أمدّني حلم النجاة من السير طوال الطريق عودةً إلى النزل بدفقة من الطاقة. كان كونراد لا يزال مختبئاً خلف الأشجار حين لمحني فانس ألوح بذراعيّ أحاول جذب انتباهه دون الحاجة إلى الخوض مجدداً في المجرى المائيّ أمامي. كانت شبكة معقدة من المجرى تتقاطع في المستنقع دون أيّ منطق يحكم تصميمها. قال فانس إنّ الأصول أو ما شابه ربما جعلت المياه تتدفق في اتجاه دون آخر، لكنني شككت في وجود نوايا خبيثة وراء الأمر.
تفاجأ بأنّ المياه تصل إلى بطنك في ثانية، لتغمر رأسك في الثانية التالية بينما تخبط قدماك بوحشيّة في الطين تحتهما. رآني فانس، فأطفأ المحرك، ووجه قاربَه المنجرف نحوي مستخدماً الدفة. ثم خرج كونراد من بين الأشجار. اتسعت عيناه. ارتعشت ذراعه وساقه، لكنه كبح جماح نفسه مهما كانت ردة فعلة الأولى. واقترب القارب أكثر فأكثر، ليمنح مجموعتنا الصغيرة جولة أخرى من تفحصه المتوتر حتى الموت.
لم يشهر سلاحه على الأقل هذه المرة. ظل صامتاً إلى أن أصبح القارب قريباً بما يكفي لئلا يضطر لرفع صوته.
أومأ برأسه لكونراد وقال: "أأنت ذلك الذئب الذي التقيته البارحة؟"
أجاب كونراد: "نعم يا سيّدي".
أطلق فانس خواراً من صدره ثم قال: "لا أستطيع الجزم أيكما أسوأ حالاً".
وحين استدار ليلتقط مجدافه، تبادلت ابتسامة ماكرة مع رجل الذئب المخيف.
وبينما كان ظهره منحنياً نحونا، هتف فانس: "كنت أبحت عنك".
سألته: "لماذا؟"
"توقفت عند ذلك البيت الدائريّ الذي تقيم فيه المرأة دافيدز. أخبرني كوهلر بأنك ركضت نحو المستنقع باحثاً عن متخفيك".
غرس فانس المجداف في قاع المستنقع ونهض مستنداً عليه.
التفت ونظر إلى كابا الذي كان لا يزال مستقراً على كتفي كونراد ثم قال: "أرى أنكم وجدتموه".
قلت: "لقد وجدناه".
وجه الرجل الصارم عينيه نحوي وقال: "ما كان لك أن تندفعي إلى المستنقع دون استعداد. هذا المكان خطير".
صررت على أسنانّي. دون استعداد؟ كيف كان لنا أن نستعد لأيٍّ ممّا حدث؟ أجبِر فكي على الاسترخاء. لم يكن ذلك حكيماً. فال توتر هو السبب الوحيد في وقوفي على قدميّ حتى الآن. وفجأة، صار الوقوف هنا أقصى ما أستطيع فعله.
تذمرت قائلة: "لم يكن لدينا خيار يذكر".
"منذ متى وأنتما هنا؟"
"طوال اليوم".
اتكأ فانس على مجدافه وراقبني. كانت لحيته الكثيفة تحجب تعابير وجهه، ولكن حتى لو كان محلق اللحية لما استطعت قراءتها على الأرجح.
سألته: "أتستطيع إيصالنا إلى النزل؟"
قال فانس: "النزل يبعد أميالاً، ولا أريد تفويت عشائي".
عضضت طرف شفتي من الداخل لئلا أبكي. لقد بلغت من الإرهاق مبلغاً بات معه أبسط تلميح للإحباط أو خيبة الأمل أمراً عصيّاً على الاحتمال.
قال فانس: "تعالوا معي إلى بيتي، وسنأكل شيئاً، ثم أخذكم إلى النزل".
قفز قلبي من مكانه، لكنه هوى كمن داس في مجدٍ طينيّ حين سأل كونراد إن كان بيته يقع داخل المحميّة. توقف دانيال فانس ورفع بصريّه.
فقال كونراد: "لا يُفترض بي أن أخرج خارج المحميّة بهذا الشكل".
تأمله فانس لبرهة ثم قال: "أأنت من عائلة باور؟"
قال كونراد: "نعم يا سيّدي".
"بابي الخلفيّ يطل مباشرة على المحميّة. إن أدخلتك من هناك، فستكون خطوات معدودة تفصل المستنقع عن ملكيّتي الخاصة. يفصلني عن الزوار مئة يوم، لكني سأغلق الستائر وأقفل الأبواب. ما رأيك؟ أتشكل خطوتان خطراً كبيراً؟"
ابتسم كابا وربت على رأس كونراد بكلتا يديه.
وابتسم كونراد بدوره وقال: "لا يا سيّدي، سيكون ذلك مناسباً".
ضحكت. بعد قضاء اليوم بأكمله في مقاتلة التماسيح وشق الطريق بصعوبة عبر المستنقع، لم يعد قارب فانس مخيفاً بالنسبة لي. رفعت نفسي فوق جانبه وسقطت داخله بكل رشاقة سمكة وزنها مئة رطل تحاول وضع حد لحياتها. ناولني كونراد كابا، ثم انتقلت أنا وكابا وفانس إلى الجانب الآخر لنشكل ثقلاً مضاداً ريثما يصعد كونراد. وانطلقنا بعدها محلقين فوق صفحة المستنقع، بينما لَفَح الهواء البارد ملابسي المبتلة.
لاحظ فانس ارتعاشي فصاح وسط ضجيج المحرك: "توجد بطانية في ذلك الصندوق عند قدميك. عليك أن تلفّي نفسك بها. قضاء وقت كافٍ في الماء يجعلك لا تشعرين بالبرد كثيراً، لكنه يسلب الحرارة من جسدك تماماً".
ساعدني كونراد في إخراج البطانية، فألقيتها على كتفيّ. وزحف كابا إلى حجري لأتمكن من لفه هو الآخر. كانت البطانية صوفيّة بلون الزيت العسكريّ. تفوح منها رائحة غريبة حين أخرجناها، وازدادت غرابة بعد أن امتصت بعض الماء من ملابسي. وكنت لا أزال أبتسام كالأبهاء. تتعلق الامتنان أحياناً بالسياق وحده. كان برودي على حق. كان منزل فانس عريشاً بالمعنى الحرفي. لم يكن البناء القديم المؤلف من طبقة واحدة سوى غرفة أو غرفتين.
وقد تمدد السقف المعدنيّ الصدئ ذو الميل الضحل فوق جدران خشبيّة نال منها الزمن حتى بالكاد تتبين معالم لونها الأصلي من بين الرماديّ الذي باهته الشمس. وارتكز المكان بأسره على ركائز ملطخة شاخت مثل الجدران. وتمايلت النباتات الطافية عند خطوط المياه حيث تختفي الركائز الطويلة في الماء. ومع ما يبدو عليه من خراب، بدا المكان مألوفاً. وبدا كأنه ينتمي حقاً إلى هنا. لم تكن الأغصان الخضراء المحيطة به تبدو وكأنها تبتلعه، بل بدت وكأنها تستند إليه كما يستند صديقان حميمان إلى بعضهما البعض.
ومن خلال النافذة الخلفيّة، تراءى لي ضوء أصفر دافئ. وحين اقتربنا، أطفأ فانس المحرك وترك القارب ينجرف نحو المرفأ الصغير في مؤخرة ملكيته.
سأل كونراد: "أتركت الضوء مشتعلاً؟"
أجاب فانس: "إنه يرشدني في طريقي إلى البيت".
قلت: "يبدو الأمر وكأنه عكس شعلة الإيضاح الأبديّة تماماً".
وتثاقل لساني وهو يتعثر في تلك المقاطع الصوتيّة غير المألوفة.
قال فانس: "أسمعت عن ذلك، أليس كذلك؟"
"أأحسنت نطقها؟"
"بلهجة خاطئة".
تجعد أنفي وأنا أكبت ضحكتي.
فقال فانس: "سوفاج مكان غريب، والأماكن الغريبة تجمع القصص".
سألت: "أأي منها حقيقيّ؟"
"كلها حقيقية بدرجة أو بأخرى".
وبدا مستغرقاً في التفكير ثم تابع: "وبحسب ما تقصده بكلمة حقيقيّ".
اصطدم جانب القارب بالمرفأ بصوت مزدوج ولطيف.
وحين وقف فانس، أضاف: "لا تحصل على قصة دون بذرة. تنشأ أحياناً من الظروف، وتأتي أحياناً أخرى من البشر. لكنها حاضرة دوماً".
كان كابا أول المغادرين للقارب. طويت البطانية وتركتها هناك قبل أن أمد يدي لفانس الذي عرض عليّ المساعدة للنزول. ونزل كونراد بعد أن أنهى فانس تثبيت قاربه. وعندما انتهى، قادنا فانس صعوداً عبر المرفأ القصير نحو السلم الصغير المؤدي إلى بابه الخلفيّ. فتح الباب، لكن قبل أن يخطو داخله، قفز كابا متجاوزاً إياه ليبدأ باستنشاق كل شيء.
صحت: "كابا، إياك أن تلعق شيئاً!"
وبينما دخل فانس، قال: "أرأتك العجوز الآنسة دوراند وأنت على هذا الحال يا باور؟"
وجدته طريفاً أن ينعت فانس أولين دوراند بالعجوز رغم أنه يكبرها على الأرجح بعقد أو عقدين، لكنني آثرت ألا أشير إلى ذلك. لم أكن أود إغضاب الرجل الذي يحدد حجم وجبة عشاءي. وقرقع معدتي مع أول نفحة من الرائحة الغريبة لما كان يطْبخه. ذكرتني الرائحة بالمرق الحار، لكنني أدركت أن الأمر ليس كذلك. رمقني كونراد بنظرة خاطفة طالباً التوضيح.
فذكرته: "إنها مديرة النزل".
أجاب كونراد: "لا يا سيّدي".
توقف فانس على بعد خطوات قليلة داخل الباب والتفت لينظر إلى كونراد: "أتخجل إلى هذا الحد؟"
كان كونراد خجولاً لدرجة تجعله يعزف عن الإجابة.
أطلق فانس خواراً: "لا ألومك".
واستدار نحو طاولة جانبيّة قرب الباب، فنزع قميصه الخارجيّ الذي استخدمه كمعطف وعلقه على خطاف معدنيّ مثبت مباشرة في الجدار. ثم خلع حزام الصدر الذي يحمل ذلك المدفع الذي يحاول تمريره كمسدس يدويّ، ووضعه فوق الطاولة الجانبيّة.
قال وهو يستدير نحو بقية الغرفة: "الآنسة دوراند من أولئك الفتيات الطيبات القداميات. تتمسك بتقاليدها. كاثوليكيّة. إن رأتْك فسترسم إشارة الصليب مرة أو مرتين".
ومشى نحو مطبخه. لم يكن يشغل سوى نصف الجدار القصير، وتألف من ثلاجة، وبعض خزائن وطاولات عمل، وموقد غاز بعينين، وأصغر فرن رأيته في حياتي، ومغسلة. ووضعت على الطاولة طباخة بطيئة. وكان كابا يحوم قرب المكان على الأرض، وخطم المرتعش يرتجف.
قال فانس بصوت أصبح فجأة أعمق وأبطأ: "هناك قصة تدور حول المستنقع. يقولون إن واحداً من الوحوش يجوب الأرجاء هناك. له جسد إنسان وراس ذئب. يسمونه 'الرورو'. وهو يأكل الكاثوليك الذين لا يلتزمون بقواعد الصوم الكبير".
رفع فانس غطاء الطباخة البطيئة. وفاح عبق الطعام ليملأ المكان برائحة ثقيلة وشهية. حدق كابا في فانس وقد غرق وجهه في الذهول. ولم أستطع تبين ما إذا كان الذي سحره هو رائحة الطعام أم القصة.
انتقلت عينا فانس إلى كونراد وهو يمد يده خلف الطباخة البطيئة ليلتقط ملعقة التحريك: "أتأكل الكاثوليك يا سيد باور؟"
استحال عليّ معرفة إن كان فانس يمزح أم لا، لكن طرف شفتيّ كونراد تحركا صعوداً.
أجاب: "لا يا سيّدي".
زم فانس شفتيه لبرهة حتى كادتا تبرزان من بين غابات لحيته.
"أظن أن هذا الجزء من القصة ليس صحيحاً. وماذا عن المرق الحار؟ أتاكله؟"
أومأ كونراد للطباخة البطيئة وقال: "لم أتناوله من قبل، لكن إن كانت هذه هي رائحته، فأنا أترقب تذوقه بفارغ الصبر".
نظر فانس إلى كابا: "وما أمرك أنت أيها الفتى الأزرق؟ أظنك قادراً على أكل هذا".
جمع أطراف أصابع إحدى يديه ولمس بها شفتيه ثم سأل: "أجائع أنت؟"
قفز الشره الذي يبلغ طوله قدمين وصاح: "نعم!"
ظهرت مفاجأة فانس على هيئة سكون دام نصف ثانية قطعه صوت خشن ومبهم.
"أربعة أطباق إذن".
ومد فانس يده نحو خزانته. كان رجلاً طاعناً في السن يعيش بمفرده ويطبخ لنفسه. ولم أكن أرغب في التقليل من ضيافته (وكنت أرغب بشدة في تذوق أيّ نوع من المرق ذاك)، لكنني شعرت بالسوء حيال فرض نفسي عليه.
سألته مترددة: "أمتأكد من وجود ما يكفي؟ الأمر وما فيه أنني لا..."
فاطع فانس تلعثمي بقوله: "حين تعدين المرق، اصنعي دائماً أكبر كمية ممكنة. تلك هي قاعدتي. بل تكاد تكون ديانتي. سيكون لدينا ما يكفي. بإمكانك إخراج الخبز من الخزانة".
كان الخبز رغيفاً أبيض من نوع ووندر. لم يمتلك زبدة، وكانت مرغرينه هي الأرخص في السوق. وكانت الطاولة بالية ومتهالكة، وما زالت تحمل أثر فنجان القهوة من ذلك الصباح. لم تكن الكراسي متطابقة، واضطر كابا للجلوس في حجري، ولم يكلف فانس نفسه عناء إخراج الأطباق قبل أن نجلس. تناقلناها بينما كان فانس يوزع الطعام. لقد كان إيغور سيصاب بالذهول حيال ذلك، غير أن في الأمر شيئاً مريحاً.
بدا صادقاً. ومنزليّ الطابع. وحتى إيغور كان سيضطر للاعتراف بأن المرق يضاهي طعام الفائزين بمسابقات الطهيّ. لم يبدِ كابا اهتماماً كبيراً بالصلصة، لكنه انتقى الدجاج والنقانق والسمك والروبيان، وأخذ يقرضها بينما استمعنا أنا وكونراد إلى فانس وهو يروي المزيد من أساطير المستنقع. كان يستخدم ذلك الصوت الأعمق والأبطأ كلما سرد قصة، لكنه ما إن يبدأ بالتعليق حتى يعود إلى نبرته الطبيعية.
فقال بنبرة ممطوطة: "يقولون إن عجوزاً مجنوناً اتخذ من المستنقع موطناً له. كان عقله ملتوياً لدرجة جعلت من متاهة الأشجار لا تعني له شيئاً، وكان يعرف كل خافية عن المستنقع. وتتبع خطاه أمور غريبة ومخيفة. فإن رأيتَه يوماً، فمن الحكمة أن تقفز جانباً وترسم إشارة الصليب. وإن ضللت طريقك في المستنقع يوماً وصادف أن وجدت منزله، فاستدر وابتعد مشياً. فلامبالاة المستنقع تمنح أملاً أكبر من ذلك المكان الملعون".
توقف كابا وقد ظل ذيل الروبيان بارزاً من فمه. وارتخت الزعانف الموجودة على رأسه نحو الخلف. كنت أميل إلى الأمام قدر استطاعتي دون أن أهرس كابا.
وسألت بصوت خافت: "ماذا يحدث إن دخلت إليه؟"
كان لزاماً عليّ أن أهمس. فالفرق ضئيل بين أساطير المستنقع المخيفة وقصص الأشباح المعتادة، وهناك قواعد يجب طاعتها.
استرسل فانس بصوت منخفض لدرجة أسرت الألباب: "يقول البعض إنه يأكلك، مقطباً عظامك حتى تتكسر، ويغني متبوعاً بصرخات ألمك وكأنها موسيقى العشاء. ويقول آخرون إنك محظوظ إن اقتصر الأمر على أكلك".
هز فانس كتفيه، وفجأة عاد صوته طبيعياً: "تلك هي المفضلة لدى الأطفال".
وقف واتجه نحو ثلاجته وتابع: "ظلوا يروون تلك القصة ويبالغون فيها طويلاً حتى صارت أشبه بالتاريخ".
سأل كونراد: "ألديك أيّ فكرة عن موعد بدء هذه القصة؟"
فتح فانس الثلاجة وأخرج جعة. ربما كانت المرغرينة رخيصة، لكن الجعة كانت من علامة تجارية زجاجيّة فاخرة. رفعها وأشار بها نحوي ونحو كونراد بينما رفع حاجبيه. قبل كونراد العرض الضمنيّ بكلمة من فضلك، بينما هززت رأسي رافضة. التقط فانس زجاجة ثانية، وأخذ فتاحة الزجاجات من الطاولة القريبة وعاد إلى المائدة.
قال وهو يجلس: "لا أستطيع إخبارك، لكن جدي روى لي تلك القصة حين كنت صبياً، وقال إنه سمعها من جده".
ناول كونراد إحدى الزجاجات، ثم فتح زجاجته بحركة سريعة ومتقنة. وهمّ بمناولة فتاحة الزجاجات لكونراد، لكن الأخير كان قد انتزع الغطاء بظفره بالفعل. هز فانس كتفيه وترك الفتاحة على الطاولة.
سألت آملة بكل قلبي ألا يكون الجزء المتعلق بالعجوز المجنون الذي يغني مع الصرخات حقيقياً: "وأي جزء من هذه القصة صحيح؟"
أخذ فانس جرعة طويلة قبل أن يجيب: "أعتقد أنه أنا".
"أنت؟"
"عجوز مجنون يعيش في المستنقع".
ونظر إلى كابا وقال: "أمور غريبة تتبعني".
وانتشرت ابتسامة بطيئة على وجه كابا.
وختم فانس كلامه بقوله: "أظن أن ذلك يلائم تماماً".
أشار كونراد قائلاً: "لكن تلك القصة أقدم منك".
تجرع فانس رشفة أخرى: "يوجد دائماً عجوز مجنون يعيش في الجوار هنا. فقبل، كان هناك العجوز ستاكس. وبعدي، أظن أنه قد يكون ذلك الفتى كوهلر".
قلت: "برودي؟"
رفع فانس بصره نحو زاوية سقفه وضيّق عينيه: "أعتقد أنه يتمتع بالنوع المناسب من الجنون. لنرَ ما يريد المستنقع فعله به".
تذكرت قول برودي إنه يشعر بأن المستنقع يناديه فابتسمت. ربما كان يتمتع بالفعل بنوع الجنون المناسب.
قلت: "وما أمر شعلة الإيضاح؟ ما الصحيح في تلك القصة؟"
هبط حاجبا فانس. وافترضت أنه كان يعبس، لكن تعذر تبين ذلك بوضوح وسط لحيته وجعته اللتين تحجبان ما استطعت رؤيته من فمه.
أجاب: "لا علم لي بتلك. لم أرهما قط".
قال كونراد: "أبداً؟"
فتذكرت ما أخبرني به برودي: "بعض الناس فقط يستطيعون رؤيتها. إنها تنتقيك".
أومأ فانس لي: "هذا صحيح. تلك هي القصة".
استند إلى الوراء ووضع ذراعيه على صدره: "ربما لا تكلف نفسها عناء الاقتراب مني لأني أستطيع الضياع تماماً دون مساعدتها. المستنقع مربك. وكلما تشتت اتجاهي، وجب عليّ الاستعانة بالمتخفين. فهم الوحيدون الذين يعرفون دائماً أماكن وجودهم".
وأشار إلى كابا بزجاجته في تحية أحادية الجانب تقديراً لاحترامه. فابتسم كابا وقفز في حجري.
سأل كونراد: "إذن الأضواء غير موجودة؟"
رد فانس: "لا أود التسرع في قول ذلك. يوجد اسم لها في كل مكان بالعالم، وكان ذلك الفتى كوهلر يخبرني بأن العلماء خلصوا إلى أنها غازات مستنقعات متعفنة أو ما شابه. أضواء طبيعية. مثل اليراعات".
وتجرع رشفة أخرى: "على مر السنين، ضاع العشرات من الناس هنا وهم يقسمون أنهم كانوا يلاحقون تلك الأضواء. فكم يا ترى هو الصحيح، وكم منه مجرد عذر؟"
وهز كتفيه.
قلت: "قرأت أن الأضواء الخادعة تقودك إلى أعمق أجزاء السبخة وتغرقك".
قال فانس ـ وكأنّه لم يكن يتحدث للتو عن آكل لحوم بشر مولع بالموسيقى يلتهم ضحاياه أحياء: "أوغاد صغار متعطشون للدماء. أضلاؤنا ليسوا بهذا السوء".
سأل كونراد: "ألم يمت أحد هنا قط؟"
"على حد علمي، لا. قد يكون شخص أو شخصان فقدا هنا ولم يعودا إلى المنزل قط، لكنهم قلة، ولن أتفاجأ إن لم يكن هناك أحد. المتخفون لن يسمحوا بذلك. وكلما وجدوا أحداً في المستنقع لا يفترض وجوده هناك، أتوا ليأخذوني".
قال كونراد: "لا بد أنك تعمل مع المتخفين كثيراً".
ربما كنت أتخيل، لكن صوت كونراد بدا متأملاً.
شرب فانس ما تبقى من جعته ووضع الزجاجة على الطاولة بصوت خشن: "إنه أمر مخالف للقواعد، لكني لا أقيم وزناً لتلك القواعد. ولا أظن أن من وضعوها عرفوا شيئاً عن المستنقع أو المتخفين".
سألت: "أي قواعد؟"
كان العمدة غلادوين قد ذكر شيئاً مفاده أن آيلا يفترض بها الحد من احتكاكها بالمتخفين، لكنه لم يأتِ على ذكر أي قواعد. والأمور سوءاً أنه لم يوضح ما إذا كانت تلك القواعد تنطبق علينا أم لا، ولا العقوبات التي قد تفرض حال خرقها. رمقني فانس بنظرة طويلة. حاولت تبدو بريئة ومحتارة ـ وهو ما كان سهلاً لكوني كذلك حقاً. لابد أن فانس حسم أمره بأنني لست عميلة لدى تور هنا للإيقاع به وازعاعه باعتراف.
أو ربما لم يكن يعبأ بالأمر من أساسه. انحنى إلى الأمام ووضع مرفقه على الطاولة.
"يعطونك عقداً من أربع صفحات بخط صغير، لكني أستطيع تلخيصه لك".
رفع سبابته: "لا تأخذ أي شيء من المستنقع، ولا تترك شيئاً فيه".
ثم رفع وسطاه: "لا تتفاعل مع المتخفين".
قال كونراد بهدوء وهو يضع زجاجة جعته: "أنت تتاجر معهم، وعلمتهم كيف يفحصون الماء".
"هم أصدقائي. ومعرفتهم عادت بخير عظيم ـ وربما أنقذت أرواحاً قليلة ـ وعلى حد علمي لم تلحق ضرراً بأحد. إلى جانب ذلك، أود حقاً رؤية ما سيفعله هؤلاء المحامون المدققون في القواعد لو أقبل أحد المتخفين وبدأ بتعليمهم لغة الإشارة".
أمال كونراد رأسه نحوي: "أظن أننا وجدنا صاحب السوار".
حدقت في فانس بعينين واسعتين. تبددت المفاجأة على الفور تقريباً، ليحل محلها شعور جارف بالذهول ممزوج بـ'لماذا لم أفكر في ذلك!'. لقد بدا الأمر منطقياً لدرجة جعلتني موقنة بصحته قبل أن أستحضر الأسباب لشرحه. فلم يكن مسموحاً سوى لعدد قليل من الناس بدخول المستنقع، ومن بين أولئك كان هو الأرجح وبفارق كبير لمعرفة المتخفين جيداً للحد الذي يجعلهم يعتمدون عليه. وهم اعتمدوا عليه بالفعل!
فغالباً ما كانوا يقصدونه حين يحتاجون المساعدة.
فلت من لساني: "بإمكانك التواصل معهم! هذا ما يربطك بهم!"
رفعت يديّ براحتين مواجهتين له، وضممت راحتيّ معاً، ثم مددتهما مرة أخرى. كان حاجبا فانس الكثيفان قد استقرا منخفضين فوق عينيه حين سمع تعليق كونراد، وبقيتا منخفضتين بينما تنقلت عيناه بين وجهي ويديّ ثم عادت إلى وجهي.
قال: "تلك هي إشارة لغة الإشارة".
ولم يتبق سوى سؤالين اثنين؛ الأول: إن كان المتخفون يثقون به للحد الذي يجعلهم يطلبون مساعدته بشكل دوري، فأي صفة جوهرية منعته من مساعدتهم الآن؟
والثاني ـ سألت: "لماذا يدعونك بصاحب السوار؟"
قال فانس: "لم أكن أعلم أنهم يفعلون ذلك. لابد أنه تغيير حديث اعتادوا نداء بـرجل القارب. ثم رجل الإشارة. ثم هذا ـ"
ثنى يده اليمنى وكأنه يمسك بشيء عموديّ، وكوّن كفاً حاضنة لأسفل قبضته بيسراه، ثم نفضهما معاً للأعلى وللخلف.
وما إن رأيت تلك الحركة حتى أدركت معناها وضحكت: "أسموك رجل المسدس؟"
"كانت هناك أنثى تمساح عتيقة ومشاكسة في المستنقع قبل عامين. لم ترق لها حقيقة أن لدي بعض العمل لأنجزه قرب عشها. واضطررت لمنحها تحذيراً. وكان المتخفون معجبين جداً بذلك".
وسأل كونراد: "وماذا عن صاحب السوار؟"
أجاب فانس: "لابد أن أولئك هم المتعقبون. أنا من وزعها. حاولت جعلهم يرتدونها على معاصمهم، لكنهم فضلوا وضعها حول كاحليهم، وقال كوهلر إنه لا يجمّل الأمر ما دامت مثبتة".
قلت وأنا لا أزال أبتسم: "وكل ما تطلبه الأمر هو أن تطلب منهم ذلك؟"
هز فانس رأسه بصرامة بالغة: "الأحمق وحده من يطلب منهم. جعلتهم يقتنعون بالمقايضة من أجلهم ـ وياه، لقد جعلتهم يعملون بجد من أجل كل واحدة منها. تظاهرت بأن تلك المتعقبات أثمن الأشياء التي حملتها في حياتي. وما إن انتبهت حتى كاد كل متخفٍ في المحميّة يريد واحدة".
لا بد أن النجوم كانت تتلألأ في عينيّ وأنا أرمق دانيال فانس بإجلال. فالرجل يجيد الطهي، ويمتلك عريشه الخاص، وعبقريّ بحق. وكانت معجزة أنه ما زال أعزب.
قلت: "أنت رائد صيحات حقيقيّ".
سأل كونراد: "أتعمل عادة مع الآنسة دافيدز؟"
ارتد رأس فانس للوراء حين أطلق هتافاً قصيراً وعالياً من أنفه: "لا علاقة لي بتلك المرأة إن استطعت تجنب ذلك".
سألت: "لماذا؟"
وقف فانس وبدأ بجمع الأطباق: "لا أستسيغها كثيراً".
عبثت بأطباقي محاولة مبهمة ومشتتة لمساعدته: "أهناك سبب محدد؟"
"التعارف أكثر من اللازم لا يناسب أذواقي".
نهض كونراد لمساعدة فانس في شطف الأطباق. وبقيت مع كابا.
عمل الرجلان في صمت لبرهة، ثم قال كونراد: "أتعلم لمَ جلبنا العمدة غلادوين للمساعدة؟"
أرهفت أذنيّ. لم يكن كونراد من النوع الذي يتحدث إلى الناس عرضاً. فإن قال شيئاً، فإنه يعنيه عن قصد لأنه بالغ الأهمية بحيث يصعب تجاهله.
قال فانس: "لم أكن أعلم حتى أنه هو من أرسل في طلبكم".
سأل كونراد: "ألاحظت أي شيء غريب في تصرفات المتخفين؟"
أعطاه فانس إيماءة إيجابية: "رأيتهم يتجولون أكثر مؤخراً. ولا يأتفون للمقايضة بالتردد المعتاد. إن اضطررت للتخمين، لقلت إنهم منزعجون".
حين ذهب لوضع أحد الأطباق، أدار رأسه، فلمحت لمحة من جانبي وجهه. لقد بدا صوته مسترخياً ومحايداً، لكن عبوساً كان يشد الموضع الذي تندمج فيه لحيته مع شاربه نحو الأسفل.
تمتم قائلاً: "هناك خطب ما. أظنهم يستشعرونه".
توقف كونراد. وفهمت ترددْه. فلم تبدُ تلك الجملتان متلائمتين. هناك خطب ما، لكن المتخفين لا يحتاجون لاستشعاره، فهم يعرفون كل شيء عنه.
قال كونراد: "المتخفون يرتادون البلدة".
تعمق عبوس فانس. وبدا كأنه لا يملك سوى درجتين إجمالاً: صارم وأكثر صرامة.
"أجلبكما غلادوين لمعرفة السبب؟"
أومأ كونراد برأسه. التقط فانس المنشفة التي تركها مستلقية على طاولة العمل ومسح يديه.
وحين ناول المنشفة لكونراد، أشار برأسه نحوي ونحو كابا: "أساعدكما الولد الأزرق الصغير في التحدث إليهم؟"
تجاهل كونراد السؤال، ربما لأنه كان أسهل من محاولة معرفة كيفيّة الإجابة عنه.
"قال المتخفون إنهم يبحثون عن شيء ما. عن غرض. ألديك أدنى فكرة عما قد يكون عليه؟"
"ألم يخبراك؟"
"كان التواصل شاقاً".
وكان ذلك صحيحاً إلى حد الإنهاك. وحاولت منع ذلك من الظهور على وجهي.
هز فانس رأسه: "لا أعلم. لا يشبههم ذلك".
سأل كونراد: "ألم يفقدوا شيئاً من قبل؟"
"لقد فقدوا مليون شيئاً ـ لكن الأمر لا يهم. ولا يعيرون فقدانها اهتماماً كبيراً. إنه جزء من أسلوب حياتهم. وعليهم إعادة بناء موطنهم كلما ارتفعت المياه كثيراً. ويغيرون مساراتهم حول أعشاش التماسيح كل عام. وتتكسر أسلحتهم طوال الوقت. وتُبنى أسرتهم وتُهدم ثم تعاد صناعتها. إنه إيقاع حياة. الأشياء تأتي وتذهب".
"إذن، لا تخطر ببالك أي فكرة؟"
"ليس فقط لا يخطر ببالي شيء، بل لا أستطيع تخيل أنهم يبنون شيئاً بهذه الأهمية بالنسبة لهم".
هوى قلبي. كنا نجلس مع رجل ربما يعرفهم أكثر من الخبراء الذين يحاولون دراستهم. وإن عجز هو عن تخمين ماهيته، فكيف لنا أن نأمل في ذلك؟ مد فانس يده عميقاً داخل غابات لحيته ليحك ذقنه. وحين تحدث، كان كلامه بمثابة تمتمة تبدو وكأنه يكلم نفسه لا إيانا.
"من ناحية أخرى..."
ارتد رأس كونراد للأعلى في اللحظة ذاتها التي رفع فيها رأسي. وحتى كابا اعتدل في جلسته. نظر فانس من كونراد إليّ، ثم هز رأسه وعاد متجهاً نحو الطاولة لالتقاط زجاجة جعته.
وحين همّ بالتقاط زجاجة كونراد، رفع عينيه نحوي وقال: "أتقولين إنكما هنا للمساعدة؟"
أجبت: "نعم يا سيّدي".
"أأنتما من طرف تور؟"
فتح فمي ثم أغلقته دون أن تنبس بكلمة. ولم أكن أعلم أي زاوية من دماغي يتوجب عليّ طردهم منها. كيف لي أن أجيب عن هذا السؤال؟ فمهما قلت، سأقوم بليّ الحقيقة للوصول إلى الغاية، وكان فانس يرمقني بطريقة تجعلني أشعر بأن الحقيقة يجب أن تُعرض عليه كاملة غير ممطوطة.
لعقت شفتيّ وقلت: "عرضت المجيء".
"لماذا؟"
كان يحدق في عيني مباشرة أيضاً. وجعلت أضواء المكان البالية وجهه يبدو وكأنه لوحة لرمبرت. فقد حفر ثقل شخصيته والسنوات في ظلال كل تجعيدة. وأصبح ذهبي خالياً تماماً. وللأسف، لم يمنعني ذلك طوال حياتي الغبية ـ بكلتيها! ـ مرة واحدة من تحريك فمي.
"لأني أحب كابا".
سمعت إجابتي، فاحمر وجهي لمدى غباوتها، وأبعدت عينيّ قسراً عن عيني فانس، لأحملق بدلا من ذلك في أثر فنجان القهوة على الطاولة. وبدا أقل ميلاً للحكم عليّ. شدّت يدا كابا على أحد ذراعيّ اللتين كنت أحيطه بهما. ورأيت ظل فانس يتحرك وهو يستقيم ويبتعد عن الطاولة.
كان يقف بجوار كونراد حين قال: "لم أكن هنا سوى عام حين أخبرني المتخفون بوجود مكان في المستنقع يريدون مني الابتعاد عنه. ولم يكن مطلوباً مني سوى دوريات حول محيط المستنقع في تلك الأيام، لذا لم أهتم كثيراً. لكن الأمر بدا غريباً لي دائماً".
سأل كونراد: "كيف ذلك؟"
"كانوا حذرين دائماً لإخباري إن كان هناك خطر ما. وتلك كانت إحدى أوائل الإشارات التي علموني إياها. لكنهم لم يخبروني قط أن تلك المنطقة خطيرة، بل أرادوا مني الابتعاد عنها فحسب".
"أَيسمح لك تور بالذهاب حيث تشاء في المستنقع؟"
"يفعلون الآن. لكنني لم أذهب إلى هناك قط. بدا الأمر شيئاً بسيطاً للحفاظ على علاقة طيبة مع المتخفين".
"أتمانع لو ذهبنا للتحقق من الأمر؟"
رفعت عينيّ في الوقت المناسب لأرى فانس يهز كتفيه: "إنه ليس مكاناً مقدساً. لقد دخل كوهلر إلى هناك. وضل طريقه لبضع ساعات وطلب إيصالاً للعودة إلى الخيمة. وإن لم يرغب المتخفون في وجودكم هناك، فبإمكانهم إخباركم بأنفسكم".
سأل كونراد: "ألديك خريطة؟"
أشار فانس لكونراد بأن يتبعه نحو رف مثبت على الجدار البعيد. فأخرج بعض الخرائط الملفوفة وناوله إياها. وعادا إلى الطاولة. واضطر فانس لفك إحداهما أو كلتيهما قبل العثور على الصحيحة. ثبت كونراد زاويتين. وثبتت أنا واحدة، وثبت فانس الأخيرة مستخدماً يده الحرة للإشارة إلى الخريطة. وحين انتهى فانس من شرح مكان المنطقة وكيفية إيجادها، أومأ كونراد وشكره.
سأل فانس: "أتحتاجان لصورة أو أي شيء؟"
أجاب كونراد وهو يلف الخريطة: "لا، شكراً لك. أنا بارز في معرفة الاتجاهات".
"أبدرجة تجعلك تحتاج لرؤية الخريطة مرة واحدة فقط لتعرف أين أنت ذاهب وكيف تعود لمنزلك مجدداً؟"
"نعم يا سيّدي".
وأناوله كونراد الخريطة. رمقني فانس بنظرة خاطفة.
فابتسمت قائلة: "نعم، بالطبع. إنه بارع في ذلك حقاً".
"حسناً".
ضيَّق فانس عينيه وهو يرمق الخارج عبر النافذة.
"لقد اقترب الغروب. علينا إعادتكما إلى النزل قبل حلول الظلام".
تسللت خيبة الأمل إلى معدتي. وبدأت أخيراً أشعر بالدفء والراحة على الرغم من تعبي. ولم أستصغ فكرة العودة إلى غرفتنا البشعة في النزل. وكنت أفضل قضاء المزيد من الوقت في هذا العريش المتهالك.
سألت: "أخطر هو التواجد خارجاً بعد حلول الظلام؟"
"التماسيح تكون أكثر نشاطاً في الليل".
وثبت إلى قدميّ رافعة كابا إلى وركي: "جاهزة متى شئت يا سيّدي".
تأكد فانس وكونراد من التفاف كابا وحولي بالبطانية الزيتية الكريهة الرائحة قبل أن ننطلق. ولم نتحدث في طريق العودة إلى النزل. فقد كان ذلك أسهل من محاولة الصراخ وسط هدير المحرك. واستمطت مشاهدة الألوان وتدرجات المستنقع وهي تتدفق وتمر بجانبي بينما تلاشى الضوء الذهبيّ من السماء. كنت أول من غادر القارب حين بلغنا مرفأ النزل، لكن فانس ناداني لكي أعود قبل أن أتوجه إلى غرفتنا.
انحنى وأخرج شيئاً من تحت مقعد. وحينها كان الظلام قد حل بدرجة بات فيها الشئ يبدو كشكل أسود غامض لا ملامح له. ولم أدرك ماهيته إلا حين وضعه بين يديّ. إنه الصندوق البلاستيكيّ الذي وجدناه في ذلك الصباح.
سألت: "كيف حصلت على هذا؟"
أجاب فانس: "أمرني كوهلر بأن أعطيك إياه. قال إنك تركته في المبنى حين انطلقت راكضة خلف صديقك".
وقفت هناك محملقة ببلاهة إلى الصندوق في يديّ. وبدا وكأن أحدهم استخدم خلاطاً كهربائياً لخلط كافة الأفكار التي كانت تتخبط في رأسي.
قال فانس وهو يدفع المرفأ بمجدافه مبتعداً: "القواعد يا آنسة كول. لا تأخذي شيئاً. ولا تتركي شيئاً".
ثم أشعل المحرك ومضى متبختراً.