بدأ سيث وبطليموس بالتصفيق فوق جسر المنطق. تبعهما تيو وفانج بالمثل. أطلق الأخير هتافاً خفيفاً حتّى. كان هناك تأخير غريب بين ردّ فعلي الثنائيّن — لعلّ الاثنّين الأوّلَين كانا منسجمين فعلاً. على ذكر ذلك، كانت حقيقة إعداد البثّ كخطّ مباشر لا كبيئة اصطناعيّة أمراً غير معتاد بعض الشيء. لعلّه كان مهمّاً لتنسيق أعمال الصيانة.
قالت أوفيليا: "لحسن الحظّ..."
ابتسمت بارتياح حزين وهي تخفض يدَيها المتشابكتين أخيراً.
قال بطليموس: "يا الهول، بعد كلّ هذا، ظننت حقّاً أنّ ذلك لن ينجح."
أضاف سيث وهو يمرّر يده على وجهه: "من الجنون كيف يبدو الحصول على استراحة واحدة لائقة بعد ساعات من انهيار الأمور كحسّ بالحظّ الجيد. عمل رائع يا رفاق."
قال ران: "نعم."
بدأ بالصعود تدريجيّاً للوقوف على قدميه. على الرغم من النصر، كانت شفة كام مقوّسة بتعبير حذر.
التفتت مهيت للمرة الأولى منذ فترة: "انتهى الأمر؟"
أومأت برأسي: "نعم. ضُبطت البوابة لنقلنا عند الساعة الثالثة وثلاث وخمسين دقيقة."
قال لينوس وهو يفرك يديه بترقّب قلق: "ضيق وقت مميت بالقرب من تلك الساعة، لكنّني سأقبله. هل آنا مستعدة للتحرّك؟"
نقلت كامروسيبا: "يسأل المعلم الأكبر ميلانثوس إن كنتم مستعدّين للإنطلاق يا صاحب السادة."
أجابت بفظاظة: "نعم، من الأفضل ألّا نتأخر. كما هو مخطط، انتظرونا في موقعكم الحالي. سنمضي إلى هناك مباشرة، ثمّ نتجه نحو البوابة."
طالب بطليموس: "من الأفضل ألا تغادروا دوننا!"
أخبرها سيث: "أظن، أمم، أن الأمور لا تسير هكذا يا إيما."
نقلت سخمت بينما كانت آنا تقطع الإرسال: "يا للعار أننا لم نستطع التحدث أكثر، لكن حظاً سعيداً في رحلة عودتكم للوطن!"
تساءلت في نفسي إن كانو قد أخبروها — أمم، أو أخبروه — بأي شيء عما يجري. لم يكن لدي سوى فهم بدائي لكيفية عمل محركات المنطق البيولوجي حقاً، لكنّ بيئة متجمدة وخالية من الهواء وانعدام الجاذبية لا بد أن تكون سيئة له بالتأكيد. ناهيك عن الانفجار المفترض عند منتصف الليل. ثم مرة أخرى، هل كانت قادرة على الاهتمام من الأساس؟ كنت لأفترض ذلك مع عواطفها وتثبيتاتها الغريبة، لكن لا يمكن للمرء أبداً تخمين كيف ستستجيب عقلية غير بشرية للأمور.
أدارت كام رأسها وقالت لينوس: "إنهم ينطلقون الآن."
قال وهو يومئ: "ممتاز. جيد جداً. لنكن جميعاً على حذر قدر الإمكان حتى يصلوا إلى هنا. إذا تحرك المعارض، فسيفعلون ذلك الآن."
قال ران وهو يقفز خارج الحفرة: "متفق عليه."
ابتعدنا عنه جماعياً، مشكلين تشكيلاً أكثر إحكاماً وتقارباً، مع كون المسلحين منّا ظهراً لظهر تقريباً، ونتحاشد باحثين عن مأوى بتكلف في المنتصف. رفعت مهيت جسد ابنتها فاقد الوعي على ظهرها، وثبتت ساقيها في مكانهما بذراع واحدة، بينما أبقت مسدسها موجهاً بشكل مباشر إلى الأمام بالذراع الأخرى.
قال لها لينوس: "أنت بارعة بشكل مدهش في التعامل مع هذا الشيء يا آنسة إشكالون. يجب أن أقول إنه شعور أفضل بأن أكون في هذا الجانب من فوهة البندقية."
أجابت: "مم."
وأضاف، بنبرة تهكمية وقلقة في الوقت ذاته: "تعلمون، لم تعتذري قط عن سرقة مسدسي وتهديدنا به سابقاً. مع أننا أنقذنا حياتك."
سأل ران: "هل هذا هو الوقت المناسب حقاً لهذا؟"
شهقت مهيت وأخرجت نفساً بصوت عالٍ: "...لن أعتذر عن التصرف بما يحقق مصلحة ابنتي الفضلى، لكنّني أقرّ بأنني بالغت في ردّ فعل، وانتهى بي الأمر بوضعنا في خطر أكبر. أنا آسفة."
فكرت: لم يكن اعتذاراً كبيراً.
وأضافت: "وأنا أقدر حقاً بذل مجموعتكم قصارى جهدكم لإنقاذي على الرغم من ذلك الأمر. آمل أن تفهموا، نظراً للظروف."
قال لينوس: "لقد دُفعنا جميعاً إلى أقصى حدودنا يا آنسة إشكالون."
شدت شفتيها: "حسناً، نعم. سأحاسب نفسي بالكامل بمجرد أن نخرج من هنا وتكون ليلي بأمان."
تخللت كامروسيبا الحديث: "تعلمون يا مهيت، كنت أريد أن أسال. ما هي طبيعة علاقتكم تحديداً مع هاميلكار؟ من الواضح أنه ليس لديكم الكثير من الاحترام للنظام."
كرر ران: "ليس أفضل وقت لذلك بالتأكيد."
لم أستطيع رؤية ذلك جيداً بسبب الزاوية وقناعها، ولكن بدا الأمر وكأن مهيت قد كست وجهها بالتجهّم.
مرت لحظات كأنها لن ترد، لكن ذلك حدث في النهاية: "هام... هاميلكار عاملني جيداً دائماً. عرفته منذ أن التقينا أنا ومها في المدرسة الثانوية. كونه فعل ما فعله بليلي، إلى الحد الذي تجعلها مستعدة لإيذائي، هو صدمة بالنسبة لي بقدر ما هو لك."
أرمشت، وكنت مأخوذاً بعض الشيء. كان ذلك عكس ما توقعته تماماً حول طبيعة علاقتهما.
قالت كامروسيبا وكأنها تشاركني حيرتي: "همم. أهذا صحيح؟"
قالت مهيت باسترخاء جاف: "نعم."
قالت أوفيليا بتعاطف: "...لا بد أنه أمر مؤلم للغاية. أن يكون لديك شخص تثق به لدرجة ائتمنه على طفلك الخاص، فقط ليتم خيانتك هكذا... لا أستطيع تخيل ذلك."
قالت كام وعقدت حاجبيها: "بالفعل. إذن، لم تشك في أي خطأ خلال الوقت الذي أمضاه مع ابنتك؟"
أجابت مهيت بفظاظة: "كلاكما يحمل انطباعاً خاطئاً. بالكاد أمضيا أي وقت معاً على الإطلاق. منذ أن أصبحت ساحرة، غرق هاميلكار في عمله داخل دولة الهيكل. لم أره سوى عشر مرات في السنوات القليلة الماضية، وأنا أقضي كل وقتي تقريبا في رعاية ليلي عندما لا تكون في المدرسة، لذا أعرف أنه ما كان ليقابلها سراً إلى أي درجة كبيرة."
عقدت حاجبيها: "لو لم يكن الأمر حقيقة أنه اعترف على ما يبدو، لكنت شككت في أن هذا كله مجرد محاولة غريبة لتلفيق التهمة له....بصراحة، لا أزال لم استبعد هذا الاحتمال بالكامل."
بدت كام حائرة: "يا للهول، ولكن ألم تذهب في جولة أكاديمية طويلة مع هاميلكار؟ للمرء أن يظن أن تلك كانت ستكون فرصة رئيسية، على الأقل."
قالت مهيت: "تُعني تلك التي جابت إينوتيا، قبل خمس سنوات. كان ذلك قبل تنصيبها. لذا، إن كان ذلك أساساً لتلقينها العقائدي، فلم يكن ليحدث. ومنذ ذلك الحين، يصعب عليّ تذكر أكثر من بضع ساعات أمضياها بمفردهما تماماً."
ماذا.
لكنني تكلمت: "ولكن، كنت غير سعيدة للغاية بشأن مجيئك إلى هنا. ورايتك تنكمشين كلما ذُكر هاميلكار."
التفتت عيناها نحوي بحدة، وتوّترت عضلاتها بحدّة مهددة: "كنت تراقبني؟"
"أم... لقد ابتلعت رقيقي متمنياً فجأة مسافة أكبر بكثير بيننا مقارنة بثلاث أقدام التي كانت تفصلنا حالياً."
"ع-عبوراً فقط! ليس قصداً!"
حدقت فيّ للحظة، ثم أعادت نظرتها بحدة متساوية: "ظننت أنه فقط لأن سماع اسم هام يجعلني غير مرتاحة، لابد أنني كرهته؟ خفته؟"
"أنا... أعني، أظن ذلك؟"
انتقدتني قائلة: "لديك حسّ ضحل جداً التعاطف. تظن أن السبب الوحيد لعدم ارتياح أحدهم حول شخص آخر هو اعتقادهم بأنه شرير."
دافعت عن نفسي، بادئاً كأبله كامل: "افترضت ذلك فقط!"
أعطتني ران نظرة قلقة.
قالت مهيت باختصار: "أنت تعرف المثل، الافتراض يجعل منك ومنا أغبياء."
علقت كامروسيبا بكسل: "كان أبي يقول ذلك المثل كل خمس دقائق تقريباً."
تابعت مهيت حديثها: "أما عن سبب عدم ارتياحي لهذه الرحلة، فأؤكد لك أنه لم يكن بسبب وجود هاميلكار، بل بسبب كل شخص آخر تقريباً في وكر الأفاعي هذا من المنظمة."
عبست: "لماذا؟ عما تتحدثين؟"
"كان جدك في الدائرة الداخلية، أليس كذلك؟ لا بد أنك على الأقل تعرف عما أتحدث."
أطلقت زفيراً عبر أنفها، وكانت عيناها تتفحصاننا فجأة كأنها تبحث عن تهديد: "مع معرفتي لهؤلاء القوم، فلن يفاجئني إن كنتم جميعاً متورطين في الأمر."
قلت وعيناه تتوسعان قليلاً: "كلا، أنا حقاً لا أعلم."
هذه المرة، لاحظت لينوس يشدّ أعصابه قليلاً. رأيت فخذيه تتقلّصان، وقبضته على مسدسه تشتد قليلاً بينما أخذ نفساً عميقاً.
نظرت إليّ مرة أخرى، بحيرة هذه المرة: "أتريد إخباري بأنك لا تعرف ما حدث؟ قبل قرنين من الزمان، في مقرهم القديم؟"
قلت لها: "لم أكن قريباً من جدي على الإطلاق. التقينا بضع مرات فقط. بالكاد أخبرني بأي شيء عن عمله هنا. عما تتحدثين، في المقر القديم؟"
أصبحت كلّ من كام ولينوس أقلّ حرصاً في مراقبتهما الآن، ومألتا برأسيهما للنظر إلى مهيت. وإن كان أسلوب كام ينطوي على ترقب قلق، فكان الأمر أشبه بالرهبة بالنسبة للينوس.
أغلقت مهيت عينيها للحظة صامتة، ثم فتحتهما فجأة: "...أظن أنه لا ضير في قول ذلك الآن بعد أن مات وانتهى هذا المكان، لم يبق شيء يمنعني من حفظ السرّ. حتى وإن لم يكن لديّ إثبات."
تحدث لينوس بهلع: "آ-آنسة إشكالون، دعيلنا لا..."
تحدثت كام بإصرار مستغلة موهبتها الفطرية في المقاطعة والتكلم فوق الآخرين: "تفضلي بالكلام أرجوك يا مهيت."
سألت مهيت: "أتعلمان أن عائلة ليلي، عائلة هاميلكار، تنحدر من مؤسس النظام، أليس كذلك؟ أوبار كين. نخرومانس من البعث الأول."
قلت مؤمئاً: "نعم. سمعنا عن ذلك."
في الواقع، لم أظن أنني سمعت من قبل أنه كان ثاناتومانس، لكن ذلك لم يكن مهماً تماماً.
تحدث لينوس بإصرار: "مهيت."
قالت وهي تروي القصة: "بعد أن أسس النظام، أدارت عائلته وحلفاؤه المنظمة طوال الألفية نوعاً ما. لقد أُسست بشكل ديمقراطي، لكنّهم حظوا بالقدر الكافي من الاحترام والموارد بحيث لم يكن لدى أيّ شخص تقريباً مشكلة جديّة مع ذلك. عندما يتعلق الأمر بشيء يجب إبقاؤه سراً، فالاستقرار والسيطرة أهم من الديناميكية."
استمرت بالنظر أمامه مباشرة وتابعت: "لكن بعد حرب الثلاثمائة عام، ظهرت مجموعة داخل المنظمة أرادت تغيير تركيزها. بعيداً عن إطالة العمر الصارم على أساس بيولوجي، ونحو شيء مختلف."
تذكرت كلمات جدي قبل كل تلك السنين... وكلمات زينو ونفراتين. الشعور الذي مهد لمشروع اتصال الانتروبيا، وبناء أبيجا على ما يبدو.
تابعت مهيت: "رغم أن المجموعة حظيت بقدر لا بأس به من الدعم، وبعضه في الرتب العليا، إلا أنه لم يكن كافياً للتأثير على اتجاه المنظمة. في الظروف العادية، سيؤدي ذلك بالطبع إلى انشقاق. ذهاب المعارضين في طريقهم."
ضيّقت عينيها: "لكن النظام قد جمع قدراً هائلاً من الثروة والقوة. لم يكونوا مستعدين للبدء من جديد ببساطة."
أدرك جزء مني: هذه ليست الطريقة التي تتحدث بها مهيت عادة. يبدو الأمر كأنها تردّد شيئاً سمعته في مكان آخر.
ومع نظرة لينوس الميؤوس منها، تابعت: "لذا، قرروا السيطرة على المنظمة بوسيلة أخرى. رتبوا الأمور بحيث يكون هناك اجتماع للدائرة الداخلية وأنصارهم المقربين، بينما وجدوا أعذاراً بعناية لأعضائهم كي لا يكونوا هناك. وبعد ذلك..."
تحدث لينوس بسرعة ملحة، وبدأ يلتفت بكرسيه المتحرك: "مهيت، ستعطينهم الفكرة الخاطئة..."
"...سربوا الاجتماع، وكمية هائلة من المعلومات المحذوفة بعناية حول أعضاء النظام، إلى حراس القسم والرقباء."
توقف لينوس تماماً، واتسعت عيناه، بينما مررت كام لسانها على داخل خدها، رافعة إصبعاً نحو فمها المنفتح قليلاً. حتى ران وأوفيليا كانتا تتابعان بانتباه واضح عند هذه النقطة.
أوضحت مهيت: "كانت النتيجة مجزرة. حاولوا المقاومة وصد الهجوم الأولي ليتمكنوا من إخلاء أبحاثهم، لكن العدو جاء مستعداً لذلك وحاصرهم في نقطة هروبهم."
أخذت نفساً طويلاً وعميقاً: "قتلوعم جميعاً. ما يقرب من ثمانين شخصاً، بما في ذلك عمة زوجي، التي جلست على رأس الدائرة الداخلية... ووالداه الاثنان. أولئك الذين نجوا أحرقوا ما تبقى من المكان حتى الأرض لتدمير السجلات - لإنقاذ الأشخاص أنفسهم الذين هندسوا مقتلهم."
تذكرت محادثتي مع آنا.
قالت باقتضاب، وبنبرة أشد صلابة من تلك التي استخدمتها حتى هذه النقطة في المحادثة: "حدثت مجزرة. رغم أنها على عكس تلك التي نواجهها هنا. لم يكن هناك أي تلاعب، مجرد مذبحة."
"من كان المسؤول؟"
قالت بنبرة متحفظة ومشكوك فيها: "كانت غارة شنها حراس القسم في ذلك الوقت، ولا يزالون جدداً على توحيدهم بعد حرب الثلاثمائة عام. رغم أن الأمر كان... أكثر تعقيداً من ذلك."
إن كان هذا صحيحاً، فإن كلمة "أكثر تعقيداً"
كانت أقل بكثير من الحقيقة اللعينة.
"بعد أن تم ذلك، استخدم الفصيل المذكور فراغ السلطة للسيطرة على النظام، واخذ ثروته واتصالاته والأعضاء المتبقيين لأنفسهم."
لفت رأسها بشدة نحوي مرة أخرى: "برأيك من كانوا قادة تلك المجموعة، همم؟"
نظرت إلى لينوس مرة أخرى. كان يعرق بشكل واضح، وعرقه يبلل جبينه.
قالت كامروسيبا وعقّدت حاجبيها: "لكن هاميلكار... كان في المجلس. كان الأول بين أقرانه."
قالت مهيت: "بالتظاهر ربما. في الواقع، لم تكن لديه سلطة حقيقية. كان دمية، واجهة تُترك مع الابتزاز وطرق أقبح حتى لا تتعلم الرتب الأدنى الحقيقة. رأيت رسائله عندما كنت أعيش في عقار كين. أشخاص يعطونه تعليمات كأنه ليس سوى كلب."
تحدث لينوس بقسوة رافعاً يده بطريقة شبه مهددة: "يا سيدتي، أنت حقاً لا تعرفين عما تتحدثين."
فاجأته بالرد: "أنا أعرف تماماً عما أتحدث. لقد دمره، ودمر مها تقريباً بنفس القدر. كانت همجية، ويجب أن تشعروا جميعاً بالعار من أنفسكم."
كانت أوفيليا شاحبة الآن، ويدها على فمها.
قلت: "انتظري. هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً. انضم معظم أعضاء الدائرة الداخلية الحالية إلى النظام بعد تدمير المقر القديم - و-"
نظرت إلى لينوس: "وقلت إن هذا المكان أصبح المقر الرئيسي قبل 300 عام، لا 200."
قالت مهيت وهي تنظر إلى لينوس: "أرى. يا له من أمر ملائم."
...في الواقع، ألم يقل نفراتين ذلك عندما كنا نقوم بجولة في هذه المنطقة لأول مرة؟ أن المأساة حدثت في نهاية الحرب الكبرى بين الأبعاد؟ لماذا لم ألاحظ ذلك التناقض عاجلاً؟ غبيّ، غبيّ.
سأل ران ببرود: "أهذا صحيح يا سيدي؟"
تلجلج لينوس: "إنه... أنا... أنا..."
قالت كام وعيناها مليئتان بإدراك خطير وهي تنظر إليه: "يا للهول، إنه صحيح تماماً. لا يستطيع حتى إنكاره بشكل صحيح."
تحدث لينوس بعدوانية رافعاً يديه الاثنتين، رغم إمساكه لمسدسه: "أنا لا أقول إنه صحيح! ليس تماماً! إنه... إنه وضع معقد للغاية، وقد حرفته تماماً يا آنسة إشكالون! هذا غير مفيد بشكل رهيب!"
شبه صرخت كامروسيبا: "القتل الجماعي أمر صعب إلى حد ما 'تحريفه'، تجرؤ على القول! نحن لا نتحدث عن ورقة أكاديمية لعين!"
سألتي أوفيليا بخوف في نبرتها: "هل... هل قتلتم حقاً ما يقرب من مائة من رفاقكم يا سيدي...؟"
تحدث لينوس بعدوانية ضارباً بيده مسند ذراع كرسيه: "نحن... لم أقتل أحداً! لقد كان حراس القسم!"
قالت كامروسيبا: "أه، اللجوء إلى التفاصيل التقنية. يا لها من مشجعة دموية."
رد لينوس مستاءً: "ليس هذا ما أعنيه! أنتم تقفزون إلى الاستنتاجات بعد سماع جزء فقط من القصة. كونوا عقلانيين من فضلك!"
فرك ران عينيه متنهداً بعمق.
تحدثت مهيت - وبدأت العاطفة - الغضب، المرارة، الحزن - تتسرب إلى نبرتها بينما انكسر صوتها: "سأقول شيئاً واحداً. وهو أنه إذا لم يكن هاميلكار هو الرجل الذي عرفته بعد الآن، وفعل شيئاً لا يُقَال لليلي، فأنا أعلم أنه يجب أن يكون قد فعل ذلك لأنه استهلكته رغبة الانتقام منكم جميعاً."
نطقت الكلمة الأخيرة بازدراء تامّ: "أنتم جميعاً مدانون بهذه المأساة."
سألت لينوس محتدماً: "لماذا لم تخبرنا بهذا؟"
أشار الساخر بداخلي: ماذا، أظن أن الناس يعترفون بالتآمر لارتكاب قتل جماعي وكأنه ليس أمراً كبيراً؟ من الواضح لماذا لن يخبركم. ربما لم يخبر ابنه حتى.
قالت كامروسيبا بغضب مستتر بالكاد: "نعم، لماذا لم تفعل، أيها السيد ميلانثوس؟ يكفي القول، لربما كان من المفيد جداً معرفة هذا عندما كنا نناقش الدافع المحتمل لهاميلكار. أو الأفضل من ذلك، قبل أن يموت أي شخص على الإطلاق، عندما كنا ما زلنا نحاول تمييز من يمكن أن يكون وراء هذا؟"
ضحكت، وهي تغطي جبينها وتمشي في دائرة للح المؤثرة: "يا للهول، ها أنا أتجاوز المؤامرة القاتلة المعترف بها إلى التداعيات التكتيكية اللعينة. أن أظن أنني عبدت هذه المنظمة المنكوبة قبل يومين فقط."
تحدث لينوس بحزم ولكن بقلق: "لا أعرف كيف أشرح كل هذا الآن، لكني واثق جداً من أن الحدث الذي تحدثت عنه الآنسة إشكالون لا علاقة له بدفع هاميلكار على الإطلاق. لكنت بالتأكيد أثرت هذا لو فعلت، تماماً مثلما أثرت مشروع الانتروبيا عندما أصبح ذلك وثيق الصلة بالأمر. أرجو أن تثقوا بي."
قال ران بهدوء: "تباً لي."
سخرت كامروسيبا: "تثق بك؟ كيف يمكنك قول ذلك بوجه صلب؟"
أجاب لينوس مخفضاً رأسه لكن محتفظاً بنظرة ثابتة: "لم أكذب عليك يا آنسة توون."
صرخت ضاربة جانب كرسيه المتحرك بقدمها: "هراء!"
اهتز قليلاً، وشبكت مفاصل أصابع لينوس بينما كان يتنفس بحادة.
"لقد أُمِكِتَ وأنت تكذب قبل دقيقة حرفياً! كانت محادثتنا الأولى مبنية على كذبة!"
قلت بمرارة: "هذا صحيح نوعاً ما."
لقد أُذهلت بكل هذا، رغم أنني تفاجأت بالقدر نفسه بمدى غضب كام المفتوح.
قال لينوس محاولاً الحفاظ على هدوئه بشكل واضح: "أنا أتفهم سبب انزعاجك. لكن عليك أن تفهمي أن الآنسة إشكالون أثارت شيئاً يعد في حكم التاريخ القديم. ليس له أي تأثير على الوضع الحالي."
قالت كام وأصابعها تشابكت حول مسدسها: "سأكون الحكم في ذلك."
قال محاولاً بيأس أن يبدو كشخص بالغ في الغرفة: "لن أقاتلكم يا كام. إذا كنتِ تريدين التحدث عن هذا، فيمكننا التحدث عنه. سأروي لك القصة كاملة. لكن في الوقت الحالي، أعتقد حقاً أننا يجب أن نركز على مجرد الخروج من هنا."
أشار ران: "يجب أن يكون الآخرون هنا الآن."
أومأ لينوس برأسه، وبدا كرجل جائع يصادف دجاجة كاملة مشوية عند فرصة تغيير الموضوع: "نعم، كنت أفكر في ذلك بنفسي. قد يضطرون إلى اتخاذ طريق أطول لتفادي توي شي. ومع ذلك، لو صبرنا قليلاً فقط..."
ثم، فجأة، تعثرنا جميعاً. لم يكن ضوءاً ساطعاً بالكامل مثل ما دمر إيفربلوسوم، لكنه ظل صدمة. من الشرق، خلف المقبرة والشجرة حيث تواجه بارديا وسيث، لمع توهج أبيض ساطع عبر الظلام وراء السياج الحيوي. أصبح لكل شيء فجأة ظل حاد وطويل، وتمددت ظلال القبور الأقرب إلينا مثل مخالب بعض الوحش العملاق، وتلألأ العشب الأزرق بشكل ساطع يكفي لتأخذه كصبغة سماء بعد الظهر. قفز الجميع، رغم أن كام ومهيت حافظتا على تماسكهما بما يكفي للاستدارة وتوجيه أسلحتهما بشكل مباشر نحو مصدره أياً كان.
في هذه الأثناء، وباعتباري شخصاً أعدم فائدة، غطيت عيني بيدي بغريزة، وأبقيتهما هناك حتى قال ران ما فعله بعد ذلك.
تحدث بهدوء وعيناه متوسعتان: "أوه، تباً."
تخطي قلبي نبضة. رمشت مخفضاً يدي. لم أستطع رؤية أي مؤشر على المكان الذي يأتي منه الإشعاع المفاجئ - بدا أنه يخترق الظلام نفسه، وكأننا كنا بجانب نجم فجأة. ولكن بالنظر إليه مباشرة، لم أهتم. لأن الضوء لم يكن الجزء الصادم من المنظر. واقفاً وراء الزجاج في الفراغ وراءه - وإن كان في صورة ظلية فقط - كان شخصية شاهقة، بنفس ارتفاع مقر النظام أو حتى أكبر. بدت... مؤنثة بشكل غامض، بشعر طويل منسدل وما بدا أنه فستان، وقاعدته منسدلة أوسع مما ترى على رداء.
لكنها لم تكن بشرية تماماً. كانت ذراعيها هيكليتين، وكانت تقبض على ما بدا سلاحاً طويلاً ونحيفاً. عصا؟ ...لا، منجل. كانت النقطة في الهواء، يصعب تمييزها بالزاوية التي تمسك بها، لكنها تبرز نحونا بتهديد. لا. لا، لا يمكن أن يكون...
صرخت كامروسيبا متراجعة خطوة للخلف: "ما اللعنة هذا؟!"
هتفت: "يبدو كعملاق!"
أجابت ويدها ترتجف: "نعم، سو، أستطيع رؤية ذلك!"
قالت أوفيليا بهمس خائف: "يا للهول، احمنا. احمنا..."
قفزت مرة أخرى بسبب صوت طلقة نارية بينما أطلقت مهيت النار بجانب أذني، وخط ذهبي يطابق الأبيض ويحرق نحو الشكل. لسوء الحظ، لم تذهب بعيداً، مصطدمة مباشرة بدرع الزجاج للسياج الحيوي وبالكاد تحدث علامة. لم يكن الأمر مفاجئاً؛ فربما كان الزجاج أسمك من طول ذراعي، ومسلحاً حتى الجحيم. كان الأمر حسناً مع ذلك، لأنه بعد لحظة، تلاشى الضوء - والشكل الظلي معه - فجأة، زامنا إيانا مجدداً في الظلام شبه التام.
وقفنا جميعاً للح لحظة، نتنفس بغزارة بينما نحدق في المكان الذي كان فيه.
ثم أدرت رأسي بحدة نحو لينوس: "سيدي..."
قال رافعاً يديه في الهواء: "ليس لدي أي فكرة. لا أعلم."
حدقت كامروسيبا للحظة أخرى، مخرجة زفيراً، ثم بدأت تهز رأسها: "كلا. لا توجد طريقة كان فيها ذلك عملاقاً حقيقياً. هذا مستحيل."
عضت شفتها: "لا بد أنه كان تعويذة. خرج شخص ما إلى هناك وولد وخلق وخماً بالقوة لإخافتنا."
سأل ران بتشكك: "أيمكنك الخروج إلى هناك؟"
التفتت كام إلى لينوس، الذي هز كتفيه بمبالغة: "أنا لا أعرف ذلك أيضاً. لا أعرف كيف يعمل - لا أعرف شيئاً."
سخرت منه: "حسناً، ألسن عوناً لا يُقدر بثمن."
"لماذا يحاولون إخافتنا؟"
في هذه اللحظة، بتوقيت لا يمكنني وصفه إلا بأنه كوميدي حدّ الحدود - على الأقل، لو لم يكن مخيفاً للغاية - سمعنا فجأة صرخة من داخل المبنى. بدا أنها جاءت من عدة أشخاص، ورغم صعوبة تمييز من هم، كنت متأكداً إلى حد ما من أن أحدهم على الأقل كان بطليموس.
قلت بقلق: "الآخرون."
تحدثت مهيت بحزم: "صحيح، رافعة ابنتها بحزم أكبر ومقوسة ظهرها قليلاً. نحن راحلون."
قال لينوس ممدداً يده: "انتظر. ابني معهم. لا يمكننا..."
تحدثت مهيت: "أنت تسيء الفهم. ابنتي وأنا راحلون. يمكن لبقية أن يفعلوا ما تشاءون."
عبس لينوس بقسوة: "آنسة إشكالون، تحدثنا عن هذا للتو. أنت تعلمين أننا بحاجة للبقاء معاً إن كنا سنبقى آمنين."
صرحت بحزم: "هذا مختلف. لدينا طريق للخروج في وضع دفاعي. وابنتي فاقدة الوعي. كأم لها، لا يمكنني تعريض حياتها للخطر من أجل مجموعة من الغرباء، أو إبعادها عن ما قد يكون نافذة الهروب الوحيدة لدينا."
تحدث لينوس: "إذا افترقنا الآن..."
صرحت مهيت: "هذا نهائي."
على الأقل لم تكن تهددنا بمسدس هذه المرة.
"افعلوا ما ترونه مناسباً. لكنني ذاهبة!"
وبدون تردد إضافي، استدارت وانطلقت بخطوات شبه عداء نحو مخرج السياج الحيوي، مسرعة بسرعة شبه رياضية على الرغم من إصابتها البالغة. وفي غضون ثوانٍ قليلة، كادت تختفي في الظلام.
صرحت كامروسيبا بجهامة: "يجب أن نذهب نحن أيضاً. إنها محقة. إنه الخيار العقلاني."
احتجت أوفيليا: "ك-كام، الآخرون ما زالوا هناك! إذا تركناهم خلفنا، فقد..."
ردت على المرأة الأخرى ونبرتها مؤلمة: "أعلم، أعلم! لكن ليس لدينا أي فكرة عما يجري هناك، ولا يمكننا استخدام القوة! لقد سمعت تلك الصرخة. قد يكون الأوان قد فوات بالفعل، وقد يكون المذنب يستعد بالفعل لنصب كمين لنا!"
قلت: "هذا... هذا قفز إلى الاستنتاجات. ربما تفاجأوا فحسب."
قلت ذلك، ولكن حتى وأنا أفعل، بدأ عقلي في معالجة الوضع بشكل صحيح وأدرك أنه لم يكن متأكداً من أنه يختلف معها. شيء واحد هو التحدث بكبرياء عن لعب دور البطل، لكنها كانت محقة. لم تكن لدينا أي فكرة عما يجري هناك. هذا يعني تقريباً أن الشريك المتبقي قد قرر لعب ورقته في الفرصة الأخيرة التي لا تزال متاحة له. يمكن أن نُقتل. يمكن أن أُقتل. صرخ شيء في داخلي: لا أريد أن أموت! ليس هكذا!
أعلنت كامروسيبا بإلحاح: "إذن يمكنهم الركض للنجاة واللحاق بنا بأنفسهم! هذه ليست دراما أكشن يا سو! لن يكون هناك تبادل إطلاق نار دموي يمكننا المشاركة فيه!"
هسست ران بهدوء وتبدو محبطة: "كان يجب أن أعرف أن هذا سيحدث."
كانت عيناها تمسحان المنطقة.
قال لينوس ونبرة الألم وتعبيرات الحزن ترتسم على وجهه بطريقة لم أرها من قبل: "آنسة توون، لا يمكنني ترك تيو خلفي. أرجوك. يجب أن نساعدهم."
كان الأمر دائماً مؤلماً، المرة الأولى التي ترى فيها بالغاً عرفته كطفل في حالة كهذه. وكأن شيئاً مستقراً في العالم قد انكسر.
أدارت رأسها نحوه، وتعبيرات وجهها تتأرجح بسرعة بين الغضب والتعاطف المخزي والمؤلم، وصوتها ينكسر: "لست في وضع يسمح لك بتقديم مطالب يا سيدي. ليس بعد ما عرفناه للتو."
"الأمر ليس لي، بل له!"
شبك يديه ووجهه يائس.
"أرجوك. لا يمكنني المساعدة بمفردي هكذا. يمكننا الدخول من الخلف..."
فجأة، حدث ومض حاد للضوء من الأعلى، إلى جانب فرقعة هادئة. أدركت أن واقعاً جديداً قد تشكل. في هذا الواقع الجديد، غطت ملابس كامروسيبا ونفسي رذاذ رقيق من سائل كتلي، وإلى جانب قدمي اليسرى، كانت هناك حثالة صغيرة تدخن. حدقت فيها للحظة، مستوعباً إياها، وكأنها قطعة أثرية فضائية. ثم نظرت إلى أعلى، ولاحظت التغيير الثالث، وهو وجود ثقب في كتف لينوس. تحركت عيناه بذهول بينما أدار رأسه نحوه.
في هذه اللحظة الغريبة التي تكاد تكون خالية من الزمن، نظرت إلى أعلى. كان هناك شكل في أعلى برج الجرس. وكانوا يحمسون...
صرخت ران: "انبطح!"
سقطنا معاً على الأرض، متجنبين بالكاد الطلقة الثانية بينما انخفضت كامروسيبا، هي الأخرى، إلى الجانب. صرخت أوفيليا ولينوس كلاهما. اخترق تفريغ العاكس الأرض، بدون ما يخفف من قوته، مرسلاً تراباً ساخناً في كل الاتجاهات.
صرخت ناظراً حولي: "أوه، يا ملوك!"
طلقة أخرى. هذه الطلقة كادت تخطئ شكل كامروسيبا المنبطح وهي تتدحرج بيأس إلى الجانب.
صرخت بشكل غير معتاد: "تباً تبا تبا! عاهرة! تباً!"
كان هذا كل شيء. في هذه اللحظة، كنت متأكداً بنسبة 100٪ من أنني على وشك الموت. الانفجار التالي - أو الذي يليه - سيخترق رأسي مباشرة. تحركت أشعة مسدس العاكس بسرعة الضوء؛ ولن أسمع حتى الطلقة قبل أن أكون ميتاً. لا تحذير، لا وقت لتومض حياتي أمام عيني، مجرد ثانية واحدة حيث وجدت ككائن واعي، وثانية تالية حيث لم أكن. هكذا تماماً. كان هذا رعباً مطلقاً. شعرت وكأنني حيوان بري. أطلقت ران مسدسها بغضب نحو السقف، ثم أمسكت بي مرة أخرى مع كرسي لينوس، قبل أن تشد بعنف، رامية نفسها نحو جدار المبنى.
تحركت كام، تشبه حشرة محتضرة أكثر من كونها إنسانة، تتلوى بعنف حتى تمكنت قدماها من الاتصال بالأرض بحظ صرف، ثم قفزت كالقط البري خلفنا، وكادت تصرخ. أوفيليا، بشكل مثير للخرق، ركضت خلفنا بلطف على الرغم من خوفها الواضح. أظن أن وضعاً كهذا لا يمكنه المساس بهالة الأميرة الأبدية الخاصة بها. اصطدمنا بالجدار، وكرسي لينوس يصدر صريراً عنيفاً وهو يصطدم به بعجلته أولاً. دفع نصف جسمه بعيداً عنه، مستنداً بكل جزء من جسده ضد الجدار قدر الإمكان.
طلقة أخرى، هذه المرة خلف المكان الذي وقفنا فيه بقليل، ولكن لا تزال قريبة بشكل مرعب.
قال لينوس ودماء تسيل من كتفه بغزارة، ممسكاً بقبضة مرتجفة لصدره: "أوه، فوق أنو."
صرخت كام: "من الجحيم هناك؟!"
صرخت: "لا أعلم! إ-إنه مظلم للغاية..."
صرخت ران بصوت أجش (كانت تبدو كعجوز عندما ترفع صوتها إلى ما بعد حد معين): "اخرس! اخرس بحق الجحيم! نحتاج إلى الدخول للداخل!"
سألت مشوشاً في حرارة اللحظة: "للداخل؟!"
صرخت: "نحتاج إلى غطاء، وإلا فنحن أموات! علينا الذهاب الآن! الآن!"