نظرت في وجه بيني مباشرة. تحت طبقة الشحم، بدا وجهه كوجوه الملائكة التي تزهو بالابتسام. شعره الخفيف جعد لكنه منسق. كان يختلس النظر بين الحين والآخر إلى السيدان الأخضر الذي جلب له كل هذا العناء، لكنه ظل مؤدباً ومنتبهاً ويبدو مهتماً جداً بالطفلة المفقودة حسب حدود فهمي. قال بينما كانت كيمبرلي تقرب الميكروفون من وجهه: "نعم، أنا وولدي. لقد رأينا تلك الفتاة تحوم هنا كثيراً. تحب تأمل المزارع والنباتات والأشجار في الحقول. فتاة لطيفة، لم ترتكب خطأ قط. وفي ذلك اليوم، أتذكر أنها بدت منزعجة. هذا ما قلته للشرطة. عادة ما تكون مبتسمة وتثب كأن الشمس صديقتها المفضلة، لكنها كانت حزينة في ذلك اليوم، ورأيت آثار البكاء على وجهها. ليتني ناديتهأ لأعرف ما بها. لم تكن لدي وسيلة لمعرفة ذلك، كما ترين". شرع بيني في الكلام قبل أن تتبدل الكلمات في حلقه. كادت مشاعره تغلبه. كان جبينه مقطبًا وعيناه صافيتين لطبقة رقيقة من الدموع. قالت كيمبرلي: "وهذا حدث قبل ثلاثة أيام؟". "صحيح". "نعم يا آنستي. ثلاثة أيام. كنت وولدي نجوب الغابات والحقول بحثاً عنها. قمنا بواجبنا. كانت متجهة نحو البلدة. حقاً لا أعرف ما حل بها". قالت كيمبرلي للكاميرا: "إذن، استمعتم إليها هنا، مأساة في كاروسيل الشرقية. تامارا كانو لا تزال مفقودة. إن كانت لديكم أي معلومات عن الفتاة المفقودة، يرجى الاتصال برقم إدارة الشيريف الظاهر على شاشتكم. مواطنو كاروسيل الشرقية أمثال السيد بنجامين هارليس يخرجون بأعداد غفيرة للبحث عن الفتاة المفقودة، ولا يزال الأمل قائماً في العثور عليها إعادتها إلى والدتها. معكم كيمبرلي ماديسون من أخبار كاروسيل تسعة". قلت: "وانتهينا". لم أكن متأكداً حقاً إن كان منتجو الأخبار يطلبون "قطع" التصوير أم لا، لكني تذكرت بصعوبة أحدهم وهو يقول شيئاً يشبه "وانتهينا" حين كنت أتابع أبريل أونيل وهي تقدم تقريراً إخباريّاً في فيلم سلاحف النينجا. لم أكن أعلم حتى إن كان ذلك الفيلم يُبث. كان نيك يتولى كل شيء. اكتفيت بارتداء سماعات الرأس وبسط ملامح جادة لأبدو وكأنني أعمل. ~-~ سأل بيني باهتمام: "كيف كان أداءي؟ أظنك تظن أن هذا سيساعد في العثور على تلك الفتاة؟ كانت تامارا تأتي إلى هنا. اعتادت اللعب مع ابني راستل. لا أعرف ماذا سأقول له إن أصابها مكروه". سألت كيمبرلي: "ابنك؟ هل يعرف تامارا؟ هل هناك احتمال أن نلتقي به؟". "أظن أن هذا ممكن، لكن يجب أن تعلمي أنه... أنه عاش حياة قاسية قبل مجيئه إلينا، وهو لا يتكلم. لكنه يستفهم كلامك وذكّي حقاً. الأمر وما فيه أنه يتوتر بحضور بعض الناس، فإن لم يرغب في التحدث إليك، فلن يفعل. أرجو أن تفهمي". قالت كيمبرلي: "أنا أفهم تماماً. أود فقط أن أرى إن كان لديه ما يقوله... بطريقته الخاصة". كنا لا نزال قيد التصوير، فلم تسنح لنا فرصة الحديث في أي شيء، لكن الأمور كانت تسير بسلاسة وببطء شديد، مما أشعرني بالارتياح. كانت كيمبرلي في عنصرها. ورغم افتقارها إلى الدفء الطبيعي الذي تتمتع به أنا، إلا أنها بارعة في الحديث مع الناس وتعرف تماماً متى تتنهد ومتى تبدو حزينة. تلك مهارة بحد ذاتها. قالت بينما كان بيني يقودنا إلى الجانب الآخر من متجره: "دعيني أتولى الحديث". قلت: "أتعلمين أنك لست الوحيدة التي تمتلك... الجرأة، أليس كذلك؟". أجابت: "أدرك ذلك". حين انعطفنا بجانب المتجر، سقط فكي دهشة عند انكشاف أحد أجمل الحدائق وأكثرها تعقيداً التي رأيتها قط. كان أواخر الخريف، لذا كانت أغلب النباتات الخضراء تخص القرع واليقطين والذرة إلى جانب أشكال وألوان عديدة من عباد الشمس لم أرى مثيلها من قبل. قالت كيمبرلي: "هذا رائع". أجاب بيني: "أهلاً بك، شكراً لك. لكن لا فضل لي في ذلك؛ فهذا من عمل زوجتي وولدي". وما إن أتى على ذكرهما حتى رأيتهما في الحديقة. كان ابنه صغيراً، لكن إن قدرت سنه، فلا بد أنه بلغ العاشرة تقريباً. بينما كنت أتأمل الشمس وهي تنعكس على وجهه، كان ينتزع دودة كبيرة أو ربما يرقة من إحدى زهرات عباد الشمس. نظر إلى الدودة بإمعان وذهول وألقى بها في علبة قهوة قديمة واصل البحث عن ديدان أخرى. على ورق الجدار الأحمر، كان اسمه راستل، لا رسيل، بل راستل على غرار حفيف الأوراق في الريح. انتبهت المرأة الواقفة بجانبه إلى قدومنا. اسمها روز هارليس. كان كلاهما شخصيتين غير لاعبتين. أضفت روز معنى جديداً لمصطلح أطفال الزهور. كانت ترتدي تاجا من الزهور البيضاء وفستاناً صيفياً ظننت أن الجنيات وحد هن من يلبسنها. كانت حافية القدمين وشعرهأ منسدلاً وطويلاً. كانت تنظر إلى راستل كأنه الشمس لزهرتها. من خلال حديث بيني، لم يكن راستل قريباً لهما بالدم بل كان مبنياً. وبمراقبته، بدا كلامه دقيقاً. كان آل هارليس يتميزون بشعر داكن وملامح متوسطية، بينما تمتع راستل ببشرة شاحبة وشعر دقيق يكاد يكون أبيض. توجه بيني إلى زوجته لمناقشة الأمر. لم أستطع تبين ما كانا يقولانه، لكنها بدت مترددة بوضوح. ورغم ذلك، تراجعت. أمسكت براستل من يده، فقاداه هو وبيني نحوي أنا وكيمبرلي. قالت روز: "لا كاميرات. ولا أعرف إن كان بيني قد أخبرك بهذا، لكن إن لم يعجبك راستل، فلا حديث معه. وانتهى الأمر". قالت كيمبرلي: "بالتأكيد". ركعت لتصل إلى قامة راستل وقالت: "ما رأيك يا صديقي؟ أتعتقد أن بإمكانك التحدث معي عن صديقتك تامارا؟ أنا أحاول العثور عليها فحسب". اقترب راستل من كيمبرلي ونظر في عينيها. رأيت بصمت ذكاءً غريباً في عينيه. كانتا داكنتين وثاقبتين لدرجة تعذر معها رؤية حدقة عينيه. بعد لحظة من التوتر، ابتسم راستل. التفت إلى أمه وأومأ برأسه. ثم نظر إلي ثم عاد فنظر إلى أمه. قالت روز: "حسناً إذن. اذهب وارتد قبعة البيسبول يا بني". أطاع راستل وذهب لجلب قبعة زرقاء وبيضاء صغيرة من الحديقة. وضعها على رأسه وأدارها للخلف ليصبح حاجبها في المؤخرة. كان طفلاً نحيلاً ورياضياً في العاشرة من عمره. ووفقاً لكلام أبيه، لم يتحدث قط، لكنه تواصل بطرق أخرى بلا شك. قالت روز: "لدينا طاولة وكراسي في الشرفة. دعوني أذهب لجلب شاي بالأعشاب". أشارت إلى مجموعة أثاث مريحة تبدو مصنوعة يدوياً. وجد بيني وراستل وكيمبرلي ومقاعدهم بينما ذهبت روز لتحضير المشروبات. وما إن اختفت حتى التفت إلينا بيني وقال: "إذن، صديقكم لا يفعل شيئاً لصيانة تلك السيارة، أليس كذلك؟". قلت: "أظن ذلك. إنه رجل كاميرات أكثر منه ميكانيكيّاً". أومأ بيني برأسه. "نعم، استنتجت ذلك من صوت محركها وهي تسير في الشارع. لا أعرف ما فعله بها. عادة ما أميز الأعطال هكذا،" قال وهو ينقر بأصابعه، "لكننا نحتفظ بمشاكل عدة تحت ذلك الغطاء. خذوا كلامي بجدية، إنها تخلط بين سوء الصيانة والقطع الرديئة، صدقوني". سألت: "إذن، منذ متى وأنت تعمل ميكانيكيّاً؟". "منذ ما قبل أن أعرف كلمة ميكانيكي، كنت أعمل تحت أغطية السيارات وأحطم مفاصل أصابعي. عائلة هارليس تبدأ العمل باكراً. راستل هذا يعمل في الحديقة منذ أن كان صغراً جداً، أليس كذلك يا بني؟". أومأ راستل برأسه مبتسماً. أشار بيديه نحو عباد الشمس ثم أشار إلى نفسه. قال بيني: "ما هذا يا بني؟ أه، إنه يحاول إخباركم بأنه من عثر على نباتات عباد الشمس. يحب التجول في الغابات، وقد عثر على بعض بذور عباد الشمس فزرعها العام الماضي، وفي هذا العام زرع بذور تلك البذور، والآن لدينا غابة كاملة من عباد الشمس". قالت كيمبرلي: "هذا رائع حقاً. إنها جميلة للغاية". تهلل وجه راستل بشراسة. بينما كنت أتفقد الحديقة، رأيت شيئاً جعل قلبي يقفز. كانت فزاعة. بدت كفزاعة عادية ترتدي ملابس عمل وقميصاً قماشياً قديماً محشواً بالقش. لم تكن ترتدي قفازات ولا تحمل بطاقة اسم. لكن الوجه، وجه الأزرار والقبعة الصغيرة المخيطة، كان رأس الفزاعة ذاته الذي تعرفت عليه من مغامرة بيني الفزاعة المسكونة. لم تكن باهتة بفعل الشمس أو بالية كما تذكرت، لكنها كانت هي نفسها. لم تكن هذه الفزاعة تطير أو تقطع رؤوس الناس. كانت معلقة فقط على صليب خشبي صغير لتخويف الغربان. ~-~ تحدثنا لمدة ساعة تقريباً. قالت روز: "في الواقع، كنا سعداء فقط لعثوره على صديق. فكثير من أطفال هذه المنطقة قاسيون في أحكامهم. كانت تامارا مختلفة. كانت لهما لغتهما الصامتة الخاصة. كانت تأتي إلى هنا ويلعبان في الحقول، وتساعد راستل في عمله بالحديقة". قال بيني: "كان راستل منزعجاً للغاية منذ علمنا بفقدانها. لا أعرف لماذا لم يقضيا وقتاً معاً في ذلك اليوم. عادة، لا تغادر إلا لتصل إلى البيت قبل حلول الظلام. لا أعرف لماذا غادرت باكراً في ذلك اليوم". جلس راستل في مقعده ونظر إلى الطاولة. كانت شفته السفلى محشوة بإحكام بين أسنانه وهو يمضغها، وهي حركة تدل على التوتر. قالت كيمبرلي: "كنت أتسااءل فحسب، هل هناك مكان تقصدانه أنت وتامارا؟ ربما ناد، أو كهف، أو مكان خاص تذهبون إليه في الغابة؟". هز راستل رأسه نافياً. أوضح بيني: "لقد جُلنا في المنطقة التي اعتادا ارتيادها معاً. كانت لهما أماكن يرتادانها قرب الجدول وعبر الغابات والحقول في الشمال، لكننا لم نعثر عليها هناك. نظمنا مجموعة بحث كاملة في تلك المنطقة ولم ير أحد شيئاً". كان التحدث إلى راستل عسيراً. يعود جزء من ذلك إلى عجزه عن الكلام، ويعود جزء آخر إلى أنه لم يرغب في إخبارنا بكل شيء، أو هكذا وصفت أمه روز الأمر. كان صبياً كتوماً جداً، ولا علاقة لذلك بعدم حديثه. أجهشت روز بنظرتها نحو الأفق، متجنبة التواصل البصري معنا وقالت: "أعرف ابني، ولو كان يعلم شيئاً عن اختفاء هذه الفتاة لأفصح عن الأمر. سيجد الطريقة المناسبة". وهكذا استمر الحوار في مجامله لطيفة. لم تفرز لي ولكمبرلي فرصة لوضع خطة هجوم منذ وصولنا. كنا نتحدث ونحاول النبش بعمق. وبينما كان راستل يلعب في الحديقة، واصلنا الحديث مع روز. كان بيني غارقاً حتى وسط جسمه في سيارة نيك، يحاول إصلاح عللها. قالت كيمبرلي: "لا أعرف إن كان هذا السؤال وقحاً، لكن لماذا لا يتكلم بالضبط؟ هل يعاني من التوحد أو نوع من صعوبات التعلم؟". قالت روز: "لا، لا بأس بالسؤال". أدارت وجهها عن كيمبرلي وهي تتحدث. "يعاني مما يسميه الأطباء حبسة إرادية. والحقيقة أنه يفترض أن يكون قادراً على الكلام، هذا ما يقوله الأطباء لنا. الحقيقة أنه جاء إلينا عندما كان في الرابعة أو الخامسة من عمره. لا نعتقد أننا نعرف ما حدث له قبل ذلك. يعتقد الأطباء ربما أنه لم يتعرض للغة أو الأسوأ من ذلك أنه رد فعل لصدمة ما. قال أحد الأطباء إنه عرض لإجهاد شديد. خضع لفحوصات لكل شيء مثل تلف الدماغ والتوحد، وجاءت كلها سلبية. الحقيقة أنني وبيني صلينا لطفل لفترة طويلة. لا يعنيني إن تكلم قط. يقول بيني إنه لا يعاني من شيء. إن بعض البشر مختلفون فقط. وأنا أصدق ذلك. إنه على ما هو عليه". نظرت كيمبرلي إلي. لو لم نكن قيد التصوير ولو أمكننا المغادرة حقاً، لربما واصلنا بحثنا في مكان آخر، لكن حقيقة وجودنا قيد التصوير وكون سيارتنا مفككة عنت أن هناك ما نتعلمه هنا. لا بد أن يكون هناك شيء. سألت كيمبرلي: "قد يكون هذا شخصياً للغاية، لكن حين تقولين إنه جاء إليكم، أيعني ذلك أنكم تبنيتموه أم أنه طفل بالتبني المؤقت؟". ارتسمت على وجه روز ملامح خالية من التعبير ولم تلتق نظرات كيمبرلي. قالت: "لا، لا. وجدناه في الحقل، عارياً كيوم ولدته أمه، ومغطى بالطين حتى حاجبيه. لا نعرف من أين أتى. لقد تخلوا عنه. لم يطالب به أحد، ولم يبلغ أحد عن فقدانه. فعلنا كل ما بوسعنا للاحتفاظ به حين لم يحاول أحد غيرنا. كما قلت، كنا دائماً نصلي من أجل طفل". عندئذ، نظرت روز في عيني كيمبرلي وابتسمت. "أتريدين المزيد من الشاي يا عزيزتي؟". قالت كيمبرلي: "أحب ذلك حقاً. شكراً جزيلاً لك". وما إن دخلت روز إلى منزل المزرعة القديم حتى مالت كيمبرلي لتهس لي بشيء ما، لكن قبل أن تتمكن من ذلك، سمعنا صراخاً قادماً من الحديقة وصراخاً يبدو وكأنه لصدر طفل. نهضنا من مقاعدنا وانطلقنا ركضاً نحو الصوت قبل أن يتسنى لنا الكلام. وحين اقتربنا، رأينا مصدر الصراخ. لم يكن طفلاً؛ بل أرنباً. كان عالقاً داخل مصيدة معدنية، من ذلك النوع الذي يقع فيه الحيوان فيعلق فيها، مصيدة بلا قتل. كان راستل قد حمل المصيدة وابتعد عن الحديقة بينما كان يطرق عليها بعصا. أطلق الأرنب صرخات وعواء. لم أسمع أرنباً يصدر صوتاً كهذا قط. كان شيئاً بين صراخ طفل وعواء وليد بحجم رضيع. سألت: "ما الذي يفعله بحق الجحيم؟". واصل السير بالقفص باتجاه الطريق، متجاوزاً متجر السيارات. ظل يطرق عليه بصوت عالٍ وبشمرار، مروعاً المسكين الأرنب الصغير بداخله. وحين وضع القفص على الأرض وفتح المصيدة، انطلق الأرنب من القفص بسرعة لا يبلغها معظم الحيوانات طوال حياتها. عبر الشارع واختفى في الأحراش الكثيفة على الفور. بقينا أنا وكيمبرلي مذهولين بلا كلام. نادانا بيني من داخل متجره: "هيه، لا تبدوا منزعجين هكذا. يجب أن ترعبوا الحيوانات، وإلا فإنهم سيعودون ويأكلون محاصيلكم. راستل يعرف ذلك. الطريقة الوحيدة لحمايتها هي إخافتها حتى الموت". حمل راستل المصيدة ونظر إلينا أنا وكيمبرلي، ثم عاد مشياً بهدوء نحو الحديقة وكأن شيئاً لم يكن. نظر كل منا إلى الآخر، غير متأكدين مما نصنعه بما رأيناه للتو. ~-~ كنا قيد التصوير وخارجه طوال الساعات القليلة التالية بينما كان بيني يعمل على السيدان. أنجز العمل بسرعة؛ حدد المشاكل وأصلحها على الفور تقريباً. قال بيني وهو يضع اللمسات الأخيرة: "سأجهزكم بهذا مجاناً، وعليكم الذهاب إلى هناك والمساعدة في العثور على تلك الفتاة". سألت كيمبرلي: "مجاناً؟". أجاب بيني: "يجب أن أؤدي واجبي". وأثناء حديثه، نظرت إلى السيارة التي كان يلمعها عند وصولنا، ففاجأني وأنا أطيل النظر. "أه، تعجبك أليس كذلك؟ إمبيريال فانتوم 1948. أقدم بسنة من تلك الأنواع التي يسعى خلفها الجامعون للتحف، للأسف، بسبب سوء ناقلات الحركة وتصميم الفرامل فيها. إنه لأمر مخز؛ أنا أعشق تلك السيارة. لكن لا يمكنني الاستمرار في إصلاحها. إنها جميلة للغاية بحيث لا يمكن التخلص منها، لكن روز ملّت من رؤيتها، وملّت من عبثي بها في عطلات نهاية الأسبوع. قالت إما أن أجعلها تسير وإلا سأرميها خردة. إنه لأمر مخز حقاً". سألت: "ألا تستطيع العثور على مشتري؟". "ليس لطراز الثمانية وأربعين. بالطبع تلقيت عروضاً للمقاعد لأنها تطابق طرازي خمسين واثنين وخسين، وهما التحفتان الحقيقيتان للمجمعين، لكني لن أنزع المقاعد منها فحسب، لا، لا. ليس لدي قلب لفعل ذلك. لدي العجوز توغ مونتغومري قادماً لسحبها. إنه مجرد مرتزقة؛ لا يجيد إصلاحها، لكنه يبرع في تفكيكها بأفضل طريقة ممكنة. إنه لأمر محزن رؤيتها هكذا. لا تزال تلمع كالجديدة لأني أعتني بمركباتي"، قال ناظراً إلى السيدان الخضراء ونيك الواقف بجانبها. وبينما وقفنا هناك، لاحظت كيمبرلي أن راستل يحدق بها، فاعتبرت ذلك دعوة لفتح حوار معه بمعزل عن أمه المتسلطة. عادت أدراجها متجاوزة متجر الميكانيكي باتجاه الحديقة، وتبعته. قالت كيمبرلي: "أهلاً يا راستل، هل هناك ما تريد إخباري به؟". نظر راستل إلى الأرض ثم عاد فنظر إلى كيمبرلي. بدا واضحاً أن هناك ما يشغل بملك. قالت كيمبرلي: "يمكنك إخباري". مع ذلك، لم يبدو راستل قادراً على الوثوق بها، لكنه بدا منزعجاً. قالت كيمبرلي: "سأقول لك شيئاً: مهيبا كان ما ستقوله لي، أعدك أنني لن أحكم عليك، سواء أكان خيراً أم شراً. أتصيقني؟". نظر إليها راستل. في تلك اللحظة، اكتسب وجهه ملامح أقدم سناً، نظرة حكمة تفوق عمره بكثير، نظرة صاغها عدم الثقة. شرع في الابتعاد ثم التفت لينظر خلف كتفه إلينا أنا وكيمبرلي، ثم واصل السير. تبعناه. قادنا إلى الجانب الآخر من متجر الميكانيكي، حيث زرعت حقل من نباتات عباد الشمس ذات البتلات البرتقالية والحمراء الجميلة. كانت الدفعة الوحيدة من نوعها في الحديقة بأكملها. أشار إليها. لم أدرك في البداية ما يشير إليه، لكنني أدركت لاحقاً أنه كان يشير إلى عشرة سيقان قطعت ونزعت منها زهورها. سألت كيمبرلي: "هل أخذ أحدهم الزهور؟". أومأ راستل برأسه ثم أشار إلى نفسه. سألت كيمبرلي: "لماذا أخذت الزهور يا حبيبي؟". لم يجب راستل، لكن كيمبرلي بدت وكأنها تربط خيوط القصة قبلي، فأخرجت نسخة مطوية من ملصق المفقودين. سألت: "أأعطيت الزهور لها؟". مضغ راستل شفته السفلى وحدق في صورة تامارا. تعذر علي قراءة تعابير وجهه. نادى بيني من قرب متجر الميكانيكي: "أيها القوم، لدينا شخص هنا يود التحدث إليكم". التفت فرأيت بيني يقترب منا مرتدياً ملابس عمله الملطخة بالشحم. وتلتها مباشرة دينا، مرتدية بنطال جينز لا فستاناً أو تنورة ككيمبرلي أو روز. لم تكن سراويل ممزقة كالتي ترتديها عادة، واستبدلت سترتها الجلدية بأخرى بنية ذات قماش مضلع. ورأيت مريلة مدسوسة في جيبها، حيث كان أحد خيوطها وعروة رقبتها تتدلى للخارج. قالت كيمبرلي: "الآنسة كانو، أعرفك. اسمي كيمبرلي ماديسون. أعمل مع أخبار كاروسيل تسعة. نحقق حالياً في اختفاء ابنتك". مدت كيمبرلي يدها لمصافحة دينا. أما دينا، ولعباً لدورها، فقط أبقت ذراعيها متقاطعتين لبرهة ثم مدت يدها وصافحت كيمبرلي. سألت: "هل جئتم لتكونوا كالنسور؟". قالت كيمبرلي: "أنا آسفة، لا أعرف ما تعنيه". "أهل الأخبار. يأتون هنا ليتغذوا على جثث الموتى. ليكتسبوا عيشهم من مصائب الآخرين. ألهذا جئتم؟". قالت كيمبرلي: "لا. أنا هنا لمعرفة ما حدث لتامارا". تبادلت دينا وكيمبرلي النظرات وحدقتا في بعضهما لبرهة. قالت دينا أخيراً: "حسنًا، على الأقل هناك شخص مهتم". تجاوزت عيناها كيمبرلي وعيوني، لترى زهور عباد الشمس الجميلة المجاورة لراستل. هرعت نحوهما. "كانت تامارا تهديني زهورا تشبه هذه طوال الأسابيع القليلة الماضية. أمن هنا كانت تحصل عليها؟". يُحسب لدينا أنها كانت تبذل جهداً ضئيلاً جداً في التمثيل. كانت على وشك البكاء وهي تتحدث، وبعد لحظات انهمرت دموعها وبدأت تبكي. هرع بيني نحو ابنه. "راستل، هل كنت تعطي تامارا هذه الزهور؟". أومأ راستل برأسه. التفتت دينا التي شرعت في البكاء ومحاولة كبحه، مبتعدة عن بيني ووضعت وجهها بين يديها. قال بيني، واقتربت دموعه من الانهمار: "حسناً يا سيدتي، نحن نبحث في كل مكان عن ابنتك، ونأمل حقاً أن تجديها سليمة". أخرج سكين جيب من ملابسه المهنية واتجه نحو عباد الشمس. أمسك بأحدها الجاهزة للقطع وبدأ في إنزالها، لكن راستل دفعه بيده ووقف بينه وبين الزهرة، هازاً رأسه نافياً. "يا بني، أعرف أنك لا تحب أن يعبث أحد بالحديقة، لكن هذه الزهور وُجدت لهذا الغرض. نمنح الناس الأشياء الجميلة ليشعروا بتحسن، أأتفهم ذلك؟". اغرورقت عينا راستل بالدموع وتوسل إلى أبيه ألا يقطع زهرة عباد الشمس. وحين تراجع بيني أخيراً، خطف راستل سكين الجيب ووضعها في جيبه، ثم ركض عائداً إلى داخل المنزل. التفت بيني إلى دينا وقال: "سيدتي، أنا آسف. لا أعرف ما يدور، لكن راستل اهتم حقاً بابنتك، وهو يمر بوقت عصيب". قالت دينا: "لا بأس. لا بأس. كل ما يهمنا هو العثور على تامارا". قال بيني: "سنفعل. إنها... ستكون بخير تماماً". سقطت دينا على ركبتيها وقالت وسط دموعها: "لا أظنها ستكون كذلك. يمكنني استشعارها. لا أعتقد أنها ستعود للبيت". سمحت حبكات دينا لها بالتواصل مع أحباء شخصيتها الراحلين. ربما تسببت بعض الروابط في ضرر يفوق نفعها. عناقت كيمبرلي دينا، وعرض عليها بيني أقل خرق مهترئ لمعالجة دموعها.
اللعبة في كاروسيل: ليتآربيجي فيلم رعب الفصل 13 — الكتاب الخامس، الفصل 6: زهار الشمس
اقرأ اللعبة في كاروسيل: ليتآربيجي فيلم رعب الفصل 13 — الكتاب الخامس، الفصل 6: زهار الشمس باللغة العربية على مانجا تايم.