طفقتُ أطيل النّظر في الصفحة. وكان اسم المأمور توماس باتشر يحدّق بي بدوره من الأعلى. ماذا حلّ بالمأمور جوناثان ميلر؟ لقد نصّبوا تومي باتشر مأموراً، وهو الشخص ذاته الذي اشتبهنا في ضلوعه بإحباط محاولات الأهالي للعثور على تامارا كانو. بدا منطقياً أن يستبدلوه. فقد بدا المأمور ميلر راغباً حقاً في حلّ اللغز. استوعبت ما يحيط بي. كنت أقف تماماً خارج مكتب كبير حمل اسمي صدفة على بابتها. وبحسب اللوحة المعدنية، كانت رتبتي منتج تحقيقات رئيسياً، ما يعني أنني صرت المدير الآن. ظننت أن تسلّق السلم الوظيفي يفترض أن يكون شاقاً. سمعت جلبة في البعيد، في أقصى الممر، فعزمت على تعقّبها. "ونحن على الهواء خلال خمس... أربع... ثلاث... اثنتين..." تتبّعت الصوت في الممر، وما رأيته كان استوديو ضخماً لمحطة إخبارية. كانت هناك طاولة مذيعين وعدة كاميرات مصطفة لالتقاط الأشخاص متأنقي المظهر الجالسين خلفها. وكان هناك خبير أرصاد جوية وشخص آخر تولى الشأن الرياضي على الأرجح. لكن لم يكن هؤلاء هم من كانوا على الهواء مباشرة في تلك اللحظة. ومع بلوغ العد التنازلي الواحد، جلست كيمبرلي على طاولة المذيعين مذهولة. أضاء مصباح معلناً البث الحي، وظننت في البداية أن كيمبرلي لن تدرك ما يدور حولها. لكنها تفطنت للأمر، في اللحظة الأخيرة ظاهراً. حدقت في الكاميرا وقرأت من جهاز التلقين الآلي. كانت على الشاشة. "مساء الخير يا كاروسيل. تحقق السلطات حالياً في ظاهرة جديدة مزعجة: نقابة من الأشخاص الذين يتناولون الطعام ويفرون هاربين. هذا صحيح، تستهدف هذه المجموعة المطاعم المحلية، وتستمتع بوجبات فاخرة قبل أن تختفي دون دفع الحساب. تعمل شرطة كاروسيل بجهد للقبض على هؤلاء الجناة وضع حد لنشاطهم الاحتيالي. وفي أخبار أخرى، خلفت موجة من الجرائم تنطوي على تحطيم تماثيل الحدائق وسرقتها حالة من الخوف في المجتمع. يبلغ السكان في أنحاء كاروسيل عن اختفاء زينة حدائقهم العزيزة، مما خلق أجواء من القلق. تحث الشرطة كل من يمتلك معلومات على التقدم بها بينما تكثف جهودها للإمساك بالمسؤولين. ترقبوا المزيد من التحديثات بينما نواصل تغطية هذه القصص المتكشفة. أنا كيمبرلي ماديسون، وهذا برنامج كاروسيل الإخباري تسعة". نجحت في إلقاء سطورها دون تلعثم. وما إن انتهت وخرجت من الهواء، حتى علت وجهها ملامح تبين مدى خيبة الأمل في نقل قصص كهذه. وما إن رأتني كيمبرلي حتى غادرت الشاشة. وشحب لونها أيضاً. أقلقني تعبير المفاجأة على وجهها كثيراً. وبينما كنت أحدق فيها، أدركت السبب. لقد تقدّمت في السن عشر سنوات. كانت تضع مساحيق التجميل وقد رتبت شعرها بعناية، لكنها بدت أكبر سناً بعشر سنوات بلا شك. مما يعني بالطبع أنني ربما بدوت أكبر سناً بعشر سنوات أنا الآخر، وهذا ما جعلها تبدو مذهولة إلى هذا الحد. اقتربت مني فوراً وقالت: "كيف أبدو؟" قلت: "تبدين رائعة". راحت تفرك وجهي لترى ما إذا كان تقدمي السريع في السن ناتجاً عن مساحيق التجميل أو شيء آخر. قالت: "يا للهول، نحن في أوائل الثلاثينيات من عمرنا". قلت: "أعلم حقاً، كأن كاروسيل قد قتلتنا للتو". أشرت لها كي تتبعني إلى مكتبري، وبينما سرنا في الطريق، عثرت على الشخصية غير القابلة للعب مجازاً التي سلمتني الملف الخاص بشرق كاروسيل، فطلبت منها أن توفر لي كل ما لدينا من ملفات تخص شرق كاروسيل طيلة السنوات العشر الأخيرة، المتعلقة بجرائم القتل أو أي جرائم كبرى. نظرت إلي كأنما طلبت منها إنجازاً ضخماً، لكن بعد عشر دقائق، حين دخلت مكتبي، لم يكن الملف الذي جمعته فارغاً تماماً، لكنه لم يكن مليئاً بالكامل أيضاً. سألت كيمبرلي: "بعد عشر سنوات؟" قلت: "أجل. أسلوب سردي كلاسيكي. يفسر بعض الأمور نوعاً ما، مثل سبب عدم رؤيتنا لأي أعداء قط. كنا في قسم ما قبل الحدث. لو رأينا أدلة قوية للغاية، لبدا الأمر غريباً لو تركناها وشأنها طيلة عقد كامل". سألت كيمبرلي: "إذن سنعود إلى هناك الآن؟" قلت: "أجل. سيتعين علينا تقديم عرض كامل نشرح فيه سبب عودتنا للقيام بذلك، لكن ينبغي أن يكون الأمر سهلاً للغاية". مناولتها الملف الذي أُعطيت إياه عند وصولي لأول مرة. قالت كيمبرلي: "يقول هذا إن المأمور الحالي هو أنطوان ستون؟" "بالتأكيد. بعد وفات المأمور توماس باتشر". كانت حائرة حيال ذلك تماماً مثلي. لم يتسن لنا قضاء الكثير من الوقت برفقة تومي باتشر، لكنه لم يبدو البتة من نوعية الرجال الذين يصلحون للقيادة. قلت، بينما شرعنا في تصفح الملفات التي مُحْنَا إياها، فضلاً عن بعض الملفات الموجودة سلفاً في مكتبي: "انظري إلى هذا. يقول إننا أحلنا أدلتنا ولقطاتنا المصورة إلى مكتب تحقيقات كاروسيل". سألت كيمبرلي: "مكتب تحقيقات كاروسيل؟" قلت بابتسامة: "مكتب تحقيقات كاروسيل". "بالطبع". "خلصوا إلى أن شاهدتنا، أم الطفل المفقود، غير موثوقة ولديها ضغينة ضد السلطات المحلية وأفراد المجتمع. لقد كانت عدائية حين تواصلوا معها، لذا قرر مكتب تحقيقات كاروسيل عدم المضي قدماً في التحقيق". على الأقل لم تستسلم شخصياتنا تماماً. لقد حاولنا إشراك رجال الشرطة الحقيقيين. لم يكشف تصفح كل المعلومات التي بحوزتنا عن شرق كاروسيل عن الشيء الكثير. كانت هناك بضع جرائم، صحح، لكن أغلبها خلافات أسرية. لم يبدو أن هناك قدراً كبيراً من الجرائم في شرق كاروسيل. لكن الأخبار الأخرى لم تكن إيجابية بالمثل. مرّ شرق كاروسيل بموجات جفاف ومجاعات، وبكل نوع من الاضطرابات الزراعية والاقتصادية. امتلكنا الكثير من القصص عن أشخاص يغادرون البلدة بحثاً عن آفاق أفضل في مكان آخر. بدا أن شرق كاروسيل لم تكن تلك البلدة الزراعية الصغيرة السعيدة التي ربما كانت عليها من قبل. بعد أن فتّشنا وشعرنا بالرضا، بدأ المشهد الذي توقعناه يُعرض على الشاشة. مشت كيمبرلي في الممر نحوي. قلت: "هيه يا كيمبرلي، تعالي إلى هنا ثانية. أتذكرين تامارا كانو؟" توقفت كيمبرلي للحظة، لا تأملاً بل فضولاً. "أذكرها بالطبع يا رايلي". "حسناً، انظري إلى هذا. قُتل مقيمان يمكننا ربطهما إما باختفاء تامارا كانو أو بوفاة بيني هارليس إن كنت تذكرينه". سألت وهي تنظر إلى الملف: "جريمة قتل؟" أجبت: "أجل. أمر غريب، أليس كذلك؟" واصلنا تبادل الحديث ذهاباً وإياباً لفترة، وبقينا ظاهرين على الشاشة، فاستمررنا في الكلام. كانت كاروسيل تستعصر منا محادثة جيدة، شيئاً يبرر قرارنا بالعودة إلى القضية. أسندت ظهري إلى نافذتي وطللت على كاروسيل الأصلية. سألت: "يا لنا من صحفيين استقصائيين، أليس كذلك؟" قالت كيمبرلي: "من المبكر قليلاً قول استوينا صحفيين. ما زالت مسيرتنا المهنية بأكملها أمامنا". قلت: "لا يبدو الأمر كذلك. أتتذكرين حين قلنا لأنفسنا إن العثور على تامارا كانو سيكون البداية بالنسبة لنا، وإننا سنصبح صحفيين حقيقيين؟ ماذا حلّ بنا؟" توقفت كيمبرلي لتتأمل. "لقد بذلنا قصارى جهدنا يا رايلي. سلمنا معلوماتنا للسلطات. وهم من قرروا عدم المضي قدماً. نحن نؤدي عملنا. هذا كل ما يمكننا فعله". قلت: "هذا ما أحدث به نفسي أنا الآخر". سحبت كيمبرلي ملصق مفقود من ملف الأوراق وحدقت فيه. طاردتها صورة تامارا كانو. قالت: "أظن أننا لم نكن نحقق في شخص مفقود قط. يمكننا على الأرجح تسميتها جريمة قتل الآن". قلت: "أخشى ذلك. جريمة قتل أخرى في شرق كاروسيل الصغيرة العتيقة". لم نقل شيئاً لفترة. سألت: "إذن، مأمور مقتول؟ يستحق الأمر خبراً إذن". سألت: "أترين أنه جدير بالتحقيق؟" "لو أمكننا فقط جعل منتج التحقيقات الرئيسي يوافق على ذلك هذه المرة". ابتسمت. "لا أظن أن هذه ستكون مشكلة". استأجرنا مصوراً وسارة تابعة للشركة وغادرنا بينما كان ضوء النهار وفيرآ بعد.
كان الطريق إلى كاروسيل الشرقية قصيراً جداً. لم تكن تبعد في الواقع مسافة كبيرة بالسيارة. مع ذلك التقطت كاميرات كاروسيل عدة لقطات لنا ونحن نبتعد عن الشمس المغيبة. بدا جلياً للغاية ما طرأ من تغييرات على كاروسيل الشرقية حين وصلناها. كان المكان أكثر مقفرة. أغلقت نصف المتاجر أبوابها باستثناء المتجر الشامل بالطبع لحسن الحظّ. صار محطة وقود عمّ دينا تحمل اسم متجر باتشر الشامل. كانت الحقول كفيلة بالإصابة بالاحباط. سيكون الحصاد ضئيلاً. عرفت ذلك رغم أن معرفتي بالزراعة ضئيلة للغاية. رأيت الحقول قبل عشر سنوات وبدت الأمور كئيبة بالمقارنة. تدلت المحاصيل بلا حياة. كان هناك يأس وغبار يملآن الجو. رأينا برج مياه كتب عليه بطلاء الرش عبارة «عشر سنوات أين تامارا كانو؟» بينما كنا ندخل البلدة. كنا نعرف طريقنا إلى مركز الشرطة. وجدنا أنفسنا في غضون لحظات أمام مأمور الشرطة بالوكالة أنطوان ستون شخصياً. عبر الشاشة. قلت: "أهلاً أيها المأمور". رد أنطوان: "مرحباً". قرر تمثيل دور من لا يعرفنا. لكننا جلسنا في مكتبه نحدق بعضنا في بعض محاولين ايجاد جانب طريف في تقدمنا السريع في السن. قال أنطوان: "بما يمكنني مساعدتكما أيها السيدان؟" بدأت كيمبرلي قائلة: "المأمور ستون ربما لا تذكرنا لكننا كنا هنا قبل نحو عشر سنوات نجري تحقيقاً صحفياً لصالح أخبار كاروسيل تسعة". قال: "أه أنتما. أجل أذكرهما. ليس كل يوم يأتي صحفيو المدينة الكبيرة إلى كاروسيل الشرقية. لذا أظن أنكما سمعتما بمقتل سلفي ورأيتما أننا نستحق وقتكما مرة أخرى". قالت كيمبرلي: "أردنا المجيء لإجراء متابعة. كانت الجريمتان عاملاً حاسماً نظراً لارتباط القتيلين باختفاء تامارا كانو ومقتل بيني هارلس". قال أنطوان: "مقتل بيني هارلس". فكر لبرهة. "لم أُفكر في ذلك منذ سنوات. اعتُبر حادثاً. لا يمكننا ربط الجرائم لمجرد أن الأشخاص المعنيين يعرفون بعضهم. ليس هنا في كاروسيل الشرقية. إنها بلدة صغيرة. لو فعلنا ذلك لارتبطت كل الجرائم". ابتسم ولاحظت أنه يتلاعب بنا. لقد خطط بوضوح لطريقة أدائه لشخصيته. قالت كيمبرلي: "كف عن هذا الهراء. أنت تعلم أن ما حدث كان مريباً. وتعرف أن القصة تخفي أموراً أخرى". خفض أنطوان نظره إلى مكتبه. قال: "إذا كان هناك ما يثير الريبة أشك في أن يكون هذا المكان صالحاً لكشفه قط". سألت كيمبرلي: "ماذا تقصد بذلك؟" توقف أنطوان ثم تحدث. "كانت السنوات العشر الماضية قاسية على كاروسيل الشرقية. يبحث الناس دائماً عن شخص يلقون اللوم عليه. كنت قبل عشر سنوات الشاب المتهور الذي قبض على هارب. والآن أصبح ظهري عرضة للرماية. يلومني الناس على هذه الجرائم بطريقة ما. بالنظر إلى طريقة كلام الناس وتصرفاتهم هذه الأيام لن تفاجئني إن وُجدت مؤامرة. وهذا الكلام ليس للنشر". تساءلت عما حدث لشخصية أنطوان لتبرير كلامه. ربما بدأ أهل البلدة ينظرون إليه بعد مقتل المأمور باتشر بالريبة ذاتها التي أظهروها تجاهنا. كانت شخصيته تري كاروسيل الشرقية الحقيقية أخيراً. قالت كيمبرلي: "أيها المأمور أحس أن حلفاءك قليلون هذه الأيام". قال أنطوان: "حدسك دقيق". قالت كيمبرلي: "ربما كنت بحاجة إلى بعضهم". توقف أنطوان ثم قال: "إذا سمحت لكما بمساعدتي فعليكما إدراك أمر واحد. الوقت يمضي بسرعة وببطء في آن واحد في مكان كهذا. بالنسبة لبعض الناس هنا اعتبرت قبل عشر سنوات كأنها البارحة". قالت كيمبرلي: "أدرك هذا الشعور". قال أنطوان: "أظن أنكما قد ترغبان في التحدث إلى من احتجزتها في الزنزانة". هل كان يتحدث بلهجة مختلفة؟ سألت: "من؟" "حسناً حدث أن أُبقي على والدة تامارا كانو متلبسة بتخريب معالم البلدة بطلاء الرش. يبدو أنها تعتقد أن عشر سنوات مدة كافية". قلت: "أظن أن علينا التحدث إليها".
كان مكتب المأمور هذا في بلدة صغيرة لذا قطعنا بضع غرف ورأينا دينا ممددة داخل زنزانة. بدأت بالصياح فور رؤيتها لنا. قالت: "ليست أنت. أَعِدتِ الكرة لقصة أخرى؟" كنا قد وعدنا شخصية دينا بمساعدة في العثور على ابنتها وأخلفنا ذلك الوعد. تركنا هذه البلدة ومشاكلها خلفنا. قالت كيمبرلي: "آنسة كانو لا أستط—" "إذن تذكرنني حقاً. لماذا لم تتذكرن عندما كنت أرسل رسائل إلى محطتكم كل شهر محاولة الوصول إليكم؟ شعرت كأنني أتصل كل أسبوع طوال ثلاث سنوات فقط لأحظى ببعض الاهتمام بقضية ابنتي". توقفت كيمبرلي. قالت: "أنا آسفة. لم نكن نقدر على فعل أي شيء حيال التحقيق. سلمناه إلى مكتب التحقيقات الاتحادي". صرخت دينا: "مكتب التحقيقات الاتحادي؟ جل ما أرادوه إثبات أن شيئاً سيئاً لم يحدث ليعودوا إلى المدينة. تجاهلوا مكالماتي أيضاً". قالت كيمبرلي: "حسناً نحن عائدون لتولي القضية الآن. لا داعي لأن تسامحينا ولكن إن أردت معرفة ما حدث لابنتك فنحن خيارك الأفضل". هزت دينا رأسها. "ستحصلان على قصتكما ثم تغادران". قالت كيمبرلي: "القصة التي سنحصل عليها هي قصة ما حدث حقاً. نحن هنا للبحث عن الحقيقة". حدقت دينا في الأرض. "الحقيقة لا تهم هنا في كاروسيل الشرقية. حاولت إخبارهم بتورط آل باتشر منذ سنوات". قال أنطوان: "كانت الآنسة كانو تضايق عائلة باتشر طوال الجزء الأكبر من العقد الماضي. نتلقى كل بضعة أشهر بلاغات للقبض عليها بتهمة التعدي على ممتلكات الآخرين". أومأت كيمبرلي برأسها. قالت: "لا نخطط لمضايقتهم. إن كانوا متورطين بأي شكل فنحن نخطط لضمان معرفة الجميع". انتظرت دينا لحظة كأنها تحاول استذكار جملة. قالت: "ما الخيار المتبقي لي؟ إما أنتما وإلا أحد وقد جربت خيار لا أحد".