دلنَا برودي على السبيل الوحيد الذي يمكن اجتيازه مشياً نحو المحطة العلمية الأولى.
قال موضحاً: "يمكن اجتيازه للمنتعل جزمات الطين"، مقصوداً به أي طريق لا يبلغ الغمر فيه مبلغاً يجبرك على السباحة.
وتلك المحطة كانت مقر عمله.
"لا أسميها هكذا من تلقاء نفسي. هكذا تسميها أيلا. وبما أنها صاحبة المحطة، فقد حظيت بحق تسميتها. وأنا أناديها غالباً بالخيمة".
سألتُ وأنا أخوض في الوحل طخاً طخاً: "هل ثمة محطة علمية ثانية؟".
"لا. لا يُسمح لنا إلا بمحطة واحدة، وكانت هنالك شروط كثيرة ينبغي لأيلا الالتزام بها قبل أن تنال إذن إنشائها".
سأل كونراد: "أي نوع من الشروط؟".
أخرج برودي نفساً حارّاً من فمه وشبّك أصابعه في شعره زافراً: "مأوى مؤقت، آثار ضئيلة عند الإزالة، قابلة للقفل..."
ولوّح بيده في الهواء ليدلل على ما يُقصد بعبارة وما شابها.
قلتُ: "قابلة للقفل؟ ظننتُ أنه لا يُفترض بأحد العيش في هذا المستنقع".
توقف برودي.
"أم، أجل. لا بشر على أي حال".
وتسلقت عيناه كابا المتربع فوق كتفي كونراد. آه. وتابعنا الخوض في الوحل. أسرعتُ للحاق به. احتكّ بنطالي المبتل بساقي، لكني غضضت الطرف. وبينما كنت أمشي بجانب برودي، دسست يدي في جيبي... وأدركتُ أن هاتفي قد غرق تماماً. وجب عليّ غض الطرف عن ذلك أيضاً.
سألته: "اسمع يا برودي، أتزعجك إن ناديتك برودي؟".
ابتسم.
"لا يزعجني".
"أوه، جيد".
أطلق عقلي همهمة باطنية. كان ذلك مبالغاً فيه. وصار لزاماً عليّ الآن أن أفسر الأمر.
"أعني، لا مانع لدي من مناداتك بالسيد كوهلر وما شابه — فالاحترام فكرة صيبة دوماً، وما إلى ذلك — لكنك تبدو لي كبرودي أكثر".
اتسعت ابتسامته. خلتُ أن ثرثرتي قد أراحته. فالأغبياء نادراً ما يشكلون خطراً.
فأكملت ثرثرتي: "بإمكانك مناداتي بإميرا إذن، مادام الكونت غير موجود هنا ليتبرّم من ذلك".
سأل برودي: "الكونت؟".
حقاً! لقد حان الوقت لأصل إلى صلب الموضوع.
"ألم تواجهوا يوماً أي مشاكل مع المتخفين؟".
توقف برودي مجدداً.
"لا. أبداً. أعني، أظنني رأيتهم، مرة أو مرتين، يتجسسون حول المحطة — فهم شديدو الفضول — ولكن هذا كل شيء".
مرّت على محياه ملامحة حيرة، لكنني لم أتبين ما الذي أربكه. أكان بسبب مواجهتهم لمشاكل من الأساس؟ أم لأنهم يواجهونها الآن؟ ومهما يكن، فقد أطاح باللغز بهزة كتفين، واستدار، ومضى في طريقه.
وبعد أذرع معدودة، رفع برودي رأسه وقال: "ها قد وصلنا".
كانت هناك خلف شريط الأشجار تلّة منخفضة تغطيها شجيرات مزهرة بزهور أرجوانية شاحبة. ونهض من بين تلك الشجيرات بناء عنابي مائل للاستدارة ومؤلف من جدران خشبية مسطحة صغيرة كثيرة. وقد أُقيم على ركائز خشبية غليظة متباينة الأطوال، نُسقت بحيث يستوي الأرضية. واصطفّت نوافذ واسعة في نصف الجدران على الأقل، وأفضى سلّم من ألواح خشبية بسيطة إلى باب أبيض توسطته نافذة واسعة أيضاً.
قال كونراد: "دعني أخمن. لا كهرباء؟".
أجاب برودي: "لدينا بضع بطاريات ومولد محمول صغير لحالات الطوارئ. وما عدا ذلك، فلا شيء. وعلينا التأكد من شحن حواسيبنا المحمولة قبل إحضارها إلى هنا كل صباح".
"وهل تعمل حواسيبكم هنا؟"
"تعمل داخل الخيمة".
ذكّرني هذا بهاتفي المبتل في جيبي. وعليّ إجراء إسعافات أولية تقنية له قريباً، وإلا فلن ينجو من الغرق. أطفأته ونزعت غطاءه، ولكن حين هممت بتجفيفه بقميصي، أدركتُ أن قميصي أببعد ما يكون عن الجفاف بما يكفي لتلك المهمة. ربما أجد شيئاً يمكنني استخدامه في خيمة العلم. هرولتُ للحاق ببرودي وكونراد. صعد برودي الدرجات وفتح الباب.
وما إن دخل حتى نادى: "لقد وجدتهما في المستنقع".
ردّ صوت نسائي مستمتع: "ماذا؟ حقاً؟ أكانا يستكشفان؟".
توقف كونراد عند أسفل السلم ليرفع كابا عن كتفيه. اعتاد فعل ذلك دائماً قبل اجتياز أي باب. فكابا لم يألف الانحناء عند الاقتراب من العتبة. حين أطلق كابا نعبة احتجاج، وضعت العلبة البلاستيكية السوداء على الحافة الخارجية للدرجة الثالثة ومددت ذراعيّ.
سأل كونراد: "أمتأكدة أنت؟".
ضحكتُ.
"لست ممن يخشون ابتلال قميصهم".
"والعلبة؟"
"يمكننا التقاطها في طريق خروجنا".
ناولني كونراد كابا، وصعد الدرجات ودخل. وما إن استقر كابا على وركي وتأكدت من راحته حتى تبعتُهما. وعين بلغت قمة السلم، توقفتُ. كان هناك، عند مدخل الخيمة مباشرة ومحتضناً لكل الجدران، ستارة سحرية من لؤلؤ أزرق أرجواني متلألئ. وبدت كأن أحدهم أخذ شراراً من مجموعة مفرقعات نارية، وحوّله إلى ترتر، وغطى به الغرفة بأكملها. لم أستحب فكرة العبور وسط سحر لا أُدرك كنهه، بيد أنه لم يئذ برودي أو كونراد، وإن سألت عنه، فسيفتضح أمر قدرتي على رؤيته.
خطوت إلى الداخل، وأغلقت الباب، والتفتُ أنظر إلى أي نوع من الغرف يتطلب حجاباً سحرياً. لم يكن ثمة ما يُرى. سرير تخييم، تعلوه حقيبة نوم، دُفع إلى أبعد حد ممكن نحو الجدار المنحني. وإلى جانبه صندوق تبريد. واصطفّت ثلاث طاولات طويلة ورخيصة وغير متناسقة، تناثرت عليها الأوراق والكتب والخرائط. وللجلوس، كان خيارك محصوراً بين مقعدي تخييم أو مقعدين خشبيين طويلين. كانت المرأة التي خلتُ أنها أيلا دافيدز جالسة على أحد المقاعد الطويلة أمام طاولة.
وكان حاسوبها المحمولة مفتوحاً، لكنها استدارت لتواجهنا. الشخص الوحيد الآخر الذي التقيته ونعت نفسه بالباحث كان رجلاً بريطانياً في منتصف العمر يرتدي التويد. وقد غذى ذلك صورتي النمطية بعمق حتى افترضتُ لاواعيّاً أن هذه الباحثة ستشاطره بعض الشفا. كلا. ربما كانت في أوائل الثلاثينات، لكن مرجح أكثر أنها في العشرينيات. ارتدت بنطال جينز ضيقاً ممزقاً أدى دوراً فائقاً في إبراز قوامها، وقميصاً فضفاضاً بياقة قاربية عريضة تكشف عن أعلى كتفيها.
وبانت أشرطة حمالة صدرها السوداء، وكنت أعلم، دون حاجة للسؤال، أنها لا تكترث بذلك. لقد ناسب ذلك أسلوبها. كانت ترمق كونراد بنظراتها. وقف كونراد مكانه، منتظراً. تأوه قلبي تعاطفاً. كره كونراد أن تُحدّق فيه العيون، لكنه اعتاد الأمر أيضاً. وتبينت ذلك الارتعاشة المعهودة عند أطراف أذنيه والتي دلّت على أنه يرغمهما على البقاء في وضعية محايدة. ستتغلب الباحثة على مفاجأتها في ومضة.
فالجميع يفعلون ذلك. وكونراد يعرف كيف يتصرف لكي لا يبدو مخيفاً أكثر مما هو عليه بطبيعته. وانفرطت ابتسامة ساطعة على وجه الباحثة.
وقالت: "أهلاً ومرحباً".
رمشتُ لأستوعب مفاجأتي الخاصة. لم تكن صدمة تهزّ الأرض، لكنها غرقت بي من رأسي حتى أخمص قدمي في حيرة مطبقة. لم يكن في صوتها أي أثر للخوف. لا تردد. لا رهبة. بل بدت دافئة وودودة إن صح التعبير. ألم يستغرب أحد غيري هذا؟ ألقيت نظرة على برودي. كانت شفتاه مضمومتين، وعيناه مسمرتان على الأرض. حسناً جداً. لم أتبين إن كان مستغرباً، لكني كنت واثقة تماماً بأنه لاحظ ذلك. أبعدت أيلا شعرها الأشقر الطويل وراء أذنها، وانزلت عن مقعدها، وسارت نحو كونراد.
وقفت أقرب إليه مما يفعله معظم الناس، حتى لو عرفوه جيداً.
"أنت أضخم بكثير مما تصورنك".
وأضاءت ابتسامتها وجهها الجميل أصلاً. ومدّت يدها.
"أيلا دافيدز. ناديني أيلا. زميلة توري كاملة. لست من هذه المنطقة، لكني نلت الإذن بالمجيء إلى هنا لدراسة المتخفين".
تصحيح: لقد بدت ودودة للغاية. تردد كونراد طويلاً على غير العادة، ثم صافحها.
وسأل: "أنت عالمة أحياء؟".
اتسعت ابتسامة أيلا حين سمعت صوته. ولم أستطع لومها. تذكرت المرة الأولى التي سمعت فيها ذلك الهدير البجوري العميق الذي بدا وكأنما ينبعث من جوف صدره. ممم. رائع. وحتى بعد انتهائهما من المصافحة، لم تترك أيلا يده.
قالت: "تقنياً، يطلقون علي لقب عالمة طبيعة، لكن المسمى الوظيفي مبهم. وأنا أتخصص في غير الطبيعيين".
"عالمة طبيعة تدرس غير الطبيعيين؟"
تجعدت زوايتا عينيها.
"هذا صحيح".
يا للهول. لو أنها ابتسمت أكثر لانشّق وجهها. وأفلتت يده أخيراً.
"سمعتُ أننا سنرزق بمستذئب — وهذا أنت، أليس كذلك؟"
أجهشتُ بكتم سخرية مباغتة وثبت إلى حلقي. كان من المفترض أن تكون عالمة طبيعة تابعة لتوري، فكيف يتأتى لها أن تسأل؟ أنّبتُ نفسي على تلك اللمحة من الوقاحة. فلعلي كانت تحاول أطراف الحديث، وعُرف عني أنني تفوهت بكلمة أو كلمتين واضحتين وغبيتين في حياتي. وربما أغبى. وربما أغبى بعشرة أضعاف.
"نجل. أنا كونراد باور".
كررت أيلا: "كونراد. أهلاً بك في محطتنا العلمية. إنه لأمر جيد دائماً رؤية وجه جديد هنا. فالبلدات الصغيرة قد تبدو خانقة بعد حين. أنا آسفة بشأن الأمس، بالمناسبة".
قال كونراد: "الأمس؟".
قفزت ملامح تأسف على وجه أيلا ثم غادرته.
"أخبرتني ليلي كارفر بمجيئك وأن عليّ اصطحابك"
— ولوّحت بكلتا يديها — "لكنني انشغلت، ولم أنظر إلى الساعة..."
ووضعت أصابعها على ذراع كونراد.
"أنت تعلم كيف تجري الأمور".
التفت كابا إليّ. فصنعت وجهة مضحكة لأريه أن كل شيء على ما يرام وأعدت رفعه على وركي. لماذا تردد لفظة *تكلفت* في ذهني؟
تابعت أيلا قائلة: "أوصلت إلى الموتل بسلام؟"
قال كونراد: "في النهاية".
وجاء دوري لأبتسم هذه المرة. لا شك في أن أيلا امرأة حسناء تملك الكثير من الجذب، بيد أنها إن أرادت بلوغ غاية مع كونراد، فعليها مجابهة صراحته. لابد أن إطراقي برأسي لإخفاء تسليتي قد استجلب انتباهها. نظرت أيلا إليّ للمرة الأولى منذ دخولي الخيمة — لكن اهتمامها لم يدم. وما إن لاحظت وجود كابا على وركي حتى تم نسياني من جديد. تراجع كونراد إلى الخلف بينما تقدمت نحونا.
وقالت: "ماذا لدينا هنا؟"
وانحنت لتقترب من كابا. وتحركت عيناها، المتألقتان بالاهتمام، فوقه. فمال مبتعداً لكنه لم يحاول الاختباء.
قلت: "هذا كابا".
"أأنت الباحثة التي تحاول فك شفرة لغتهم؟"
في البداية، لم أدر إن كانت تخاطبني — إذ لم ترفع بصرها حتى — وحين أدركت أنها تفعل، ضحكتُ.
"ماذا؟ كلا!"
ارتفعت عيناها لتلتقي بعيني.
وما زلت مبتسمة، قلت: "لست باحثة".
واشتعلت لمبة — وبما أنني لست باحثة، فلابد أنها كانت خافتة — فوق رأسي.
"انتظري. أيعني هذا أن لديهم لغة؟ لغة خاصة بهم مثلاً؟"
قالت أيلا: "أخبرني جلادوين بأنه وجد متخفياً قادراً على الكلام".
"بإمكانه ذلك. ولكنه يتكلم فحسب. بالإنجليزية".
اهتز رأس برودي إلى أعلى.
"الإنجليزية؟"
أعادت أيلا بصرها إلى كابا. لكزته.
"أتُريد قول شيء؟"
هز كابا رأسه نفياً. تنهدت ونظرت إلى أيلا.
"آسفة. إنه خجول أمام الأشخاص الجدد".
أمالت أيلا رأسها وهي تفحصه.
"من أي قبيلة هو؟"
"أم... لا ندركة".
"كيف نجا؟"
عقدت حاجباي.
"ماذا تعنين؟"
"لم أسمع قط بقطيع يتسامح مع طفرته".
شددت كابا نحوي أكثر.
"أي طفرة؟"
انتصبت أيلا واقفة. وحين نلت اهتمامها بالكامل، لم أكن متأكدة من رغبتي فيه. لسبب ما، جعلني سلوكها الواثق والمسترخي أشعر بالامتعاض.
وقالت: "أتفاجأ لعدم علمك بذلك".
لم أجب. وأشارت إلى أكبر بقعة زرقاء على جسد كابا، والتي صادف أنها تشمل أنفه. فوخزه.
وسألت: "أترين هذا التبرقش الأزرق في نمطه؟"
قلت: "نجل".
استخدم كابا كلتا يديه ليغطّي أنفه.
أوضحت أيلا: "لا يُفترض بالمتخفين أن يحملوا ذلك اللون. فجسده لا ينتج الصباغ الملائم. والأزرق والأصفر يصنعان عادة لوناً أخضر للجلد، ولكن من دون الصباغ الأصفر، يبدو الجلد أزرق. وهو أمر شائع نسبياً — بالنسبة للطفرة — لكن معظم المتخفين المولودين بها يُقتلون صغاراً".
تسللت خيوط حرارة حتى عنقي، وحين تكلمت، كان صوتي أعلى مما ينبغي.
"إذن ما تقصينه هو أننا حصلنا على وحش المستنقع الفاخر، وفائق التلون، والإصدار الخاص؟"
ورفعت كابا إلى أعلى ورفعت يدي الحرة.
"عالية بخمس، أيها الصغير!"
ابتسم كابا ومنحني تحية عالية بخمس لزجة. لقد استغرق الأمر مني أسبوعاً لأعلمه تلك الحيلة، ولكن، يا لروعتها. أنزلت رأسي لألصق أنفي بأنفه الأزرق الجميل.
"كنت أعلم دوماً أنك مميز".
ونظرنا كلانا إلى أيلا. كان سهلاً على أحدهم أن يظن أن التقاء عينيّ بعينيها كان... حاداً بعض الشيء — لكن الأمر لم يكن وكأنني أُحّدق فيها بغضب! بل كان أشبه بتحدٍّ. تحدٍّ مهيب. شيء قد يُطرح بين معارف جدد. حسناً، لربما لم يكن مهذباً إلى ذلك الحد. ولا يبدو أن أيلا لاحظت.
وقالت: "أيمكنني أخذ دمه؟"
كان السؤال مباغتاً إلى درجة استغرقت مني ثانتيّن كاملتين لأدرك ما تسأله. وحين استقر الأمر في ذهني، انفتح فمي، لكن عقلي تدخل قبل أن أنطق بحرف، فأطبق فمي أسرع من سرعة الغباء. ربما سألتني أيلا، لكن لم يكن من حقّي الإجابة. تراجعت خطوة للوراء لأحظى ببعض المساحة.
"كابا، تريد أيلا أخذ بعض الدم منك. أيمتنع ذلك؟"
قال كابا: "مثل الطبيب؟"
ومن خلفنا، تمتم برودي بصوت خفيض: "سماوي".
أبقيت عيني على كابا.
"يشبه ذلك، نجل".
فكر لبرهة، ثم هز رأسه نفياً. ربما كانت للدكتور بيليستون فرصة في سحب دم كابا، لكنه كان صديقاً لكابا بالفعل، وكان عاقلاً بما يكفي ليحضر رشوة. التفتُّ إلى أيلا، بيد أن الفرصة لم تحن لأقول شيئاً.
فقالت — وهي لا تزال تخاطبني —: "هذه فرصة نادرة لي وللمجتمع السحري. أتعتزمين الرفض حقاً؟"
احمرّت وجنتاي.
"ليس محلي للرفض. ليس دمي. بإمكانك محاولة سؤاله بنفسك، لكني لا أظن أن ذلك سيغير إجابته".
"ظننتك المسؤولة عنه".
"ظننتِ خطأً".
"إن لم تكوني باحثة ولست المسؤولة عنه، فلم أنت هنا إذن؟"
لم تكن قاسية، أو حادة، أو مريرة. وبدا نبرتها وكأنها سؤال صادق. يا للأسف، فقد صادف أن هذا السؤال البريء قد داس على تسعين بالمئة من صدماتي النفسية. وكانت كثيرة للغاية. وشعرت كأن عملاق جبل قد حفر أحشائي بضربة واحدة نظيفة مستخدماً فأساً جليدياً مجمداً بوزن طنين. وانفصلتُ عن نفسي، واقفة هناك، فارغة، باردة، وأشعر بتجويف يفوق قدرتي على المرض. لم أنت هنا، إيميرا؟ لا أحد يريدك.
لا أحد يحتاجك. عديمة الفائدة. بلا قيمة. بدأت أرتجف. وفي غشاوة، رأيت بنصف عين، وشعرت بنصف إحساس، كونراد يقترب منا ليأخذ كابا من بين ذراعيّ المرتخيتين.
قال: "أمتأهب للذهاب، يا صاح؟"
تعثر برودي خطوة إلى الأمام.
"أسترحلان؟"
صرخ كابا: "ميرا!".
قال كونراد: "إنها قادمة أيضاً".
أطلقت أيلا ضحكة واهنة ومحيرة.
وقالت بعقدة حاجبيها: "عذراً، أتراني ارتكبت خطأ ما؟"
وضع كونراد ذراعه حول كتفي. وبدا ثقل يده على كتفي وكأنها الشيء الحقيقي الوحيد في العالم.
وقال بصوت خفيض: "تعالي".
ضممت كيديّ لقبضتين وغرست أظفري في راحتيّ حتى ألمني الأمر. وبعيداً عن الألم، شعرت وكأن كل إحساس آخر تغذيه حواسي قد غُطّي بالتشويش، وكأنني عالقة في نوع من الأبعاد البديلة لتلفزيون تناظري. ولكن إن كان هذا مكان وجودي، فهذا يعني أنني شخصية. وكنت أعرف ما يفترض بشخصيتي فعله. تنفستُ. كان الهواء في أرض التلفزيون المتناظري خفيفاً.
"لا. لا بأس. لقد جئنا للمساعدة، أليس كذلك؟ سيكون غبياً الرحيل الآن".
وحين التفتّ إلى أيلا، ركزت على البقعة الواقعة بين حاجبيها. لم أكن متأكدة مما سيحدث لو حاولت ملاقاة عينيها.
قلت: "من الأفضل غالباً أن تعتبريني مترجمة. أنا أفهم كابا. وأنت لا تفعلين".
شبّعت أيلا ذراعيها. وتصلبت شفتاها.
قال كونراد: "أمتأكدة أنت؟"
استطعت النظر في عينيه على الأقل.
"بالتأكيد".
وبعد ثانية، أومأ برأسه. واجهت وسط الغرفة، داعية أي شخص وكل شخص للإجابة عن سؤالي.
"أعلم أن ثمة مشاكل وقعت مع قطيع المتخفين؟"
بادر برودي.
"نعم".
سار نحو طاولة، واستخرج حاسوبه المحمولة من بين الأوراق المتراكمة حوله، وفتحه. وصار يطبع بينما يتكلم.
"كان المتخفون يتسللون إلى فورت ريف خلال الليل. وكانوا في البداية فرداً أو اثنين فحسب، ولم يبتعدوا. لكن المشكلة تفاقمت بمرور الوقت".
سرنا أنا وكونراد لننضم إليه عند الطاولة. وتبعتهما أيلا. ولحسن حظي، وقفت بحيث صار كونراد يفصل بيننا.
وتابع برودي: "نجحنا في تثبيت حواجل تتبع بنظام تحديد المواقع العالمي على بعض المتخفين".
وحاول هز كتفيه، بيد أنه بدا مشدوداً وغير مريح.
"الكثير منهم، في الواقع".
وبعد عدة نقرات بالفأرة، صرنا ننظر إلى شاشة ذات خلفية سوداء تخترقها مجموعة من الخطوط الرمادية الرفيعة والمتعرجة. وبفضل كونراد، استطعت تمييزها كجزء من خريطة طبوغرافية رغم خلوها من أي تسميات. وبدأت خطوط نيون خضراء أسمك على الجانب الأيمن للخريطة، واتجهت يساراً، وتعرجت يمنة ويسرى، ثم عادت إلى نقطة بدايتها.
قال برودي: "هذا قبل ثلاثة أشهر".
انحنيت لأتفحص الأمر عن قريب.
"في كانون الثاني؟"
أومأ برودي. وانحسر طوفان المشاعر والتشويش الطنين بينما كنت أتكلم.
"ألا يصابون بالخمول في الشتاء؟"
قالت أيلا: "يصابون بالخمول، نعم، لكنهم لا يدخلون في سبات شتوي أو ما شابه. ويبلغ متوسط أدنى درجات الحرارة لهذه المنطقة حوالي ست وأربعين درجة. وإن انخفضت دون الصفر، فسيتثاقلون بالنام طوال ذلك اليوم، وما عدا ذلك، فهم يتبادلون جداول نومهم بحيث يكون جزء من القطيع مستيقظاً طوال الوقت".
سأل كونراد: "لماذا؟"
أوضحت أيلا: "إنه شكل من أشكال الحماية. إن استيقظ أحدهم، فسيمكنه تحذير الآخرين إن هدد خطر ما. إنهم ينجون كمجتمع، لذا فقد تعلموا سلوكيات تحافظ على أمان القطيع".
وبينما كانا يتحدثان، نقر برودي بفأرته بضع نقرات أخرى، فاستحضر شاشة جديدة. وأظهرت كمية هائلة من خطوط النيون الخضراء، وتلاشت جميعها قبالة الجانب الأيسر للشاشة.
وقال برودي: "وهذا لهذا الشهر. حتى الآن".
سأل كونراد: "كم عدد الخارجين؟"
"يتراوح بين اثني عشر إلى خمس وعشرين فرداً في الليلة".
وأضافت أيلا: "لكن هؤلاء يمثلون من يرتدون أجهزة التتبع فحسب. قد يكون هناك المزيد".
سألته: "كم تبلغ نسبة القطيع الحامل لأجهزة التتبع؟"
ألقى برودي نظرة خاطفة على أيلا — بتوتر فيما نحسبه — قبل أن يجيب.
"حوالي خمسين بالمئة".
ارتد رأسي للوراء.
"أوه. واو".
تساءلت أيلا: "ما الأمر؟"
تلجلجتُ محاولة هز كتفي.
"لا أعرف شيئاً عن الدراسات وما شابه، لكن خمسين بالمئة تبدو نسبة عالية. إنه أمر مذهل".
أشار كونراد إلى الجانب الأيسر من الشاشة.
"أفترض أن فورت ريف تقع هنا".
قالت أيلا: "نعم، وتلك هي المشكلة. يُفترض بالقطيع البقاء في المحمية، وقد فعلوا ذلك دوماً. ولا يوجد سجل لمثل هذا السلوك الصادر عن هذا القطيع أو أي قطيع آخر. إنهم يجدون منطقتهم، ويمكثون فيها".
"أفترض أن غير المبادرين قد رصدوهم؟"
"أوه، نعم. خمس مرات على الأقل مما نعلمه".
قال برودي: "لقد أثار ذلك بعض الشائعات في البلدة..."
قاطعتْه أيلا: "تقصد أنه أثار المزيد من الشائعات".
واستدارت مستندة بظهرها إلى الطاولة مع تشبيك ذراعيها. ونظرت إلى كونراد من خلال أهدابها.
وقالت بابتسامة ساخرة: "أهل فورت ريف الطيبون شديدو الخرافة وغير متعلمين في الغالب".
ألقيت نظرة على برودي — وهو أحد أولئك الطيبين من أهل فورت ريف. قطب جبينه لكنه لم يصحح لها.
سأل كونراد: "أفعل شيء حيال الأمر؟"
أطلقت أيلا ضحكة قصيرة خالية تماماً من المرح.
"ممن؟"
"من أي أحد. ماذا عنك؟"
"ليست مشكلتنا، أليست كذلك؟"
قلتُ: "أليست كذلك؟"
هزت أيلا كتفيها.
"أنا باحثة. وكل ما يُفترض بي فعله هو مراقبة ما يحدث وتدوينه. ليس مستنقعي، وليست بلدتي. وإن حاولت فعل شيء، فسأقع في المتاعب".
قال برودي: "لكن إن استمر هذا لفترة أطول، فقد يقع مكروه".
سألتُ: "أي نوع من المكروه؟"
قالت أيلا: "يمكن للمتخفين أن يكونوا عنيفين إن شعروا بالتهديد. وإن حوصر أحدهم، فقد يصاب أحدهم بأذى".
وقال برودي: "أو قد يتم الإمساك بأحدهم. سيؤدي ذلك لفضح أمرهم أمام البلدة بأسرها. وسيبذل التوري جهوداً مضنية لمنع ذلك".
قال كونراد: "أتعلم إن كان التوري قد فعل شيئاً؟"
هزت أيلا كتفيها مجدداً.
تردد برودي، ثم تمتم: "حاولت الاتصال ببعض الأشخاص، لكن يصعب علي الحصول على معلومات".
وفرك أرنبة أنفه.
"أنا بالكاد مبادر. والشخصان الوحيدان اللذان أعرفهما في التوري هما مسؤول حالتي والسيدة دين. وهي التي حصلت لي على هذه الوظيفة".
سألتُ: "أيمكنهما إخبارك بشيء؟"
"قالت السيدة دين إن التوري يعلم بأمر المشكلة وإنهم يعملون مع الحكومة المحلية لحلها".
تبادلنا أنا وكونراد نظرة قلقة. ونظر كابا إلينا وعبس كي يندمج معنا.
"الحكومة المحلية"
تعني غالباً العمدة جلادوين، وهو الذي أحضرنا. لأمر فظيع أن تتلفت باحثاً عن شخص مسؤول وذكي ليأتي ويحل مشكلة عسيرة، لتكتشف فقط أن ذلك الشخص المسؤول والذكي من المفترض أن يكون أنت. لا بد أن الأمر كان أسوأ بالنسبة لكونراد. فعلى الأقل يمكنني الاعتماد عليه. والأشخاص الوحيدون الذين أتيح له العمل معهم هن أنا وكابا — فتاة لا تزال ترتدي خفين على شكل أرنب وطفل برمائي مصادفةً ماهر في السباحة.
ربما فكر كونراد في اتجاه مماثل. تنهد والتفت إلى أيلا.
"لا أظنكِ تصادفين معرفة ما كان العمدة جلادوين يأمل منا فعله هنا؟"
انفرج وجه أيلا عن ابتسامة مشككة.
"ألم يخبرك؟"
"ليس تماماً".
ولم يخبرنا أبداً، أضفت في نفسي.
قالت أيلا: "آسفة، لست منخرطة حقاً، لذا لم يحدث أن حدثني عن الأمر. وليس وكأنه مسؤول عني. إنه ليس مسؤولاً حتى عن المستنقع".
سألتُ: "من المسؤول إذن؟"
انكمش وجه أيلا في تعبير يشير إلى *ولماذا قد أهتم*. وهزت كتفاً واحداً.
قال برودي: "يملك التوري تقنياً المستنقع ويشرف عليه، لكن العمدة جلادوين والسيدة كارفر عضوان في اللجنة التي تساعد في إدارته. إنهما يمثلان البلدة. ويساعدان في تقرير القواعد، وكيفية فرضها، وكيفية توزيع الموارد لرعايته. ويجتمعان مرة كل ربع سنة للتباحث، لكنهما يستطيعان الدعوة لاجتماع طارئ إن ظهرت مشكلة. وهذا ما فعلاه هنا".
ومعرفتي بمدى وقاحة سؤالي المحتملة، جعلت صوتي وديعاً: "كيف عرفت ذلك؟"
"أنا، أم... سألت السيدة دين".
قال كونراد: "إذن العمدة جلادوين هو المسؤول؟"
قال برودي: "يملك بعض السلطة، اعتماداً على كيفية تعريفك لها".
تطايرت عينائي نحو أيلا. ولم يبد أنها تكترث كثيراً لكونها مخطئة. وانتابني شعور بأنه حتى لو علمت أنني المسؤولة، فلن تكترث أيضاً.
وتابع برودي: "جزء كبير من مشكلتنا يكمن في افتقارنا لطريقة موثوقة للتواصل مع المتخفين — لكن الآن وقد أصبحتما هنا، فقد نتمكن من معرفة سبب خروجهم كل ليلة. وإن فهمنا ذلك، فقد نقنعهم بالإقلاع عن الأمر أو نكتشف كيفية إيقافهم".
وانتقلت عيناه المليئتان بالأمل من كونراد، إلى كابا، إليَّ.
وسأل: "أتستطيعان التحدث معهم؟"
قال كونراد: "يمكننا المحاولة".
وأضفت: "بلا وعود حول مدى نجاح الأمر".
قال برودي: "كلا، كلا، أنا أفهم. أي شيء سيكون مفيداً".
سأل كونراد: "أتعلم كيف يمكننا العثور عليهم؟"
رفعت أيلا يدها.
"يمكنني المساعدة في ذلك".
ودفعت الطاولة، وسارت حيث كانت تعمل قبل قليل، وأزاحت الطبقة العليا من الأوراق لتكشف عن خريطة كبيرة.
"هناك بضع بقع يمكنك بالكاد إيجاد متخفٍ فيها دائماً. ليست هي منطقة التعشيش الرئيسية، لكنها ملائمة أكثر بكثير وأقل عرضة للهجوم حين تظهران..."
قلت: "هجوم؟"
"اقتحام موقع تعشيشهم الرئيسي سيجعلهم يشعرون بالتهديد على الأرجح. إنهم كثر جداً بحيث يصعب الاختباء. وإن ذهبتما إلى نقاط الحراسة هذه، فسيتمكنون من اختيار إظهار أنفسهم أو لا".
وتوقفت عما كانت تفعله ورفعت بصرها لتنظر إلى كونراد.
"أتحسن قراءة الخريطة؟"
أجاب: "نعم".
ناولني كونراد كابا وسار ليقف بجانب أيلا. فتقدمت خطوة وانحنت نحوه وهي تشير إلى مكان على الخريطة. لم أسمع ما كانت تقوله. فقد خفضت صوتها، وأحدث تدفق مباغت للمشاعر الكريهة زبداً من الضوضاء البيضاء ترامى حول أذني، ليجعلهما تشعران بالخدر. أغمضت عيني وأخذت نفساً عميقاً، محاولة دفع كل مشاعري القبيحة مجدداً إلى قفص النفي.
"ميرا؟"
كان أحدهم ينادي باسمي. كونراد. وصار الضجيج أكثر وضوحاً، لكنه ظل يبدو مكتوماً.
"ميرا؟"
رفعت بصري. كان رجل الذئب قد استدار مبتعداً عن أيلا. والجميع كان يراقبني. وتسرب الإحراج من بين قضبان القفص.
سأل كونراد: "أبخير أنت؟"
بدا مهتماً، لكن عينيه كانتا مسمرتين عليّ بحدة تفوق التعاطف، وأذناه كانتا تتأهبان للأمام، في أقصى درجات اليقظة. وهو ذات النوع من الاهتمام الذي أتلقاه من جاكي، وأوليفيا، وداريوس حين أفيق من إحدى الرؤى. احمرّت وجنتاي، وأشحت ببصري. لم أكن أرغب في تفسير أنه، رغم بدوي وكأنني أكسب قوتي كرّائيّة في خدمة الموت، فكّني كنت أجنّ رعباً في الواقع لأنني أملك النضج العاطفي لطفل جائع في الخامسة فاته وقت القيلولة.
وحاولت التحدث ببساطة.
"تعلم، أنا عديمة الفائدة مع الخرائط. لم لا تأخذ الاتجاهات من أيلا، وسآخذ كابا إلى الخارج. لقد مكثنا بالداخل لفترة".
كنت فخورة بنفسي لابتداع تلك العبارة.
فقد ضمنت عذراً دون الإفصاح عنه، وكل كلمة منها كانت صحيحة — اعتماداً على ما إذا كنت راغباً في تعريف عبارة "لفترة"
بأنها "ربما ثماني دقائق".
راقبني كونراد لثانية، ثم قال: "ستبقين قريبة، أليس كذلك؟"
وحين عبرت باتجاه الباب، ناديت: "ستأتي للبحث عني إن ضللتُ الطريق، أليس كذلك؟"
آخر ما رأيته مع إغلاقي الباب كان كونراد يبتسم ويهز رأسه وهو يستدار عائداً إلى أيلا.