مشاتل النباتات | ١:٣٣ بعد الظهر | اليوم الثاني
لم أكن أعرف الكثير عن زينو أفوكيريون مقارنة ببعض زملائي في الصف. كامروسيبا وإيزقيل عُرفا بحبهما له لدرجة أنهما قادران على سرد حقائق لا تحصى. لكنه كان رجلاً يصعب ألا تعرف عنه شيئاً. وكما ذكرت سابقاً، بوصفه مؤسس مدرسة القوة وتخصص بأكمله، فقد كان أحد أبرز العلماء شهرة في العالم المتبقي.
مئات، وربما آلاف التعاويذ تعود أصولها إلى أبحاثه حول استخدام الآركانا للتحكم في الجهاز العصبي البشري. وتجاوز القيود المفروضة على توظيفها في العقل البشري عبر إرساء واجهة كيميائية عبر مجرى الدم بدلاً من استهداف الدماغ أو المحور الهوائي. أضف إلى ذلك عمله مع النظام في مكافحة خرف الانهيار الترابطي، ويمكن الجزم بأنه قدم لإطالة الأعمار وتحسين جودة حياة المسنين ما لم يقدمه أي حي آخر.
إن وزنت كفة روحه مقابل ما قدمه من خير بمنظور نفعي بحت، فهو قديس بكل ما تعنيه الكلمة.
لكن من كل ما سمعته من نفرتاتين وغيره، بدا شخصاً لا يطاق البتة. واثقاً من نفسه، متعجرفاً، منتقدأً لكنه منافق بلا توقف — ذلك النوع من الأشخاص الذي يسرق طعاماً من خزانتك بلا إذن، ويترك الغلاف على الأرض، ثم ينفجر غضباً حين يكتشف أنك استعرت محركه المنطقي أثناء وجوده في المطبخ. أناني بطريقة ضئيلة طفولية.
بالطبع، كانت هذه كلها معلومات من الوثيقة الثانية. وبناءً على ما قرأته في المقابلات، بدا نموذجياً تماماً لشخص في مكانته. مهنياً، تقشفياً... مؤدباً، وإن بدا متغطرساً بعض الشيء. ذلك النوع من الشخصيات الذي تتخيله حين يقول أحدهم عالم مشهور، جالساً على مكتب بلحية بيضاء مقلمة بعناية.
غير أنه، بعد تحذير لينوس... حسناً، لم أكن متأكداً مما ينتظرني. وفكرة لقاء شخصية بهذه الأهمية وجهاً لوجه، والاضطرار لترك انطباع يليق بذلك، بدأت تربكني قليلاً.
مع ذلك. بعد خمس دقائق ونيف، كنت أقف في المؤخرة الخلفية لمشاتل النباتات الحيوية، مواجهاً أحد المداخل، والبرج — هاه — يلوح بشموخ فوق رأسي.
كهيكل معماري، بدا شاذاً تماماً عن بقية المحمية. بينما ضمت بقية المحميات الحيوية بيئات خارجية وداخلية، اقتصر البرج على المبنى وحده، مما جعله الأصغر حجماً بين الثلاثة بفارق شاسع — وإن قيمته كمبنى، فإنه يفوق بسهولة الدير ومقر النظام مجتمعين. بلغ عرضه نصف عرض الأخير تقريباً إن حسبناه دائرياً، لكنه فاقهه طولاً وعلوّاً بمراحل، ليصل إلى عشرة طوابق كحد أدنى... هذا إن افترضنا أنه يضم تلك الأسقف الشاهقة بشكل غريب التي رأيتها في أمكنة أخرى.
لقد كان هائلاً؛ بحجم مجمع مكاتب كامل.
وما تميز به حقاً هو طابعه الحديث بلا لبس — لدرجة جعلتني أرجح أنه شُيِّد خلال العقود القليلة الماضية. صُنِع الهيكل بأكمله من الزجاج، لكنه كان زجاجاً أكثر تطوراً من ذلك المنتشر في كل مكان. كُسي معظمه بلون داكن، لدرجة لا تترك سوى أثر باهت للضوء الكامن خلفه، بينما بدت الأجزاء غير المكسوة شفافة تماماً كأن لا شيء هناك على الإطلاق. وشمل ذلك الطابق الأرضي، مما يوحي بأنني أخطو مباشرة على قاع البحر.
استنتجت من هذا، ومن ذلك التفاوت الشاذ، أن الشفافية قابلة للتحكم غرفة بغرفة، مما يتيح رؤية تامة أو خصوصية مطلقة. لم تكن لدي أدنى فكرة عن كيفية عمل هذا. ربما كان صنعة اصطناعية، أو مجرد سبيكة متقدمة ومتجاوبة... لم أكن أعرف ما يكفي عن المواد المتخصصة لأكون جازماً.
تعزز هذا الانطباع بالتطور التقني حين توجهت عبر نفق الربط واقتربت من باب المبنى الفعلي. خلافا للأختام الثقيلة التي تفصل المحميات الحيوية بعضها عن بعض، بدا هذا المدخل للوهلة الأولى وكأنه معدن مصمت مغطى بنقش معقد من خطوط منحنية، تذكر بالفراكتلات، وإن كانت أقل تفصيلاً. لكن مع اقترابي، بدأت الأجزاء تنزلق بحركات سائلة، شبيهة بالمناجل، نحو الجدار المحيط، حتى تشكل الممر أمامي.
تجاوز ذلك حدود الحداثة إلى المستقبلية. أما عن الداخل، فالغرفة المركزية، الدائرية تماماً، ضمت أرضية مضاءة ببيان نقاء يفوق الرخام حتى، بلا شائبة مرئية تذكر. رفعت بصري لأعلى، فاستطعت رؤية قمة المبنى بوضوح. بدا كل طابق مطابقاً للآخر، بمنتصف مفتوح، وحلقة تحيط بالأطراف تتصل بأربعة مداخل، يشبه كل منها الباب الذي عبرته للتو. لكن شيئاً واحداً لفت انتباهي. ورغم أن التأثير لم يكن ظاهراً من الخارج إطلاقاً، حملت الإضاءة في كل طابق درجة لونية مختلفة بمهارة، متدرجة من درجات أدفأ في القاع إلى أبرد في القمة، بفارق طفيف يستحيل ملاحظته بين طابقين متصلين.
وعلى الرغم من افتقاره لغرابة المظهر الخارجي للمقر الرئيسي، أو الهيئة الشاذة البحتة لزهرة الخلود، ظل منظراً يستحق التأمل. ومرة أخرى، كلف تنفيذه ثروة طائلة على الأرجح. نادراً ما رأيت بيئة بهذا الصفاء خارج بناء صدى. إنه أحد تلك الأماكن التي تشعرك بخزي طفيف لمجرد الوقوف فيها، كأنك لست نظيفاً أو ثرياً أو مهمّاً بالقدر الكافي ليكون وجودك مناسباً. حتى أن هناك تلك الرائحة المتعالية شديدة التعقيم.
ران سيظنه مخيفاً. كام، من جهة أخرى، سيعشقه.
تقدمت. وسط الغرفة منصة مرتفعة. على طرفها البعيد جسر منطقي. هذا هو المصعد الذي ذكره لينوس حتما. اقتربت منه. وضعت كفي على سطحه.
اطبع في ذهنك أن عليك اختيار طابق. بلغني صوته.
الرابع. فكرت.
لم تكن هناك آلية تذكر. بدأ بالصعود وفقط. بلا أدنى هزّة. صعد في صوت مطبق. كانت السرعة متئدة لدرجة أنني لم أشعر بالحركة أصلا إن أغمضت عيني.
لم أكن واثقاً من أن هذا الأثر هو ما أرادوه. فالتباين جعل العملية أكثر إزعاجا بكثير من صعود مصعد عادي. كأن عقلي لم يدرك تماما ما يجري بسبب تضارب البيانات الحسية.
ما لبث أن بلغ وجهتي. تساءلت لبرهة إن كان العثور على الغرفة المناسبة سيمثل صعوبة طفيفة. لكن فور اكتمال الصعود وإلقائي نظرة واضحة على أحد الأبواب أدركت أنه لم تكن هناك حاجة للقلق. كانت الأرقام واضحة فوق كل باب. محفورة على لوحات فضية بسيطة تلمع في النور.
توجهت نحو الغرفة الرابعة. كانت على اليسار إذ بدا أن الأرقام تتالى باتجاه عقارب الساعة. هذه المرة لم يفتح الباب لي تلقائيا. كان هناك بروز صغير بيضوي الشكل على الجانب ظننته نوعا من جرس الباب. ضغطت بيدي عليه. بعد لحظة انزلق المعدن مبتعدا مرة أخرى.
عبرت إلى نوع من الدهليز. أصغر من أن يكون المختبر نفسه وأشبه بالممر. كانت هناك ثلاثة أبواب إضافية فضلا عن طاولة صغيرة يكتنفها زوج من الأريكات أُعدت على هيئة منطقة انتظار. جلس على إحداهن بالتازار بوضعية تقاطع الساقين يقرأ في استرخاء نسخة من كتاب اليثيا لبارمينيدس.
بدا في حالة شبيهة بحالة أوفيليا بعينين داكنتين وبشرة شاحبة. لكن سلوكه ظل تماما كما كان عليه هذا الصباح. هادئا مسترخيا وثابت التعابير. ابتسم بقليل من الخفة حين رفع نظره لمقدمي.
شعرت فورا بتلك الضيقة الخالية من المبرر التي انتابتني قبل قليل. لقد أمرني لينوس بالبحث عنه. ورغم ذلك لم أملك إلا أن أتمنى لو أنه كان في مكان آخر.
قال وهو يضع الكتاب جانبا على القماش الملاصق له: "آه. كنت أتسااءل متى ستصل. أهلا بك".
قلت وأنا أحاول منع مشاعري من الظهور على وجهي: "أهلاً. أنا هنا لرقاء زينو. أيمكنك إرشادي إلى الاتجاه الصحيح؟"
أشير إلى الباب الكائن خلف الأريكة واردف: "بالتأكيد. كل الأبواب تفضي إلى المكان ذاته. لكن الباب الواقع مباشرة في الأمام يدخل مباشرة إلى مختبره الرئيسي. لذا فهو خيارك الأفضل. مع ذلك لم تفتح الأبواب بعد. لذا فهو على الأرجح غير مستعد. إنه يعقد اجتماعاته دائما بهذه الطريقة. لا يعترف بوجودك حتى يحين الوقت".
ضحك بخفة.
"أبلغ درجات السلبية العدوانية أليس كذلك؟"
"أه..."
هذا مزعج بعض الشيء. حدثت نفسي. أسيجعلني أهيم في الانتظار مع أنه هو من طلب مني المجيء في المقام الأول؟
قال بالتازار كأنه قرأ تسلسل أفكاري: "لن يطول الأمر على الأرجح. لذا فلن أتخوف كثيرا. من واقع خبرتي يفضل إبقاء الناس في الانتظار قليلا كعادة متبعة. وسيلة لترجيح كفة الهيمنة لصلاحه".
ابتسم.
"أخشى أنه يتمتع بمثل هذه الشخصية البغيضة. أبقاني واقفا عند الباب الخارجي منذ وقت غير بعيد رغم أن ظري كان يشتكي الألم من النقالة".
طرفعي عيناي.
"تلك طريقة جريئة للغاية في الحديث عن معلمك".
هز رأسه.
"معلم؟ أحدهم يلقي في رأسك أفكارا غريبة".
المقصود بكلمة "أحدهم"
هنا كان نفرتواتن. فقد دأبت على نعته بتباعه.
سألت: "أليس كذلك...؟"
"ليس على الإطلاق. كما أعتقد أنني قلت هذا الصباح. لقد أبدى اهتماما بحسب ببعض أعمالي فحسب. لا أستطيع القول إن ثمة علاقة تربطنا حقا. التفكير في أنني سايرت طلباً بمثل هذه السخافة لينتهي الأمر على هذا النحوَ..."
تنهد مع نفسه.
"على أي حال تفضل بالجلوس إن شئت. المكان واسع".
أشار إلى جانبه.
ترددت لبرهة.
"شكرا لا أود".
قلت.
"لا أرغب في الاسترخاء ما دام سيطالني النهوض مجددا بعد دقيقة أو دقيقتين".
هز كتفيه.
"كما تشاء".
تيه بصره باتجاه الشرق نحو الحظائر الحيوية الأخرى والتي ما زالت واضحة عبر الزجاج.
"بالمناسبة ينبغي لي أن أشكرك لأنك أنقذت حياتي".
طرفت عيناي.
"أنقذت حي...؟"
صحيح. صحيح. لقد كنت أنا من تكفل بعلاجه بعد وقوع حدث الاستبصار. يا للسيّد. إن حقيقة تفلت مشهد برمته كهذا من رأسي لتدل بلا شك على أي نوع من الصباح كان هذا.
قلت بعد لحظات: "أه... لم يكن شيئا. لم تكن حالتك بالغة الخطورة وكل ما فعلته حقا هو إيقاف النزيف".
"مع ذلك. لولاك لشعرت أنني تركت لأقضي نحبي وظهري مسند إلى تلك الشجرة بينما انشغل الجميع بصديقهم. لذا أرجو أن تدرك أنني ممتن لذلك".
ابتسم. لكن شيئا في ابتسامته بدا مصطنعا وخاليا من الدفء. كأنه لم يكن يشكرني حقا بل كان يلقي دعابة صغيرة مع نفسه على حسابي.
لم أعبأ بالأمر. ولا حتى قليلا.
قال وهو يلتفت ناظرا إلى الأرض في استطراد: "يا لها من كارثة حقا. يصعب استيعاب مدى سوء الحظ. أو أن يُسمح بوقوع أمر مماثل من الأساس في مكان كهذا".
قلت: "أجل. لقد رددنا جميعا الكلام ذاته لاحقا".
قال: "أظنّ هذا يبرهن فقط على أن المرء لا يأمن ظاهرةً قط. فحين ينقضي الوقت، يبدأ الوضع المشين في اكتساب ألفة، لكن لمسةً واحدة تكفي لتذكيرك بمكانتك".
تحوّلت عيناه إلى عينيّ بلمحة سريعة.
وأردف: "أعني من منظور ثقافتنا".
قلت: "حقّاً... أجل، أظنّ ذلك".
"التفكير في أن تكون الفتاة هي المقصودة أيضاً. أفترض أن عليّ الشعور بالحرج".
أطلق نفخةً خفيفة من أنفه، ثم قال: "أخبرني، تلك الفتاة... يا للهول، ما كان اسمها..."
قلت: "أوفيليا".
خرجت الكلمة باردة. كان جزء مني يلومه على ما حدث، مع أن ذلك لم يكن منصفاً حقّاً.
فرقع أصابعه وقال: "مم، صحيح، أوفيليا. أكانت بخير؟ لقد كنت هنا منذ أن انتهوا من إعادة وقوفي على قدمي في المبنى الرئيسي، لأسباب واضحة. ويكفي القول إن ترحيبهم بي نفد أسرع من نفاد صبر حارس في رونبارد".
قلت له: "إنها بخير".
بدا قلقه عليها صادقاً، لكنني ما زلت غير متأكد من صدقه.
"نجح البقية في تثبيت حالتها بسرعة كبيرة. فقدت وعيها لبضع ساعات، لكن بالنظر إلى وضعها حين وقع الأمر، أستطيع القول إنها-- حسن محظوظة تماماً".
قال بهدوء: "آه، هذا باعث على الارتياح إذن. أودّ حقّاً ألا أتسبب في مزيد من العبث بهذا المكان أكثر ممّا ينبغي".
قطّبت جبيني وقلت: "ينبغي لك؟"
"مجرد تعبير مجازي. مع أنني لا أظنّ أنني سأُمنح إذنًا بفعل أي شيء مثير الآن، سواء شئت ذلك أم لا"، قال ذلك دون أن تظهر أي ردة فعل واضحة على نبرتي الصدامية.
ثم أردف: "تبدو متوتراً بعض الشيء. أمضيت صباحاً عصيباً؟"
قلت وأنا أشبك ذراعيّ: "أه، أجل. قليلاً".
قال متعاطفاً: "يُحزنني سماع ذلك. أتمنى أن تنقلب الأمور لصالحك قريباً".
تمتمت بردّ توكيدي وأنا أشيح بظهري عنه.
لمَ شعرت بهذا القدر من العداء تجاه هذا الفتى؟ كان الأمر غريباً. فعلى الرغم من أنني أبدو لشفتي شخصاً رقيقاً وأجيد الغرق في أزمات شخصية إن تُركت وحدي، إلا أنني كنت أجيد عادةً التعامل مع الأشخاص المزعجين دون أن أفقد أعصابي، وهي ثمرة تعرضي للتنمر طفلاً. كنت أظل عادةً من أهدأ الحاضرين كلما دخلت كامروسيبا في إحدى حالاتها البغيضة، وحتى إزقيل كان يواجه صعوبة في استفزازي.
لكن مجرد خوض هذه المحادثة العادية كان يجعلني... لا أشعر بالقلق فحسب، بل بالضيق. على نحو لا يشبهني قط.
أكان السبب هو ذلك الشبه الغامض بينه وبين أوفيليا الذي يثير قلقي؟ كلا، فقد تعاملت من قبل مع تداخلات في التعرف على الملامح بين أشخاص أعرفهم، ولم يترك في نفسي إلا انزعاجاً طفيفاً. أكانت نبرة صوته الهادئة؟ أم طريقة تجنبه للتقاء الأعين؟
عاودني ذلك الشعور مرة أخرى، لأول مرة منذ فترة. الإحساس بأن ثمة شيئاً يخدش زوايا عقلي، كأنني تركت الموقد مشتعلاً، بينما يصرخ جزء ضئيل من دماغي طالباً الإمساك بدلو ماء والعدو عودةً في الشارع. لكنه بدا في السابق نذير شؤم محْملاً بالرهبة. أما هذا الشعور فدفعني لرغبة عارمة في لكم أحدهم.
وفيما كنت مستغرقاً في تفكيري، أطلقت إحدى الخلايا العصبية شرارة في مؤخرة رأسي، فتذكرت شيئاً.
قلت: "hey"
— وقفت قليلاً ثم أردفت: "كان هناك ما أودّ سؤالك عنه".
رفع بصره مجدداً وقال: "أه؟"
قلت متسائلاً بغتة إن كانت هذه فكرة حمقاء: "هذا الصباح... بعد أن عالجتك في الحديقة وظهر دورفاسا ليحملك معك لمزيد من العلاج... لقد قلت شيئاً".
رفعت حاجبه وقال: "أقلتُ؟"
صمت لبرهة وهو يتأملني بتمعن.
"لأكون صادقاً، لا أذكر الكثير ممّا حدث بعد أن نزلت صديقتك على السلالم. أتذكر ذلك الأحمر الشعر وهو يقدم اعتذاره للميكيّ -سيث، على ما أظن- وبقية من تبادلوا أطراف الحديث حول الأمر... لكن كل ما بعد تلك اللقطة ضباب تام".
أمال رأسه بحذر شديد وأردف: "أهذا شيء قلته لك؟ أم مجرد هراء محرج أفلتّه بلا وعي".
قلت: "أظنه كان موجهاً لي".
"حقّاً؟"
"أجل، أو على الأقل... بخصوصي، أظن ذلك".
قطّبت جبيني وأردفت: "أنا متأكد تماماً أنك قلت: «لقد أوفيت بوعدي»".
حلّ صمت قصير.
لم يتغيّر تعبير وجهه، وإن تاقت عيناه للأعلى بتفكّر.
"همم، كنت أتمنى أن يواتيني الحظ بشيء، لكن حين أفكر في الأمر، لست متأكداً إن كنت أتذكر شيئاً على الإطلاق بعد بدء الحدث".
هزّ كتفيه وقال: "عذراً".
قطّبت جبيني وقلت: "...هذا غير صحيح مع ذلك".
طرف بعينيه، وتحوّل تعبيره إلى فضول عابر وقال: "أليس كذلك؟"
قلت مستشهداً بكلامه: "قبل قليل، قلت «لربما تُرِكْتُ لأقضي نحبي وظهري مستند إلى تلك الشجرة». إذن لا بد أنك تتذكر القليل على الأقل ممّا حدث بعد ذلك".
اتسعت عيناه في دهشة لطيفة لبرهة، لكن ابتسامته لم تهتز.
"أنت حقّاً محقق شديد الإصرار حين تعقد العزم على ذلك. إنها لصفة قوية، بالسلب أو الإيجاب".
انحنى قليلاً إلى الأمام وأردف: "أعتقد أنك تحمل الأمور أكثر مما تحتمل. لقد سمعت الناس يتحدثون عمّا حدث بعد وقوعه فحسب".
قلت -مصرّاً على موقفي بلا سبب واضح-: "لا بد أنك سمعت الكثير".
لم أدرِ لمَ، لكن كل خجلي وارتباكي المعتادين بدا أنهما فارقاني.
"لقد ذكرت أن ظهرك كان يؤلمك جراء حملك على المحفة قبل قليل أيضاً".
حدق بي لبضع لحظات أخرى. وفي غمرة الصمت، لاحظت صدور صوت دقات صاخب حقّاً من مكان ما في أعلى المبنى، كذاك الذي تسمعه في برج ساعة. طق، طق.
لكنّه بدأ يضحك فجأة. كان ضحكاً حادّاً، عذباً بشكل مفاجئ لرجل، لكنّه مُشبع بنوع غريب من الإرهاق. استمر لحظات، وتردّد صداه صاعداً ونازلاً بين جدران البرج.
سألت: "...ما المضحك إلى هذا الحد؟"
تجاهل سؤالي وضيّق عينيه، فقال: "أيها الملوك الهالكون، أنت حقّاً شخص غير منصف، أليس كذلك؟ حتى اللحظة الأخيرة."
تحوّل عبوسومي إلى ارتباك.
"شخص غير منصف؟"
واللحظة الأخيرة؟
قال وهو لا يبدو ناظراً إليّ البتّة الآن: "لا أحبّ أن أعدّ نفسي من النوع الحقود، لكنّي أضطرّ للاعتراف بأنّني لا أستطيع منع نفسي من الشعور بالغبن بعض الشيء. أن تُصارع طوال هذه المدة الطويلة، فقط لتُكبّل بدور كهذا، وتُترك لـ... حسناً، لتُخيّر إما بين ابتلاع غصّتك، أو جعل الوضع أسوأ. وألا يُسمح لك حتى ببعض لحظات التنفيس كجائزة ترضية... إنّه أمر قاسٍ. لا كلمة أخرى توصفه."
همهمت ناظراً إليه وقد بلغ بي الذهول مداه.
"عمَّ تتحدّث؟"
قال وهو يعود فيرمقني بعينيه مباشرة: "اعذرني، لقد بالغت في الثرثرة. ما أعنيه هو أنّني أرجو أن تغفر لي إن تصرّفت بطفولية بعض الشيء هذه المرة، ...شيكو."
عند تلك الكلمة، انتفضت بحدّة.
تصلّب جسدي، وضاق صدري، وانحرف قطار أفكاري الذي كنت أُسيّره لمحاولة فك شفرة بحق الجحيم ما يجري في هذه المحادثة عن طريقه تماماً. شعرت بجفاف في فمي، وأدرت وجهي بعيداً، نازعاً نظارتي لأفرك عينيّ.
سأل: "ما الأمر؟ تبدو مضطرباً. ثمة مغسلة هناك في الزاوية إن كنت تحتاج إلى شرب شيء ما، يا شيكو."
سرى وميض من الخبث في صوته لم يكن موجوداً من قبل. شعرت بانزعاج عميق فجأة. لم أكن أرغب في البقاء هنا. كنت أودّ لو أكون في أي مكان آخر.
تردّدت قائلًا: "أنا..."
و"لا أعرف ما تحاول قوله لي، لكن... أرجوك لا تنادني هكذا."
سأل: "لمَ لا؟"
خفض رأسه، لكنّ نظراته بقيت مستوية، تركّز عليّ بحدّة.
"إنّه مجرد اختصار لاسمك. إنّه لطيف، أليس كذلك؟"
مدّ مخارج الحروف بتعمد أكبر، مقترباً من النطق الساوي الصحيح.
"شي-كو."
بدأت أعرق، وتسارعت دقات قلبي بسرعة، وشعرت بنبضات من الخوف والرهبة وسط الإحساس غير اللمنطقي بأنّ جسدي كان ينجرف بعيداً عني، ليصبح شيئاً هامشياً أكثر. هل أحضرت ددائي؟ ربّما كان في حقيبتي، لكنّ تناوله بلا ماء يُعدّ خطراً. لقد... لقد قال إنّ ثمة مغسلة. انصرفت عيناي عنه، محاولًا معرفة مكانها في الغرفة، لكنّها لم تكن هناك مهما سمت عيناي.
أكان يكذب؟ لا أيها الأحمق، أنت تفزع لا لشيء. اهدأ. لكن هل كان قولُه إياه على هذا النحو يعني أن...
بدأ الباب المعدني الماثل أمامي بالانفتاح فجأة، وانزلقت شرائح المعدن مبتعدة بسرعة، ليتشكل طريق أمامي. فاجأني الأمر لدرجة أنني كادت أقفز إلى الوراء.
حين استعدت توازني، كان بالتازار قد عاد إلى قراءة كتابه.
قال: "توقيت جيد. حسناً، أعتقد أنك لا تريد قضاء المزيد من الوقت هنا. تفضل."
التفتُّ إليه بحدّة، وما زلت مقطوع الأنفاس. اندفع قليل من الهلع الذي لم يتبلور بعد في شيء متماسك حين تحدثت، وعيناي جاحظتان.
"أنا... هل..."
"أعلم شيئاً؟ ليس تماماً. حقيقة أنني لا أزال أعمل أساساً بناءً على أدلة سياقية هي ما يجعل هذا الموقف مضحكاً للغاية."
على الرغم من قوله ذلك، لم يبدو مستمتعاً بشكل خاص.
"مع ذلك، ربما كان ذلك أكثر من اللازم بقليل. من أجل مصلحتنا كلينا، دعنا نتجنب التحدث مرة أخرى حتى يبدأ كل شيء."
رمقته بذهول وقد ضاعت الكلمات من فمي. عيناي متسعتان، وفمي مفتوح قليلاً.
سأل: "ما الذي تنتظره؟ لديك موعد."
وقفت هناك لبضع لحظات أخرى، أشعر بالشلل يسري حتى مقلتي عينيّ. ثم، وكأنّ قوة غير مرئية منحتني الإذن فجأة، استدرت واندفعت عبر الباب، دون أن ألتفت ورائي.
رحمةً بي، أغلق خلفي. معك بعض الماء، ألا تذكر؟ لقد أحضرت الحقيبة الأكبر معك لعرضك. أسندت ظهري إلى جانب الجدار ومددت يدي إلى الأسفل داخلها، أتلمّس شيئاً مستطيلاً وثقيلاً، إلى أن عثرت أصابعي أخيراً على قارورة هبطت إلى القاع. ثم مددت يدي لأستخرج زجاجة ددائي من جيبها المعتاد، بينما كانت يدي الحرة تحك فروة رأسي بخشونة في لفتة من الهستيريا العصابية.
قبل أن أتمكن من إخراجها، شعرت ببرودة تسري في جسدي، وبقشعريرة مقززة تصعد من أعماقي يرافقها قشعريرة. شعرت وكأنني على وشك التقيؤ، فانحنى جسدي العلوي بزاوية، بينما كان صدري يعلو ويهبط.
لا، ليس هنا! صرخ شيء ما في داخلي. أرايت نظافة هذا المكان؟ سيشنقونك من عوارض السقف اللعينة!
اتسعت عيناي هلعاً، واستنشقت الهواء بحدّة دافعاً بنفسي إلى الخلف. للحظة، شعرت بإعياء تام، وكدت أعجز عن الوقوف. لكنه بدا يتلاشى ببطء، وتهدأت أحشائي، ولو قليلاً.
رحمةً بي، نجحت أصابعي في الإمساك بالزجاجة، وكان السائل الملون يدور بينما تخبطت وأسقطت حقيبتي على الأرض. لم أستطيع مزجه بالطريقة العادية دون كوب، لذا تركت قطرات تسقط بخشونة على لساني، ثم تجرّعت جرعة سريعة من الزجاجة وحركت السائل داخل فمي. وما إن تأكدت من امتزاج كل شيء معاً، حتى بلعته، وتجرّعت جرعة أخرى للطمأنة.
فمن المفترض تقنياً أن تستغرق خمس دقائق على الأقل لتشعر بأي أثر، لكنني كنت أجد من الأسهل عادة أن أهدأ فوراً تقريبا. ربما كان الأمر مجرد وهم، لكن مشاكلي كانت أكثر من أن تحملني على تحليل نفسي ابتكاراً لطرق جديدة للمعاناة.
تدريجياً، تباطأ تنفسي. أخذ قلبي ينتظم. وبدأت استوعب الأحداث للتو. تداعت إلى ذهني أفكار كثيرة مجنونة ومتآمرة. أيعلم شيئاً؟ يا للهول، يا لللعنة.
ركّزت، باذلاً وسعي لقمعها. سمحت لأفكار ممتعة بلا جدل أن تنساب في عقلي. الحديث عند محطة الترام مع ران. تناول وجبتي الأولى مع نفرتاتين في تيم أفات. التواجد في بيتي بغرفتي، ملفوفاً بأغطيتي، في حالة يكاد يفوتني فيها إدراك نفسي.
في النهاية، بدأت أصوات أكثر عقلانية تنتصر.
استرخِ، هكذا قال جزء مني. ما حدث لا يعني شيئاً. ربما كان متورطاً فحسب في دراما تخص زينو وجدك ولا علم لك بها، ويحمل لك ضغينة لسبب يخص ذلك. لقد اعترف بنفسه أن السبب الوحيد لقوله ذلك هو قرائن السياق. ربما رأك تتفاعل بسوء مع الاسم هذا الصباح، فقرر استخدامه لقطع طريق الأسئلة.
كان ذلك منطقياً، أو بدا منطقياً. لكن كالعادة، لم يكن مطمئناً بالقدر الذي أملته. تملّكني شعور عميق بالرهبة يخيّم عليّ، كأنني أخفق في فهم أمر بالغ الأهمية مما حدث للتو. بدا وكأنه كان يلمح إلى شيء يخصني.
لكن بعد... لم نلتق قط. أ حقاً التقينا؟
ليس لديك طاقة للقلق بشأن هذا الآن، هكذا حدثت نفسي. كان ذلك، على الأقل، مؤكداً. كنت أعرف حتى قبل مجيئي أنه ستكون هناك أمور تخص سياسة النظام وعلاقتي به سأعاني جراء الجهل بها - فلقد جعلني لقائي بمنسق الصف أدرك ذلك جلياً. لم يكن ذلك من شأني.
كنت بحاجة فقط لفعل ما جئت من أجله. العرض، اللقاء مع ساميوم. هذا كل ما في الأمر. وكل ما عدا ذلك كان ثانوياً.
تنهدت، وبذلت ما بوسعي لأستجمع نفسي.
التفتّ إلى أعلى، ملقياً نظرة على الغرفة من حولي.
كانت، في الواقع، مختبرات. ومختبراً متطوراً للغاية علاوة على ذلك. كانت هناك العشرات من رفوف الكتب، وألواح التعاويذ المرصوصة بإحكام، ومجموعة متنوعة من التجارب (أو ربما مجرد عينات اختبار) محتجزة في حقول تعليق وخزانات حول الغرفة، بدا معظمها وكأنه أُخذت كعينات أو تخص الجهاز العصبي البشري، وهو أمر متوقع بالنظر إلى مالك الحجرة.
ما لم أكن أتوقعه بالقدر نفسه هو أفران المعاهد، وهي أشياء بيضاوية ضخمة مصنوعة من التيتانيوم والحجر، والأعمدة البرونزية الطويلة المثبتة بها في أنحاء الغرفة كافة. وعلى فترات متقطعة، كانت شحنات من الضوء الساطع تنطلق بصمت فيما بينها من الأعلى. بدا الأمر، أقل ما يقال فيه، خطيراً بشكل مذهل.
ومن الطريف، على الرغم من أن هذه المنطقة كانت مظللة من الخارج، أنني استطعت الرؤية بوضوح تام عبر جميع الجدران الآن وقد أصبحت في الداخل. وفّر هذا رؤية جيدة لكل من الحظيرة الحيوية للمقر، والحديقة النباتية، بل وحتى الزهرة الخالدة، على مسافة ما في البعيد. كانت تتوهج بشكل ينذر بالسوء.
لم تكن هناك علامة واضحة على وجود زينو في الجوار، لذا خطوت بحذر متقدماً نحو الطرف الآخر من الغرفة - إن كانت تتصل بالأبواب الأخرى أيضاً، كما شرح بلتازار، لكان المكان أكبر مما يبدو عليه، متى ما تجاوزت كل تلك الفوضى.
وبينما تحركت، لاحظت أن الطاقة القادمة من الأعمدة تبدو كلها متدفقة إلى، أو ربما من، المكان نفسه؛ محرك منطقي بيولوجي، يقبع مباشرة مقابل النافذة. لم يكن يتألف إلا من نحو عشرة أقسام، مما جعله أصغر بكثير من سيخمت، لكنه بدا أكثر تطوراً في التصميم، حيث كانت طيات النسيج العصبي أكثر كثافة وأكثر ترابطاً بشكل جلي.
للحظة، نسيت غايتي، وانتقلت بدلاً من ذلك لأفحص ذلك الشيء عن قرب. بدأت ألاحظ شيئاً ما. لم تكن الشحنات تتدفق إلى الآلة فحسب، بل كانت تتفاعل معها. كلما وصلت شحنة إلى العمود المتصل، كانت طيات النسيج ترتجف، ثم... تتغير بدقة، والخطوط والتجاعيد على سطحها تتدفق كأنها أصبحت سائلة. ثم تتوقف فجأة، وتمر لحظات قليلة، ويتكرر الأمر.
كانت مراقبته مغناطيسية على نحو غريب. أمعنت النظر مقرباً رأسي، محاولاً تكوين فكرة أفضل عما قد يكون فعله--
"أتعجبك أعمالي، أليس كذلك؟"
--وقفزت حرفياً، وأنا ألتفت لأواجه الصوت.
لكن حين فعلت، كنت مرتبكاً للغاية في الحال.