الفصل 22: في الزاوية
للأسف، لم يكن لِساندير في المكتبة. لم يكن ذلك مفاجئا تماما، لكنه كان المكان الأول الذي خطر ببالي أن أبحث فيه. وشعرت بقليل من خيبة الأمل، فمررت بمكتب الاستقبال في المكتبة وأعدت بضعة لفائف. سقطت كتب التعاويذ في السلة بصوت مكتوم، مما أزعج ثرون الذي كان مشغولا بنسخ عمل خلف المنضدة.
"ما المشكلة يا ترى؟ ألم تكن تعويذة الدائرة الثالثة تلك على حِسن تقديرك؟"
"آه، لا، كانت جيدة. لقد تعلمتها بالفعل، لذا أنا أعيدها فقط."
أطال النظر إلي لثانية، ثم وضع ريشته واستند إلى الخلف. "لقد تعلمتها بالفعل؟ لكن بالكاد مضى يومان."
"كانت سهلة، وتسمى الانعكاس. الحروف الرونية واضحة جدا، لذا لم يتطلب الأمر الكثير لحفظها." ندمت بسرعة على قول الكثير. الشيء الوحيد الذي تعلمته هو تجنب جذب الانتباه. ففي النهاية، لم يُفترض بالعبد أن يكون مهددا.
قال وهو يهز رأسه: "مع ذلك، ربما يكون يومان رقما قياسيا جديدا أو ما شابه. هل تودين إرايتي إياها؟"
ترددت لكنني قررت عكس ذلك. "أفضل ألا تفعل. أنا أبحث عن رجل مسن يدعى لِساندير. هل تعرف أين يمكنني العثور عليه؟" لم يكن لدي أمل كبير. فمن المحتمل أن تكون هناك آلاف الزيارات كل أسبوع، وحتى كبير أمناء المكتبات سيواجه صعوبة في تتبعها.
"لِساندير؟ بالطبع أعرف أين أجدُه! وكأنك تسألين أين يعيش الملك،" تذمر ثرون.
"أه، عذرا. هل هو شخص مهم؟"
تضحك ثرون قائلا: "يمكنك القول بذلك. إنه أحد السحرة القلائل من الدائرة التاسعة في العرش السماوي. لكنه شخص غريب الأطوار بعض الشيء. مهسوس دائما بالأبحاث والسحر الغامض. ومع ذلك، لا يمكنك أن تتوقعي أن يكون شخص بمثل ذلك التقدير طبيعيا. ما الذي يجعلك تعتقدين أنه سيقابلُك؟"
من خلال وقتي القصير بين السحرة هنا، تعلمت تماما مدى ندرة ساحر من المستوى التاسع. لقد كانوا رجالا ونساء يحبسون الأنفاس ويحطمون الجبال. كانت لكل كلمة من كلماتهم وزْن الإمبراطور، ولم يجرؤ أحد على إهانتهم. ومع هُوية لِساندير، كان من المذهل أنه تكلف عناء التحدث إلي من الأساس! فلماذا توقعت حقا أن يقابلني؟
"لم أكن أعلم أنه بذلك القدر المذهل، لكنني ما زلت أرغب في المحاولة. لقد ساعدني في تعلم بضعة تعاويذ في المرة الأولى التي أتيت فيها إلى هنا، بعد أن هرب ذلك الأمين الآخر للمكتبة. لقد منحني بعض المعلومات المفيدة، والتي أردت متابعتها."
لا بد أن ذلك بدا مقنعا بما فيه الكفاية، لأن ثرون داعب خده وهو غارق في التفكير. وبعد لحظة، قال: "حسنا، أظن أنه لن يضر المحاولة. لكن لا تقولي إنني لم أتحذرك. فهو ليس لطيفا غالبا مع أي شخص يعطل عمله، أو مع أي زائر، في الواقع."
تنفست الصعداء بارتياح، ونتظرت بصبر بينما كان أمين المكتبة يكتب لي بضعة توجيهات. كانت قائمة الانعطافات والسلالم في تزايد مستمر. لم تكن هناك طريقة لأجد ذلك بمفردي.
وعندما انتهى ثرون، نفخ على الورق لتجفيف الحبر. قال وهو يقطب جبينه: "بالمناسبة، هل ذكرتِ أن ذلك الكاهن قد تركك؟"
"نجل. لا أذكر اسمه، لكنه لم يكن ودودا البتة. وما إن وصلنا إلى الطابق الثالث، حتى غادر وأوضح جليا أنه لا يحق لي السؤال عن أي شيء."
تنهد ثرون قائلا: "ذلك الرجل... آسف بشأن ذلك. كان مفترضا به أن يرافقك ويساعدك في اختيار بضعة كتب، لكنني أظن أن لِساندير قد تكفل بذلك على أي حال. لا يمكنني لومه تماما، نظرا لأن والده كان أحد ضحايا الحرب، لكن يبدو أننا بحاجة لإجراء محادثة."
"لا بأس. وشكرا لك على المساعدة." لو أنني صنعت قائمة بجميع المرات التي عوملت فيها بسوء منذ مجيئي إلى هنا، لربما كانت أطول حتى من توجيهات غرف لِساندير. ومن مظهر الأمور، كان في القمة، حيث يقيم الطبقة العليا والضيوف المهمون. يا لها من مفارقة.
وبينما كنت أصعد أعلى داخل العرش السماوي، بدا الكهنة بجودة مختلفة، بملابس أنقى ومجموعة من الأدوات السحرية مثل العصي والعصي السحرية. ونظرا لعدم اعتتيادهم على رؤية شيطانية، حدق بي الكثيرون باشمئزاز وخواء عدائي. وكلما بدا الكهنة أقوى، كان الكره أعظم، مما جعل من الواضح أن وجودي غير مرحب به بين الطبقة العليا.
وبصرف النظر عن الأجواء، أصبح الهيكل نفسه أكثر بذخا كلما صعدت أكثر. كانت المستويات الدنيا مبنية كحصن، بشقوق للسهام وجدران وأبواب مدعمة. وهنا، كانت النوافذ واسعة ورحبة، مطلة على المجمع الواسح وتتيح مناظر خارج الجدران، نحو مدينة روان.
لقد كان منظرا مهيبا بحق، منظرا كاد يسلبني أنفاسي. كانت المدينة مترامية الأطراف لميال في كل الاتجاهات، بشوارع مثل الأنهار، تتدفق بحشود بهيجة من الناس. وأعطت الأسواق المكتظة والعمارة الباذخة إحساسا برخاء المملكة.
ومما سمعته، كان العرش السماوي جوهرة التاج للم المدينة. ومع ذلك، تحدى قلعة هائلة ذلك الادعاء، مرتفعة إلى ارتفاعات قريبة من المساواة على الجانب الآخر من روان. لقد كانت موطن ملك رادية، حيث يعيش العائلة الملكية ونبلاؤهم. لقد رأيت القليل من عائلتهم، بصرف النظر عن الأمير الأول والثاني. لقد شعرت بقليل من الألفة تجاه الأمير الأول، الذي سمح لسولتاير باختياري في ذلك اليوم المشؤوم في المستودع. وبحسب جميع التقارير، كان قويا ونبيلا، لا ينافسه أحد من جيله. أما الأمير الثاني، فورينك، فقد كان شخصا أعرفه جيدا أكثر مما ينبغي. ومنذ لقائنا الأول في أراضي تدريب السحرة، ظل يحتج باستمرار ويحشد السحرة ضدي، مستخدما نفوذه ومكانته لجعل حتى سيلينا مترددة في تدريبي لفترة طويلة. وحدها فكرة وجهه المتغطرس جعلت مزاجي يتعكر، وسرعان ما فقدت الاهتمام بالمدينة.
قادتني سلسلة التوجيهات إلى ممر داخلي، خاوٍ من النوافذ أو الممرات. كان مظلما وضيقا، وينتهي بباب يُزعم أنه يتحول إلى درج حلزوني. توقفت في منتصف الممر بينما تدفقت طاقتي الروحية، دون إذن، إلى جسدي. وبدلاً من الدفء المعتاد المفعم بالجاذبية، كان بردا قارسا أرسل قشعريرة في عمودي الفقري.
جعل هذا الإحساس أفكاري تتسابق. فلماذا قد يكون مدخل المستوى الأكثر ثراء وتأثيرا في العرش السماوي مغلفا بالظلال؟ نظرت إلى الأسعارة والتوجيهات، وقرأتها بسرعة حتى وجدت خطئي. لقد ألهتني المدينة، وانتهى بي الأمر باتخاذ منعطف خاطئ.
كان الأمر بسيطا بما فيه الكفاية، لكنه مع ذلك لم يفسر التدفق المفاجئ للطاقة. نظرت حولِي، متخذة بضع خطوات مترددة نحو الممر الخارجي. وقبل أن أبتعد كثيرا، حُجبت الشمس بينما مرت مجموعة من الشخصيات. نظر أحدهم للداخل أثناء مروره، وضيّق عينيه.
وقال بصوت عالٍ جلب انتباه بقية المجموعة: "ها هي ذا."
تراجعت للخلف، ممدّة يدي نحو طاقتي ومستمدة الثقة من قوتها. لم يكن هناك سبب يجعل مجموعة من الكهنة تبحث عني. أبدا.
تكدسوا في الممر، مبتسمين باتساع. وتقدموا بغرور، متوقفين عندما شكلوا نصف دائرة حولي. أحصيت قرابة عشرة منهم، لكن دون أي استمرارية بين ملوكهم. ارتدى معظمهم شارات ملك الشمس، لكنني رصدت أتباعا لملك الماء والحرب أيضا.
بصق أحدهم وهو يتكئ على الجدار: "لقد أخذتنا في مطاردة طويلة، يا دنسة الدم." تحرك الكهنة الآخرون باحترام من حوله، ولم أستطع إلا أن أشعر بأن وجهه مألوف. حبست أنفاسي في حلقي وأنا أتذكر المحادثة مع ثرون، واسم الكهنة يتردد على شفتاي.
"داڨين."
اتسعت عيناه، لكن شفتيه التوت في ابتسامة. "أنا مندهش أنك تتذكرينني. أظن أن ذلك يجعل الأمر شخصيا."
"شخصيا؟ بالكاد تحدثت معي. ماذا تحاول أن تفعل؟" سألت، كاسبة للوقت بينما كنت أنظر حولِي. استمر الكهنة في الانتشار حتى أحطت تماما. ولسبب ما، كنت متأكدة من أولئك الذين يحملون طاقتهم حاليا، وهو شعور جديد تماما بالنسبة لي. لقد توهجوا بنور خافت مرئي لعيني وحدي.
اختفت ابتسامة داڨين، ووقف بتهيج. "تزعمين أنك لم تفعل شيئا، ومع ذلك تتبخترين في ممراتنا، ملوثة هذا المكان بوجودك المحض. وعندما سمحوا لك بطريقة ما بدخول مكتبتنا المقدسة، المليئة بإيمان الآلاف، بالكاد استطعت كبح نفسي. والآن، لست مجبرا على ذلك."
تصلبت، وجلبت ملاحظاته موجة من الاستياء. وحتى مع علمي بأنه لم يكن هنا للكلمات، لم أستطع منعها من التدفق. "أنا لست هنا لأنني أريد ذلك! أتعتقد أنني طلبت أن أكون شيطانية؟ أن أولد من جديد كبطلة؟ لقد كنت أريد الموت فقط!" انخفض صوتي إلى همس، لكن كلماتي اخترقت الصمت المذهول. "أن أموت وأُنسى."
نظر الكهنة إلى بعضهم البعض، متفاجئين من ثورتي المفاجئة. ونظروا جميعا إلى داڨين، الذي هز رأسه، كأنه يصفّي أفكاره.
"لو كان الأمر كذلك حقا. لا يمكنني إدراك عمق خطاياك وشركك، الذي جعل حتى الملوك الرحيمة تدينك وتضعك في جسد الشر."
"أجل، ولهذا السبب دمرنا مقاطعتك في المقام الأول!" أضاف كاهن آخر.
سألت بعد أن استعدت السيطرة على نفسي: "مقاطعتي؟" على حد علمي، لم تكن لدي أي مقاطعة. ربما قصد مملكة الوحوش التي يُزعم أن مضيفي استُعبد منها.
قال كاهن ضخم البنية في الخلف: "حسبنا من الثرثرة. لماذا نتحدث بينما يمكننا إرايتها؟ لا يمكنني تحمل هذا الرجس الذي يدنس ممراتنا لفترة أطول!"
انفجرت الهالات من الكهنة في كل الاتجاهات، مصطدمة بي بينما أمسكوا جميعا بطاقتهم وبدأوا في إلقاء التعاويذ. أخذت نفسا عميقا وصلّبت إرادتي. لقد حان الوقت تقريبا لأخوض قتالي الأول.