليلة لهم. لم يكن الأمر وكأن الجمهور سيقوم بمراجعته محاسبياً. قالت: "يا بوبي، يبدو أنك نجوت ليوم آخر على الطريق السريع". كانت تتصرف بودّ، وتلك كانت دائماً صفتها المكملة، فهي مساوية له لكنها معكسة له. في هذه القصة، كان هو حزيناً ومكتئباً، لذا كان لزاماً عليها أن تكون سعيدة وودودة. لابد أنها كرهت ذلك. قال: "أهلاً يا جوليا". قالت: "انظرْ. أنا وبعض الرفاق على وشك التوجه إلى الحانة. فكرتُ في أنك قد ترغب في الانضمام إلينا لتفريغ بعض الهموم". تنهد قائلاً: "ليس اليوم يا جوليا، ربما في وقت آخر". فقالت: "هذا ما قُلته في المرة السابقة"، وقبل أن تتمكن من قول أي شيء آخر، قال: "أجل"، وابتعد تاركة إياها تحدق في أثره بنظرة ملؤها الشفق.
أخرج بوبي خريطة من جيبه. كانت تقنياً إعلاناً لشركة عقارية فقد صمموا مخططاً تفصيلياً لكاروسيل من النوع الذي يوزعونه على العملاء. كان يستخدمها لأنها تحدد مواقع الأحياء كافة في كاروسيل مع مربعات صغار تمثل كل منزل على الشارع. رفع الخريطة لتلتقط الكاميرا عدد الأحياء التي شُطبت وعدد المنازل الفردية التي زارها في سعيه. لم يكن صدفة أبدًا أن يكون اليوم هو الموعد الذي نوى فيه التوجه إلى شارع توذر ومعه كومة من ملصقات المفقودين المصنوعة منزلياً. حمل الاسم جانيت جيل ولم تكن الصورة لشخصية غير لاعبة بل كانت هي شخصيته جانيت زوجته زوجته الحقيقية. كانت كاروسيل قد رتبت أن يصنع هذه الملصقات بصورة وجه لامرأة تشبه جانيت كثيراً ويحسب لها ذلك. عوضاً عن ذلك أخرج بوبي محفظته والتقط منها صورة التقطها لجانيت قبل عامين من مجيئه إلى كاروسيل. كانت من رحلتهما إلى ديزني وورلد. لطالما سايرت جانيت حبه للملاهي بشكل أو بآخر لكنها استمتعت حقاً في ديزني وورلد أيضاً. لعلها الحنين لا غير. التقط لها صورة أمام القصر المسكون وتضمنت تلك الصورة كل ما أحبه في الحياة زوجته والرعب. قصوا في المطبعة معظم صورة القصر المسكون وركزوا على وجه جانيت. سايرت كاروسيل الأمر وعلم ذلك لأنه حين مر ببعض الملصقات القديمة التي علقتها شخصيته سابقاً كانت قد تغيرت وصارت تطابق تلك التي يحملها بين ذراعيه. ستلعب جانيت دورها الآن. أمل أن يعني ذلك شيئاً. عاد إلى مكانه المعتاد شارع توذر. عرف أولئك الشخصيات غير اللاعبة كافة بأسمائهم. تساءل عما إذا كانوا سيعرفونه على مستوى ما. مشى نحو المنزل الأول في الشارع طرق الباب وحين أجابت المرأة خرج عن الشاشة. كانت هذه المرأة تدعى أريثا جونسون على ورق الجدران الأحمر وتحدث إليها مراراً. كانت امرأة طاعنة في السن وظن أنه رأى الشفق في عينيها تماماً مثل جولز لكنه ربما تخيل ذلك. مدت يدها لتأخذ ملصقاً لكن بوبي عرف في تلك اللحظة أن الأمر لن يفرق شيئاً. لم تكن كاروسيل تسجل محادثته معها أصلاً ولهذا السبب لم تكن تتحدث. انتزع ملصقاً من الكومة التي بين ذراعيه وناوله للمرأة. أمسكت به ونظرت إلى الصورة وقرأت ما كُتب هناك. رفعت عينيها إليه وتمتمت بلا صوت: "حظاً موفقاً". سار بوبي في الشارع وطرق بضعة أبواب أخرى لكن اتضح أن كاروسيل ستوحي فقط بأنه طرق كل باب. من الواضح أن هذا لم يكن المشهد المفترض ليؤسس فيه خلفيته الدرامية على الشاشة. ولم يعد إلى الشاشة إلا لاحقاً حين كان يثبت الملصق بدباسة على عمود هاتف. لكن هذا كان كل شيء. انتهت كاروسيل منه لفترة. لا بأس فقد رأى يوميات شخصيته حين جال في منزله وبدا أنه مبرمج لحضور جلسة علاج جماعي في تلك الليلة. وهناك حيث سيبث شكاواه. هكذا ابتعد عن شارع توذر متجهاً نحو مشهده التالي. بعيداً في الأفق كان الفريق الذي جاؤوا لإنقاذه في نادي إيتيرنال سايفرز وإذا كان النص القصير جداً الذي مُنح له دقيقاً فقد بلغوا منتصف وقتهم في هذا الفيلم بالفعل. نأمل أن ينجو هو والآخرون لفترة أطول.
لم يضمّ الفوج سوى ثلاثة عشر شخصاً. حضر أكثرهم لمجرد تبرير كمية المقرمشات والمشروبات على الطاولة الخلفية. شعر بوبي بخيبة أمل حين وجد الجميع جادسين في حلقة، ممّا يعني أنه لن يستطيع الجلوس في الخلف والمراقبة. ستكون لعبة بطاطا ساخنة حيث يتوجب على الخاسر أن يفرغ ما في روحه. استطاع بوبي تحمل الأمر، فقد أمضى أغلب وقته في كاروسيل يتأمل روحه وما تحتمله الفرصة في عالم كهذا. بطبيعة الحال، تساءل بوبي أيضاً عما سيحدث لو كان رايلي هو من يخسر اللعبة ويضطر للحديث عن مأساته. هل منحته كاروسيل قصة خلفية آمنة كي لا يضطر للحديث عن والديه؟ جلست كيمبرلي بجانب رايلي، وإن وقع الاختيار عليها فلن تجد مشكلة في ذلك. دخلت كاروسيل خائفة، تماماً مثل جانيت، غير أن الخوف حولها إلى ناجية. لم تكن تخيف جانيت تلك القوة التحويلية. لم يجد بوبي الأمر عادلاً. وقف رجل يدعى توم في المنتصف، توم كارمايكل على ورق الجدران الأحمر. ارتدى سراويل قماشية وقميصاً أزرق فاتحاً بأزرار. حمل حلقة مفاتيح عملاقة وبطاقة تعريف مغلفة تدلت من حزامه. حملت البطاقة شعار نادي المنقذين الأبديين، حرف إي إس سي بسيطة. ولكن حتى لو لم يره بوبي، بدا جلياً أن توم شخص مهم، لأن توم تولى تسعين بالمئة من الحديث. قال توم: "ما أدركته منذ وفاتي أخي هو أنك حين تفقد شخصاً بذلك القرب، فأنت لا تحزن عليه فحسب، بل تحزن على الشخص الذي كنته حين كنت قريباً منه. فعلنا لانس وأنا كل شيء معاً. حمىني من المتنمرين أطفالاً، وحمىني منهم كباراً أيضاً. كان الرجل الذي آمن بي حتى حين عجزت عن ذلك، فاعتمدت عليه في كل ما فعلته. استطعت استبدال ثقتي بثقته. لا أظن أنني اعتمدت على أحد بقدر اعتمادي عليه. ولكن حين رحل، رحل معه الكثير مني لدرجة أنني أجد نفسي راغباً في معرفة ذلك الرجل مجدداً، الرجل الذي اعتدت أن أكونه. غير أن الحقيقة هي أن تلك النسخة مني قد تركت هذا العالم خلفها. جزء من عملية الحزن هو اكتشاف من يمكنك أن تكونه بلا حبيبك، والأهم من ذلك، من يمكنك أن تكونه بسببه، بسبب ذكراه، بسبب تلك الهدايا الصغيرة غير المنظومة التي منحك إياها". كان طويلاً، ذو بنيّة عادية، لكن على رجل بطول ستة أقدام وثلاث بوصات، تعني البنية العادية عضلات أيضاً. أدرك بوبي أنه يتمتع بوجه ودود للغاية، لا بطريقة مزيفة كالمستقبلين في نادي المنقذين الأبديين. استطعت رؤية الحزن في عينيه. لم يكن بوبي متأكداً مما إذا كان يثق بأحد لا يبدو حزيناً بعض الشيء.