٧:٤٥ مساءً | النينسيرسير، الطريق الثالث | ٣١ ديسمبر | عهد ١٦٠٨ سألت غودرون النتيجة البديهية: "لأي غرض؟"
جزّت لامو على أسنانها: "الأمر... يصعب شرحه".
أملت الأخرى رأسها لبرهة بينما تراجع جبينها ببطء: "أوهووو"، ومطّت الحرف مضيفة: "انظري، حسب خبرتي، حين أسأل أحدهم لمَ يكنّ له أحدهم كل هذا الحقد ويقول كلاماً كهذا، فهذا يعني أنه ارتكب شيئاً يشبه... الفاحشة الكبرى. وغالباً ما يكونون حينها غير غاضبين بالقدر الكافي ليرغبوا في تفجير مؤخرة أحدهم في عشاء خيري، لذا..."
قالت لامو محاولةً ألا تبدو في موقف دفاعي لكنها بدت كذلك بكل حال: "الأمر ليس هكذا. أنا... لم نرتكب أي خطأ. إنه سوء فهم. لا بد من أنه كذلك".
"ولكن لمَ قد يكون لديها سوء الفهم هذا إذاً؟"
أطالت لامو السكوت وتوقفت مترددة لتلتقط أنفاسها: "أسمعتِ يوماً بمجموعة تدعى 'رذاذ العالم الشافي'؟"
ردت غودرون فوراً: "لا، أبداً. ماذا تعني كلمة رذاذ شافٍ هذه؟"
أوضحت لامو، وقد فقدت توازنها تماماً جراء هذا: "إنها مصطلح من ميثولوجيا... أقول من الميثولوجيا الإينوتية. تعني دواءً قادراً على شفاء أي شيء".
"أه، تقصدين، شيئاً مثل باناهكيا".
"لا، تنطق هكذا: با-نوه-سي-اه".
"يبدو نطجها خاطئاً في أذني".
تنهدت لامو. هذا ليس مهمراً.
"كانت منظمة نشئت منذ أواخر القرن الثالث حتى أوائل القرن الخامس عشر. كانت مهمتهم محاولة إطالة أعمار البشر".
"إطالة عم... اللعنة، انتري، هذا يقرع جرساً في ذهني"، قاطعت غودرون نفسها والتفتت بجانبها ضامة شفتيها.
"أهؤلاء هنّ من تم التخلص منهم في تلك الجريمة الشهيرة؟ تلك التي تشوهت فيها الجثث عن آخرها ولم يستطع أحد معرفة ما حدث؟"
"إذن أنتِ تعلمين بشأنها حقاً".
"حسناً، كانت هناك حلقة عنها في برنامج وثائقي للجرائم الحقيقية كانت أمي تتابعه فيما أعتقد. لذا فأنا لست... أعرف حقاً عنها".
قطبت جبينها.
"أتذكر فقط أنني قلت إنني أريد العيش للأبد، وأنها ردت بأن ذلك سيكون للأثرياء وحدهم. بغض النظر... ما علاقة هؤلاء بكل هذا؟"
"كان صفنا هناك في ذلك اليوم، حين عثروا على الجثث".
ارتفع حاجبا غودرون عالياً: "اللعنة، حقاً؟"
"حقاً. وقعت الجريمة في الجامعة. كانوا يزورونها لحضور حفل استقبال مع بعض الموظفين والمتبرعين، وقبل ذلك كانوا يقومون بجولة في الأرجاء حين حدث الأمر. وقد دعي صفنا لمرافقتهم".
ترددت، وما زالت غير متأكدة تماماً من حكمة إخبار المرأة التي أمامها بأي من هذا.
"... والسبب في دعوتنا هو أنهم كانوا على معرفة سابقة بنا. لقد زرناهم في مقرهم في وقت سابق من العام".
"إذن هذه الفتاة، ماذا، كانت لها صلة بهؤلاء الأوغاد؟"
اتسعت عيناها فجأة.
"انتظري، أتقولين إنكم قتلتموهم؟"
"لا، قلت إنه سوء فهم. وقصدت حرفياً ما قلته حين أخبرتكِ أنه يصعب شرحه".
مع أن لامو فكرت في أن حدسها يقترب من الحقيقة ببضع درجات فقط.
"حين ذهبنا إلى هناك، كان الأمر في ظاهره تمريناً للتواصل. لقد أبعدوا عن المجتمع الأكاديمي لفترة طويلة، وكانت المدرسة ترسلنا إلى هناك بهدف أن نصبح بوابتهم، إن صح التعبير، لنحقق الربح بناءً على ذلك".
ألقت نظرة سريعة على الباب قبل أن تعيد تركيز نظرها بحدة على غودرون، إذ شعرت أن احتمالية تنصت أحدهم واحتمالية سوء فهم غودرون لأمر ما هما خطران متساويان.
"لكن ذلك لم يكن السبب الحقيقي".
"وماذا... كان السبب الحقيقي إذن؟"
حدّت لامو من نبرتها آملة أنه لو بدا صوتها حاداً بما يكفي، فلن تميل غودرون للنبش في التفاصيل الدقيقة لما توشك على كشفه.
"كان من أجل تجربة".
"تجربة".
"نعم".
"أه".
قالت لامو بسرعة: "أنا... لا يمكنني الخوض في الأمر، لكن المنظمة كانت ستفعل... شيئاً بصفنا. أو، لا... ببعضنا. بمعظمنا".
رأت شفتها ترتجف بحدة في المرآة وهي تحاول جاهدة حساب تعبيرات وجهها؛ هادئة، غير مبالية، حازمة، مع مسحة من القلق المصاب بصدمة؛ ما الذي سيزرع التعاطف؟
"كان الأمر برضا الجميع. كل من كان جزءاً منه كان يعلم مسبقاً بما يحدث حقاً، وكل من لم يكن كذلك لم يكن ليتورط".
أصرت غودرون: "حين تقولين تجربة، ماذا تقصدين إذن؟ أتحدثين عن تجربة اجتماعية؟ أم هراء علم المجانين؟"
"قلت إنني لا أستطيع الخوض في الأمر".
"نعم ولكن... أنتِ تتحدثين عن مجموعة عجائز مهووسين يفعلون شيئاً لمجموعة من الأطفال. سراً. في مخبأهم".
رفعت حاجبها.
"لست مصنوعة من حجارة يا فتاة. سأستخلص النتائج بنفسي".
"لم يكن الأمر..."
توقفت لامو. لم تكن تثق بقدرتها على قول إنه لم يكن شيئاً غير لائق.
"لم يكن شيئاً جنسياً. كما قلت، كان بالتراضي؛ لقد وافقنا جميعا على ذلك قبل وقوع الحدث بفترة طويلة. كنت واحدة ممن كنَّ على علم بما يحرث، وكنت الأصغر سناً بفارق كبير، لذا فإن قولي هذا ينبغي... ينبغي أن يحسب لي".
"أنتِ لا تبدين وكأنكِ تصدقين ذلك حتى".
لم تكن تصدقه، لكن هذا لم يكن صلب الموضوع.
"لم يلمسونا جسدياً حتى. كان الأمر مجرد معرفة ما إذا كان بإمكاننا... ما إذا كان من الممكن إدارة عملية ما".
يجب المضي قدماً.
"على أي حال، أُلغيت التجربة. وهذا ما أدى إلى وفاتء قادة المنظمة في ذلك اليوم، والحل اللاحق للمنظمة".
"لمَ قد يؤدي إلغاؤها إلى..."
اندفعت لامو للأمام، دون قصد حقيقي، بعينين جاحظتين مثل سحلية تهم بابتلاع فريستها كاملة: "يا غودرون، أنا لا أدفع لكِ لتوجهي أسئلة لا تنتهي".
"آآه!"
صرخت المرأة الأخرى وارتدت للخصر إلى الخلف حتى لامس خصرها الحوض.
"حسناً، اللعنة، انسَي الأمر!"
انتفضت لامو، وشعرت بجسدها وكأن التيبس الموتي يعتريه. لم يكن هذا يسير على ما يرام؛ حاولت الهدوء.
"كانت التجربة تدور حول تقنية جديدة"، أوضحت بحدة.
"تقنية خطيرة سياسياً. كان للمنظمة أعداء كثر. وكان هناك أشخاص متعاطفون معهم بين صفنا".
كل هذا كان صحيحاً من الناحية التقنية.
"لست غبية. استخلصي نتائجي بنفسكِ".
أومأت غودرون برأسها في توتر مسرحي. لم تكن لامو بارعة اجتماعياً بما يكفي لتتبين إن كان هذا صادقاً أم مجرد تمثيلية.
بعد لحظة، استعادت وعيها بالقدر الكافي لتطرح سؤالاً: "كيف تم اختياركِ أصلاً لمثل هذا الهراء؟ من أجل علم سري مخيف، أو أياً كان ما يكني عنه كل هذا؟"
"إنه أمر متوارث عبر الأجيال. فخالي... كان عضواً في المنظمة أيضاً. وكان للآخرين علاقاتهم الخاصة".
ضيقت عينها.
"ويشمل ذلك المرأة التي نتعامل معها الآن. أحد أجدادها كان عضواً، ولكن -لأسباب لا تحتاجين لمعرفتها- لم تكن جزءاً من التجربة. لم تكن تعلم بها حتى. ليس حينها على الأقل".
"أترين أنها تعلم الآن".
"نعم، هذه هي المشكلة بالتحديد".
توقفت لبرهة.
"التجربة هي... شيء كان يمكنها أن تفهمه خطأ. أو، لا، سيكون أدق القول إنه أمر يمكنك التفكير فيه بطرق مختلفة، إيجابية وسلبية. حسب حسك الأخلاقي. منظورك".
تنحنحت لامو بخشونة: "لا أعرف إن كان الأمر يتعلق بصديقتها..."
"صديقة؟"
أوضحت لامو بسرعة: "عضو آخر من صفنا. متوفاة. لا أعرف ظروفها جيداً بما يكفي لأحكم إن كان الأمر يتعلق بذلك أم بشيء شخصي أكثر لا يمكنني استيعابه، لكن الواضح هو أن لديها انطباعاً بأن ما فعلناه لم يكن سيئاً للغاية فحسب، بل تسبب في أذى عميق أو إساءة شخصية لها".
قالت غودرون: "هذا تقليل من شأن الأمر. لكنكِ تتحدثين بغموض شديد لدرجة أنني لا أعرف إن كان عليّ اعتباره جنوناً أم لا".
حدقت فيها لامو بغضب.
ردت غودرون رافعة يديها في الهواء: "حسناً، حسناً، لا بأس. أمن المعلومات. فهمت. تعتقدين أنها تعتقد أنكم قتلتم صديقتها أو فعلتم شيئاً فظيعاً بها أو شيئاً كهذا، والآن أصيبت بالجنون وتريدكم أمواتاً جميعاً. ألم يحدث هذا قبل مئات السنين؟ لمَ قد ترغب في فعل هذا فجأة الآن؟ ألا يمكن أن يكون الأمر شيئاً مختلفاً؟"
"لقد أوضحت دوافعها بوضوح معقول حين تحدثنا. وبدا الأمر وكأنها لم تعرف الحقيقة إلا مؤخراً".
إن كان الأمر كذلك، فهو غير ملائم للغاية لدرجة يصعب معها اعتباره مجرد صدفة.
"لمَ لم توضحي الأمر لها إذن؟ إن كان سوء فهم".
قالت لامو: "حاولت"، وكانت هذه حقيقة تقنية أخرى.
وبدقة أكبر، كان "سوء الفهم"
الذي حاولت تصحيحه هو أن تكون لها أي صلة بالأمر، إذ كانت تشتبه حقاً في أن منح المرأة مزيداً من المعلومات من شأنه أن يفاقم الوضع لا غير.
"لكن ليس لديها سبب لتثق بي. من الصحيح على الأقل أننا تآمرنا جميعاً لنخفي عنها ما كان يحدث حقاً. هناك أسباب لتغضب، لكن... ليس إلى هذا الحد".
ضغطت على شفتيها ناظرة نحو الأرض.
"من الواضح أنها غير متزنة لدرجة لا تكترث معها بالتفاصيل الدقيقة، وإلا لما كانت تتحدث عن قتلنا جميعاً بينما تورط البعض فقط. على حد علمي، هي في خضم نوبة ذهانية".
قالت غودرون: "حسناً، أعتقد أن هذا يعيدنا إلى حيث بدأنا. هذه الفتاة ساحرة أيضاً، أليس كذلك؟"
"بالتحديد. كانت إحدى أفضل الساحرات في صفنا، وغزيرة الإنتاج في مرحلة البلوغ أيضاً. إنها بحكم التعريف أخطر بكثير من الشخص العادي".
"لست متأكدة من ذلك. لقد قابلت الكثير من الساحرات اللواتي كنّ سيئات في القتال".
لم يكن غامضاً ما تقصده غودرون بكلمة "قابلت".
"لكن على أي حال، وأنتِ كذلك. ونصف الحمقى على متن هذه اللعنة كذلك. فلماذا تفقدين صوابكِ هكذا وكأن لديها فرصة لتنفيذ هذا؟ ربما تحاول فقط إخافتكِ، أو جعلكِ تقومين بشيء غبي. إلا إن كنتِ تخفين الخبر الأساسي وكانت أغنى من المعبود أو شيء من هذا القبيل".
ترددت لامو.
"...لا، ليس هناك شيء كهذا. أو، بالأحرى، هي ثرية. لكن ليس بالدرجة التي يبلغها بعض الموجودين هنا الليلة".
سقطت نظرتها بتردد للمرة الأولى منذ فترة.
"يجب أن أعترف، ليس هناك أساس عقلاني تماماً لاعتبار تهديداتها ذات مصداقية. لكن شيئاً في طريقتها في قول ذلك..."
لا، ليس هذا هو السبب.
"حين نتواجد جميعاً على متن هذه السفينة في الوقت ذاته، فهذا مستحيل إحصائياً. بعضنا ليس ناجحاً بشكل خاص حتى. الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يحدث بها ذلك هي أن تكون مدبرة، والطريقة الوحيدة لتتعرف عليها هي أن تكون جزءاً من تلك العملية، أو على دراية بها على الأقل".
تكهنت غودرون: "ألا يمكنها أن تطلق هراءً بشأن ذلك أيضاً؟"
"ليس مستحيلاً، لكنني أشك في ذلك. بينما كنا نتحدث، أشارت إلى عضو آخر من صفنا بالقرب منا. حتى هذا الحدث مستحيل الحدوث بالصدفة".
هزت لامو رأسها.
"لا أعرف كيف، لكنها تملك نوعاً من السيطرة هنا، أو على الأقل معرفة بشيء سيحدث ولا أعلمه أنا. إن كان هدفها هو الاستفادة من تواجد بعضنا هنا لتنفيذ 'انتقامها'، فمن الناحية الموضوعية، كانت التكتيك الأفضل هي اغتيالنا بهدوء، مستغلة عنصر المفاجأة. حقيقة أنها لم تفعل ذلك، واختيارها بدلاً من ذلك لإعلان نواياها علناً، تعبر عن ثقة مخيفة. حتى وإن كان هدفها مستحيلاً في النهاية، فأنا قلقة للغاية بشأن ما ستحاول فعله".
استدارت غودرون بدورها وبدت متأملة.
"نعل، لقد تسللت إلى عقلكِ بالتأكيد. هذه قضية من نظرية الألعاب".
قطبت جبينها لحظة ثم التفتت مجدداً.
"دعيني أعمل بطريقة عكسية هنا. من الذي يقرر قائمة ضيوف هذا الشيء بالفعل؟"
تأملت لامو الأمر.
"... السفينة مملوكة للحدث ومستضافَة من قِبل تار-إيسغانسار أوف سيم، الإداري الأول السابق. لكن بناءً على ما قالوه خلال كلمة الافتتاح، يتم ذلك تحت مظلة مجموعة تسمى 'مؤسسة لاوديكي'... أشك في أنه يفعل كل شيء بنفسه، لذا فالأرجح أنه شخص موظف لديهم أو مرتبط بهم".
نقرث غودرون بلسانها: "لم أسمع ب'مؤسسة لاوديكي' قط. لست مهتمة حقاً بمشهد تبرع الأموال القديمة".
رفرفتا عيناها.
"المرأة التي رتبت هذا لكِ... ما اسمها كما قلتِ؟"
"لم أذكر اسمها. لكنه 'نحي'".
لم تكن لامو قد سمعت بمؤسسة لاوديكي بدورها، وهو ما بدا لها غريباً حين فكرت فيه، إذ لم تكن هناك سوى عناصر قليلة من مجتمع الطبقة الراقية لعوالم الحداد لم تكن على علم بها. أكانوا يستضيفون هذا الحدث دائماً، أم كان له كفيل متناوب؟
"إنها من أمن لنا التذاكر لهذا في المقام الأول، أليس كذلك؟ لذا فهي بالتأكيد تعلم من كان يجري تلك الاتصالات".
"الأمر ليس بهذه البساطة. كانت أوتسوشيكومي تعلم بالصفقة التي عقدتها معها بطريقة ما أيضاً، وبالاجتماع الذي يُفترض أن نعقده غداً بعد الظهر. هذا سبب آخر يجعل تهديداتها تبدو ذات وزن".
"ولكن هل كانت تعلم بالاجتماع الذي أخبرتني أنكِ دعيتِ إليه الليلة؟"
حين فكرت في الأمر، لم تكن تعلم. لقد ذكرت الاجتماع الذي خططتا له غداً في الظهر عندما حاولت غرس ما يبدو أنه إلمامها بكل شيء في الموقف، لكن غياب تلك التفاصيل أشار في الواقع إلى وجود حد. ربما كانت على صلة بعملية التخطيط، لكنها لم تكن على دراية بكل ما يدور. بدا ذلك مطمئناً بطريقة ما... ... ما لم يكن العكس تماماً.
لقد ذكرت نحي أن هناك "تعقيداً".
ماذا لو كان هذا هو التعقيد؟ أو الأسوأ، ماذا لو كانت الرسالة نفسها طعماً؟
استنتجت غودرون بعد أن فشلت في الرد: "أظن أن الإجابة هي لا".
أوضحت لامو: "هي... لم تذكره، لكنني لست متأكدة مما يجب استنتاجه من ذلك. لستِ مخطئة في التفكير بأن الطريقة الأكثر مباشرة للوصول إلى حقيقة الأمر هي التحدث إلى نحي. كانت بالتأكيد متورطة في تنظيم هذا الحدث. لكن هذا لا يزال على بعد ساعات، والأكثر من ذلك، من المحتمل أن الاثنين كانتا تعملان معاً منذ البداية. سيكون منطقياً، إن كانت قد استدرجتنا جميعاً إلى مكان واحد".
أومأت غودرون برأسها بضع مرات ثم فركت ذقنها تفكيراً. حدث تغيير طفيف في وضعيتها خلال اللحظات الأخيرة من المحادثة، وكأنها تعتبر نفسها الآن السلطة بين الاثنتين بينما لامو مجرد فتاة هستيرية. كان هذا تحولاً ديناميكياً رأت لامو أنه لن ينتهي بشكل جيد إن سُمح له بالتفاقم، وكان لابد من تصحيحه.
أعلنت غودرون بحفاء في النهاية: "حسناً يا لامو. هكذا سَنلعبها".
"حسناً".
"إذن. الخطة أ. ربما تحرك هذه العاهرة خيوط مؤامرة قتل كبرى هنا، أو ربما تكون مجرد مريضة نفسية. لكن في كلتا الحالين، هي مجرد لحم ودم. حقيرة واحدة وسط حشد هائل. سنعود إلى هناك..."
أشارت غودرون بوضوح نحو الباب.
"... وسأتحدث إليها فحسب".
خفضت لامو حاجبها: "ستتحدثين إليها".
أكدت غودرون: "نعم. حسناً. ربما أكثر من مجرد حديث. سأتوجه إلى طاولتها وأقول: 'أوه سماوي، مي، لم أركِ هناك يا حبيبتي، لقد مر وقت طويل!' ثم سنحل هذه الفوضى. لمَ تهدد صديقتي، وكيف تعرف كل تلك الأشياء، وما هي لعبتها. وإن حاولت أي حماقة، فسأكسر أحد أصابعها اللعينة سراً وبشكل أسرع".
"يا غودرون، ألم تنتبهي حين أخبرتكِ أنها ساحرة مطعمة؟"
"وما الأمر؟ أراهن أنهم وضعوا تعاويذ على هذا المكان أقوى من وكر أطفال الإداري الأول. لن تجرؤ، ليس في منتصف قاعة الاحتفالات. حتى لو تمكنت من إطلاق تعويذة، سيقوم سحرة المعركة بمسحها وقتلها أسرع من ضوء العالم القديم".
مالت برأسها: "وحتى لو سمعت المقطع الأول من الكلمة المبدئية فسأعض شفتيها حتى أقتلعهما".
"أهذا... تلميح؟"
"لا، أعني أنني سأعض شفتيها اللتين على وجهها بأسناني حتى لا تتمكن من التحدث".
بغض النظر عن عدد مرات حدوث ذلك، لم تكن لامو متأكدة من أنها ستعتاد يوماً على مدى سهولة انتقال غودرون إلى تهديدات العنف الشديد.
تابعت المرأة قائلة: "بجدية، لا يمكنكِ التردد حين يتعلق الأمر بمشاكل كهذه. لقد عبثت بالكثير من الساحرات والكثير من المفكرين الكبار - حسناء، نفس الشيء في كثير من الأحيان - وهن يتوقعن دائماً أن تكوني شديدة الحذر كلما أثرن أي فوضى، لأن هذه هي طريقة تفكيرهن. ينبع ذلك من سرقة غدائكِ عندما كنتِ طفلة أو عدم ممارسة الجنس حتى الثلاثينيات من عمركِ أو أياً يكن. لذا فهن يتبولن في سراويلهن دائماً عندما تقفين في وجوههن وتظهرين طاقة ذكورية طاغية. إنها علم نفس تطوري أساسي، هراء عالم الحيوان. عليكِ الإمساك بزمام الأمور وفرض الهيمنة".
"فرض... الهيمنة".
أوضحت غودرون: "أكدي تفوقكِ يا فتاة. ثقي بي. أنا أعلم هذه الأمور".
"أنا... ما هي الخطة ب".
بدت غودرون أقل حماساً بكثير بشأن الخطة ب.
"حسناً، إن لم نتمكن من فعل ذلك لأن طاولتها ممتلئة أو ترين أن المخاطرة كبيرة جداً، فالخيار البديل هو التركيز على مقابلة هذه الفتاة نحي. هناك عدة طرق يمكننا بها فعل ذلك. يمكنني مراقبة أوتسو-أياً يكن اسمها، والتأكد من أنها لا تستطيع فعل أي شيء بالاجتماع... لكنني أظن أن ذلك قد لا يكون مجدياً إن كان هناك أشخاص آخرون متورطون فيه. الرهان الأفضل قد يكون البقاء في الأماكن العامة حتى الاجتماع حتى لا تستطيع فعل أي شيء، ثم مراقبته مبكراً في الممرات. هناك حركة مرور كثيفة، حتى هناك، لذا لن يتمكن أحد من فعل أي شيء لنا. ثم حين تظهر نحي، يمكننا إجبارها على التحدث في مكان أكثر علنية".
وجدت لامو نفسها تومئ برأسها قليلاً. على الرغم من أن صياغتها كانت مختلة كعادتها، إلا أنه كان هناك بالفعل مزايا لفكري غودرون. كان استخدام الطبيعة العامة للحدث لفرض مواجهة أكثر صراحة - أو بدلاً من ذلك، لحمايتهما من الأذى بشكل سلبي - أفكاراً جيدة. لا... لقد كانت أفكاراً بديهية. والسبب الوحيد لعدم تفكيرها فيها بنفسها هو أن هذا قد أخلَّ بتوازنها. كان عليها أن تكون عقلانية.
مجرد إطلاق تهديدات كبرى لم يكن ليجعلك شخصاً واسع النفوذ. نعم، حقيقة أنها هي بالذات -سحيلة الشخص الذي خانته المنظمة حين كان كل هذا يُرتّب- أضفت على كلماتها وقاراً أسطورياً معيناً. لكنها كانت مجرد ذلك: أسطورية. الدم مجرد دم. وأوتسوشيكومي أوف فوساي التي عرفتها عندما كانت صغيرة لم تكن سوى غبية عبقرية كئيبة محرجة لا تتجاوز مهاراتها وراء الأساسيات صياغة الصيغ السحرية.
كقاتلة ساحرة، كان أسلوبها دائماً صارماً وتقليدياً إلى ما لا نهاية. لم يشر أي شيء رأته منها في السنوات التي تلت إلى أن ذلك قد تغير أساساً. كانت لامو صدئة، لكن إن لم تكبح نفسها... لكن الأمور لا يجب أن تصل إلى هذا الحد. وكلما فكرت في الأمر، كلما بدا plan غودرون الأول عملياً أكثر. ربما كان الغباء تفكيرها في المرأة كعقل مدبر له شركاء. لا... المرجح أكثر هو أن شخصاً ما كان يحرك خيوطها.
لا بد أنهم زودوها بالمعلومات حول ما حدث في المجمع. عبرت فكرة مظلمة ذهنها. أيمكن أن تكون الإخوة...؟ حين فكرت في الأمر، بدا واضحاً تقريباً. لا بد أن يكون لديهم أشخاص في الداخل ضمن منظمة نحي. لا بد أنهم علموا بخيانتها المزدوجة -محاولة قطع العلاقات أولاً بعد تلبية طلبهم الأخير، ثم هذه المحاولة لبيعهم- ورتبوا هذا لمحاولة عرقلته بأي ثمن، أو ربما حتى لتنظيف جميع الخيوط السائبة من قبل ٢٠٠ عام.
كان ذلك التفسير المنطقي الوحيد. ومن يدري ما الذي قد يخفونه لها أيضاً. كان هذا سيئاً. سيئاً للغاية حقاً. وكلما فكرت في الأمر، كلما زاد سوءاً. احتاجوا إلى الوصول إلى حقيقة كل هذا وتحذير من هم على متن السفينة ممن يملكون قوة حقيقية وبسرعة.
ابتلعت لامو ريقها: "حسناً. سنفعلها".
"أيهما؟"
أجابت بسرعة: "كلتيهما".
"سنعود إلى قاعة الاحتفالات، وفي طريقنا إلى مقاعدنا ستلاحظين' هويتها. ستهمسين لي بشيء عندما نكون جالسَين لجعل هذا واضحاً. ثم، عندما أعطيكِ الإشارة، ستنهضين وتواجهينها بالطريقة التي قلتِها".
بدت غودرون متفاجئة: "لم أكن أتوقع أن توافقي بهذه السرعة".
"حسناً، لقد فعلت. نأمل أن يكون ذلك كافياً لتكوين فكرة عما يجري، لكن على أي حال يجب أن نحاول مقابلة نحي في أقرب وقت ممكن بعد ذلك. بعد العشاء سنختلق عذراً للمغادرة لبضع دقائق أخرى والتوجه إلى الحديقة في الطابق العلوي. إن كانت في أي منطقة عامة من السفينة غير قاعة الاحتفالات، فس تكون هناك، ويمكنكِ استخدام هاتين العينين للنظر لأسفل عبر السقف لمعرفة ما إذا كانت قريبة من المسرح في أي مكان. ستكون هذه هي الطريقة الأكثر تكتماً للقيام بذلك، وإن لم ينجح الأمر فيمكننا التراجع إلى خطة الانتظار خارج الغرفة مسبقاً".
زفرت بحدة.
صمتت المرأة لبرهة ثم أومأت عرضاً: "حسناً".
"حسناً؟"
"نعم، يبدو جيداً لي. أعني، أنا اقترحت معظم ذلك، وأفكاركِ جيدة أيضاً، إذن متفق".
ترددت لامو. بطريقة ما، جعل قبول غودرون لهذا دون أي تعليق إضافي يشعرها بالقلق لا الاطمئنان. ولم تساعد رائحة الكحول الواضحة بالفعل على أنفاسها.
"أمتأكدة... أنتِ؟ ألا ترين أي طريقة يمكن أن تزداد فيها تعقيداً؟"
"أعني، بالطبع. قد يحدث أي شيء. ربما أصبحت غورو فنون قتالية الآن أو شيئاً ما، أو ربما أفسد الأمر وأُلقى في الحبس".
هزت كتفيها: "إنه أفضل من فعل لا شيء، أليس كذلك؟"
قطبت لامو جبينها في صراع داخلي.
ابتسمت غودرون مطمئنة واضعة يدها على كتفها: "استرخي يا لام-لام. فقط اتركي هذا لصديقتكِ غودرون. لقد جلبْتِني إلى هنا لمثل هذا النوع من الأمور. سأنهي هذا في دقيقة ساخنة، وبعدها يمكنني العودة لتبادل المجاملات مع ذلك الوغد الذي نجلس معه".
أومأت برأسها بتردد: "حسناً".
"عظيم".
منحت لامو تربيتة حازمة ثم استدارت لتواجه إحدى المرايا.
"أعطيني ثانية أولاً رغم ذلك. أريُد إصلاح مكياجي. يجب أن أحرص على أن أكون بمظهر رائع".
"يا غودرون، إنهن مثليات".
أجابت: "تعبير مجازي. وقد نتهيئ في النهاية إلى البار لاحقاً على أي حال. لا أثق بقدرتي على جعل نفسي أبدو بمظهر جيد بمجرد أن أصبح سكرانة".
بعد أن انتهت غودرون، غادرا الحمام بسرعة، مع حرص لامو على ألا يكون أحد في الرواق ليرى خروجهما معاً.
(وصفَت غودرون هذا الاحتياط بأنه مبرر نظراً "لحاجتها إلى مزيد من الوقت لتحديد ما إذا كنَّ سيلتزمن بالتمثيلية"، وهو ما تجاهلته).
ثم عادا إلى قاعة الاحتفالات. لم يغيبا سوى ما يزيد قليلاً على خمس دقائق، لكن تعقيداً طارئاً قد نشأ فوراً. لقد اختفت أوتسوشيكومي أوف فوساي.
𒀭
"ماذا كان ذلك؟"
سأل توثال، صرف بصره عن المشهد المروّع أمامنا ليخاطبني، حاجبه معقود.
أشرت إلى الأمام بفتور: "العربة الأمامية."
التفت، نظر، وبعد لحظات قليلة، ارتدّ مذعورًا.
"ما هذا بحقّ... لا، لا بدّ أن الظلام يحجب الرؤية فحسب."
بدا متشككًا في كلماته حتى وهي تغادر شفتيه. ألقى نظرة من فوق كتفه.
"سأتفقد شيئًا ما. سأعود في الحال."
أيقظت هذه الكلمات بهرام من غفلته على ما يبدو، فنظر إلى صديقه بيأس، وكذلك فعل الطاهي. (أما هيلدريس، فظلّ صامتًا، وكأنه في حالة صدمة.)
"تـ-توت، قد تكون لا تزال—حتى في هذا الحال، يجب علينا..."
"وعليكما ذلك،"
قاطع توثال الرجل الأكبر. كان قد أخرج مصباحه الصغير من مكان ما تحت حلّته البراقة، وأشعل عود ثقاب فأضاءه.
"لكنك أنت الطبيب، لا أنا. لا أستطيع فعل أي شيء هنا. سأعود بعد لحظة."
اندفع مسرعًا على طول سقف القطار، متوجهًا إلى الطرف المقابل. تبعته أنا بخطوات أثبت، وقد شعرت بأن قدمي أخفّ قليلًا مما كانت عليه قبل لحظة—ربما كان الأدرينالين يتدفق في عروقي وأستعيد نشاطي، أو ربما بدأت رئتاي تتعافيان بعد أن أتيحت لي لحظات لأتنفس. قفزت الفجوة الصغيرة إلى سقف عربة المحرك، وسرت على طول البروز بجانب المرجل—ملأت رائحة الفحم المحترق أنفي للحظة أو اثنتين—ثم وصلت أخيرًا فوق عربة الطعام.
عند هذه النقطة، كان توثال قد توقف بالفعل، ناظرًا من الحافة. ألقيت نظرة إلى الأسفل، فلاحظت أنه خلفه ترك بعض الانبعاجات—خفيفة لكنها ملحوظة—على المعدن الذي يشكل السقف، والذي بدا لي، لو اضطررت للتخمين، أنه مصنوع من الألمنيوم الرقيق. من الواضح أنها لم تُصمّم لتحمّل الكثير من الصدمات. إضافة إلى كون هذا غريبًا على هذه الحقبة، فقد كان له بعض التداعيات المثيرة للاهتمام، رغم أنني لم أكن في كامل وعيي لأستوعبها بعد.
سرعان ما وقفت بجانب توثال، الذي بدا بين الذهول والغضب. كانت العربة الأمامية قد اختفت بالفعل. ورغم أن الغرفة الاتصالية الفاصلة بدت باقية، إلا أن كل ما وراء الموضع الذي كان يجب أن يكون فيه الباب الثاني قد تلاشى في العدم.
"ما هذا... هذا..."
ضمّ توثال يديه إلى فمه، كاد يفرط في التنفس.
"كان عليّ أن أعرف! كان يجب عليّ بحقّ الجحيم أن أعرف!"
ضرب بقدمه الأرض، فأحدث انبعاجًا صغيرًا آخر.
"لقد خدعنا هذا الوغد! لا أدري كيف، لكنه خدعنا! اللوحة ذهبت، كل شيء ذهب!"
"لا،"
قلت بهدوء.
حوّل عينيه نحوي فجأة: "ماذا؟!"
"اللوحة عندي،"
أوضحت. لم أدرِ لمَ كنت أشرح هذا. هل كنت أحاول أن أُكشف؟ هل كنت أحمق؟
"الشتاء الأخير—استوليت عليها."
تدافعت مشاعر عدة عبر وجه توثال في غضون لحظات قليلة؛ الارتباك، الارتياح، القلق، ثم الغضب المتجدد.
احمرّ وجهه، ودفع مصباحه نحوي بغضب: "كاسوا، نحن، أنت، تذكر، قطعت وعدًا لي—"
"أعلم،"
أجبته.
"يمكنك الحصول عليها. فقط ادفع لي ما كنت سأجنيه من غرض عادي، إضافة إلى ما اتفقنا عليه بالفعل."
مرة أخرى، تقلبت مشاعره بسرعة، حتى استقرّ على الشك.
"هذا... أنت لا تكذب عليّ لسبب ما، أليس كذلك؟ هل هي معك حقًا؟"
"هي معي،"
قلت، ولم تكن كذبة.
"وستعطيني إياها؟"
"سأفعل،"
قلت، ولم تكن هذه أيضًا كذبة. (رغم أن قيمة اللوحة كانت موضع تساؤل إلى حد ما الآن (أو هل كانت كذلك بالفعل؟ هل سيخلق حدث كهذا أسطورة أقوى للشيء بعد كل شيء؟))
"هي في غرفتي الآن. يمكننا—سأحضرها لاحقًا، حين نعود جميعًا."
تنهد توثال تنهيدة عميقة، واضعًا يده على صدره.
"لحسن الحظّ."
نظر إليّ بعينين حادتين.
"أستطيع أن أقبّلك الآن يا كاسوا. كنت سأركع على ركبة واحدة لو لم أكن مرتبطًا بالتزام سابق."
أومأت بلا مبالاة، لم أدرِ كيف أردّ على هذا الكلام الذي بدا غريبًا عليه، فما بالك لو كان طبيعيًا. على الرغم من لحظة الارتياح هذه، سرعان ما عادت ملامح توثال إلى عالم الغيظ والقلق.
"مع ذلك، ما الذي يجري بحقّ الجحيم؟ أين ذهبت العربة؟ هل استخدمها قاتل فايديم للهرب؟ هل كان لها محرك منفصل؟"
عضّ طرف إبهامه.
"لا أستبعد ذلك على راستاغ. لكن حينها، الحصان..."
نظرت إلى الأفق. لم يكن هناك ما يشير إلى أن جزءًا من القطار قد انطلق مسرعًا في البعيد، لكن من ناحية أخرى كان من الصعب معرفة ذلك. كان الظلام حالكًا للغاية مرة أخرى. حجبت الغيوم كل الضوء تقريبًا من المصباح الخافت، وافتقر المنظر إلى معالم مميزة يمكن للضوء أن يلعب عليها. كنت أرى القضبان أمامي إلى حد ما لمسافة ربما خمسين مترًا، ومعالم الأجزاء الأبعد من المنظر الطبيعي عند الميميكوس تنحني صعودًا نحو فيراك ومكي السفلى، لكن أي شيء بين ذلك كان منطقة ميتة.
لكن كما أسلفنا، قرأت الكثير من روايات الغموض التي تدور أحداثها في القطارات. خطرت لي فكرة على الفور. كان الجيب الواصل بين العربتين قد تدلى إلى الخارج بشكل مناسب في شكل بدا سهل النزول، فخفضت نفسي على ركبتيّ، ثم استدرت وأمسكت بإحدى الوصلات الخشبية. نظر توثال إليّ على الفور بالطبع.
"ماذا تفعلين؟"
"تولّد القطارات قدرًا كبيرًا من الاحتكاك،"
شرحت.
"سأرى إن كانت القضبان لا تزال دافئة. إن كانت كذلك، فهذا يعني أن نظريتك صحيحة."
عبس.
"فكرة جيدة، لكن دعني أتعامل أنا مع الأمر على الأقل. لا تزال تبدين وكأنك تعرضت للسرقة. ما الذي حدث لك على أي حال؟"
تمتم بضيق بعد أن فشلت في الردّ.
"يا للعجب، أنت عنيدة."
انزلقت إلى الأسفل عبر العمود الخشبي الأملس المعلّق—كان الأمر محرجًا بعض الشيء، فالمادة الشبيهة بالجلد التي تشكل معظم العالم الفاصل كانت أكثر مرونة مما توقعت—ووصلت إلى جانب القضبان في نفس وقت وصول توثال تقريبًا، الذي قفز ببساطة من السقف بطريقة ذكورية معتادة، يشتم تحت أنفاسه بعد أن أصيب كاحله بسبب ذلك. مددنا أيدينا كلانا للمس المعدن.
"إنها باردة كالثلج،"
علّق توثال.
"نعم. لو مرّ قطار فوقها في أي وقت خلال الدقائق القليلة الماضية، لكانت فاترة بعض الشيء على الأقل."
نظرت إليه.
"البرونز المقوى الذي يستخدمونه لهذه القضبان يستغرق وقتًا أطول ليبرد تمامًا مقارنة... بالمعادن الأخرى، خاصة في هذا الوقت من الليل حيث درجة الحرارة المحيطة منخفضة. هذا يعني أن العربة الأمامية لم تكن لتتمكن من الهروب بهذه الطريقة إلا إذا حدث ذلك قبل أكثر من نصف ساعة على الأرجح."
تذكرت لاحقًا أن هذا قد لا يكون دقيقًا علميًا. بحثت في الأمر، ووجدت أن القطارات القديمة، وإن كانت تولّد احتكاكًا أكبر من الحديثة، إلا أنها لم تولّد سوى قدر ضئيل من الحرارة على القضبان إلا إذا كانت ثقيلة للغاية—نحن نتحدث هنا عن قطارات شحن بعدة عربات. كنت أردد منطقًا من كتاب قرأته دون تفكير. لكن الأمر بدا منطقيًا، وهذا يكفي، أليس كذلك؟
"ومتى كنتِ هناك آخر مرة؟"
سأل توثال.
"أقل من ذلك،"
أجبته.
"أظن قبل عشرين دقيقة على الأكثر."
"إذن هذا مستحيل. لم يكن ليختفي الشيء هكذا فحسب."
وقفت، نفضت الغبار عن ثيابي، ونظرت إلى البعيد.
"إنه الأوقارطول. أو على الأقل، هذا ما يريدوننا أن نعتقده."
"ماذا؟"
"أوقارطول،"
كررت.
"كان بهرام يحدّثنا عنهم سابقًا. الوحش الذي يؤمن أهل السهوب بوجوده، يسرق النفائس ويتخذ شكل أي شيء حي. لكنه يمكن أن يعود إلى شكله الحقيقي—حصان—باستخدام اللهب."
أومأت برأسي لنفسي—حتى أمور لم أفكر فيها بعد تواءمت تمامًا مع منطق الأحلام الذي بدا هذا كله يعمل وفقه. يا لها من نقطة حبكة غبية ببراعة.
"لا بد أنه اغترّ بالعمل الفني، واتخذ شكل عربة راستاغ."
كان توثال مذهولًا، فُتح فمه وأُغلق بسرعة قبل أن يتمكن من صياغة ردّ.
"هـ-هذا مجرد هراء خرافي! والقطار ليس 'حيًا'!"
"القطار العادي لن يكون كذلك. لكنك قلتها بنفسك. صمم راستاغ هذا القطار ليكون، على مستوى صوفي، كائنًا بشريًا. وإن لم يكن ذلك كافيًا، فهذا هو القطار الذي مات فيه. احترق جسده في محركه. لقد منحه روحه."
نظرت إلى الخلف.
"دخلت فايديم العربة لسبب ما، ثم أشعلت بطريقة ما نارًا صغيرة. تسبب هذا في تحولها إلى شكلها الحقيقي، فسحقت جسدها وقتلتها على الفور، وسببت وميض الضوء الذي رأيناه من عربة الاستراحة. لكن لأن المحرك في منتصف القطار وليس في مقدمته، لم يتوقف. اصطدم به مباشرة. طار جسده، رغم وزنه، محطمًا السقف عدة مرات قبل أن يتوقف أخيرًا بالقرب من المؤخرة. هذا يفسر كل شيء عن المشهد: الانبعاجات، حالة الجثة، الحروق على جثة الحصان. كل ذلك!"
"هذا—"
تدلى فم توثال.
"هذا جنون!"
فجأة، جاء صوت من فوق: كان أحدهم يصفق ببطء فوق القطار. أدرنا رؤوسنا كلانا. هناك، كانت سوميري تحدّق بنا من الأعلى. كانت تعتلي وجهها تعابير لم أرَ مثلها عليها من قبل: ابتسامة مرحة ومسترخية.
"أحسنتِ،"
قالت.