الحارس المنسي: نوكتيس 5 الفصل 17 — بوفسكوفنديلينغ

اقرأ الحارس المنسي: نوكتيس 5 الفصل 17 — بوفسكوفنديلينغ باللغة العربية على مانجا تايم.

ابتعدنا منذ زمن عن منطقة الأعشاش الرئيسية للكائنات الحية وبقينا مع ذلك في قلب المستنقع. لم يتناول كونراد ولا أنا طعام الغداء لكن الوقت تأخر لدرجة بدأت فيها أقلق بخصوص العشاء لا أنني أملك فكرة واضحة عن الساعة. لم يصطحب كونراد هاتفه. لم يرَ فائدة من جره معه طالما انعدمت التغطية وأراد تفادي تبلله. فكرة رائعة حقاً. ليتني فكرت في ذلك. هاتفي في جيبي لا يزال مغلقاً وأكثر بللاً من أي وقت مضى.

بلا هواتف لم نملك سوى تخمين الوقت بالنظر إلى موقع الشمس ومقدار قرقرة بطوننا. أزعجني الصوت الذي يصدره بطني لكن الضوضاء القادمة من معدة كونراد بدت أكثر إثارة للتفكير.

قلت للمرة الثالثة: "أمتأكد أنك بخير؟"

ألقى كونراد نظرة فوق كتفه وأجاب: "بحق السماء لن ألتهمك! حارسنا لا يزال هناك. لا أظنه سيبرح مكانه يا إيميرا".

نظرت خلفنا. لم أستطع تحديد مكان الكائن لكن إن أكد وجوده فهو يختبئ في مكان ما لا محالة. تنهدت واستدرت. كنا نخوض في منطقة ضحلة نسبياً من المستنقع. استراحة لطيفة من كل ذلك التخبط ولم يكن لمكان وجهتنا كبير أهمية. كان كابا يتقدمنا قافزاً من شجرة إلى شجرة يتفحص الجذوع بحثاً عن تجاويف ويمسح النباتات بكفيه ويشم كل شيء. طبعاً حظي بطاقة تفوق طاقتنا. راح المشاغب الصغير يرعى طوال الوقت آكلًا كل كائن صغير لزج ومؤسف تمكن من التقاطه.

حين ذكرت الأمر ل كونراد تذكرني بأنه يحق لي تناول ما شئت من القواقع. لم أصل إلى هذا الحد من اليأس بعد.

تذمرت: "هذا غباء".

قال كونراد: "لقد كانت فكرتك".

"أجل! أعلم! وكان مفترضاً أن تكون تلك أول مؤشر!"

المشكلة أنني سمحت لغضبي بالسيطرة علي. حتى بعد معرفتي أن الكائنات تبحث عن شيء ما رفض العجوز إخباري بماهيته. اقتصر كلامه على أنهم لن يغضبوا إن تجول الثلاثة منا في المستنقع.

تشاجرنا في حلقات لعدة دقائق دون أن نصل لشيء قبل أن أنفجر قائلة: "حسناً! سنبحث إذاً! لقد قلت إنك لن تغضب أصحبتَ صادقاً أليس كذلك؟"

عبس لكنه لم يعترض حين غادرنا. فور خروجنا من منطقة الأعشاش أشار كونراد إلى أمرين: أولاً بما أننا نجهل ما نبحث عنه فسيكتنفنا الصعوبة في معرفة أين ننظر وثانياً أرسل العجوز شخصاً لتعقبنا. هبط قلبي في جوفي.

"كونراد كابا أتمانعان التجوال معي في المستنقع قليلاً؟"

امتلأ وجه كابا بفرح عارم.

صرخ قافزاً: "كاي!"

قال كونراد: "لا أمانع. أهناك سبب يمنعك من العودة إلى الموتيل؟"

"لا أدري إن كان العجوز قصد فوراً حين أخبرته أننا سنقوم بجولة ولا أريد أن يظنني كاذبة".

قررت التجوال حتى يمل الجواسيس الذين أرسلهم العجوز ويعودوا إلى منازلهم. للأسف بنيت قراري على ما أعرفه عن مدى تركيز الكائنات وكل معلوماتي مستمدة من اللعب مع كابا. لم يخطر ببالي أن وحش مستنقع بالغاً وآخر يافعاً قد يمتلكان مديين مختلفين للانتباه. وها أنا ذا بعد ساعات بساقين تحتكّان نتيجة المشي بسراويل مبللة منهكة من خوض المياه جائعة لدرجة تشتت التركيز أهيم مع رجل ذئب جائع على بعد أميال من الموتيل ولا أقترب مليمتراً واحداً من العثور على اللعنة التي كان مفترضاً مني البحث عنها ولا أجد من ألومه سواي.

توقفت عن الخوض.

"أتعلم؟ يمكننا الاستراحة. أتحتاج إلى راحة؟"

سؤال غبي. بدا كونراد غنياً عن الاستراحة أبداً. سارعت بالكلام قبل أن يؤكد شكوكم.

"أنا بحاجة للراحة. لنبحث عن مكان نجلس فيه".

أشار كونراد إلى الأمام وإلى يسارنا حيث كان كابا يشمشم العشب. استغرق الأمر مني ثانية لأدرك سبب لفت انتباهي إلى هناك. كان كابا يقف على أرض جافة. لقد عثر على بقعة جافة! وهناك منطقة مسطحة إلى حد ما لا تغطيها النباتات كلياً! بقسم المستنقع جميعاً كانت تلك أثمن عقارات في العالم. أطلقت صرخة ارتجاف وخضت باتجاه كابا. زحفت على ركبتي ويداي خارجاً من الماء ثم استلقيت على ظهري باسطة ذراعي لأتشرب أشعة الشمس المتسللة عبر الأشجار.

ركض كونراد نحو الضفة وانتزع شيئاً طويلاً من الأرض وقذفه في الشجيرات. ابتعدت فزعاً من الحركة المفاجئة.

"ما هذا؟"

أبقى كونراد عينيه على المقذوف برهة ثم التفت إلي بابتسامة خافتة.

قال: "لا شيء".

قررت عدم الخوض في الأمر. أما كابا فأطلق صوتاً متعجباً وركض للاستكشاف. استلقيت مجدداً. جلس كونراد على الأرض بجانبي. فوقي تمايلت الأغصان البعيدة مع النسيم وجرفت ستائر طحالبها خلفها كأعراس طويلة. تركت عيني ترتاح بمتابعة رقصها البطيء ذهاباً وإياباً في الهواء. تمكنت من إرخاء معظم جسدي لكن ثقل قلبي لم يزح.

تمتمت: "أنا آسفة لأنني أضعت الكثير من الوقت اليوم".

لبرهة لم يجب كونراد. احمرّت وجنتاي خجلاً وإحراجاً وبدأت عيناي تدمعان. أدركت ارتباط مشاعري بالجوع والإرهاق لكن ذرة أبدية من الخوف سكنت صدري وكانت تترقب دوماً أي أمارة على الاستياء.

قال كونراد: "أنت لا تتحدثين عن قدراتك".

لم أدرك كيف أفسر تلك العبارة. أدرت رأسي جانباً لأتطلع إلى كونراد. كان جالساً بساق مرفوعة إلى صدره منحنيًا نحوها وذراعا مستقرة على ركبتيه بينما يحدق في المستنقع. راقبت حركة خط خطمه وهو يتحدث.

"ربما يبدو الأمر طبيعياً لك ولهذا لا تأتين على ذكره قط لكنني لم أر قط شيئاً مماثلاً قبل لقائك. مشاهدتك وأنت تستخدمين قدراتك تشبه التطلع إلى عاصفة تجتاح جبلاً أو التأمل في النجوم. ينتابك شعور بأن العالم مكان واسع جداً".

هدأت روحي متواضعة أمام صدق صوت كونراد.

تابع يقول: "كنت جاداً حين قلت إنني لا أمانع التجوال وإن تمكن أحد من العثور على شيء دون معرفة ما يبحث عنه فتكونين أنت يا فتاة الزومبي".

وحين حدق بي جعلت الظلال عينيه الصفراء تبدو كهرمانّيتين.

"لا أعتقد أنه كان إهداراً للوقت".

لم أحتمل النظر إلى وجهه أكثر؛ تكدست مشاعر كثيرة في صدري. رفعت ناظري نحو الأغصان وبقع السماء من ورائها. أثارني جزء مني بفكرة أن يكلف أحد نفسه عناء الانتباه إلي هكذا. تأثرت أيضاً بسعادة حمقاء وإحراج. شعرت بالدفء والخجل والغباء دفعة واحدة. ووسط ذلك الخليط من الهراء الطري سرت خيوط غير متوقعة من الحزن. نادراً ما يقول كونراد أشياء كهذه. شكل الأمر خطوة كبيرة فيما يخص ما نتشارك به وأردت مبادلته صراحته لكنني عجزت عن ذلك بشتى الطرق.

السبب الحقيقي وراء صمتي التام عن قدراتي هو جهلي المطلق بها وعدم معرفتي لكيفية التعامل معها لذا وكحال أي موضوع مزعج منثور وسط حطام حياتي طمرت الأمر تحت السجادة وتظاهرت بعدم وجوده. في تلك النقطة سيتطلب عبور السجادة معدات تسلق. رسمت ابتسامة ساخرة.

"أجل حسناً، أعتقد أن يومنا هذا أثبت وجود حد أدنى من المعلومات تحتاجها قدراتي لتغدو نافذة".

جلست وشبكت ساقي.

"تعلم، إن كانت بمزاج يسمح لها بالنفع".

عاد كابا جاشماً عبر الشجيرات ومعظم ثعبان يتدلى من فمه. وحين اقترب ليعرض علي غنيمته أخفيت ارتعاشتي. قضم رأس الأعرج. انتابني شعور بشع وغريب بالضحك. من يقضم من الآن ها؟

قال كونراد: "أم.. هل أكل هذا آمن له؟"

استدار كابا وألقى بنفسه في حضني. رفع جزءاً من الثعبان ثم آخر كأنه يحاول تبين طريقة أكله. قرر البدء من الأعلى وانقضّ عليه وكأنه حبل عرقسوس سميك بشكل عبثي. رفعت بصري تفادياً للمشاهدة.

"إنه بخير. حتى لو كان ساماً فالثعبان لا يحتوي سموماً عادة وهؤلاء يلتهمون الضفادع السامّة طول الوقت".

في محاولة يائسة لإغراق الأنين الخفيف والأصوات المبللة الصادرة عن وحش المستنقع في حضني قلت بصوت عال: "يا كونراد، برأيك عما تبحث الكائنات؟"

"قلت إنك ترين أنه غرض؟"

ترددت.

"تلك هي الانطباع الذي وصلني".

كلمة "انطباع"

كانت وصفاً دقيقاً. لم يؤكد العجوز قط كونه غرضاً لكن الفكرة الضبابية تجذرت في رأسي وتصلبت. أكانت بصيرة ميتافيزيقية منحتني إياها قراقي الخارقة للطبيعة أم كنت حمقاء مفترضة لا تزيحها اليقينيات؟ وحدها الأيام ستكشف.

أصدر كونراد همهمة ثم قال: "لا تبدو الكائنات مالكة لأغراض كثيرة. يصعب تخيل تقييمها لشيء بما يكفي لتمشيط المكان ليلاً بعد ليلة لأكثر من ثلاثة أشهر".

كان محقاً. خلال تواجدنا في منطقة أعشاشهم الرئيسية -أو كما أسميتها كوركيربيرغ- كانت الأغراض الوحيدة المرئية هي أعشاشهم أسلحتهم وأجهزة التتبع المثبتة على كاحليهم. إن فقدوا جهاز تعقب فلا شك في سعادة برودي باستبداله وإن ضاع سلاح أو عش صنعوا سواه.

قلت: "لا بد من كونه شيئاً آخر. شيئاً فريداً يعجزون عن استبداله".

رد كونراد: "أنا مهتم أكثر بكيفية اختفائه".

ولحين تطلعت إليه أردف: "إن كان بهذه الأهمية لهم فيصعب تصور ضياعه سهواً".

حاولت تطويق كابا بذراعي. كان ألصق بالمخمل المبتل من الدب المحشو المعتاد لكنني حننته من قبل وسأفعل بلا شك مجدداً- لكنه حمل هذه المرة ذلك الثعبان درعاً. لحظة ملامسة حرشيفه الباردة لجلدي سحبت ذراعي وجلست محبطة. لمَ أردت دباً محشواً بحق الجحيم؟ لأنني لم استحسن ما قاله كونراد.

"أتظنه سُرق؟"

سألت.

"ربما. أو أخذ احدهم دون إدراك لفعله. لولا إخباري بمجموعة صخور كابا لما خمنت أبدا أهميتها البالغة لديه. لكن سواء جاء الأمر صدفة أو قصداً فأنا أوقن باعتقاد الكائنات بتورط إنسان".

تذكرت كل تلك الخطوط الخضراء النيونية التي تختفي عن الشاشة.

"هذا يفسر استمرار تركيز بحثهم على حصن ريف".

"ويفسر رفضهم المساعدة منك أو من صاحب السوار".

"هاه؟"

"إن ظنوا سرقة إنسان له فسيواجهون غالباً صعوبة في الثقة بأي منكم".

عبست بوجه الأرض.

قال كونراد: "رائحتك مضطربة".

"أترحق حقاً رفضهم لمساعدتنا لكوننا بشراً؟"

"لا أعلم لكن الاحتمال وارد".

عبست مجدداً. حين كان العجوز يتحدث عن البشر اعتاد استخدام الإشارة ذاتها. طويل. الكبار. لكن حين تحدث عن الجوهرية.. أياً كانت.. التي جعلته يرفض مساعدتي ومساعدة صاحب السوار استعمل إشارة مختلفة. وضع أحد أطراف أصابعه المنتفخة على حلقه الشاحب وسحبها للأسفل بوصة تقريباً. شعرت بوجود مفهوم مختلف هناك. شيئاً جلياً. شيئاً ظن وجوبي استيعابه. راقبني مترقباً إدراكي. هو. عنقه. حلقه. أبيض باهت.

"باهت".

لفظ فمي الكلمة بصعوبة مع زفيري.

سأل كونراد: "أتظنيه شيئاً آخر؟"

أطلقت أنيناً ودلكت جبهتي.

"نجل لكن لا تسألني ما هو وإلا انفجر رأسي. علاوة على ذلك لا يهم. إن رفض العجوز مساعدتنا جوهرياً فلا مجال لفعل الكثير".

أسقطت يدي وأطلقت تنهيدة.

"عيم كنا نتحدث؟"

"عن اعتقاد الكائنات بسرقة إنسان للشيء الذي يبحثون عنه".

"صحيح. ولو وجد الغرض بحصن ريف حقاً فسيضطرون لابتكار مفردة جديدة تماماً لنوع إهدار الوقت الذي اخترعته. لا أعلم. بوفسخوفينديلينغ".

توقف كابا. لامست زعنفته العليا عنقي حين رفع رأسه نحوي. امتنعت بقصد شديد عن الخفض ناظري. ضحك كونراد بخفة.

"يا لها من كلمة جبارة يا إيميرا. عليك تدوينها".

"أجل حسناً آمل ألا أضطر لاستخدامها ثانية".

أبعدت زعنفة كابا العليا وقلت له: "هيا يا صاحب. إن أردت إنهاء هذا فباشره".

عاد للاستمتاع بوجبة الثعبان. استخدم كونراد أحد مخاليبه لنبش الطين العالق بين خطوط حذائه.

"ما رأيك في كوهلر؟"

رمشت من التغير المفاجئ في الموضوع.

"برودي؟"

"نجل".

صنعت تعبيراً غريباً لإظهار عمق حيرتي.

"لا أعرف. أيفترض بي تكوين رأي عنه؟"

"أتيحت لك الفرصة لمحادثته خارج اليورتا".

"أجل لخمس دقائق مثلاً".

اقتصر فعل كونراد على مراقبتي بتلك العينين الكبيرتين. أدرك تماماً تأثير ذلك علي دون الحاجة لنطق حرف. هففت بكتفي ليتفادى رؤيتي أتمرى. لا جدوى من مكافأة السلوك السيئ.

"إنه بخير. لطيف... تعلم؟ بطريقة اعتيادية".

تذكرت ابتسامة برودي أثناء حديثه وتغضن عينيه حين يفكر.

اعترفت: "ربما أكثر من الاعتيادي. يبدو..."

وتلاشى صوتي. مع بذلي بعض الجهد وجد الكثير للتفكير فيه -كعثراته الكلامية عند التوتر والجدية البادية عند الحديث عن مساعدة الكائنات وتلك النظرة الناعمة من الحزن والاستسلام حين أخبرني بعلمه باستحالة منح أيلا تفكيراً واحداً له. كيف لي إجمال كل ذلك؟

قلت: "يبدو ظريفاً. أعتقد أن قلبه طيب. وكبير".

وأظنه منحها للفتاة الخاطئة.

"أيعجبك؟"

جهلت أموراً شتى لكنني أيقنت استحالة كون كونراد مراهقة تغرد بالسؤال مع ابتسامة شريرة على محياها.

بالمقابل حمل لفظ "يعجبك"

غموضاً كافياً لإثارة ارتباكي.

"من خلال خمس دقائق أعرفه بها طبعاً".

احمرّت وجنتاي لسماعي مدى دفاعية صوتي.

"على العموم ماذا عنك وأيلا؟"

سأل كونراد متخذاً نبرة دفاعية بعض الشيء: "ما شأني وأيلا؟"

"أتيحت لك الفرصة لمحادثتها لخمس الدقائق ذاتها! ما رأيك بها؟"

حين أدار كونراد وجهه تراجع طرف شفاهه السوداء مباشرة واقعاً في المنتصف بين ابتسامة وعبوس. انخفض حاجباه فوق عينيه ومالت أذناه جانبياً وهز رأسه. رغم ذلك عجزت عن تخمين ما يدور برأسه. شعرت بالسوء جراء انفجاري. لم يكن شأني ما يكرره كونراد تجاه أيلا ولم أرغب في ظنه رافضاً لها. ما أردت الوقوف في طريق أحد. انعصرت معدتي ملقية بطعم حامض في فمي. حسناً أردت الوقوف في طريقه فعلاً.

لكن لا لسبب نبيل. وفي طريق ماذا أصلاً؟ أعني أنهما من نوعين مختلفين كلياً!—مما كان... أيضاً... غالباً... ليس من شأني. لم أتوقف يوماً للنظر في توجهات كونراد الجنسية. بدا الأمر بلا صلة. ظننت تشابهه معي وكابا وإيست—أجل أغلب قاطني قصر نوكتيس في الواقع. كنا جميعاً منبوذين منعزلين أو مقصيين عن باقي بني جنسنا. لكن أيلا ديفيدز أثارت احتمالات مقلقة. جهلت إمكانية إنجذاب كونراد لبشري لكنني تيقنت من كون أسوأ شخص على وجه الأرض من يقف في طريق سعادة صديقه.

توقفت عن عض شفتي وأجبرت نفسي على القول: "إنها جميلة أليس كذلك؟ بالنسبة ل... بالنسبة لبشري—أعني يراها البشر... جميلة".

تدفق الاحمرار المنسحب إلى وجنتي متدفقاً حتى الجبهة وممحياً أطراف أذني بالوردي. أه نعم. نسيت مدى عبقريتي في تحويل محادثة محتملة الإحراج إلى مثال بلاتيني للخروج عن النص المحض. استرسلت بالثرثرة.

"بدت معجبة بك حقاً".

تراقصت أذنا كونراد إحراجاً.

"لا أظن ذلك".

أه-أه. تقنية الشاب الخجول الكلاسيكية: إنكار أي احتمال للاهتمام.

قلت: "يا رجل كانت تغازلك".

هز رأسه مجدداً. رفع كابا ناظري وأصدر صوتاً ترنمياً. نظرت بغير وعي للأسفل لأحظى بنظرة قريبة ومختصرة لثلث الثعبان الأخير. أين اختفى البقية؟ وماذا عن العظام؟ أأكل كابا إياه كله؟ لا بد أن معدة ذلك الفتى محارق قمامة! ابتلعت ريقي وركزت على وجه كابا المرفوع.

أوضحت: "المغازلة هي وسيلة البشر لإظهار إعجابهم بشخص ما".

سأل كابا: "أتغازلني؟"

فتحت فمي للإنكار ثم أغلقته وحككت رأسي.

"أم نجل؟ أنا أعانقك وأشاكسك كثيراً. لكن الأمر يختلف قليلاً".

"ألا تعجبك؟"

"لا يا صاح! أنا أعشقك! لكنه نوع مختلف من الاهتمام".

بدا أكثر حيرة من ذي قبل.

قلت لوحش المستنقع البالغ من العمر ستين عاماً: "أتعلم؟ أنت أصغر من خوض هذه المحادثة. أخبرك بالمزيد حين تكبر".

حين التفت نحو كونراد وجد ابتسامة ماكرة تعلو وجهه.

أصررت: "وقد كانت تغازلك تماماً يا كونراد باور!"

تمتم كابا من وسط فم مليء بأمعاء الثعبان: "مه-تم-ة".

تابعت: "فكر في مدى اقترابها! وطريقة ابتسامتها لكل ما تلفظت به".

طقطقت بأصبعي مشيرة إليه.

"لقد رفعت شعرها للخلف وأنا بالخارج أليس كذلك؟"

هبطت أذنا كونراد في وضع الإحراج العميق. عندها توقف الارتعاش وبقيت أذناه منخفضتين ومتراجعتين قليلاً. غير وضع ساقيه.

"أعلم كيف بدا الأمر".

وأردف مسارعاً: "ليس ذاك—ليس الأمر أن الناس تغازلني—"

انطبق فماه فجأة. تنفس بصوت عال ثم حاول مجدداً.

"أشاهد الكثير من العروض يا ميرا. أعلم شكل المغازلة. لكن أسلاك تلك المرأة تشابكت".

حسناً. نجل.

لن أعارض هذا التقييم لكنني علمت بوجود ظاهرة المحبين للحيوانات ولم أنوي إبداء امتعاض من الميول— قال كونراد: "كانت خائفة مني".

تجمعت أفكاري فجأة وتوقفت. بدل وضعيته مجدداً.

"الأمر لم يكن بسوء وضعك عند لقائي الأول—"

طُعن صدري بوهج من الخجل.

تابع كونراد: "—بل أشبه بلقائي ب وولر".

كان واين وولر ناظر مدرسة داخلية في إنجلترا. طالع كل شيء عن الذئاب البشرية قبل فرصته بلقاء كونراد لذا غلب عليه الانبهار عوضاً عن الترهيب.

قلت: "حسناً لكن—"

"لم تكن أيلا منجذبة لي".

بدت تروس رأسي كأنها تحاول الطحن عبر عقد من الصدأ.

"كيف علمت ذلك؟"

"رأيت مدى اقترابها. إنها غرفة مغلقة بلا روائح قوية أخرى. أتعتقدين عجزي عن شم أمر كهذا؟"

"وللإنجذاب رائحة؟"

أصدر كونراد نخرة ودلك تقوس جبينه.

"الأمر معقد. ثمة أشياء كثيرة تجري عند الحديث عن الانجذاب. بعضها واضح وبعضها دقيق لكن كان مفترضاً بي شم فرق ما. لم تكن منجذبة لي. لا فكرة لدي لم غازلتني".

استمرت التروس الصدئة في الطحن محاولة استخلاص نوع من البصر لكن انعدمت المواد الخام لتعمل عليها. بنظري كانت الفتيات اللواتي يغازلن كائنات من فصيلة مختلفة تماماً مثل الذئاب البشرية. عجِزت تماماً عن تخمين ما يدفعها للتحرك.

قال كونراد: "يزعجني اضطراب روائح الناس هكذا".

رفعت ناظري إليه.

أضاف كونراد: "رائحة برودي اضطربت أيضاً. ليس كثيراً. ليس كأيلا. لكن مرة أو مرتين التقطت منه رائحة بلا معنى. لذا سألتك عنه".

قبل إزعاجي له طلباً للتفاصيل التفتت أذنا كونراد نحو العمق الأكبر للمستنقع. ولحق به أنفه.

سألت: "ما الأمر؟"

نهض كونراد.

"تلك قارب فانس. إنه مقبل في هذا الاتجاه".

رفعت كابا من حضني ووضعته أمامي ونهضت مسرعة. استطعت سماع صوت المحرك عن بعد.

"أتظنه راغباً في إيصالنا؟"

"يمكننا السؤال".

انحنى كونراد ومد ذراعه.

"هيا يا كابا. حان وقت الرحال. اترك الثعبان أو ابتلعه".

تخلص كابا من بقايا الثعبان وركض متسلقاً ذراع كونراد ليستقر على كتفه.

جذب وحش المستنقع أذن كونراد وقال: "رجل القارب؟"

حاولت نفض بعض الوحل عن سروالي لكنه كان طيحاً وشظايا ثعبان لا غباراً لذا بقي في مكانه.

"أظنه يفضل لقب 'رجل القبور'".

قال كونراد: "لنذهب لملاقاته".