مطر البارحة. انشقّ ستار الضباب الملتفّ الصاعد من المستنقع أمام مقدّمة زورقهم من غير أن يمسّهم. ارتعش الصّبيّ حين اجتازه. اعتاد الابتعاد عن القرية ليستمتع بسلام الصّباح، غير أن المستنقع بدا، في ذلك اليوم، مسكوناً بالضباب والنور الخافت الذي أتاحته الغيوم على مكره. هزّ الصّبيّ رأسه، وأعاد القبض على مجدافه، وغرزه في الماء بضربة أعمق. انحرفت مؤخرة الزورق. غرز صديقه مجدافه بعمق لتتطابق الضربات.
لم يكن الصباح يعاني من شيء. لقد جلب معه مزاجه القلق المتربص — لكنّه، مهما يكن ما يجري، كان عليه إنجاز مهامه. كانت حقيقية، ومهمّة، وفوريّة. الناس يعتمدون عليه. يمكنه القلق حين ينتهي من عمله. لكنّه كان مثقلاً بالهموم إلى حدّ بعيد. ولم يبدُ أن ثمة وقتاً فراغاً كافياً. انقبض بطنه. قبل أسبوع ونصف، أتاه خالُه ليحادثه. انتقلت مجموعة جديدة من ذوي البشرة البيضاء إلى المنطقة. كان الصّبيّ سيراقبهم.
— لقد تحدثتُ إلى زعيم القرية بالفعل.
وقد أُبرم الاتّفاق. ذهل الصّبيّ في البدء لدرجة عجزته عن الردّ. وحين زال عنه الدهش، أطرق برأسه وسمر عينيه على التراب بين قدميه، محاولاً ترتيب مشاعره. كان زعيم القرية رجلاً عنيداً. فحتى مع اعتبار مكانة خاله واحترامه في القرية، ما كان إقناعه بالتراجع بالأمر الهيّن.
— لمَ أنا؟
— سأل الصّبيّ ورأسه لا يزال منخفضاً.
— ألا تريد الذهاب؟
رفع الصّبيّ بصره.
— لست كشّافاً.
وما خرجتُ للقتال قط — — ليست هذه حرباً — قال خاله.
— ليس بعد.
وإن حالفنا الحظّ فقد لا تصبح كذلك قط. ترسل القرية محارباً بالفعل، لكني أبتغي عيناً تراني، ولا أبحث عن عراك. ولهذا أُرسلك أنت. أنت مختلف. قطب الصّبيّ جبينه. لقد قيل له هذا من قبل. ولم يقصدوا بها خيراً. تابع خاله كلامه: — يمكنك الانزلاق قرب اليراعات من غير أن تلحظك، والجلوس في الماء مع التماسيح، مترقباً الشروق ذاته. هذا هو نوع البشر الذي أريده لينقل لي ما يرى — وافهم، ستجلس بجوار نوع آخر من التماسيح.
ولكن إن استطاع أحدهم رؤيتهم كأصدقاء، فستكون أنت. حلّ صمت ثقيل بينهما. طالما تحدث خاله وكأن الحيوانات بشر — ممّا كان يثير حفيظة بعض الصيادين — غير أنّه المرة الأولى التي يسمع فيها خاله يتحدث عن البشر وكأنهم حيوانات. لعلّهم ليسوا بشراً.
— أخطيرون هم؟
— سأل الصّبيّ.
كان خاله أعلم الناس بهم. فمهامّه الفريدة تبقيه في القرية، ممّا يجعله على صلة بكلّ تاجر. نظر خاله في عيني الصّبيّ، يزن ابن أخته بعناية. صار يفعل ذلك مراراً مع تقدّم الصّبيّ في السنّ.
أحياناً يزيح بصره ويغير الموضوع، فيدرك الصّبيّ أن خيار خاله كان، "ليس بعد".
وأحياناً أخرى، كمثل هذه المرّة، لم يُحِدْ نظره.
— سمعنا من آخرين على ضفة النهر، وبلغتنا أخبار من مناطق أبعد — قال خاله.
— إنهم مثلنا.
تختلف طرق الجماعات المختلفة. لكنهم جميعا خطرون. علينا أن نعلم إن كانوا سيشكلون خطراً على قريتنا. اضطر صديق الصّبيّ إلى مناداته مرتين قبل أن يدرك أنّه كان غارقاً في أفكاره. لقد وصلا إلى حيث تُحفظ الشباك. هبطت الحرارة حين دفعا الزورق إلى ظلال أشجار السرو. لم تكن سوى لمحة فرق، لكنها كافية لتجعل الصّبيّ يرتجف. جذبا الزورق خارج الماء ومشيا على حافة المستنقع حتّى وجدا رأس الشبكة مربوطاً بشجرة.
خسر الصّبيّ جدالاً قصيراً حول أيهما سيمشي إلى الطرف الآخر. كان النقاش أشبه بتقليد منه بجدال حقيقي، ورغم احتجاجاته، كان الصّبيّ واثقاً تماماً من أن الدور دوره، لذا تجرّد من ثيابه وخاض في المستنقع بأدنى قدر من الانزعاج. غادر الضفة المنحدرة إلى ماء بلغ أسفل ضلوعه. سلب الغطس المفاجئ والبرودة أنفاسه. شقّ طريقه في الماء ببطء، محساً بالطين الحريري يتحرك تحت قدميه. عسر عليه رؤية ما يزيد عن طول ذراعين أمامه بسبب الضباب، بيد أنه سيزتفع قريباً.
كان النسيم الخفيف ذاته، الذي جعل سطح الماء تموج، يحركه. إن لم تتكسر الغيوم، فسيأخذ الريح الضباب قبل أن تتيح الشمس فرصة لحرقه، لكنّ عليه الاستماع لأي صوت خطر ريثما يتضح له الرؤى. بدا المستنقع هادئاً بشكل غريب في ذلك الصباح. جاءت نداءات الطيور من بعيد. وأحسّ بجانب الأسماك المحاصرة في الشبكة وهي تخبط الماء وتحدث حركة، لكن صراعاتها كانت صامتة. بلغ الطرف الآخر من الشبكة وبدأ بفك العقد.
وفكر بالرجال البيض أثناء ذلك. تذكر صدمته حين رأاهم للمرة الأولى. كم كان الأمر مخيفاً. كانوا بشراً في أشكالهم، لكنهم أكثر شعراً، كالحيوانات. عجب طريق ارتدائهم للثياب، فقد غطت الملابس معظم أجسادهم. وذكرته بشرتهم الباهتة المحمرة بلحم السلّور. مرّت ساعات قبل أن يتخلص من انطباع أنهم مزيفون. محاكاة لبشر. دمى ماشية. وكان عددهم أكبر مما ظن. أكثر بكثير. راقبهم هو والمحارِب يوماً كاملاً، محاولين استشفاف شيء في وجوههم سوى الغرابة.
رمقوهم وهم يعملون، وتأملوا لغة أجسادهم وتعبيراتهم، وأنصتوا إليهم وهم يتحدثون بعضهم إلى بعض. عند الغياب، ظهر التجار. لم يكن الصّبيّ يعرفهم، لكن استناداً إلى وشومهم وجباههم المسطحة، فقد كانوا رفاقاً من الشيتيماشا من قرية أخرى. تقدّموا نحو حافة المستوطنة، ووضعوا سلالهم الضخمة المنسوجة بإحكام من البضائع، وانتظروا. خرج إليهم عدد من الرجال البيض. حبس الصّبيّ أنفاسه وانحنى للأمام أقصى ما أمكنه بلا كشف مخبئه.
اعتاد الشيتيماشا التجارة مع قوم لا يتحدثون لغتهم — فهناك سبل لتجاوز ذلك — لكنّ بذرة من الرهبة نمت حين راقب الصّبيّ التبادل حتّى كادت تفوح من جسده. كان الصّبيّ غارقاً في أفكاره حين غادر هو والمحارب عائدين إلى الديار في الصباح التالي. ما مدى اختلاف قوم حتّى يعجز المرء عن فهم أحدهم الآخر؟ سأل خاله عن ذلك. فأجاب خاله بأنه لا يدري.
— لكنني لن أحاول التجارة مع أفعى — قال.
— ماذا عن تمساح؟
ابتسم خاله.
— ذلك يتوقف على التمساح.
ومع مرور الأيام، تلاشت رهبة الصّبيّ، لكن مخاوفه بقيت. تذكر كيف أبقى الرجال البيض أعينهم مسلطة على ظهور التجار عند مغادرتهم، بلا إبعادها حتى اختفى التجار بين أشجار السطوح. أزعجه شيء في تعبيراتهم. هزت الشبكة يديه، فاستعاده الواقع. لابد وأنهم اصطادوا شيئاً كبيراً. أمر غير مألوف لصيد ليلي. فلما كان لا أحد يحاصر الأسماك، استطاعت معظمها السباحة مبتعدة. وقليل منها فقط تشابك في الشبكة بعمق جعله عاجزاً عن الإفلات.
عليه الحذر. فما كان في الداخل كان قوياً بما يكفي لانتزاع الشبكة من يديه إن لم ينتبه. حبس أنفاسه وغاص تحت الماء ليحرر عقدة المرساة العالقة بين جذور الشجرة. وحين تحررت الشبكة، جمع أعلاها وأسفلها، وحذر صديقه بضرورة الإمساك بإحكام، ثم خاض عائداً نحو الضفة حيث ينتظره صديقه. سحبا معاً الصيد إلى اليابسة. وما إن فرغا من الجزء الأصعب والأثقل من العمل، حتى ذهب الصّبيّ ليرتدي ثيابه، تاركاً صديقه يفرز الصيد.
انتهى الصّبيّ من ارتداء مئزره وكان يمد يده نحو حذائه الأول المصنوع من جلد الأيل حتى أطلق صديقه صرخة مفاجئة. هرع الصّبيّ حافي القدمين ليرى سببها. كان صديقه يقف متراجعاً عن صيدهما. بدا وكأنه أفلت الشبكة لحظة صراخه. امتدت حافتها الأفعوانية فوق الأسماك المتراكمة. وحين تعثر الصّبيّ متوقفاً بجانبه، هتف صديقه بصوت صاخب ومتقطع: — ما هذا؟ بحذر، دبّ الصّبيّ نحو الشبكة، محاولاً تبين ما ترك صديقه واسع العينين ومرتجفاً.
وجد شيء كبير في الداخل. لم يكن سمكة. بلغ حجمه تقريباً حجم أخي الصّبيّ الصغير. بدت معظم بشرته مبرقعة بالأخضر والبني. وتوسطت زعانف جوانب وأعلى رأسه، غير أنه امتلك ذراعين وساقين — امتلك يدين. كانت أجزاء من الشبكة حوله ممزقة، وكأنه نهش الشيء بأسنانه محاولاً الفرار. استقرت عيناه السوداوان الضخمتان عالياً في رأسه، شاخصتين عبر الضباب الآفل نحو السماء، غير أن الصّبيّ عجز عن معرفة إن كان يبصر شيئاً — أو إن كان سيبصر شيئاً مجدداً.
كان الكائن ساكناً، كالميت. دنا صديقه منه. وحين تحدث هذه المرة، خرج كلامه هامساً: — أتدرك ما هذا؟
— لا — همس الصّبيّ مردداً، وبأنفاس مقطوعة.
قضى كل يوم من حياته في المستنقع. ولم يرَ شيئاً مماثلاً قط. بدأ صدره الباهت يعلو ويَهْبِط. انقبضت يدا الصّبيّ، واستنشق نفساً سريعاً.
— إنه حيّ.
تجمد صديقه، ثم خطا فجأة خطوة للأمام مسلاً سكينه. ولم يكد يخطو خطوة أخرى حتى أطبق الصّبيّ على معصمه المرتفع، مشلّاً السكين حيث كانت.
— لا — أمر الصّبيّ.
التفت صديقه فوق كتفه. كان الصّبيّ يحدق في المستنقع. استدار صديقه ليتأمل الماء. انقشعت الغيوم أخيراً. أضاءت خطوط ضوء الشمس المتسللة عبر الأشجار ما تبقى من الضباب ليشع. وإذا بهما يريان، عبر صفحة الماء، عشرات أزواج من العيون السوداء الصافية تحدق بهما.