أفضل الأشياء تنقضي دائماً بأسرعها. وها نحن نعود أدراجنا إلى الأسفل، بعد قليل، لتناول العشاء. كانت غرفة الطعام في مؤخرة المنزل تواجه الغابة، وبدت وكأنها كانت شرفة زجاجية في تصميم قديم قبل إعادة تأهيلها. معظم الجدران من زجاج، ولدينا رؤية مباشرة للحديقة، على تواضعها. بدت جدة شيكو نقيض زوجة ابنها تماماً؛ فهي تفضل ترك الطبيعة تسير على سجيتها. فناء صغير، وبركة ماء قد تكون مقصودة أو لا، وهذا كل شيء.
كان الشتاء في أواخر أيامه، وقد حلّ الظلام حقاً، فلم يكن هناك ما يثير الرؤية. سوى طيف باهت لأشجار عارية، وبيت الضيوف أو الكوخ المتنازع عليه في البعيد، حيث تظل الأنوار مشتعلة لتلقي توهجاً أبيض خافتاً على ما حوله. كان طبخ الجدة غالباً خليطاً بين مطبخ رونبارد ومطبخ ساو. نتناول اليوم نوعاً من كاري لحم الخنزير الحار. لم يكن يلبي ذوقي تماماً، لكنه أفضل بكثير من وجباتي البسيطة في البيت.
لم يكن أيّ من آل إيسيهايلا، العائلة المشرفة على الملجأ، يحسن الطبخ، وكانت حكومة إيتان بخيلة إلى حد كبير في حصص المؤن الموزعة مراكز التوزيع. كما أن الخيارات كانت محدودة للغاية. ما عجزتُ عن إدراكه حينذاك هو أن هذا الوضع مقصود في الغالب. إنتاج طعام فائق الجودة زهيد بلا حدود، وهو ثمرة دائنة لتسهيل حياة الناس.
إنها سياسة الضغينة، أو ما يُسمّى مجازاً "الحب الصارم"
لمن أراد التجميل؛ اختيار مقصود بعدم مساعدة الآخرين لسبب وحيد هو أنهم لم يستحقوها، أو هكذا يُعامل الأمر بوصفه لا يستحق إزعاجاً تافهاً لا يذكر لأسيادهم. ...يبدو الأمر سريالياً بعض الشيء إن فكرت فيه الآن. أقول هذا كله وكأن الأثر ما زال حياً في ذهني، والحقيقة أنه ليس كذلك أبداً؛ فكما ذكرت مراراً، اعتدت العيش المريح حتى أصبحت مفسداً تقريباً. ما لم أبذل جهداً واعياً لاستعادة الماضي، أنسى تماماً لوعات الجوع، وعدم الرضا المرير لوجبة رخيصة بلا طعم.
خشونة مرتبة قديمة. الإحراج الخانق لمساحة سكنية ضيقة. نظرات الناس الباردة وهم يرونك قبيحاً وغير سويّ. ربما يخيفني هذا أكثر من أي شيء آخر. كم هو سهل اعتبار الأشياء مسلّماً بها. كنا ستة، حول طاولة مستديرة متوسطة الحجم. أنا، وشيكو، وجدتها، وأمها، وشقيقها الصغير، وساميوم. كان الكبار يتحدثون فيما بينهم متجاهلين إياي، وهذا يناسبني تماماً. أبقيت بصري على طبقي، بينما كانت شيكو وحدها تتابع الحوار الدائر.
قالت أم شيكو لأخيها وهي تحوم فوقه بملعقة مليئة بالبصل والجزر: "سوكانورو، افتح فمك. هيا. لا يمكنك أكل ما تحبه فقط".
قال الصبا المكتنز، ذو الشعر الأسود الأشعث الذي بالكاد تخطى مرحلة الكرسي العالي: "لا. لا أريد".
أصرّت بملامح حازمة: "عليك ذلك يا سوكانورو. سيُعجبك طعمها ما إن تعتاد عليها، وحينها ستكبر وتصبح أقوى".
أصرّ رافضاً وهو يميل بجسده بعيداً عنها: "مُقرف!"
دفعت المعلقة نحو فمه، لكنه طبق شفتيه بإحكام، فالتصقت قطعة بصل بجانب ذقنه. نظرت إليه أمه بملامح محبطة. في المقابل، بدت جدة شيكو مستمتعة، إذ أسندت رأسها إلى كفها وأخذت تضحك وحدها.
"هذا الصبي يشبه أباه".
شاهد ساموم المشهد مبتسماً وهو يرفع لقطة لحم مغطاة بالأرز إلى فمه. لم تستحسن الأم هذا التدخل، فنظرت إلى الكبيرة (رغم أن الجدة تبدو الأصغر سناً من الناحية الجمالية) بملامح جامدة.
"أرجو ألا تشجعي, يا تاهازيلي".
قالت معتذرة بمستوى الصدق المعتاد لدى الكبار حين يعتذرون للصغار: "آسفة".
تحدثت أم شيكو بحزم: "إنه في سن دقيقة للغاية الآن. إن لم يعتاد أكل الخضار الآن، فقد يصاب بعقدة تجاهها لعقود".
ردت وهي تكتف كتفيها: "أعني، لا يهم حقاً، أليس كذلك؟ يمكنك اليوم تدبير تغذيتك بالحبوب على أي حال. الأمر ليس كما كان في أيامنا، حين كان لما تأكله وزن حقيقي".
ارتشفت النبيذ الأحمر من كأس بجانب طبقها.
عقدت أمها حاجبيها وردت: "لا توجد بعد أبحاث طويلة الأمد في هذا الشأن. وعلاوة على ذلك، الأمر ليس مجرد مسألة صحية. هناك عواقب اجتماعية لامتلاك حاسة طعم محدودة".
ابتسمت بتهكم وهي تعيد الكأس مكانها: "مهما قلتِ. لكن إن سألتني، فقد كنتِ محظوظة بهذه".
أشارت بإبهامها نحو شيكو.
"معظم الأطفال يشبهون هذا".
بدأ شقيقها الأصغر ينتقي الأعشاب من أرزه، بينما تجعد جبينه بعمق.
سألت شيكو بفضول: "هل كنتُ مطيعة إلى هذا الحد عندما كنت صغيرة...؟"
أطلقت أمها ضحكة خافتة.
"أفضل القول إنكِ لم تكوني مطيعة بل كنتِ تلتهمين أي شيء أضعه أمامك. كنتِ جائعة دائماً. اضطررتُ لسحب أدوات المائدة منك لتتوقفي عن مضغها".
ضحك كل من شيكو وجدتها وساميوم، وبدت وجنتا الأخير منتفختين لامتلاء فمه بالطعام. تنهدت أم شيكو باستسلام، وكأنها تقبلت أنها لن تحقق أي تقدم. التفتت إلى ساميوم.
"إذن، أيها الإداري. كيف تجد إيتان حتى الآن؟"
ضحك ساميوم خفيفاً.
"إداري؟ لقد مضى وقت طويل منذ أن دللوني بهذا اللقب الشرفي القديم".
مال إلى الأمام قليلاً.
"هيا، لسنا غرباء. نادِني سام، أو ساميوم على الأقل".
ابتسمت له، لكن الابتسامة طواها توتر خفي. لم أفهم السبب حينها حقاً، لكن أم شيكو بدت غير مرتاحة بوضوح لوجود ساميوم هنا. ليس لدرجة مخيفة، لكنها كافية لتظهر.
"ساميوم إذن. ما رأيك في الجزيرة؟"
بدا مفكراً للحظة، فحكّ أسفل لحيته بيده الطليقة.
"مم، تبدو لطيفة بما يكفي، أظن ذلك. لم أزرها منذ قرون تقريبا، لكنها بالكاد تغيرت — بلدة محبوسة في الزمان، هكذا يمكن القول".
أدارتُ عينيّ في نفسي من هذا القول. الأثرياء يجدون دائماً سبل لتصوير الفقر على أنه تراثي عتيق.
قالت جدة شيكو، وهي الأكثر وعياً بذاتها: "ههه، تلك طريقة مجاملة في الوصف. إنها مكان قذر بعض الشيء، ألا ترين؟"
قالت أم شيكو، متوسلة لا حازمة: "تاهازيلي، أرجو أن تراقبي ألفاظك. على الأقل ما دام سوكونو هنا".
ردت المرأة وهي توجه شوكتها نحو الأخرى: "تعلمين، لو لم أكن أعلم، لظننتُ أنني أنا من تقيم في بيتك ومتزوجة بابنك، لا العكس".
أصرت أم شيكو وهي ترفع يدها: "أنا أقول فحسب، لن يضرّ أن نكون أكثر وعياً. وأعلم أنني هنا منذ بضع سنوات فقط، لكنني حقاً لا أرى الأمر سيئاً إلى هذا الحد. بعض الأجزاء في البلدة تبدو محرومة قليلاً، لكن المسرح جميل، ولم أواجه قط مشكلة في إيجاد أي شيء من المتاجر. إنها ليست ألتيا أو أولد يرو تماماً، لكننا لا نقتات في الطبقات السفلى أيضاً".
ردت الجدة: "كات، أنتِ تتلقين مؤناً تصله من البر الرئيسي كل أسبوع. وبالكاد رأيتك تخطين خطوتين خارج الحي".
قالت مدافعة عن نفسها: "ليس كل أسبوع. ولم أكن اجتماعية يوماً. أنت تعلمين ذلك".
هزت رأسها.
"انظري — لا أدعي أنني خبيرة. أقول فقط إن وصفها بمكان قذر يبدو مبالغاً فيه بعض الشيء. لها عيوبها، لكنها هادئة للغاية أيضاً. تويوكي يقول الشيء نفسه دائماً".
أم شيكو... أمي، تشبه كامروسيبي في بعض النواحي. ربما هذا جزء من سبب تشاجرنا الدائم.
هزت رأسها وهي تضع بعض الأرز في فها: "هه، حسناً، ذلك الفتى يرتدي دائماً نظارات وردية سميكة لدرجة أتعجب كيف لا يعاني من آلام في عنقه. لكنت انتقلت للعيش بعيداً منذ قرن بنفسي لو لم تكن لدي كل هذه الحنينية اللعينة للنشأة هنا. ليس وكأنك تستطيع التعرف عليها مقارنة بتلك الأيام".
نظرت إلى ساميوم.
"آسفة، آمل ألا تشعر بالحرج وأنت ترانا نتنازع هكذا".
قال: "أوه لا، أبداً".
ثم استدرك: "ولكن — ينبغي أن أقول، بالطبع لست أعمى عن الوضع الاقتصادي المتردي للجزيرة. هذا جزء من سبب وجودي هنا بعد كل شيء. إنها حالة شاذة في هذه المرحلة على طول ساحل ساو... لكني أؤمن دائماً بضرورة محاولة رؤية النصف الممتلئ من الكأس في مثل هذه الظروف. ليس هناك مكان سيء، بل مكان لم يرتفع إلى كامل طاقته".
أخذ قضمة أخرى من اللحم.
"مم — هذا الكاري رائع".
قالت جدة شيكو ببرود: "شكراً. وصفة عائلية قديمة".
كان هذا تهكماً. ومثل الشاي، أتى من علبة جاهزة.
تابع ساميوم: "ولكن حقاً، إيتان ليست استثناء. موقعها ممتاز للتجارة بين ساو الكبرى والاقتصادات الناشئة للقارة اليتيمة، وهناك مجال واسع لنموها سياحياً أيضاً. نأمل أن نتفق على شروط حزمة تحفيز هذا الأسبوع يمكنها جلب هذه الفرص إلى واجهة الاقتصاد".
وتردد.
"...ورغم صعوبة الأمر، أحتفظ بالأمل في أن تميل الحكومة أكثر نحو معيار التحالف الحديث هذا الأسبوع".
قالت أم شيكو: "يبدو ذلك واعداً للغاية. ما دورك في عملية التفاوض، إن جاز لي السؤال؟"
أطلق ساميوم ضحكة خافتة واحمّر وجهه قليلاً.
"ليس بالكثير حقاً، لكي أكون صادقاً. دوري شرفي في الغالب. علي قراءة بيان حول القضية صاغه مكتب الإداري الأول، ثم أكون تحت تصرف اللجنة مستشاراً خبيراً. قلتُ 'نحن' قبل لحظات، لكنني أُحيط علماً فقط بالأساسيات المطلقة لأهدافنا".
"أرى ذلك".
ابتسمت بابتسامة مشدودة.
"حسناً، رجل في سنك لا ينبغي أن يرهق نفسه على أي حال. لا عيب في ترك الأمور للأجيال الشابة".
قال لها ساميوم: "ههه، محظوظة أنت لأن أباك ليس هنا ليسمعك تقولين ذلك. قد يأخذ الأمر بشكل شخصي".
قالت وهي ترتشف من كأس الماء: "هاه، نعم".
ساد لحظة إحراج. لم أفهمها كشخص في ذلك الوقت، لكن الحقيقة أن خرف جدها كان قد تقدم بشكل ملحوظ حتى حينها. لقد تجاوز النقطة التي يأخذ فيها أي شيء بشكل شخصي بانتظام.
تابع ساميوم بعد برهة: "لكنك على حق. بكل المقاييس، يسعدني التراجع للخلف وترك الأمر لمن ما زال لديهم ما يثبتونه للعالم. وأعلم من التجربة أن كل مشارك ملتزم برخاء التحالف العظيم، لذا أنا متأكد من أن الأمور ستسير على ما يرام".
قالت جدة شيكو بشك: "لست متأكدة من ذلك. من الجميل الحديث عن سبل إدارة الجزيرة بشكل أفضل، لكن الحقيقة هي أن هذا المكان تُديره عصابة من ثلاث عائلات تقريباً. اليوكا، كوميياذيتي، الجين... هكذا كان الأمر منذ أن كنت صفية".
كشطت بعض الكاري العالق بحافة شوكتها.
"حتى لو بدأنا بجلب المزيد من الثروة — مع أنني أشعر أن كل ما يعنيه ذلك اليوم هو كم يمكنك إقناع من السحرة بالعيش في مكان ما، حين تجرف كل القشور — فسيكنزونها لأجل أنفسهم وأصدقائهم على أي حال".
عقد ساميوم حاجبيه قليلاً.
"هذه نظرة ساخرة بعض الشيء يا تاهازيلي. هناك اندماج مقلق للصناعة هنا صحيح، لكن هذه ليست لعبة محصلتها صفر".
ارتشفت قليلاً من كأسه.
"اقتصاد العالم أكثر توحداً من أي وقت مضى. الاستثمار الخارجي يمكنه هز الأمور بسهولة".
قالت المرأة الكبيرة وهي تهز كتفيها: "إذن سيمنعونه من الدخول. لا مأخذ شخصي، لكنني لا أستطيع فهم كيف لأمثالكم من أولد يرو أن يظنوا أن هذا الهراء — هذا القرف يمكن أن ينجح. إن كانت لديك السلطة من الأساس ولا تريد التخلي عنها، فلن تسمح لأحد بفرصة هزيمتك في لعبتك ما دمت قادراً على عدم اللعب أصلاً. أمثال هؤلاء يفضلون أن يكونوا ملوكاً لحوض سمك على أن يكونوا مجرد وغد في بحيرة".
قالت أم شيكو بصوت خفيض وعبوس يرتسم على جبينها العالي: "أيمكننا ألا نفعل هذا، أرجوكم...؟"
قال ساميوم: "أنا أفهم ما تقولينه، ولكن، هناك إجراءات يمكننا اتخاذها إذا بدا أن هناك فساداً لا يمكن حله بسياسات تقليدية، خاصة مع إصلاحات مرسوم القوى الخاصة الجاري إعدادها حالياً".
كان غريباً سماع ذلك، لكن الدفاع عن سلطة التحالف العظيم هكذا بدا وكأنه يظهر جانباً آخر منه. لم يعد ذلك العجوز الشارد الذي يروي قصة حربه القديمة، بل أصبح أشد حدة وأكثر تركيزاً.
تابعت: "أليست رونبارد تفرغ هذا التشريع من محتواه أصلاً ليصبح بلا قيمة؟"
خلفها، قذف شقيق شيكو بقطعة بصل نحو باب الزجاج خلفه، لكن بزاوية لا تراها سواه أنا وهي.
"انظري، لا أود المبالغة، لكن المعاهدة لم تتدخل قط ضد حكومة كهذه. ولا لمرة واحدة، حتى حين سببت الفوضى التي نعيش فيها الآن. إنهم خائفون للغاية من أن تنسحب القوى المثالية والجدارة الكبرى ويفقد المشروع بأسره شرعيته".
قال ساميوم: "أعتقد أن هذا شيء من التشاؤم. لقد مر بالكاد عام على وقف إطلاق النار. وأعتقد أن الكثيرين في الحكومة يدركون حاجة التغيير الجذري".
ردت جدة شيكو: "أعني، لا أقول إن شيئاً لن يحدث. أنا متأكدة من حصول تغييرات شكلية، ربما واحدة أو اثنتان منها ذات مغزى نسبي. لكن إن سألتني، فالناس لم يستطيعوا قط إيجاد حل لأوغاد يصلون السلطة سوى إطلاق النار عليهم".
بدا ساميوم حائراً بعض الشيء بعد ذلك، فرمش مراراً.
تحدثت أم شيكو بنبرة جادة قليلاً: "إن كنتم ستدافعون عن ذات الشيء الذي قادنا إلى ترك بيوتنا والقدوم إلى هذه الجزيرة من الأساس، فأرجو أن تؤجلوا ذلك حتى يذهب الأطفال إلى النوم".
طالب الشقيق الاصغر لشيكو وهو يضرب الطاولة: "أريد حلوى".
التفتت أم شيكو إليه للحظة: "ليس الآن يا عزيزي".
شبك ذراعيه بعناد. أما شيكو، فضحكت باحراج وتمتمت بكلمات لم أسمعها.
لكن من ذاكرتي، كانت تشبه عبارة "لم يكن علينا الرحيل".
احتجت جدة شيكو: "هيا، ليس أمراً لم يسمعوه من قبل. عدا الصبي الذي ما زات حفاضته عليه، فهم مراهقون. لا أقول شيئاً لا يثرثر به أي وغد في نشرة الأخبار كل صباح".
نظرت إلينا أنا وشيكو.
"أنتما الاثنتان سمعتما هذا كله من قبل، أليس كذلك؟"
ألقت شيكو نظرة عصبية على أمها، راغبة في قول شيء دبلوماسي.
"حسناً، امم... نتحدث عن ذلك في المدرسة، وأحاول متابعة شيء من السياسة عبر جسر المنطق..."
لم أسترسل بكلمة. كان عشائي قد شارف على الانتهاء، وما زلت لا أرغب في أن يرانِي أحد، أو أن أقول شيئاً. أومأت جدة شيكو برأسها.
"نعم. على أي حال، أنا لا أدافع عن شيء. يمكنك تفقد العالم وترى أن إطلاق النار على الناس لا يصلح شيئاً حقاً".
أنهت كأس نبيذها.
"أنا مجرد عجوز ساخرة منافقة. لقد قطعنا شوطاً طويلاً منذ صغري، لذا من السهل نسيان أن كل شيء جميل يتعفن في النهاية، وينحشر في زاوية يعجز فيها عن إصلاح نفسه. الأمر يشبه ما يعلمونه لكم في المدرسة: الانفصال يولد المعاهدة تولد النوبة تولد الانفصال. القرف يتراكم في الطين حتى يعلو، ثم ينقلب مجدداً".
عقد ساميوم حاجبيه.
"إن غفرتم لي قولي، تبدو تلك نظرة متشائمة للغاية للعالم يا تاهازيلي".
ردت وهي تلتقط زجاجة النبيذ من وسط الطاولة وتصب لنفسها المزيد: "إه، كيف يقولون في تلك السوترا...؟ 'ما يزدهر يزول حتماً، وما يمتلئ يفرغ حتماً'."
ابتسمت بتهكم.
"ها قد صرت متدينة الآن، فلا يمكنك انتقادي".
ضحكت باحراج رداً على ذلك، بينما نظرت أم شيكو إليها باستياء طفيف.
قال ساميوم بعد برهة: "حسناً، بصرف النظر عن كل هذا، ما زلت متفائلاً. ومرة أخرى، أقدر ضيافتكم حقاً".
تذبذبت عيناه، وبدا أن شيئاً خطر بباله. (مع احتمال رغبته في تغيير الموضوع فحسب).
"لكن، على ذكر ذلك، أردت القول حقاً... هناك، آه. يبدو أن شيئاً ما يعطل جسر المنطق في مقصورتي؟"
قالت أم شيكو، مستغلة هذه الفرصة بوضوح شديد: "يا للهول. هذا مؤسف. لم نتفحصه منذ فترة، أليس كذلك يا تاهازيلي؟"
"همم، أظن لا، الآن وقد فكرت في الأمر".
فركت رأسها قليلاً والتفتت نحو السقف للحظة قبل أن تعاود الالتفات نحو ساميوم.
"آسفة، لا أرتاد هناك عادة — أنجزت تنظيفاً سريعاً حين سمعت بقدومك للإقامة لفترة. ما العطب فيه؟"
"يبدو أن هناك خطباً في واجهة الاتصال الخاصة به".
أخبرها ساميوم: "كلما حاولت الاتصال ببحر المنطق، ينقطع الرابط بعد دقائق معدودة".
قطبت جدة شيكو جبينها: "تباً. هذا سيء. ربما تحتاجه لعملك، أليس كذلك؟"
أومأ ساميوم برأسه.
"أخشى أنه مشكلة حقاً، نعم".
نقرت بلسانها.
"حسناً، لا أعرف شيئاً البتة عن كيفية عمل تلك اللعينة، وقد فات الأوان لجلب شخص يتفحصه الآن. أتراني قادر على قضاء ليلة دونه؟ كنت لأعرض عليك إحدى الغرف الأخرى، لكنها تخلو من جسور خاصة بها".
ألقت نظرة خاطفة نحوي ونحو شيكو للحظة. فكرت: أرجو ألا تطردونا إلى غرفة أخرى. لا تفسدوا المرح. ربما رأت الفكرة مرتسمة على وجهي، فلم تقل شيئاً واكتفت بابتسامة عابرة خاطفة. بدا ساميوم منزعجاً بشكل غريب من هذا، فلوى شفته قليلاً وضيّق عينيه للحظة. لكنه سرعان ما هز رأسه وعاد لابتسامته المعتادة.
"حسناً... إنه إزعاج طفيف، لكن إن كانت ليلة واحدة، فلا بأس. وعلاوة على ذلك، لا يمكن للمتسولين اختيار ما يشاؤون، كما يقول المثل".
أومأت جدة شيكو برأسها: "حسناً. سأجري استدعاء لأحدهم غدا صباحاً. حتى ذلك الحين، يمكنك استخدام جهاز غرفة الاستقبال إن أردت. فيها كاتب المتاهات وكل شيء، ويمكننا إخلاء المكان إن احتجت".
أومأ رداً عليها: "شكراً لك. هذا لطف كبير منك".
تابعت وهي تلتفت نحوي فجأة: "أوه، على ذكر المقيمين معنا... أنت باقٍ الليلة أيضاً، أليس كذلك يا بني؟"
تفاجأت بتوجيه الخطاب إليّ فجوت متردداً: "أ-أم... هذا ما خططنا له..."
قلت بتردد: "هل هذا בסير...؟"
ردت بابتسامة وإيماءة: "نعم، لا بأس. أردت التأكد فقط قبل أن أجهز الأمور لك".
نظرت إليّ أمي بملامح غريبة.
"هل هذه هي المرة الأولى التي تبات فيها هنا، آه... آسفة، ما اسمك مجدداً؟"
قالت شيكو بالنيابة عني: "إنه كوروكا يا أمي".
أومأت برأسها: "أها، هذا صحيح... إنه يشبه اسمي قليلاً، لذا آمل أن تتفهمي ارتباكي منه بعض الشيء".
احمر وجهي ونظرت إلى الطاولة.
"ل-لا بأس..."
قلت بصوت خافت: "وهذه، أمم. مرتي الثالثة في المبيت هنا. جئت مرتين الشهر الماضي..."
"أه، أفهم. لابد أن ذلك حدث خلال عطلتي في البر الرئيسي".
سرى جمود خفيف في نبرتها. والتفتت نحو جدة شيكو.
"هل ستمكث في غرفتها الخاصة؟"
قالت جدة شيكو وهي ترتب طبقها بعد أن انتهت: "ممهم".
ألقيت نظرة إلى الأسفل.
تأملت الشابة الأمر للحظة ثم أومأت: "حسناً إذن".
عادت بنظرها نحوي ونحو شيكو.
"حسناً، أتمنى ألا تسهرا طويلاً أنتما الاثنتان. حتى وإن كانت جمعة، فمن المهم ألا تكتسبا عادات سيئة".
ردت شيكو ببرود: "أعلم يا أمي".
"آسفة، آسفة. لا أود التطفل".
ابتسمت بابتسامة مشدودة والتفتت إلى ساميوم.
"أه، بالمناسبة يا ساميوم... هل أحضرت صولجانك معك هذا الأسبوع؟"
"أه..."
تردد وهو يحك لحيته: "نعم، فعلت في الواقع. لماذ؟"
أصبح تعبيرها أشد تواتراً قليلاً.
"أتمانع إبعاده عن البيت طوال فترة إقامتك؟ أثق أنك تتذكر أنني أتخوف قليلاً من هذا النوع من الأشياء".
"أه".
رمش.
"...أر، نعم. لا مانع عندي".
ردت: "حسناً. شكراً لك. آسفة لجعل الأمور محرجة بعض الشيء".
قال: "ل-لا بأس تماماً".
تحدثت جدة شيكو، دافعة الأجواء جانباً بنفسها هذه المرة: "حسناً. من جاهز لتناول الحلوى؟"
𒊹
عدتُ أنا وشيكو إلى غرفتها، وقضينا ساعات أُخر ممتعة في المشاهدة والقراءة والدرر، حيث كان العالم ساطعاً وقلبي خفيفاً. لكن ذلك انتهى قريباً أيضاً، ووجدتُ نفسي وحدي في غرفة الضيوف التي جهّزوها لي. لم يكن فيها أيّ عيب. كان السرير أصغر من سرير شيكو، لكنه ظلّ أريح بكثير من سريري المعتاد، وكان هناك مصباح سرير بدرجة إضاءة مناسبة تماماً لتشعرني بالراحة. وفضلاً عن ذلك كله، كنت سعيدة لمجرد وجود غرفة وحدي مرّة أخرى.
اضطررتُ للمشاركة في دار الرعاية طوال مدّة مضت، وهو أمر كنتُ أُبغضه أكثر من أيّ شيء آخر تقريبا. طالما استطعتُ الانسحاب إلى أفكاري وحجب العالم، وصياغة خيال حيّ أعيش فيه، ستكون الأمور بخير. ولكن عندما عجزتُ حتى عن فعل ذلك... حسناً، لا أريد الخروج عن الموضوع. ما يهمّ هو أنني، لسبب ما، لم أستطيع النوم. ظلّ حزن غريب بلا مَكان يملؤني، وشعور بالقلق، كأنني لم أكن مفروضة أن أكون هنا.
كأن شيئاً ما كان خاطئاً أو مكسوراً. تقلّبتُ تحت الأغطية وراقبتُ الساعة. الواحدة فجراً. الواحدة والربع فجراً. الواحدة والنصف فجراً... بدأتُ أشعر بالإحباط. ماذا سأفعل إن لم أستطع النوم أبداً؟ إن بالكاد استطعتُ البقاء مستيقظة في الصباح، أو مرضتُ؟ لم أكن أريد إحراج نفسي أمام شيكو وعائلتها... ولم أكن أريد أن أضيع يوم سبت كاملاً هكذا، لسبب سخيف إلى هذا الحد... أخيراً، عندما اقتربت الساعة من الثانية، قررتُ أن كلّ ما احتجتُ إليه هو الهدوء فقط وصرف عقلي إلى شيء آخر بدلاً من ذلك.
استطعتُ أن أُحسّ بالتعب خلف عينيّ. عرفتُ أنني لو استطعتُ فقط طمر هذا الشعور بعدم الارتياح تحت شيء لطيف، شيء أستطيع الهروب إليه، فسأغيب عن الوعي فوراً. باسترجاع ما حدث، كانت فكرة جريئة بشكل غير معتاد بالنسبة لي. قررتُ النزول إلى الغرفة الأمامية والاتصال بجسر المنطق هناك ومشاهدة بعض المسلسلات المتأخرة من الليل التي كنتُ أتابعها عندما كنتُ في منزلي — سيضعني ذلك في الحالة الذهنية المناسبة يقيناً.
لثانية واحدة فقط، فكرتُ في الذهاب إلى غرفة شيكو وإيقاظها بدلاً من ذلك، وربما مشاهدة القليل معاً. لكنني لم أُرِد إيقاعها في المشاكل. والأهم من ذلك، لم أُرِد أن تعتبرني عبئاً... كان الأمر غريباً. عندما كنا جسدياً في الغرفة نفسها ونتحدث، شعرتُ وكأننا متساويان وصديقتان؛ وأنّ أيّ شيء قد أقوله أو أفعله لن يكون غير لائق حقاً. ولكن في اللحظة التي لم يكن فيها الأمر كذلك، شعرتُ بثقل مسافة لا تُجتاز بيننا.
وكأن صداقتنا بأسرها كانت شيئاً عابراً يمكن أن يتحطم لمسة واحدة غير لائقة. مع ذلك. لا أستطيع منع نفسي من التساؤل أين كان حيُّ حياتي ليذهب، لو أنني فعلتُ ذلك بدلاً من ذلك. لو أنني ذهبتُ وأزعجتها تلك المرة الواحدة. مُحافِظةً على الهدوء قدر الإمكان، تسللتُ خارج غرفة الضيوف ونزلتُ على السلالم، دون إضاءة أيّ أنوار؛ الشيء الوحيد في نفسي القديمة الذي كان مترابطاً بشكل أفضل بمعنى جسدي هو بصري، وكنتُ أستطيع الرؤية بشكل جيد جداً مع قدر ضئيل فقط من الضوء.
في هذه الحالة، كان ضوء القمر، ممتداً كما كان منعكساً على المحيط، أكثر من كافٍ. مشيتُ إلى الغرفة الأمامية، وهي قاعة كبيرة ذات أفضل إطلالة على شاطئ البحر في المنزل بأكمله، واتصلتُ بجسر المنطق. لحسن الحظ، أبقت عائلتها المنظومة مشغلة طوال الليل لسبب ما يتعلق بعمل والدتها؛ لو لم يفعلوا، لكانت الفكرة فاشلة من البداية. ضغطتُ بيدي الصغيرة على السطح الزجاجي، وعبر عقلي، تنقلتُ إلى قسم البرمجة في بحر المنطق، ممررةً عبر البثوث المختلفة بحثاً عن واحد معين...
آه، جيد. كما كنتُ أتمنى، كان المسلسل الذي كنا أنا وشيكو نشاهده في وقت سابق يعرض مرة أخرى، مارّاً ببعض الحلقات الأقدم. سيكون هذا مثالياً. مريحاً، لكنه أغبى من أن يجعلني متحمسة أكثر من اللازم. جلستُ على الأريكة الحريرية الكبيرة وشرعتُ في المشاهدة، وصوت الأمواج البعيد يتردد في الأفق. ومع ذلك، بدأتُ ببطء أشعر بالحرج، وربما بقلق قليل. كان الجلوس وحدي في هذه الغرفة الكبيرة مِقْفراً، وبما أنني لم أكن أملك إذن بالتواجد هناك، فقد كنتُ قلقة من أن يتدخل شخص ما لتناول وجبة خفيفة في منتصف الليل ويجدني.
ماذا سأفعل إذن؟ ماذا سأقول؟ ثم، فيما بدأ يصبح نوعاً من تأثير ضفدع الماء المغلي من حيث الإدراك، خطرت لي فكرة أخرى. في زاوية الغرفة كانت خزانة صغيرة إلى حد ما غزوتُ رأسي إليها من قبل؛ تستخدمها العائلة لتخزين الغسيل الذي لا يكون قيد الاستخدام، مثل الأغطية ومفارش المائدة. لم أكن كبيراً جداً، لذا استطعتُ الاندساس فيها براحة، وكانت بالكاد في نطاق الاتصال لجسر المنطق. تسللتُ واقتربتُ وفتحتُ الباب.
وبالتأكيد، كانت هناك كومة من الأغطية مكدسة على الأرض. كان هذا مثالياً. أغلقتُ الباب ورائي وفي الظلام شبه التام، ارتميتُ عليها. تلاشى العالم الحقيقي وكلّ ما فيه من كدورة، ولم يبقَ إلا عالم المسلسل المبالغ فيه. غموض البلدة المهجورة، والظواهر الغريبة التي تأتي لتطارده كل ليلة. لعنة الحياة التي لا تموت والموضوعة على البطل، حيث في كل مرة يُقتل فيها ينهض مرّة تلو الأخرى.
الوحوش. الألغاز التي لا تفسير لها. إثارة لغز يجب حله. مهما كان هزيلاً، فإن الأشياء التي وجدتُها جميلة أشرقت من خلاله. دعوتُه يتدفق عليّ. بدأتُ أتخيل أن شيكو لا تزال مستيقظة، وأننا نتحدث عنه مرة أخرى. نطلق النكات. نضحك. نؤلف نظريات. شعر صدري بالدفء، وبدأ عقلي يسترخي... هل هي حقاً فكرة سليمة النوم هنا؟ قال شيء في الجزء المنطقّي من عقلي. سيجدونك لاحقاً. ألن تقعي في مشكلة؟ لكنني كنتُ قد تجاوزتُ التفكير بمنطق.
امتزجت الأفكار والأحلام، الواقع واللامعقول. ابتسمتُ لنفسي، ملتصقةً بالقماش... ...ثم حدث شيء ما، وكنتُ مستيقظة فجأة مرّة أخرى. خطوات أقدام. تقترب ببطء من أسفل الممر، وتضرب ضد الخشب الصلب. تقترب وتقترب. اندفعتُ، منكمشةً إلى الداخل ومحافظةً على جسدي ساكناً قدر الإمكان. في الحقيقة، لم يكن هناك الكثير من المنطق السليم لخوفي. من الغرفة الأمامية، لكنتُ سمعتُ لو كان هناك اقتحام، وكان حساب إمكانية دخول شخص ما هو السبب الرئيسي الذي جعلني أدخل الخزانة في البداية.
كان الأمر على الأرجح مجرد شخص من العائلة، إما قلقاً مثلي، أو في طريقه إلى المطبخ. لن يفحصوا مخبئي، وحتى لو فعلوا، فلربما لم أقع حقاً في مشكلة، مسترجعةً الأمر كبالغة. من حيث التجاوزات، كان الأمر تماماً ضمن نطاق أطفال يفعلون أشياء أطفال غريبة. مع ذلك كله، كنتُ مرعوبة تماماً. حاولتُ بيأس السيطرة على تنفسي، حاشرةً وجهي ضد القماش، وأغلقتُ الرابط مع المسلسل. اقتربت خطوات الأقدام بشدة، ثم توقفت.
سمعتُ شيئاً ثقيلاً إلى حد ما يتم وضعه على الأرض، وشخصاً يتخذ مقعداً على الأريكة. لم أستطيع سماع تنفسهم بشكل جيد بما فيه الكفاية من خلف الباب لأتعرف على هويته. فكرتُ في الانحناء إلى الأمام قليلاً — ولكن بعد ذلك، قفز شيئاً فجأة إلى ذهني. يجدر أخذ لحظة لشرح القليل عن كيفية عمل جسور المنطق. من الواضح أنه لا توجد قاعدة مطلقة — فلا توجد أبداً مع الآلات — ولكن بشكل عام، الطريقة التي تعمل بها هي أنه متى اتصلتَ بأحدها، يمكنك رؤية أيّ شخص آخر متصل به أيضاً إذا رغبتَ في ذلك.
ومع ذلك، ما لم تضبطه عمداً للقيام بذلك، فهو لا يبذل قصارى جهده لتقديم هذه المعلومات لك. ويرجع هذا إلى أن جسور المنطق عادة ما يتم إعدادها لواحد من غرضين: الاستخدام الخاص، حيث يميل الناس على أي حال إلى حظر أيّ شخص آخر غير أنفسهم من الاتصال، والاستخدام المشلري، حيث إن إبلاغك صراحة بأن شخصاً آخر قد دخل لبدء مشاهدة ما يشاهده بقية المجموعة هو ببساطة إزعاج مفرط التحفيز.
الشخص الذي دخل إلى الغرفة واتصل بالجسر من الواضح أنه لم يفكر في التحقق مما إذا كان هناك شخص آخر معه هناك، وشرع مباشرة في العمل. العمل الذي أصبحتُ أستطيع رؤيته الآن. رأيتُهم يفتحون اتصالاً ببحر المنطق، ويفعلون شيئاً معقداً لم أستطيع فهمه، ولكن كشالبة أدرك الآن أنه استخدام بروتوكول تشفير. سمعتُهم يتحركون قليلاً في الخارج، ثم رأيتُ أنهم وضعوا متاهة صدى في القارئ، وكانوا الآن يرفعون بعض البيانات.
ثم، قاموا بعمل اتصال صادر. مرت بضع دقائق بينما انتظروا رداراً. راقبتُ، مشلولة تماماً. شعرتُ وكأنني قد عبرتُ بالفعل العتبة من حيث الخروج، وجعل نفسي معروفاً، والاعتذار؛ شعرتُ أن هذا قد يوقعني في كمية هائلة من المشاكل. لا — كل ما استطعتُ فعله هو الجلوس هنا والثبات على موقفي. الشخص الذي كان في الخارج انتظر. وانتظر. وحينئذ... فجأة، ظهر شخصية. كان لرجل عجوز، رغم أنه كان المظهر المعاكس تماماً لساريوم.
كان ساخراً، قصير الشعر وحليق اللحية، بوجه ناعم لكنه حاد. كان يرتدي مجموعة طويلة ورقيقة من الرداء الأسود والكستنائي.
"سام"، قال الرجل، بنبرة متحفظة ولكن لطيفة وودية.
"كنتُ قلقاً من أنك ذهبتَ وخلدتَ إلى النوم عليّ."
"عذراً لقدومي متأخرة جداً، █ █ █ █ █"، رد ساريوم، وكانت نبرته كئيبة إلى حد ما مقارنة بالسابق.
لم يكن يتحدث بصوت عالٍ، لكنني استطعتُ سماع الصوت الذي كان يستحضره في جسر المنطق.
"الجسر في الغرفة التي أعطوني إياها معطل، لذا اضطررتُ للانتظار حتى ذهب بقية النفر إلى النوم، ثم استخدام الجسر الذي يملكونه هنا في غرفة المعيشة."
لقد كان خطأ غبياً جداً، بالاسترجاع. بذل كل هذا الجهد لضمان الخصوصية، حتى مع تجاهل عرض لإخلاء الغرفة صراحة من أجلك... فقط لتفشل عند العقبة الأخيرة. حسنل، لقد كان رجلاً عجوزاً، وكان الوقت متأخراً. حتى الأذكياء لديهم نقاط عمياء، على ما أظن. هخر الرجل.
"لا يفاجئني ذلك. لدى تاهازيلي بعض الخصائص الجيدة، لكنها لم تكن أبداً من النوع المجتهد عندما يتعلق الأمر بتدبير المنزل."
ضحك ساريوم بسخرية.
"على عكسك تماماً، أن تكون عتيق الطراز هكذا."
سخر.
"لم أكن أعني ذلك بالطبع. أنت تعلم أنني دقيق بشأن إبقاء الأمور في حالة لائقة عندما يتعلق الأمر بشتى الأنواع."
هزّ الرجل الأكبر سناً رأسه على ذلك، ثم نظر إليه مرة أخرى، متحدثاً بقلق دافئ بدا مفاجئاً بطريقة ما.
"إذن. كيف تشعر؟"
أمال الرجل رأسه إلى الجانب.
"قلق من أن يكون عقلي يتحول إلى هريسة الليلة؟"
ضحك بلطف. كان هناك شيء خجول وشاب فيه، على الرغم من مظهره.
"لا تقلق. يتبين أن هذا أسبوع جيد بالنسبة لي على تلك الجبهة. يجب على المرء أن يشكر السماء على النعم الصغيرة، على ما أظن..."
أومأ ساريوم برأسه.
"هذا جيد أن تسمعه."
من يكون هذا الشخص...؟ فكرتُ، في حيرة.
"كيف تجد إيتان؟"
سال الرجل، مردداً سؤالاً من وقت مبكر من الليل.
"يا للهول، إنه فظيع"، قال ساريوم، مقدماً إجابة مختلفة بشكل مدهش.
هز رأسه.
"إنه تماماً كما قلتَ. لقد ساءت الأمور تماماً منذ أن سيطرت أصفودلوي على الحكومة. رأيتُ أناسًا يعيشون في الشوارع، وهناك يتيم يمكث مع حفيدة أختك بين عشية وضحاها ويبدو أنهم جَوّعوه حتى الموت."
ضحك بسخرية داكنة.
"إنه يشبه شيئاً من رواية ديستوبية، لكنه أقل غرابة."
كانت قدرتي على التفكير في المزيد من الأسئلة حول الموقف قد طغت عليها وتم إيقاف تشغيلها في هذه المرحلة. حتى يومنا هذا، لست متأكدة حقاً عما كانوا يتحدثون عنه، أو أنني أخطأت في السمع أو لم أستوعب المحادثة بشكل صحيح. أومأ الرجل، مرتدياً تعبيرًا قاتماً.
"لا يمكن تجنب ذلك. ربما يأملون في صنع المزيد من الاضطرابات."
تنهد، وتحول تعبيره قليلاً نحو تعبير أكثر غموضاً وتفكيراً.
"وكيف حال أوتسوشيكومه؟"
"تبدو سليمة بما فيه الكفاية"، قال ساريوم.
"سليمة عقلياً وجسدياً. تحدثتُ مع معلميها، وعلاماتها ممتازة حقاً. لم يكن كاتاوكا يعبث."
"أنا متفاجئ قليلاً لسماع ذلك"، قال.
"تلك الفتاة دائماً ما كانت تأخذ الكثير مني."
رمشتُ. هذا هو... جَدُّ شيكو؟
"توقعاتي هي أنها مرشحة جيدة. ذكية ومنفتحة، ولكنها ليست عصبية بشكل مفرط."
ضيق عينيه.
"على الرغم من أنك قلتَ الكثير بنفسك. وبطبيعة الحال، فإن الروح المنعزلة داخل مفتاح النجم مستقرة تماماً."
توقف لحظة؛ كان هناك ثقل في كلماته يشي بخطورة الموقف، حتى لو لم أستطيع فهم ماهية ذلك الثقل.
"أعتقد أنه ستكون هناك نافذة جيدة يوم الإثنين — ستعمل والدتها وجدتها طوال العطلة، لكنها لن تكون في المدرسة. لن يكون الأمر صعباً للغاية لكي... حسناً، لكي ننقضّ عليها."
وما كان مزعجاً هو كيف أن نبرته لم تكن باردة على الإطلاق. بدا غير مرتاح قليلاً وهو يقول ذلك، وكأنهم يناقشون شيئاً محرماً، لكن لم يكن الأمر كأن قناعاً رُفع عن وجهه، كاشفاً عن وجه أكثر التواءً تحته. لقد كان لا يزال نفس الرجل تماماً. أعتقد أنه في تلك اللحظة بدأتُ أدرك كم كان الأمر سهلاً حقاً في الكذب، ومدى استحالة التأكد تماماً من معرفتك بشخص ما. كم هو عرضي وبسهولة يمكن للناس إخفاء أبشع الأشياء خلف وجه عادي تماماً.
كان الرجل الآخر صامتاً. شبك ذراعيه ناظراً نحو الأرض. ما... هذا...؟ فكرتُ، باذرة في البدء في استيعاب الموقف. هل يخطط لفعل شيء بشيكو؟ شعرتُ بقلبي يبدأ في التسارع. بدأت أشياء غريبة لم أفكر فيها من قبل تندفع في رأسي، كأنني أتحول إلى حيوان مختلف تماماً. هل يجب أن استمع، ثم أذهب مباشرة إلى شيكو؟ لا، لم تستطع فعل أيّ شيء. والدتها؟ ماذا لو لم تصدقني؟ ماذا لو مضى ساريوم قدماً فيما كان يخطط له؟
أحكمتُ قبضتي. كان هناك أكثر من مجرد أغطية في هذه الخزانة. كانت هناك بعض الأشياء الثقيلة على الرفوف، بما في ذلك غلاية قديمة وثقيلة. كان بإمكاني لفها في غطاء وسادة والتسلل خلفه. لقد كان منغمساً في المحادثة؛ ولن يشعر بأي شيء قادم. لم أكن لأسمح بأي شيء أن يحدث لشيكو. بدونها، أنا...
"█ █ █ █ █؟"
سأل ساريوم، في حيرة. مرت لحظة أخرى. نما تنفسي ثقيلاً. لكن بعد ذلك...
"...سام"، قال الرجل أخيراً.
"نعم؟"
أجاب بإخلاص. أخذ نفساً عميقاً، ونظر إلى أعلى قليلاً، وكأنهم يراقبون السماء. ثم أغلق عينيه ببطء.
"سام"، قال مرة أخرى.
"أنت حقاً صديق حقيقي. الأصمّ الذي صادفته، على الأرجح."
رسم ابتسامة غريبة.
"وأفترض أنني أعني ذلك بالمعنيين الأفضل والأسوأ."
بدا ساريوم متفاجئاً للحظة، ثم سخر، مع بعض الإحراج المسموع في الكلمات التي أُلقيت في النهاية.
"أنا لست حتى نصف الصديق الذي كنتَه لي"، قال.
"ومع ذلك، أنا سعيد. للجزأين الجيد والسيئ على حد سواء."
بقي الرجل الآخر صامتاً لفترة أطول قليلاً، فاتحاً عينيه لكنه محتفظاً بذلك التعبير اللطيف نفسه. تردد ساريوم، مسطحاً تعبيره قليلاً، رغم أنه كان مع تسلية حنينية أكثر من الاستياء.
"...أنت على وشك إخباري بشيء سأجده مزعجاً، أليست كذلك؟"
انقطع عن نظرته الهادئة وهخر، ناظراً إلى الجانب.
"يا للهول، أنت بارع تقريبًا في قراءتي مثل نوي."
"ابصقها إذن"، قال له ساريوم.
تنهد الرجل الآخر.
"...أنا آسف لأنني تسببتُ لك في الكثير من الإزعاج مرة أخرى، هذه المرة الأخيرة"، تحدث بحنين.
"لكنني أعتقد أنني قررتُ أنه من الأفضل عدم المضي قدماً في الأمر."
رمشتُ. ...انتظر، ماذا؟
𒊹
الحرم الداخلي تحت الأرض | الرابعة وثلث عصرا | اليوم الثالث بدت آنا متوقعة ما همّ لينوس بقوله، فتقدمت نحوه وجسر المنطق وشفتاها مقوستنان باستهزاء. عرفت بعض ما سيُقال ولم يعجبني أبدا.
قالت بجدية بالغة: "انتهيت من تفقد نظرة عامة على الملاذ. لا شيء واضحا للعيان. لا مبان منهارة ولا أنفاق ولا ما شابه. لكن يبدو أن هناك قدرا من الضرر لحق بالسلامة الإنشائية، هنا على الأقل وفي محفظة الأحياء الخاصة بالزوار".
ابتلعت ريقها.
"لم أحدد كل التفاصيل بعد، لكن بعض الضرر ليس بعيدا عن هنا".
لم تدعها آنا تكمل. دفعت كرسيها جانبا ولمست الشيء بنفسها مغمضة عينيها.
قالت بطول أمل: "إن كان... ضررا طفيفا فسيكون كل شيء على ما يرام، أليس كذلك؟"
لم يتقدم أحد لتصحيحها، لكن بدا جليا أن الأمور ليست بهذه البساطة. بدا كل من في الغرفة محبسا لأنفاسه في آن واحد.
من طرف عيني، رأيت سيث يحرك شفتيه بمعظم جملة «نحن أموات لا محالة»
لكنه سكت سريعا حين أدرك أنني أنظر إليه. أطلقت آنا تنهيدة عميقة أخيرا. ثم عادت بخطوات واسعة إلى الأسفل، ورفعت صولجانها، وتمتمت بتعويذات استبصار عرفت إحداها بوصفها مشتقة من رقية تخطيط المادة، وهي الأساس ذاته لكثير من تقنيات التشكيل. ثم صمتت وأخذت تنقر برجلها على الأرض ببطء في إيقاع منتظم.
سألت مهيت من أعلى السلالم بنبرة متوترة، كأنها لم تكن كذلك قط: "ما الذي حدث؟"
لم ترد آنا وظلت وجهها شطر الجدار.
تدخلت كامروسيبا بنبرة تكاد تحمل نبرة تهديد: "سيدتي".
من جانب سريرها، ألقت أوفيليا نظرة عليها، ثم على سيث وبطليموس، بنظرة قلقة وغير مريحة.
أصدرت آنا ضرطة صوتية ثم تحدثت ببطء محملة بهدوء مصطنع لا يرافقها عادة: "هناك تلف في الأحجار المتقاطعة مع النقوش".
سأل ثيودوروس وبشرته تبهت: "تلف؟"
أخذ لينوس خلفه نفسا عميقا وعميقا.
"تقعين..."
قالت: "ليس حادا. على الرغم من الهندسة البثقائية البلهاء لهذا المكان، صمد الهيكل الداخلي نسبيا. جل ما هنالك شقوق مجهرية متقطعة، باستثناء منطقة صغيرة نسبيا قرب الجانب الآخر للمبنى".
ضيقت عينيها.
"لكن كما تعلمون يقينا، النقوش هشة. والرسوم التي أنجزتها هنا معقدة ومنظمة اقتصاديا. توقع مني الكثير هنا. ونتيجة لذلك، تكاد الاحتياطات تكاد تنعدم".
يا للسموات. كان هذا هو الموعد. حين نكتشف أنه لا مفر وأننا هالكون. لم أستطع حتى القول إنني حظيت بجولة طيبة، بل كانت كارثة كاملة في مجملها.
سأل حزقيال بوحشة: "ما الذي انكسر؟"
قالت: "فصلت أنظمة عدة بعضها عن بعض، وعن النواة الإدارية، أو عن هنا. معظمها تافه وبسيط، يتعلق بتوفير الطاقة لغرض منزلي أو مساعد ما، أو قد يكون في صالحنا. على الرغم من أنني لست متأكدة مما إذا كان سيتسبب في رد فعل عكسي في الساعة المعلنة، فقد فُصل تنظيم الجاذبية عن المركز الإداري، وسيبقى غالبا ساكنا في محفظة الأحياء هذه بغض النظر عن الأوامر المرسلة من النواة. أعتقد أن الدفاعات القائمة على الغاز قد تعطلت أيضا".
تكلم سيث: "اعتاد أبي أن يقول دائما إن عليك محاولة إيجاد أمر جيد أولا حين تضطر لإخبار مريض بأنباء سيئة".
قال لينوس بحذر: "دعونا نتركها تأخذ وقتها يا سيدي إيكوريت".
بدا سيث في أسوأ حال. حسنا، كان في أسوأ حال بالفعل، لكن الراحة الخافتة على ملامحه الندبة أفسحت المجال ليأس منهك. بدا رجلا على حافة الهافرة. بدا فان كالمعتاد أقل اكتراثا. شخَصا ببصرهما في الفراغ كأنهما يرتديان تعبير تسلية.
ضيقت آنا عينيها: "هذا المرفق... فُصل عن غرفة الذكاء المصنوع".
ساد الغرفة جو من اليأس القاتل للحظة. أسند سيث رأسه بين يديه. تشجنت ملامح مهيت بقسوة وانزلق رأسها إلى الخارج عن مرمى البصر. بدا أن عدة أشخاص على وشك الإجهاش بالبكاء، وربما كنت منهم.
استدركت آنا سريعا: "لكن كما قلت. الضرر طفيف. اضطراب ضئيل لم يلحق الضرر بالنقوش بأي معنى مجدي، بل سيعيق تقدم التعويذة فحسب. يمكن إصلاحه بسهولة في غضون ساعات قليلة فحسب".
أردفت كامروسيبا بفظاظة: "لا نملك ساعات قليلة. لم تعد تفصلنا سوى ساعة واحدة حتى يبدأ النظام في إيقاف تشغيل دعم الحياة، هذا إن أمكننا تصديق أن ما أخبرونا أنهم خططوا له هو كل ما سيحدث بالفعل!"
قلت: "إص... إنها محقة. لا يفرط مدى طفافة الضرر شيئا. إن تجاوزنا الساعة الرابعة بعد الظهر..."
لم نستطع أخذ الرسالة بحرفيتها. حتى لو كانوا صادقين في معناه المبهم حول نوايا الجاني تجاهنا في الماضي، فقد كان ذلك ليمهد لسقوط لاحق بكل سهولة.
قالت بطليموس وهي تعصر جانبي رأسها بذراعين متصلبتين: "يا للهول. يا للهول... ماذا سنفعل؟"
قال لينوس وقلبه ليس معه تماما: "لا... لا تيأسي يا آنسة رييدز. ما زال لدينا صولجانا. يمكننا الصمود بلا هواء لفترة إن دعت الحاجة".
أعلنت: "نفد منا الإيريس تقريبا! وماذا إن كان إصلاحه أصعب مما يبدو؟ وما... ماذا إن حدث خط ولم يتبق وقت؟"
تماسك ذراعاها بقوة أكبر.
"و... و..."
رفع سيث يدا وقال: "مهلا يا إيما. سيكون كل شيء على ما يرام..."
صاحت تقريبا: "لن يكون على ما يرام! لا أريد الموت في هذه الفقاعة المخيفة!"
أخذ سيث نفسا عميقا وقبض كفه. ازداد الجو في الغرفة سوءا ووجدت نفسي أرتجف بهدوء. ظننت أنني سمعت صوتا خافتا يشبه الأزيز قادما من أعلى السلالم. أكانت ليليث... تضحك؟ نظرت آنا نحو الأرض مغمضة عينيها للحظة.
تحدثت كامروسيبا بإصرار: "آنسة أمتو".
مطالبة ضمنا بحل.
قالت آنا من بين أسنانها المطبقة: "أنا أفكر".
زفرت بحدة.
"كما قلت. الضرر طفيف. حتى إن تعذر علينا الإصلاح، فلا بد من وجود سيلة لمواصلة الخطة في موعدها المحدد".
سألت مهيت: "أي نوع من السبل؟"
قالت آنا: "سيتعين علينا خوض مخاطرة".
تبين فيما بعد أن هذا كان تقليلا كبيرا لشأن الأمر.