زهرة ازدهرت في مكان لم تزرها الفصل 192 — تنكر الموت

اقرأ زهرة ازدهرت في مكان لم تزرها الفصل 192 — تنكر الموت باللغة العربية على مانجا تايم.

الحرم الداخلي تحت الأرض | التاسعة وثلاث وثلاثون دقيقة صباحاً | اليوم اللانهائي سألتني نورا وهي تأخذ نفساً من سيجارتها: "كم كان عمرك، هناك؟"

أجبتها متسائلاً عن غايتها من هذا السؤال: "...أزيد بقليل على قرنين."

تأملت هذه المعلومة لحظة قبل أن تتابع ناظرةً نحو الضوء البعيد في قمة المدينة المقلوبة، وقالت: "يا له من أمر. إن كان هذا الحساب يشمل وقت نومك في الأحلام، فلا بد أنك كنت طفلاً صغيراً حين جيء بنا جميعاً إلى هنا. ورغم ذلك، لا بد أنك شعرت به، من حين لآخر."

قلت: "شعرت بما؟"

قالت وهي تنظر إلي: "يا للهول، أنا فاشلة حقاً في شرح أمور كهذه. هل أنت من نوع الأشخاص الذين يتابعون الأخبار؟"

كان السؤال غير متوقع لدرجة أربكتني لحظة.

وقلت: "لا أعرف. بين الحين والآخر، أظن ذلك."

كان الأمر أشبه بفترات من الهوس يتبعها تجنب إجباري، لكن هذا ليس موضوعنا.

قالت وهي تنفث دخانها ليتطابق لونه مع لون شعرها: "ألم تر قط قصة عن أمر خلافي أو مصمم لإثارة غضبك، لتجد نفسك تفكر في شيء لا تصدقه حقاً؟ إنه جذب غريب بعض الشيء، لكني أذكر قصة أثارها الإعلام لسنوات في بلدتي عن رجلين كانا مستأجرين في منزل عجوز، فقاما بسلبها وارتكاب شتى أنواع الأفعال المشينة لسنوات، حتى إنهما محلا بيع المكان بعد وفاتها. وتعرف، كنت إنسانية التوجه في ذلك العالم -أكثر السياسات تفاهة التي يمكن تخيلها- وكانت القصة تحمل تفاصيل أكثر بكثير لو أنك بحثت فيها حقاً. كان أحد الرجلين يعاني من مشكلات نفسية جمة ومغرقاً في الديون، وكان الآخر صغيراً جداً ويتعرض لضغوط دفعت به إلى الموقف. مثل كل شيء في الحياة، كانت الأمور معقدة بعض الشيء على الأقل."

أعادتني هذه القصة إلى ذكريات صباي -وهو أمر منطقي نظراً لقولها إنها تنحدر من إيليكيريوس، الوطن الأم لأوريسكيوس- لكني عجزت عن تحديد ما إن كانت حدثاً معاصراً نسبياً أو تاريخياً، مما جعلني أتساءل عن عمرها الحقيقي.

تابعت حديثها: "لكن، أتعلم، كلما سمعت تلك القصة، كنت أضبط نفسي متلبسة بالتفكير في أشياء لا تصدقها حقاً. كنت أقول لنفسي، كان يجب شنق هؤلاء الأوغاد وتقطيع أجسادهم، أو إن الرجال مقرفون حقاً، وإنهم جميعا هكذا في جوهرهم. أو حتى أفكار مجنونة تماماً تدعو الحكومة إلى وضع كاميرات في منازل الناس أو نفي أصحاب المشكلات النفسية إلى جزيرة. رغم أنني أعاني من مشكلات نفسية لعينَة."

والتفتت بنظراتها إلى الأسفل.

"وبالطبع، كان عقلي يتدخل دائماً بعد ثانية ليذكرني بأنني لا أصدق هذا الهراء حقاً. وأنني أتتعرض للتلاعب العاطفي فقط. لا أعرف.. أتعني ما أقوله؟"

أجبتها: "امم.. ليس تماماً. بل على العكس، أستطيع تفهم الغضب من الأخبار لأسباب سخيفة، لكني لا أستطيع القول إنني اختلقت قط تخيلات متطرفة معقدة تتعارض مع معتقداتي الشخصية حيالها."

كان هذا صحيحاً، وإن ظل مخادعاً بعض الشيء، إذ كانت لدي بلا شك تخيلات متطرفة تتفق مع معتقداتي. وعادة ما كان هذا يصورني كنوع من الديكتاتور العالمي -أحياناً بقدرات سحرية تجعل ذلك ممكناً، رغم أن السحر لم يكن شرطاً لتلك التخيلات- أمارس سلطة مطلقة لسن السياسات الصحيحة جلياً، وأكتسح كل العلل الاجتماعية لأمهد الطريق أمام عالم فاضل. (لكي أكون واضحاً، أملك من الوعي الذاتي ما يكفي لأدرك أنني لو سيطرت على العالم حقاً، لتسببت على الأرجح في مجاعة وانهيار مجتمعي خلال أسبوع).

ربما كانت التخيلات الأكثر عنفاً حول هذه الأمور أكثر شيوعاً، وكان ماضيي قد جردني فقط من القدرة على إصدار أحكام بحق الناس على أفعالهم السيئة حين لا تكون شخصية. من يدري.

تنهدت نورا من أنفها بضجر قائلة: "ربما كان هذا مثالاً سيئاً إذن. وكيف بالأمر، لا أدري، وسائل الإعلام؟ ألم يعجبك قط شيء تعرف حقاً أنه لا ينبغي أن يعجبك، ولا يتسق مع فكرة ما تفضله؟ ثم تقنع نفسك بعدم إعجابك به، أو تبالغ في تأويل الأمور لتجد سبباً يبرر إعجابك به في النهاية؟"

وأخذت نفساً آخر من سيجارتها.

"أو، لا أدري، أي شيء آخر؟ كأن ترى شيئاً لا ينبغي أن تكون شغوفاً به، أو لا ينبغي أن تصدقه، ثم.. ترغب في تصديقه، للحظة واحدة؟ إلى أن تذكر نفسك بأنك لا تؤمن به."

بدأت أستوعب الشعور الذي تتحدث عنه، لكني عجزت عن إيجاد ما أقوله. رمقتها بنظرات فاحصة.

تابعت نورا حديثها: "لدي هذا الصديق رام--"

"ران؟"

"لا."

هزت رأسها قائلة: "رام."

"أه."

"وعندما كنت نسخة جديدة، شرح لي رام الأمر بأسره -كان حرياً بي أن أبدأ بهذا، بصراحة- هكذا: حين تكون طفلاً، تظل تجرب هذه الأدوار لنفسك طوال الوقت، أليس كذلك؟ تقول في أحد الأسابيع: سأصبح طبيباً، سيشتري لك والداك معطف مختبر صغيراً ظريفاً وبعض الأدوات الأخرى، وستتجول لاصقاً سماعة طبية على صدور أصدقائك لبضع أيام. إلى أن تمل من الأمر وتنتقل إلى شيء آخر."

وأشارت بيدها والسيجارة نحوي، ليفوح العطر بحدّة نحوي، ولو للحظة عابرة.

"حين نتحدث عن هذا، كبالغين.. نسميه تمثيل أدوار. لأنه يبدو تافهاً وأسهل من أن يؤخذ بجدية. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للأطفال. فهم لا يملكون رصيداً كافياً من الهويات والتواريخ المبنية ليفرقوا بين اللهو والتوجيه الذاتي الحقيقي. في ذلك الأسبوع، يكونون جادين حقاً بشأن كون الطبيب هو الهوية التي يودون امتلاكها."

قلت مبدياً فهمي لاتجاه حديثها: "لكنك تفقد القدرة على فعل ذلك حين تكبر."

"صحيح. عليك أن تلتزم. لأنك لا تملك سوى حياة واحدة، والأهم من ذلك، جسداً واحداً. فرصة واحدة لترك انطباع."

ألقيت نظرة نحو الأرض. كنت أعرق قليلاً، وإن لم يكن ذلك ناتجاً عن قلق أو حتى رهبة. كان اضطراباً أعقد من ذلك بكثير.

"وليس الأمر مقصوراً على الوظائف بالطبع. فالأطفال الصغار يجربون شخصيات كاملة أيضاً، وغالباً ما يستمدونها مما يرونه حولهم أو في القصص. تريد أن تكون الشخص الهادئ والبارد الجالس في الزاوية، أو غريب الأطوار صاحب الخصال المسلية الكثيرة، أو العبقري القوي الذي لا يمس. تتقمص هذه الأفكار لترى ما يمكنك تحقيقه وما تعجز عنه. ومن ثم.. تجد نفسك محشوراً. يملك الناس فكرة ثابتة عن هويتك، ولا يُسمح لك بالتجريب."

تمتمت بصوت خفيض: "أساس الحضارة هو التخصص. عالم الكبار يكافئ الثبات."

قالت: "تلك إحدى الطرق للتعبير عن الأمر. لكن نعم، أظن أن هذا الجانب من الطبيعة البشرية لا يزول حقاً قط. أنا أقتبس كلامه حرفياً في هذه اللحظة، لكن الحقيقة هي أن البشر، في جوهرهم، كائنات متناقضة بطبيعتها. إن لم نجبر أنفسنا على غير ذلك، فسيسهل علينا تصديق أمرين متناقضين تماماً في الوقت ذاته. سواء فيما يتعلق بالعالم أو بأنفسنا."

وبدت كمن ملّت السيجارة مؤقتاً، إذ هوت يدها إلى جانبها.

"وكلما تقدمت في السن.. وأوغلت في التقدم.. تتراكم تلك التناقضات وتتعاظم، وتشعر وكأن التصدعات تعتري كيانك بأسره. إلى أن يتحول ذلك الصوت الذي يذكرك بمن يفترض أن تكون إلى عبء ثقيل. ترغب في معرفة شعور.. الاستسلام لبعض تلك الأصوات الصغيرة الأخرى."

قلت لها: "يبدو أنك تصفين أزمة منتصف العمر."

أطلقت نورا ضحكة ساخرة وقالت: "أظنني أفعل. أو، حسنًا، كان هو من يفعل."

ثم تنفست الصعداء برفق.

"لكن في العالم الحقيقي، عليك أن تقدم تنازلات حين يحدث ذلك، أليس كذلك؟ تحافظ على وظيفتك، وتتعامل مع جسدك البالي القديم. إضافة إلى ذلك، حسنًا، ستكسب الموت قريباً على أي حال، لذا تصل في مرحلة ما إلى تعلم كبح غضبك حتى ينتهي كل شيء."

وبدت ملامحها غارقة في التأمل.

"لكن هنا.. حسنًا، مع وفرة الوقت المطلقة أمامك، تصبح الأمور أثقل من أن تُحتمل. وأنت لست مقيداً بشيء، لا جسدياً ولا اجتماعياً. لذا ينتهي المطاف بكثير من الناس -حتى أولئك الذين لست تتوقعهم أبداً- بخوض التجربة. ومن هناك، يجر الواحد الآخر."

"كم عدد 'الكثيرين'؟"

فكرت قليلاً وقالت: "الغالبية."

أدارت رأسي نظرياً نحو الستارة الهائلة، وإلى الناس العابرين عبر تقاطع الطرق أسفلها. تنقلت عيناي هنا وهناك، منتقية بعضهم عشوائياً. رجل طاعن في السن بشكل مدهش يدخل. وشابة أخرى بأذني قطة تخرج. وامرأة تطفو في الهواء ذات شعر بنفسجي ترتدي فستاناً فاخراً وهي تدخل. وذئب عملاق يخرج. لم يشبه أي شخصين بعضهما قط.

بدأت بالقول: "إذن.. ماذا. تقصدين أن هذه المدينة الثانية برمتها -أن هذه وُجدت ليعيش الناس كأشخاص آخرين؟"

قالت وهي تومئ برأسها: "أجل. تمنحك المواطنة عقاراً في الداخل والخارج. بل سيشقون لك ممراً يربط بين الاثنين إن رغبت في ذلك -فالبنية بأكملها تشبه خلية نحل ضخمة."

"وفعل هذا يعد أمراً طبيعياً للناس في تقاطع الطرق."

أوضحت قائلة: "حين يتعلق الأمر بالتقاطع، فهو ليس المكان الوحيد. بل يمتلكون النظام ذاته في الحصن أيضاً. معظم المجالات بطريقة أو بأخرى-- على الأقل، تلك التي لا تكرس نفسها كلياً للانغماس في دور مختلق، مثل ماجيلوم. ظل الأمر على هذا النحو طالما تذكر أي شخص."

بقيت فاغراً فاهي.

قالت نورا: "إذن نعم. ربما صادفت للتو صديقك وهو يبدل شخصيته. لا يعني هذا أنه كان يمثل عرضاً أمامك أو أي شيء من هذا القبيل، أو أنها 'هويته الحقيقية' أو ما شابه. بحق الجحيم، لا يزال الناس هنا يتمسكون بالكثير من المخاوف القديمة ذاتها بشأن الظهور بهوية الجنس الخطأ-- كل ما هنالك أنهم أكثر استعداداً للعبث حين لا يكون الأمر دائمًا."

بعد لحظات أخر من الصمت، نجحت أخيراً في تفوه السؤال الببدو جلياً.

"أنا.. هل يعلم الناس؟"

رفعت حاجبها وقالت: "يعلمون ماذا؟"

"بشأن شخصيات بعضهم المختلفة. هل يُعامل الأمر.. كأن يرتدي المرء ملابس مختلفة فقط، أو.."

"أه، فهمت ما تقصد."

والتفتت مجدداً لتواجه الاتجاه ذاته الذي أواجهه.

"يعتمد الأمر على الظروف. ورغم انتشار الأمر على نطاق واسع، إلا أن الدرجة التي يأخذ بها الناس هذه الأمور بجدية تتباين كثيراً. بعضهم يتعامل مع المسألة برمتها باستخفاف شديد، ولا يكترثون حتى بما يكفي لحفظ الأسرار. وآخرون صادقون بطبعهم لدرجة تمنعهم من إخفاء الأمر."

وتوقفت برهة.

"..لكن في أغلب الأحيان، لا يفعلون."

"لم لا؟"

بدت مستاءة بعض الشيء من حدة نبرتي المتصاعدة، فرمقتني بنظرة غريبة.

"حسنًا، سيفقد الأمر غايته هكذا، أليس كذلك؟"

وأشارت بيديها.

"يجب أن يكون قطعاً تاماً مع شخصيتك الأخرى، وإلا فلن يكون هناك.."

وطقطقت أصابع يدها الحرة بضع مرات، محاولة استحضار الكلمة المناسبة.

"..إخلاص. راحة."

"إذن يشارك معظم الناس في المجتمع بهويتين منفصلتين تماماً."

"نعم، إلى حد ما."

توقفت برهة.

"أحياناً أكثر من اثنتين."

التزمت الصمت، وبدوت مرعوباً على الأرجح.

قلت: "لا أعرف حتى ماذا أقول."

ضحكت بتهكم قائلة: "يبدو الأمر جنونياً بعض الشيء حين تسمع عنه للمرة الأولى، أليس كذلك؟ لقد استغرق مني الأمر وقتاً طواًل لقبوله في البداية. حقيقة أن الكثير من الأشخاص الذين كنت أقضي وقتي معهم يمكن أن يكونوا مجرد.."

وتوقف كلامها، وبدت عاجزة مجدداً عن إيجاد الكلمات الدقيقة.

"أظن أن هناك طريقتين للتعامل مع الأمر. إما أن تتظاهر بعدم حدوثه -تتعامل مع الشخصيات المختلفة للناس وكأنهم أشخاص مغايرون، وتتجاهل التفكير في الأمر برمته- أو تحاول تحويل طريقة تعاطيك مع علاقاتك بالآخرين نحو التجريد. أن تستوعب أنهم يظلون هم أنفسهم، حتى لو وجدت أجزاء منهم ليست كذلك."

والتفتت ناظرة إلي.

"لكن بصراحة؟ ينتهي بي المطاف دائماً بفعل الخيار الأول. هذا الهراء يصيبني بالصداع. لا داعي للقلق المبالغ فيه طالما أن الأمر يسير."

كنت أكاد أعي ما تقوله في هذه اللحظة.

وسألتها: "هل تفعلين هذا؟"

فوجئت بالسؤال لفترة قصيرة، ثم ضيقت عينيها قليلاً نحوي.

"حسنًا.. نعم. لم أكن لأظن أنني سأفعل ذلك قط، لكن كما قلت. بعد انقضاء وقت كافٍ، يتسلل الأمر إليك. تجرب شيئاً يسيراً، وما ترده إلا وتجد نفسك..."

تلاشت كلماتها، وكأن بقيتها كانت بديهية. وشعرت بوجهي يفقد لونه.

قلت فجأة: "أنا آسف.. أظن أن علي الذهاب."

𒀭

اقتربتُ من قمة جبل جميل، يشرف على مشهد ريفي خلاب من جهة وعلى حافة العالم من جهة أخرى، وتقيأتُ بغزارة في الثلج. أسفر اندفاعي المتكرر، وأنا أفقد ما أرجح أنه شطيرة نُورا ووجبات خفيفه الصباحية، عن بركة متسعة أذابت الصقيع المحيط. حاولت عبثاً تثبيت رأسي بما يكفي لتتبع النقوش ومحو آثار ما فعلتُ. هربتُ إلى هنا، إلى ما ظننته أقصى جزء من الوادي عزلة، آملًا أن تساعدني الوحدة وتحيطني الطبيعة لتهدئتي.

لم تفعل. شعرتُ كفأر عالق في مصيدة غراء. شلّ العقل المنطقي حركتي بينما أحكم رد فعل الاشمئزاز وغريزة الهروب القبض على المقود، وتركوني عاجزاً حتى عن استيعاب سبب تفاعلي بهذه الطريقة منذ البداية. يا للهول. يا للهول. يا للهول. عند التفكير في الأمر بأثر رجعي، كان ينبغي لي أنا بالذات أن أتوقع شيئاً كهذا. كنتُ أعرف حق المعرفة أن الناس يحبون العبث بهوياتهم على المستوى الجسدي في دلمون، وكانت هناك مؤشرات كثيرة على أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد.

وخارج سياق دلمون - تباً، حتى بغض النظر عن أي جانب شخصي - امتلكت أدلة وفيرة، حكايات وعلمية، تفيد بأن البشر يفعلون هذا النوع من الأشياء متى سنحت لهم الفرصة. قبل أيام قليلة فقط، عندما حدثتني بطلميا عن ماجيلوم، كنت أفكر في كل الطرق المختلفة التي يقدم بها الناس أنفسهم على بحر المنطق، وكيف تذكرني النطاقات هنا بذلك بغيابها التام للعواقب الشخصية. والأكثر من ذلك، فكرت على نطاق واسع في فكرة صياغة الشخصيات طوال الوقت.

كيف يصنع الناس نسخاً مختلفة من أنفسهم لمجموعات اجتماعية مختلفة، وهو أمر يعادل هذا ببساطة، لكن كما قالت نُورا، مقيداً بقيود اجتماعية وجسدية. تبا، لقد قلت تلك العبارة الغبية عن عدم معرفة شخص آخر قط لنفسي عمليا كل يوم! ومع ذلك، ومع ذلك! بدا لي هذا الكشف مقدساً. فكرة أن كل شخص هنا، وكل البشر الذين رأيتهم، لا يفكرون في كل هذا فحسب، ويفعلونه، بل يتعاملون معه بمثل هذه العفوية.

وأن الجميع مشاركون في الأمر. مشاركون في ماذا؟ نجح وعيي الذاتي في حشر هذه الفكرة.

لم أكن أعرف، على وجه الدقة، لكن "الأمر"

بدا ملوثاً يقيناً، فظاً بطريقة لم أعتد الشعور بها، كأن يدي عالقة في عش نمل ولا تستطيع الخروج. لقد تجاوز خطاً لم يجاوزه أي شيء غريب آخر في دلمون، فكرة عميقة الجذور حول الكيفية المفترضة لعمل العالم. أو، لا، ليس هذا. بل بدا الأمر وكأن شيئاً شخصياً للغاية، شيئاً كان مفترضاً أن يبقى محصوراً في داخلي، قد انفتح فجأة، وبات يسكب عصاراته حوله بتهور. ظللت أفكر مراراً وتكراراً في تلك الفتاة التي رأيتها في شقة بارديا.

بعقلانية، كنت أعرف؛ لم يكن هناك، عند اللحظة الحاسمة، إنسان حي لا يشعر بفضول على الأقل حيال فكرة أن يكون من الجنس الآخر. لم يكن ذلك يعني بالضرورة شيئاً عميقاً يتناقض بعمق مع فهمي الحالي عنه؛

فبعد وقت طويل لا يمكن سبر أغواره، سيغرى حتى شخص متشدد، كما سمتها هي، "بالتجربة".

كانت نُورا على حق تماماً؛ وغالباً كنت أضخم الأمر أكثر بكثير مما كان عليه حقاً. لكن. لو التقيت ببارديا على تلك الهيئة، وتلك الصورة... ودون معرفة السياق، فماذا كنت لأظن؟ لما اعتبرت أي شيء غريبًا. لتلك كانت فكرتي عن ذلك الشخص. وكان الأمر كذلك لكل شخص هنا. يمكن أن يكون الجميع ببساطة، حسنًا— يمثلون! لم تكن الكلمة المناسبة، لكنها الوحيدة التي حضرتني. يمثلون. والجميع تقبل الأمر ببساطة!

وشجعوه! كيف يمكن لشيء سخيف إلى هذا الحد أن يصبح مجرد فعل، بل مؤسسة ثقافية؟ لا بد من قواعد! إن لم تعن الموهبة والتاريخ والمجتمع شيئاً، فعليك على الأقل أن تكون قادراً على إيجاد الاستقرار في الآخرين! حين ترى شخصاً ما، وتتحدث إليه، يجب أن يعني ذلك شيئاً! لا بد من الإخلاص، من شيء ملموس في القاعدة الشعبية لما يتوقعه الناس من بعضهم البعض. لابد أن يكون هناك! هذا العالم-- لقد كان منحرفاً.

بشعاً! أطلق مساني طنيناً بينما واصلت التقيؤ الجاف، منحنياً الآن ضد الصخور محاولاً تخفيف شعوري بالإغماء. مددت يدي بضعف نحوه، ملقياً نظرة على السطح العاكس. ألما: مرحبًا سو، آسفة بشأن ذلك ألما: كان علي الاهتمام ببعض الدراما السخية، وخرج الأمر عن السيطرة قليلا ألما: لقد انتهيت الآن لذا يمكنني القدوم لاصطحابك متى شئت إن لم تكن قد عدت بالفعل ألما: هل أنت هناك عبستُ. بطلميا.

لمَ لم تخبرني بهذا عاجلاً؟ الإجابة البديهية هي أنها ظנות الأمر مفرطاً، لكني كنت أهيم في أرجاء مكانها منذ ما يقرب من أسبوع. كانت هناك وفرة من الوقت لمحادثات بطيئة ومتأنية. تحول عقلي إلى وضعية المتآمرين. ماذا لو كان لها دافع مختلف؟

أخبرتني أن اسمها "ألما"

هنا بسبب إشارة تاريخية، لكن قد يكون ذلك مجرد كذب بكل سهولة. من المحتمل أن تكون لها هويتها المنفصلة تماماً أيضاً. كانت تختفي لساعات كل يوم. ماذا لو كانت تمتلك نفساً أخرى، وكانت شخصية مختلفة تماماً عن بطلميا التي أعرفها؟ وأنها قلقة بشأن تأثير ذلك على انطباعي عنها؟ ماذا لو لم تعد حتى بطلميا بعد الآن؟ ماذا لو كانت كل تفاعلاتنا نوعاً غريباً من تقمص الأدوار؟ لا شيء مقدساً هنا.

لا شيء! حشرت الجهاز مجدداً في جيبي. لم أستطيع حتى النظر إليه في هذه اللحظة، ناهيك عن التحدث إليها. الحديث مع أي شخص. ظل الأمر يضربني مراراً وتكراراً-- كيف يمكنني العيش في هذا العالم، الآن؟ على الرغم من شعوري بأنه يمكنني الاستفراغ مجدداً في أي لحظة، اتخذت قراراً أحمقاً نوعاً ما بشكل عفوي. طفوت عائداً إلى الفراغ، محلقاً لعدة دقائق حتى أصبحت على مسافة معتبرة من أي بناء - أبعد، كما أدركت، مما ذهبت إليه في الواقع من قبل.

بدا الوادي والمدينة مجرد بقع غائمة في الأفق؛ ولو واصلت المسير لفترة أطول، لكنت فقدت طريقي، بافتراض أن ذلك ممكن أصلاً. لم أكن أفكر في ذلك، مع ذلك.

قلت: "أحتاج إلى مساعدة"، وهي عبارة ربما كانت أصدق في هذه اللحظة من أي نقطة مضت.

وكما هو متوقع، ظهرت المرأة ذات عيون النجم النيوتروني أمامي خلال لحظة، وبدت منزعجة فوراً.

"تباً، أنت مجدداً."

"لقد وجدت--"

تعثر صوتي حين أدركت أن بعض المخاط ما زال في حلقي. ارتعشت قليلاً، وابتلعت ريقي.

"لقد وجدت شيئاً يكسر القاعدة التي شرحتها."

رفعت حاجبها.

"هاه؟"

رددت: "'لا يمكن المساس بهوية أحد بطريقة تتجاوز العوالم'."

قلتِ إن هذا المبدأ قائم حتى الآن، ولهذا السبب لا يمكنك إنشاء درجة ثالثة من نسخة لنفسك. أليس كذلك؟

تحدثت بنبرة تهديد، رغم أن نبرتها لم تنجح فعلياً في أن تكون مهددة بشكل خاص: "آمل بصدق ألا تكون قد استدعيتني إلى هنا لمجرد جعلي أكرر شيئاً قلته بالفعل."

أردفت: "يجب أن أكون منزعجة للغاية!"

فجأة، بدا تعبير وجهها وكأنه يتغير قليلاً، واستنشقت الهواء.

"يا للهول، ما هذه الرائحة؟"

أوضحت: "استدعيتك إلى هنا لأنك تعاملتِ مع الأمر كأنه نوع من المسلمات المطلقة"، ثم أشرت نحو كتل اليابسة البعيدة في الأفق.

"لكن هناك، يتجاهل الناس تلك القاعدة علانية."

"أنت تنتن كالموت!"

ضغطت على أنفها، مهوية الهواء أمامها.

"ماذا كنت تفعل، تزحف عبر مجرور؟ في الواقع، لا تجب."

"الناس 'يمسون بهوياتهم عابرين العوالم' باستمرار. يستخدمون القوة لتغيير مظهرهم على نطاق واسع. كيف لا يقع هذا مخالفاً للقاعدة؟"

حدقت بتمعن.

"عَمَّ تتحدث حتى؟"

خرج صوتها خيشومياً، ليصبح أكثر شبهاً بكامروسيبا أثناء ذلك.

أكدت مجدداً، وقد اكتسب صوتي نبرة ولي أمر شديد التضجر منزعج من أحدث هلع أخلاقي: "الناس يغيرون هوياتهم! ليصبحوا أشخاصاً مختلفين!"

"لا يفعلون ذلك."

"بل يفعلون!"

أشرتُ.

"لديهم جهاز كامل لذلك في وسط المدينة!"

سألت، وقد هبطت اليد الملوحة إلى جانبها في استنكار مصطنع: "أنت تتحدث عن عادة الناس في تغير الشكل؟ هذا ما يدور حوله الأمر؟"

قلت: "أنا أتحدث عن عادة الناس في تبديل ذواتهم بالكامل. وتقمص أدوار مختلفة تماماً."

ظللت المرأة تحدق بي لعدة دقائق كأنني راكون مبلل وجدته في شرفتها، تعبير راوح بين الشفاعة المتعالية والازدراء الصريح. أخيراً، أطلقت تنهيدة درامية، وسقطت ذراعاها إلى جانبيها.

أمرت بسرعة: "التقِ بي مجدداً في نطاقك".

وأردفت: "ولأجل السماء، أعد ضبط جسمك في طريقك. رائحة قيئك ليست ذكرى طورت أي حنين إليها."

إثر ذلك، اختفت بغتة. عبست، وشعرت مجدداً بالانزعاج من مدى وقاحتها، لكنني أذعنت. ومضت ملابسي وشعري عائدين إلى وضعهما الطبيعي، واختفى طعم الحمض الخفيف من فمي. بعد لحظة من التركيز، اختفت معالم التقاطع البعيدة، ليحل محلها البناء الصغير المتواضع نصف المكتمل وبركة الماء التي أنشأتها لنفسي في اليوم السابق. كان صانع المسرحيات في انتظاري هناك، مستشيطاً غضباً بالفعل وينقر بقدمه.

اقتربت من اللوح الذي تركته متضمناً القواعد في زيارتي الأخيرة واستدعت عصا إشارة إلى يدها، متقمصة هيبة معلمة مدرسة.

قالت بنبرة شخص ليس لديه أي ارتباطات مسبقة: "لدي ارتباطات سابقة ملحة مرة أخرى، لذا سيتعين علينا إنجاز هذا بسرعة".

وأضافت: "لنشرع فوراً ونتحدث عن المصطلحات."

نقرت بالعصا على الحجر. سُمع صوت احتكاك، وتساقطت قطع الحصى على الأرض بينما تشكلت كلمات جديدة في أسفل اللوح، أسفل القاعدة الأخيرة التي كنا نناقشها قبل لحظات قليلة.

10.أ) تُعرّف 'الهوية' بأنها وعي مستمر، وغير متغيّر، وفريد ينتمي إلى جسد محدد قالت وهي تنظر إليّ بصرامة: "رغم أن هذا قد يمثل إزعاجاً كبيراً لي، نظراً لتكليفي بمجالستك وأنت تتعثر في طريقك عائداً إلى أي أثر لفهم الموقف، فهناك سوء فهم أحتاج إلى توضيحه على الفور."

واستطردت: "قبل لحظة، استخدمت مصطلح 'دور' بالتبادل مع مصطلح 'الذات'. وهذا--"

ولوحت بالعصا من جانب إلى آخر، مما أدى إلى اصطدامها بحق بالدار: "--ممنوع منعاً باتاً. مربك للغاية للجمهور."

قلت، بينما بدأ شعور ديجا ڤو يتسرب إليّ من محادثتنا الأخيرة: "لم أكن أعرف أنه يمكنك ببساطة... اختلاق قواعد جديدة. وأي جمهور؟"

"أتحدث من الناحية المفاهيمية. وهو توضيح، وليس قاعدة جديدة."

تنحنحت بشكل مقصود، ثم واعتبت قائلة: "الآن، المشكلة هي أن كلا المفهومين مركزيان إلى حد ما في سرد الإنتاج. طوال الوقت، كان الناس يسقطون كلمة 'دور' يميناً ويساراً. وفي حين أنها ليست جزءاً صارماً من القواعد - أو ربما يمكنك حتى القول إنه تم حذفها عمداً لسبب ما - إلا أن لها معنى صارماً ينبغي عدم تشويهه."

ضيقت عينيها.

"لذا دعني أتهجاها لك. سأبحر ببطء، حتى لا تكون هناك فرصة لسوء فهم،"

أشارت بالعصا نحو جبهتي. نظرت إلى الطرف لسبب ما، ربما وأنا أحول عيني قليلاً.

قالت وهي توخزني: "كما يحدد الملحق الخاص بالقاعدة، تشير كلمة 'هوية'، في هذا السياق، إلى هوية الذات إلى حد كبير. وعيك الذاتي، والوسيط المادي الذي يستضيفه. طريقة اختيارك للسلوك هي مفهوم أكثر سيولة لا علاقة له في نهاية المطاف-- الأمر كله يتعلق بما وراء جبهتك الضخمة."

احتجت: "ليس لدي جبهة ضخمة."

"عندما يتعلق الأمر بالجسد، كل ما يهم لغرض القاعدة هو ألا ينكسر الارتباط بين الاثنين نهائياً."

وخزتني مرة أخرى، هذه المرة في جانب رقبتي.

"ما وراء ذلك، أي شيء آخر ليس سوى تغير في السلوك المفترض. في الدور. اسمح لي بالتوضيح."

أحضرت بيديها الحرتين ثلاث صفحات كبيرة من الرق السميك. الأولى - في المقدمة - تحمل علامة الشكل 1، وتصور رجلاً بالغاً يقوم بما يبدو وكأنه وجه ':3'، رافعاً يديه كالمخالب.

"السيناريو الأول! لدينا رجل يتظاهر بأنه قط."

ضيقت عينيها.

"من الواضح أن هذا لا يشكل مساساً بالهوية. يمكن لأي أحمق فعل ذلك."

ألقت بالورقة جانباً، كاشفة عن أخرى تحمل علامة الشكل 2، وتصور رجلاً يرتدي زي قط برتقالي معقد متخذاً الوضعية نفسها.

"السيناريو الثاني! رجل متنكر في زي قط. مرة أخرى، لا يشكل هذا مساساً بالهوية."

وجدت نفسي أهز رأسي موافقاً. كانت صدمة الدقائق القليلة الماضية فاحشة تماماً، لكني كنت لا أزال مشحوناً جداً بما حدث لدرجة أن كل ما شعرت به كان إلحاحاً ساخطاً. ألقت الورقة جانباً مرة أخرى، كاشفة عن ثالثة، تحمل بوضوح علامة الشكل 3. هذه المرة، كانت أكثر تعقيداً بعض الشيء، وتصور رجلاً جالساً على الأرض بتعبير متوحش. وما يبدو وكأن بندولاً يتأرجح مصور فوق رأسه.

"السيناريو الثالث! تعرض رجل لغسيل دماغ يجعله يعتقد أنه قط. وفي حين أن هذا يشكل مساساً بالهوية، إلا أنه ليس عابر للعوالم بطبيعته. وبالتالي، فهو لا يقع مخالفاً للقاعدة."

سقطت الورقة، والشكل 4. الرجل نفسه بتعبير متوحش، لكن هذه المرة الصورة فوق رأسه تصور مخاً بأذني قط.

"السيناريو الرابع! تم استبدال وعي رجل - أو دمجه، من يبالي - بوعي قط. وأخيراً، هذا مساس واضح وصريح للهوية عابر للعوالم."

الشكل 5، الأكثر تعقيداً حتى الآن، ويصور مخ رجل يتم رفعه من جمجمته ووضعه في قط برتقالي.

"السيناريو الخامس! يُزال وعي رجل ويوضع في قط. ونظراً لتقويض علاقة العقل بالجسد، فهذا يشكل مرة أخرى مساساً بالهوية عابر للعوالم."

تذبذب وجهه، وأصبح تعبيره موجزاً أكثر تأملاً.

"أتخيل لو أن شخصاً فعل ذلك حقاً؟ ألم يكن ذلك مقززاً؟"

هز كتفيه. الشكل 6. يشبه السابق، باستثناء أنه هذه المرة يتضمن ثلاث صور مرتبطة بأسهم. الأولى تظهر رجلاً عادياً، والثانية سحابة دخان، والثالثة قطاً برتقالياً كبيراً.

"وقبل الأخيرة، السيناريو السادس! تحول رجل إلى قط. وبسبب بقاء علاقة العقل بالجسد سليمة، رغم أن الحدث عابر للعوالم، فهذا لا يشكل--"

قاطعتها: "مهلاً. لماذا لا يُحسب ذلك؟"

بدت صانعة المسرحيات منزعجة من مقاطعتي لشرحها.

"قلت للتو. علاقة العقل بالجسد لم تقوض."

أخبرتها: "لكن النتيجة وظيفية واحدة".

"ينتهي الأمر باستبدال الجسد بأكمله."

سخرت كأنها مذهولة من جهلي.

"نعم، لكن تخيل إلى أين يمكن أن يأخذنا هذا النوع من التفكير. أين ستضع الخط؟ أهل سيعتبر مساساً عابر للعوالم لو حولت إصبعاً واحداً؟ رجلاً، ذراعاً؟"

نقرت بلسانها، هزت رأسها.

"لا يمكنك رسم خطوط في هذا النوع من الأمور. من الواضح أنك لم تسمع بسفينة ثيسيوس."

استوى تعبير وجهي. تم كشف الورقة الأخيرة. الشكل 7. مرة أخرى، صور الرجل بجانب القط البرتقالي مع سهم يؤدي من الأول إلى الثاني، لكن هذه المرة كان هناك رسم يصور مخاً مع رمز 'x2'.

"وأخيراً، لنعود إلى ما ناقشناه بالفعل في الأيام السابقة وأدى إلى هذا السوء الفهم السخيف، السيناريو السابع والأخير! يُنسخ عقل رجل إلى قط، مما يخلق فعلياً الشخص نفسه في جسدين مختلفين. نسخ لذات الفرد! وكما شرحنا سابقاً، يشكل هذا مساساً بالهوية عابر للعوالم، لأن الوعي يتوقف عن كون هويته 'فريدة'-- بغض النظر عما إذا كان 'القط' في هذا السيناريو شخصاً موجوداً تتم الكتابة فوقه، أو مجرد وعاء فارغ."

علقّت: "ظننت أن تلك القاعدة تتعلق بنسخ الجسد بأكمله."

"ليس العقل فقط."

وبّختني: "بالطبع لا. مرة أخرى، لا يهم الجسد إلا فيما يتعلق بعلاقته بالعقل. وإلا فهو مجرد قطعة لحم."

"كيف تُعرّف كلمة 'فريدة' أساساً؟"

للحظة، بدت غارقة في الإحباط المسرحي، وبدت وكأنها على وشك إفلات نوع من الإهانة. لكنها توفقت بعد ذلك، واستعادت هدوءها، وتحدثت ببطء.

"دعني أضع الأمر بهذه الطريقة. في ظل هذه القواعد، داخل مزار أبسو، لا يمكن أن ينشأ أي عقل يحتوي على معلومات معرفية موجودة بحالة مطابقة في عقل آخر، سواء في الحاضر أو في أي نقطة في الماضي."

رفعت حاجبها.

"أفهِمت؟"

"أنا... أظن ذلك."

تنهدت.

"على أي حال، ومع قول كل ذلك، يمكننا الآن تحديد 'دور'،"

واستطردت، رامية الورقة الأخيرة جانباً ومتبعة العصا نحو الأعلى.

"لو كنت تولي أدنى اهتمام، لكان يجب أن تعرف هذا بالفعل، لكن الدور ليس ما أنت عليه - 'هويتك' - بل ما تفعله. إنه القناع الذي ترتديه، والدور الذي تختار لعبه، والمعنى الذي تبنيه لنفسك. وأيضاً كل تلك الأشياء كما يخصصها لك العالم. هذا هو الموضوع بأكمله."

نقرت بمعصمها، موجهة العصا نحوي مجدداً.

"إذن لا، أنت مخطئ تماماً. القاعدة 10 لا تُخرق بالأمور التي تشير إلى انغماس الناس فيها."

عبست.

"إذن في المزار، ألم يكن كل ذلك مجرد عمل شخص واحد يغير شكله ويتقمص هويات مختلفة طوال الوقت؟ أهذا ما تقوله؟"

"بالطبع لا. سيخرق ذلك القاعدة 3. لم يكن شيئاً موجوداً في العالم المتبقي، وبالتأكيد لا يمكن لأحد أن يستل قدرة تغيير الشكل من مؤخرته خلال ثلاثة أيام."

نقرت بلسانها، ضاربة بإصبعها.

"لا أصدق أنني تورطت بهذا. أنت لا تأخذ هذا على محمل الجد إطلاقاً."

تذمرت، دون حتى أن أدرك بوعي كلماتي وهي تغادر فمي: "كيف يمكنني أن أخذ أي شيء على محمل الجد، إن كان يمكن مط تلك القواعد ببساطة لتعني أي شيء؟ إن كان بوسع الناس استخدام القوة للتخلص من حقيقتهم على حين غرة؟ يبدو الأمر كله بلا معنى."

"لماذا تتحدث بهذه النبرة الغريبة حيال هذا-- أووه."

ترنحت.

"لا يتعلق هذا حتى باللغز، أليس كذلك؟ لقد استدعيتني إلى هنا فقط لألعب دوراً في أزمة شخصية تمر بها."

حدقت بها، ومحياي محمر.

أعلنت فوراً: "لا أستطيع التعامل مع هذا الآن. أنا راحلة".

وأردفت: "سأمنحك نصيحة واحدة-- إن كنت تريد الوصول إلى أي مكان بهذا، فعليك التخلص من هواجسك الشخصية بسرعة."

هزت رأسها.

"يا للهول."

ثم اختفت. عصرت معدتي في عقدة طائشة لا تقر. ماذا كنت فاعلاً؟ شيئاً أغبى، بالطبع.