منذ زمن بعيد
أطلق الصيف زفرته الأخيرة. أقبل المساء سريعاً. كان المصباح العظيم قد بدأ ينحدر دون الأفق الشمالي مع أنه لم يتجاوز السادسة إلا قليلاً. اغتسلت المدينة بنور أحمر ذهبيّ انعكس على المحيط البعيد.
جلست وحدي في محطة ترام طريق الحبر، التي بدأت تهدأ قليلاً بعد زحمة المساء، لكنها ظلت مكتظة إلى حد بعيد. جلس حولنا خليط من رجال ونساء الأعمال العائدين إلى منازلهم، وأناس بدلوا ملابسهم إلى أخرى مريحة ويتطلعون للتوجه إلى وسط المدينة، يقرؤون الصحف والكتب أو يتصلون بمحركاتهم المنطقية ويحدقون في الفراغ. تذمر بعض طلاب المرحلة الثانوية بصخب إلى يساري. واصل العالم تقدّمه بغض النظر عمّ حدث لي.
صعد ترام من أسفل التل وتوقف ببطء في المحطة. نهض عدة أشخاص من مقاعدهم وخطو نحو الأبواب، بينما خرج آخرون بدورهم؛ غالبيتهم العظمى من العمال والطلاب نظراً لكون هذه المنطقة سكنية في الغالب.
كدت أيأس حين خرجت ران مرتدية رداءً يوميّاً باهت الألوان، وعلقت حقيبتها المدرسية على كتفها. لمحتني فوراً. لم استطع تبين وجهها من خلف النقاش عن بعد، لكن هيئتها بدت منكسرة ومجهدة.
ربما لم يكن ذلك شيئاً مقارنة بي. تحسنت الأمور بلا شك عما كانت عليه قبل أسبوعين، لكنني ربما ما زلت أبدو أسوأ حالاً منذ... حسناً، بدايتي كانت سيئة، هذا هو المغزى. كنت أتمنى لو أن أحداً ممن يجلسون بالقرب مني لم يكلف نفسه عناء تفحص رقبتي عن قرب، أو أي شيء فوقها.
اقتربت ران من المقعد الذي كنت أجلس عليه.
قالت: "مرحباً".
أجبتها: "مرحباً".
تابعت قائلة: "آسفة لتأخري. علقت في محاضرة الفيزياء عابرة الأبعاد. امتد الدرس عشرين دقيقة أكثر مما ينبغي".
قلت لها برفق: "لا بأس. هل كانت ممتعة على الأقل؟"
قالت: "ليس إلى هذا الحد. تركزت في الغالب على التناظر المرآوي، رغم أننا لم نتجاوز أساسيات المفهوم اليوم".
رفعت يداً إلى وجهها وتثاءبت.
"ربما فهمت نصفها".
سألتها: "أيّ نصف؟ الفئة الأولى أم الثانية؟"
طرفَت عيناها ورفعت حاجبها.
"ماذا؟"
قلت بخيبة أمل: "أوه. آسف، ظننتك تطلقين مزحة".
توقفت برهة.
"تعلمين، لأن الفرضية تقوم على وجود مشعبين نظريين ذوي خصائص هندسية مختلفة وهما مجديان بالقدر نفسه على المستوى الرياضي. لذا إن كنت لم تفهمي سوى نصفها..."
قالت ران ببرود وهي تدعك عينيها: "نعم يا سو. لقد فهمت. لكن لا. كنت أقول فقط إنني لم أفهم المحاضرة حقاً".
كررت: "آسف".
صمتنا لبرهة بينما كانت لا تزال واقفة فوقي. أغلقت أبواب الترام آليّاً وبدأ ينزلق ببطء على السكة.
منذ وقوع ذلك الحدث، طغى هذا النوع من الحديث العابر على معظم محادثاتنا. لم أعر شعوراً بوجود الكثير مما يمكنني قوله، وربما شاركتني المشاعر نفسها. من الصعب وضع الشعور الذي يراودني في كلمات. شيء يشبه الهدوء الذي يعقب الهزيمة. شيء يشبه الجنازة. شيء يشبه حقولاً خاوية...
مهما حدث ومهما جرى في قصة أي شخص، استمر العالم في المضي قدماً.
قالت وهي تضع يديها في جيبها وتلتفت حولها: "همم. يبدو اليوم مزدحماً هنا، أليس كذلك".
أشرت قائلاً: "حسناً، إنه يوم الجمعة. الكثير من الناس يتوجهون إلى وسط المدينة".
تمتمت وهي تهز كتفيها قليلاً: "كنت تظن أن الناس سيكونون أكثر حذراً بعد انفجار القنبلة الأسبوع الماضي".
هززت كتفي.
"إنها مدينة كبيرة جداً. موت أربعة أشخاص من أصل خمسة ملايين ونصف ربما لا يترك أثراً كبيراً في نفوس الناس، خصوصاً عندما يقارنون الأمور بما كانت عليه قبل بضع سنوات".
نظرت في الطريق.
"أعني، لا بد أن الأمر أسوأ بكثير مقارنة بعدد الأشخاص الذين يُقتلون في حوادث المرور".
حدقت أمها بتعب.
"كان يجب أن أتوقع منك أن تقول شيئاً غريباً ونفعياً هكذا".
"علاوة على ذلك، فإن الأعلام الرمادية لا تستهدف سوى، كما تعلمين."
لويت شفتي قليلاً محاولاً إيجاد الصياغة المناسبة.
"الشخصيات السياسية".
تنهدت.
"كان حريّاً بهم الاكتفاء بقتل رجال الشرطة. على الأقل، كان بإمكانك الاعتماد عليهم ليكونوا أغبياء عادةً".
كان من الصعب معرفة مدى سخريتها. توقفت للحظة ثم نظرت إليّ.
"هل تريد أن نأخذ نزهة؟"
عبست.
"ظننت أنك تريدين المجيء لأخذ ملابسك".
قالت: "أريد ذلك. لكن ليس الآن".
لم يكن لدي أي سبب للرفض، وبدا لي أنه قد يكون فكرة جيدة لتصفية ذهني قليلاً قبل العودة إلى المنزل. كانت هذه هي المرة الثانية فقط التي سمح لي فيها والداي بمغادرة المنزل وحدي منذ مغادرتي المستشفى، وبدا الأمر جيداً إلى حد ما لمجرد تحريك جسدي في الهواء الطلق مرة أخرى. حتى وإن بدا مزعجاً بعض الشيء للاستقرار المتهالك الذي وجدته.
غادرنا محطة الترام، وخطونا خارج الرصيف متوجهين شمالاً لنجد طريقنا إلى ضفاف أحد الأنهار الرافدة الصغيرة الكثيرة لكاثارسي التي تدفق عبر المنطقة. لم يكن عرضه سوى اثني عشر متراً، محاذياً لمنطقة التسوق وتحفه المنحدرات العشبية من الجانبين. مشينا صعوداً عكس التيار، وسط خرير مياه النهر في الخلفية.
بدأت ران تسأل: "إذن. كيف تشعر؟"
صمتّ برهة قبل أن أجيب.
أردفت أفرك ضماداتي: "أظنّ أن الأمر كان يمكن أن يكون أسوأ. أنام جيداً مجدداً. ولم يعد يؤلمني حقاً، إلا إذا لويت عنقي أو ابتلعت طعاماً كثيراً دفعة واحدة".
"وساقك؟"
نظرت إلى الأسفل.
"ما زلت تعرج قليلاً".
نظرت إلى الأسفل.
"أعظمه وهم نفسي على ما أظن. أخذوني لموعدي الثاني مع الساحر الحيوي العظمي الأسبوع الماضي، لذا يفترض أن يكون قد صُلح تماماً. أشعر وكأنه... غير ثابته فحسب، بطريقة ما. متيبس".
حركتها قليلاً وأنا أخطو خطوتي التالية.
"عَرَضَ المساعدة في عنقي أيضاً، لكنه يلتئم بشكل جيد. لم أرد العبث بنظافتي الخلوية".
قطبت حاجبيها.
"هذا الهراء شبه علم يا سو. لا يروجون له إلا ليمنعوا الأطباء العاديين من الإفلاس".
حككت مؤخرة رأسي.
"لا أريد ارتكاب أي حماقة بصحتي طويلة الأمد. بما أن... حسناً، أنت تعلمين".
أطلقت سخرية خافتة، وهاجت رأسها قليلاً.
كانت محقة في الضحك. كان الأمر متناقضاً مع الذات بفظاعة، بالنظر إلى الظروف.
أضافت: "على أي حال، لم أكن أعني، هكذا. جسدياً".
قلت: "أوه".
وقضبت بهدوء.
"...لا أعرف حقاً، بصراحة. كنت أحاول فقط ألا أفكر في أي شيء، منذ أن سمحوا لي بالعودة إلى المنزل".
أعادت وهي ترفع حاجبها: "ألا تفكر في أي شيء؟"
أوضحت: "أعني، أنا أفكر في الأشياء بوضوح. فقط-- حسناً، ليس في أي أمر جاد. كنت أمدد في السرير غالباً وأحاول التركيز على أحلام اليقظة. عوالم خيالية، وتلك الأشياء".
سألت بعرض حال: "أي نوع من العوالم الخيالية".
فكرت في الأمر لثوانٍ معدودات.
شرحت: "حيث أكون مثل قزم، غالباً. حيث أعيش بسلام بمفردي في غابة مع مجموعة حيوانات، ولا أضطر للقلق بشأن أي شيء. أزرع المحاصيل، وأبني منزلاً أعلى الأشجار. أمور كهذه".
قالت بنبرة نقدية: "يبدو ذلك مُملاً حقاً. أنت لا تحب الحيوانات أصلاً".
احتججت وأنا أنظر إليها: "أنا أحب الحيوانات! أعني، طالما أنها، كما تعلمين. حسنة الأدب".
أضافت: "لا يبدو الأمر سليماً أيضاً".
أومأت برأسي ناظراً إلى الأرض.
"على الأرجح أنه ليس كذلك. لكني لا أعرف حقاً ما يجب أن أفعله غير ذلك. أعني... حتى لو أزعجت الجميع ووعدت بأنني لن أُحاول مجدداً مراراً وتكراراً، فالأمور لم تتغير حقاً".
نظرت إليها لبرهة بتردد.
"آه، عذراً. لا أقصد القسوة".
تحدثت وهي تُمَعن النظر للأمام: "لا باس".
"أعني، أعلم أنكِ كنت منزعجة. وقد قدرت حقاً وجودك، وكل شيء--"
قالت: "لا تحتاج إلى إقامة استعراض كبير لتبرر لنفسك يا سو. أنا أدرك ذلك".
هززت رأسي.
تابعت بعد برهة وأنا أولي بصري نحو التلال: "لم تكن وحدك. كان الجميع منزعجين للغاية. عندما-- عندما جاءت والدتها إلى المستشفى لأول مرة، ركضت وأمسكت بي لمدّة... لا أعرف حتى، بدا الأمر وكأنها ربع ساعة. ظلت تقول إنها آسفة مراراً وتكراراً".
ابتلعت ريقي.
"وبدا شقيقها الصغير عاجزاً عن حشد نفسه ليقول لي أي شيء على الإطلاق. ظل واقفاً بالقرب من الباب، وبدا وكأنه على وشك البكاء".
لم تقل ران شيئاً. ربما أومأت برأسها قليلاً، أو ربما كان مجرد اهتزاز رأسها مع الخطوات.
تابعت: "كاد والدها يغضب عندما دخل. لكنه ارتبك بعد ذلك وبدأ بالاعتذار أيضاً، وكأنه خائف من أنه ارتكب خطأ فادحاً حقاً. كان الأمر وكأنني أرى جانباً مختلفاً تماماً منه. واشترت لي إيوا مجموعة من الهدايا، وظلت تحاول التصرف ببهجة، على الرغم من أنها كانت قلقة للغاية على ما يبدو".
ابتلعت الهواء.
"كان الأمر غريباً حقاً، أتعلمين؟ لم أسر قط شيئاً يحدث مثل هذا".
قالت ران بهدوء: "نجل".
واصلت ووجهي يلتوي في ابتسامة مؤلمة: "شعرت بالذنب، بعد ذلك. لأنني سمحت لنفسي بالانجراف في اللحظة، والشعور بالسعادة. بينما هي قد رحلت منذ وقت طويل حقاً. وأنا الشخص الذي--"
قالت ران مقاطعة إياي: "يكفي هذا يا سو. كف عن ذلك".
ترددت، لكني سكتّ، ووقع بصري على الأرض مجدداً.
واصلنا المشي لخمس دقائق أخرى، أو ربما عشر دقائق. وصلنا في النهاية إلى تل غير بعيد عن ضفة النهر، والذي وفر إطلالة رائعة على نصيب الأسد من المدينة أدناه. صفوف المساكن المتراصة والمتزايدة كثافة وهي تقترب من منيمي، ثم محيطة بها وما وراءها، أبراج وسط المدينة المصنوعة من البرونز والخشب المصنوع. سيتبين لاحقاً أن المنظر أقل إبهاراً بكثير من أفق أولد يرو، لكن في ذلك الحين - وخاصة عندما قدمت إلى المدينة لأول مرة - كان المنظر لا يزال يذهلني.
لم يشبه على الإطلاق تفاهة إيتان الكئيبة.
كنت أشعر بالغرابة دائماً، وكلما فكرت في الأمر أكثر. كم أنني لا أمت ل هذا المكان بصلة، في هذا الحي الثري. في هذه المدارس الفاخرة. في هذه المدينة الجميلة والساحرة.
كان كل شيء ملتوياً حقاً لدرجة يستحيل إصلاحها.
كان الشفق يبدأ في التراجع أمام الغسق الآن، وباتت النجوم مرئية في الأجزاء العليا من السماء. مشينا إلى قمة التل، واقترحت ران أن نلجلس قليلاً. وهذا ما فعلناه، نازعين حجابنا لنقدر المنظر بشكل أفضل. (كان ذلك مخالفا للقانون تقنيا، لكنه لم يبدو مرجحا أن يكون هناك أي حراس سيقيمون ضجة حول طفلين بعيدين عن المسار). مرت بضع دقائق دون أن يقول أي منا شيئاً ذا بال.
ثم...
سألت بنبرة جافة وبعيدة: "لماذا فعلت ذلك؟"
لم أجب لهفةً. لا لأن السؤال فاجأني تماماً، بل لأن الإجابة تطلبت وزناً دقيقاً.
سألتُ بصوت واهٍ: "أعني... ألا تعرفين ذلك بالفعل؟ لأنهم ما عادت تسرّهم رؤيتي في العيادة".
خفّ صوتي قليلاً.
"لأنهم قالوا إن الأمل قد انعدم".
استرجعتُ ذلك المساء. لم يمضِ عام بعد، لكنه بدا أبعد بكثير عن المرة الأولى التي أبلغوني فيها برغبتهم في وقف علاج الاندماج. تخلّى الطبيب عن كل تكلف مهني، وتحول الحديث بحدة من مجرد نقاش إلى أشبه بتوسل حار كي أغادر العيادة. طلب مني أن أكتفي باعتبار نفسي مصاباً بمشكلة نفسية عادية، وعرض عليّ وصفة تضم كومة من العقاقير التي بات بإمكاني إدراك عدم ملاءمتها البالغة. أزعم أنه في لحظة ما عارضني مقدماً شيئاً يشبه الرشوة.
رغم أنه غالباً ما خشي على سمعته وحدها. تعلمت القليل عن خبايا عيادات التأقلم، فبإمكان قضية واحدة يثير فيها مريض مشكلة كبرى أن تؤدي إلى إغلاق المؤسسة بأكملها. تعتمت الصحف على الأمر، لكني علمت بما جرى في هضبة إيراكا، حيث خلقت مريضة فاشلة ضجة هائلة بشأن ما تعرضت له في بحر المنطق وهددت بمقاضاة الحكومة، فانحدر مستقبل كل العاملين هناك إلى الحضيض.
بالطبع، لم يكن لوزر أي من ذلك. حين أنظر للوراء، يبدو مذهلاً حقاً ـ وربما بليداً إلى حد الدهشة ـ كيف أفلحت في إلحاحي عليه لتكرار العام الأخير من خطة العلاج، رغم عبثيته وفقاً لكل الأدلة العلمية. الهزيمة أمر يرفضه العقل طالما بقيت فرصة النصر غير منعدمة. اخترت أن أكون مزعجاً فقط لأتجنب مواجهة الواقع.
قالت: "لكن حين تناقشنا في الأمر، أخبرتني أنك ستفكر فيما ستفعله لاحقاً".
تمتمت: "أه. أجل".
"إذن ماذا حدث؟"
نظرت إلى كفيّ.
قلت بهدوء: "لا أدري. أو بالأحرى... فكرت في الأمر لأيام. لكنه بدا كتأمل ذاتي عقيم. لا شيء بيدي لأغيره".
صمتُ لبرهة.
"طوال هذا الوقت، كنت أبرر قيامي بالأيام العادية وأكذب على الجميع بحجة أن الأمور ستعود لمجراه الطبيعي. لكن إن انتفى ذلك، تهاوى كل شيء، وبات كل ما فعلته... انتهاكاً".
تنهدت.
"أعني، لا يمكنني الاستمرار في العيش هكذا. مجرد تقمص شخص آخر إلى الأبد".
أومأت ران بابتعاد دون أن تلتفت نحوي.
"ظننت ذلك".
قلت: "بدا من الأفضل أن... أدعها ترتاح".
رفرفت طيور في الأعلى. تفجّر الضوء الاصطناعي تدريجياً في أبراج المدينة الداخلية الواحدة تلو الأخرى. تعتمد أوريسكيوس على الشعوذة الحيوية في بنيتها التحتية، لذا جاء التوهج بطيئاً، ولم تضئ فجأة سوى ناطحات السحاب التابعة للشركات الكبرى والأثرياء بنور سحري أو غازي.
سألت ران: "أتريد الموت؟"
ترددت للحظة، مربكاً بصراحة السؤال. تململت قليلاً.
"أريد إصلاح الأمور".
أردفت: "ليس هذا ما سألته. أعني، هل هو مؤلم؟ أم أنك تشعر بالذنب فحسب؟"
عقدت حاجبي، ثم شبكت يدي بقوة ببطء.
قلت: "أنا لا أدري. أعني في أعماقي، لا أظنني أريد الموت حقاً. أو على الأقل، يفزعني الأمر حقاً حين أفكر فيه. الحق يقال، عجزت عن حشد شجاعتي لفعله تلك الليلة... لربما استسلمت لو لم تنزلق قدمي عن الغصن".
احمر وجهي خجلاً.
"لم يبدو الأمر سيئاً حين تلاشت ببطء إلى أن بقي شيكو وحده، لكن هذا بدا مختلفاً تماماً".
قالت ران ببرود: "حسناً، أجل. مهما تغيرت، فطالما أنه الدماغ ذاته، فأنت ما زلت موجوداً بطريقة ما. لكن حين يموت، انتهى الأمر".
صفقت بيديها بلا مبالاة.
"لا مزيد منك".
قلت: "أعني تقنياً، دماغي قد مات بالفعل. أعني سابقاً. حين انتزعوا العقد الروحي لكي... يفعلوا كل ذلك".
أفلحنا في استنتاج بعض تفاصيل ما حدث غالباً عبر البحث في الدراسات. الحفاظ بنجاح على روح شخص حي، حتى تلك القليلة التي بلغت نضجها طبيعياً، ظل أمراً لم يُنفذ رسمياً قط. لكن لو حدث...
حدقت بي لبرهة.
"حسناً، أنت أشبه بقالب جبس لدماغ شخص حُشي في رأس شخص آخر. أما أنت الأصلي فغالبًا لقيت حتفك حين فقدت وعيك للمرة الأخيرة".
حككت رأسي بارتباك.
"هذا مقلق حقاً إن وضعتها هكذا".
هزت كتفيها بخفة بالغة.
"اعدد نفسك محظوظاً لأنك لست هي، على ما أظن".
عضضت على شفتي.
قلت بعد برهة: "أتمنى لو تعود الأمور كما كانت. أو ليتني أنسى حياتي القديمة ويعود شيكو إلى طبيعته. لكنهما لا يفعلان، ولا أنا أفعل".
تنهدت.
"لذا، حتى لو لم أرد الموت، يبدو التصرف الأخلاقي الوحيد المتبقي. السبيل الوحيد لإعادة الوضع إلى نقطة الصفر".
هزّت ران رأسها مرّة أخرى، بتركيز أكبر هذه المرة. مدّت يدها إلى حقيبتها، بلا اهتمام يُذكر، وراحت تعبث فيها لحظةً قبل أن تستخرج نوعاً من وجبات خفيفة ملفوفة بورق البردي. بسطتها وأخذت قضمَةً خلسة.
قالت: "إن متَّ، فلن تفعل لها، أو لي، أيّ معروف. لا وجود لحياة أخرى، ولا 'راحة' تمنعها منها بذهابك إلى فردوس هادئ ما. ما تبقّى منها سيتحول إلى عصارة مع كل ما في جمجمتك."
مضغت الطعام في فمها بعدوانية.
"لا تدع نفسك تقع في فخ التفكير السحريّ الأحمق."
قلت بردّ فعل منعكس: "عذراً."
"ولا يمكنك انتهاك أي شيء أكثر مما فعلتَ، لأنه لا وجود لـ'ـها' منفصلة عنك لتُنتَهك."
أخذت قضمَةً سريعة أخرى، وكانت حركاتها متوترة.
"إن أردتَ الحديث عن الأخلاق، فالشيء الصحيح فعلُه هو قضاء ما تبقّى من حياتك في أعمال خيرية، أو ما شابه ذلك. كونك على قيد الحياة ليس جريمة مستمرة. إنه هكذا فحسب."
إنه هكذا فحسب.
أبديتُ التفاتة جانبية وقلت: "لكن الأمور ليست كذلك إلا بسبب ما وافقتُ على فعله. إنه خطئي. على الأقل، أشعر وكأنّه يجب أن تكون هناك عدالة ما. أتعرفين؟"
أطلقت تنهيدة طويلة، وما زالت تمضغ.
سألت ران للمرة الثانية، وإن بنبرة مختلفة تماماً: "لمَ فعلتَها يا سو."
تحدثت ببرود شديد، حتى بالكاد بدا السؤال سؤالاً.
طرفْتُ بعينيّ.
"فعلتُ ماذا؟"
قالت: "الموافقة على، كما تعلم. التظاهر بأنك هي. ما الذي كان يدور في ذهنك حتى؟ لم تخبرني قط. ليس بالشكل الصحيح."
قلتُ بعبوس: "ظننتُ أنكِ لا ترغبين في معرفة ذلك."
"حسناً، أرغب في ذلك الآن."
رسمتُ تعبير قلق.
"حسناً... كنت بحاجة إلى مكان أعيش فيه، نظراً لأنني كنتُ أكبر من أن أستمر مع عائلتي الحاضنة. أردتُ الذهاب إلى مدرسة ليست كئيبة للغاية. وبما أنني علمتُ أنني لن أكون بحاجة إلى استهلال، فقد فكرتُ في محاولة التدرب على استخدام الطاقة..."
ضحكتُ بسخرية في نفسي.
"مع أنني على الأرجح لم أكن لأنجح. في ذلك الوقت، كنتُ عديم الفائدة في كل ما هو مهم — الرياضيات، النفظ، الحفاظ على التركيز فقط..."
قالت ران بنبرة خالية من المشاعر تقريباً: "أنا متأكدة من أنك ما كنت لَتكون أسوأ."
"لست متأكداً من ذلك."
مسحتُ أسفل أنفي بإصبعي وأنا أشتمّ رائحة أنفي.
"و-وvolكنهم حكوا قصة جميلة، أظن ذلك. أنه كان يموت بسبب الخرف، وأنه أمضى سنوات وسنوات محاولاً لمّ شمله مع ابنته من فترة ما قبل الانهيار، ورؤيتها كانت أمنيته الأخيرة... وأن أوتسوشيكومي كان مفترضاً أن تكون—"
قطعتُ كلامي، عاضّاً على شفتي.
"الوضع برمّته مرعب حقاً الآن، حين أنظر إليه بعقلانية. لكني كنتُ يائساً. وكان مفترضاً أن يستمر لأبسط بضع أسابيع فقط. لم أكن أعرف شيئاً عن كيفية عمل علم الأرواح—"
قالت: "أنت لا تجيب حقاً، مجدداً. أنت تكتفي بسرد مجموعة حقائق أخبرتني بها من قبل. وليس ما كنت تفكر فيه فعلاً."
عبستُ.
"حسناً، إنه أمر صعب."
قالت: "جرب."
فركتُ جبيني.
"أ-أنا لا أدري... لا أعتقد أنني تصوّرتُ الأمر بالشكل الصحيح حتى."
بلعتُ الهواء.
"أو بالأحرى، كانت حالتي الذهنية مشوهة."
"ما تقصد بـ'مشوهة'؟"
ترددتُ، محاولاً التفكير في صياغة الأمر دون أن أبدو مهووساً بنفسي.
"طوال حياتي، بدا وكأن أي شيء جيد لم يحدث لي قط. إلى درجة أن قاعدة 'لن يحدث أي شيء جيد' أصبحت قاعدة مطلقة. وكنت سأقوم بعمل فظيع في نفس البلدة البائسة لمئات السنين."
قطبتُ جبيني.
"حين تواصلوا معي بغتة بذلك العرض، كان الأمر أشبه بشيء من رواية خيالية. كأنني دخلتُ عالماً مختلفاً يصبح فيه كل شيء ممكناً فجأة."
"أنت تقول إنك جرفتَ مع اللحظة ولم تفكر بالأمر جيداً."
هززتُ رأسي.
"لا، لقد فكرتُ فيه. بل كأنني لم أمتلك إطار المرجعية لأدرسه بالشكل الملائم."
خلعتُ نظارتي لحظة، ممسكاً بها بين يدي.
"حين أخبروني أنني الوحيد القادر على فعل ذلك... وللمرة الأولى في حياتي، شعرتُ وكأنني شخص مهمّ. وبأنني أستطيع رؤية ضوء ساطع ومبهر يأخذني بعيداً عن كل الأشياء المؤلمة في حياتي. بدا الأمر وكأنه—"
فكرتُ: كمعجزة.
قلت: "...كشريان حياة. وسيلة لتكون الأمور مختلفة."
صرحت ونبرة طفيفة من المرارة تتسرب إلى صوتها: "وهذا جعلك تشعر وكأنك تمتلك الحق في اقتحام حياة شخص آخر بأقصى طريقة متخيلة."
التوى وجهي بألم.
تنهدت ران.
"عذراً. لم تكن هناك أي فائدة من قول ذلك."
أعدتُ ارتداء نظارتي وقلت: "أعني، أنت لست مخطئة. لم يكن لدي أي حق إطلاقاً."
عمّ الصمت لبضع لحظات."
أردفت أخيراً: "ما كنت أرصده، هو أنه حتى لو ارتكبتَ شيئاً غبياً وغير مسؤول إلى هذا الحد... شيئاً لا يمكن التراجع عنه أبداً... فلم تكن تدري حقاً ما الذي تقحْم نفسك فيه."
مضغت بشراهة آخر قضمة من وجبتها الخفيفة قبل أن تبتلعها بجرعة واحدة كبيرة، ثم نظرت إليّ.
"لذا فهو ليس خطأك. على الأقل، ليس بالخطأ الذي يجعلك تستحق الموت."
لم أدرِ ما أقول.
صرحت: "في النهاية. لم تكن سوى فتى أحمق يفترسه عجوز حقير يحاول إسعاد عجوز حقير آخر. أنت ضحية أيضاً. لذا تبّاً لذلك. إن لم تكن هناك عدالة لك، فلا أظن أن هناك عدالة لأوتسوشيكومي أيضاً."
قلت برقة: "أ-أنا لا أستطيع تصديق أنك تقولين هذا حقاً."
قالت ببرود: "ولا أنا. بصراحة، لا أعرف إن كان هذا رأيي حقاً، أو عجزتُ عن التخلّص من عادة محاولة رؤيتك بصورتها طوال هذا العناء اللعين. أو ربما من الغباء الاستمرار في محاولة الفصل بينكما من الأساس."
هزّت رأسها.
"أو ربما أخدع نفسي فحسب بشأن شخص رحل منذ سنوات. الأمر برمّته مجرد—"
تنحنحت.
"الأمر أغرب من أن يتحمله عقل."
تهدّج صوتها قليلاً في النهاية، ولاحظتُ أنها تبكي.
لم أره يحدث إلا مرّات معدودة. عندما تبكي ران، كان بكاؤها هادئاً بشكل غريب. لا نحيب ولا عويل. يرتفع صدرها وينخفض برفق بينما تسقط الدموع على وجهها نحو التراب العاري.
مددتُ يدي ببطء ووضعتها على كتفها. في ظل هذا التعقيد كله، لم يكن من الصواب الذهاب إلى أبعد من ذلك.
جلسنا هناك بضع دقائق أخرى، واختفى آخر ضوء للمصابيح من السماء، ولم يترك سوى مسحة زرقاء على حافة وعاء ميميكوس المرتفع في الأفق الشمالي. ما إن هدأت ران قليلاً حتى عدنا إلى الحديث الهامس، نتبادل أطراف الحديث عن مدى تقدّمي — أو بالأحرى تعثّري — في اللحاق بمقرراتي الجامعية التي فاتَتني، وبعض ثرثرة الحرم الجامعي التي غابت عني. تحدثت هي عن الروايات لبضع دقائق، وتحدثتُ أنا عن لعبة صدى كنتُ أمارسها أثناء فترة التعافي بينما كانت تحاول ألا تبدو ملّت.
عدنا في النهاية إلى أسفل التل. إلى الشوارع. نحو بيتي.
قلتُ بعد فترة صمت قصيرة في الحديث: "خطرت لي فكرة. بشأن... إلى أين يمكننا الذهاب من هنا."
رمقتني بنظرة متعبة.
"ما هي؟"
"فكرتُ في أن نحاول تعقب الشخص الذي أجرى العملية لجدي من الأساس."
ضيقَت عينيها.
"أتظن أنه قد يعرف شيئاً يساعدنا؟"
قلتُ وأنا أومئ: "نعم. أعني... حتى إن استحال إصلاح الأمور وفق علم الروحانيات، فمن المفترض ألا يكون المرء في وضع يشبه وضعي أصلاً، ألا ترين؟ لذا فمن المنطقي وجود تقنيات تحكم بالنفس ذات قدرات استُبعدت من المجال منذ حظره."
فكّرت في الأمر لبرهة، ثم أدارت وجهها للأمام مجدداً.
"قرأتُ أن التحكم بالنفس لا يمكنه العبث بالروح إلا عبر الاستهلال. ولا يمكنك إجراء الاستهلال أكثر من مرة على الشخص نفسه."
قلتُ: "لكل قاعدة استثناءات. لا نجهل الطريقة التي استُخدمت معي أصلاً لعدم وجود سجلات. قد تكون هناك طريقة لا تنجح مع الآخرين ويمكنهم—"
قاطعتني ران: "هي، سو."
طرفْتُ بعينيّ.
"ماذا؟"
سألت: "أيمكننا الحديث عن هذا لاحقاً؟ أعني... سيكون من الجيد لكلينا أخذ استراحة من التفكير في هذا الهراء."
قلت: "آه، ...حسناً."
مرّت لحظة.
قالت مناقضة نفسها: "لكن من الناحية المبدئية، ما قُلته قبل أربع سنوات ما زال صحيحاً. إن كان هناك ما أستطيع فعله لمساعدة شيكو وترضاه أنت، فسأجرب حظي."
رفعت نظرها إلى النجوم.
"من تورط في أول الأمر، توجب عليه المضي حتى النهاية، أليس كذلك؟"
ترددت لبرهة. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
قالت: "صحيح".
لا أعرف حقاً لما سألت في تلك اللحظة. تساءلت أعواماً طويلة دون أن أنطق بالسؤال. وبدت لحظة الحوار الجادة وقد انقضت بالفعل.
فلتت العبارة هكذا.
سألت: "إن كان مسموحاً لي بالسؤال، لكن ما الذي جعلك تهتمين بها إلى هذا الحدّ، في المقام الأول؟".
رفعت حاجبها نحوي متسائلة: "ها؟".
قلت: "أعني أوتسوشيكومي. كنت الوحيدة التي لاحظت أن شيئاً ما كان غريباً، عندما بدأ هذا كله. ولقد فعلت الكثير".
أبعثت نظري، وشعرت بتوتر مفاجئ.
"لكن... لكي أكون صادقاً، لا أستذكر أنها قضت وقتاً طويلاً معك إطلاقاً، قبل ذلك الوقت. أو أي شيء يمكن أن يجعلك تشعرين هكذا...".
على عكس توقعاتي، ضحكت ران فحسب. كانت ضحكة منخفضة، لكنها لم تكن مريرة.
"أهذا صحيح؟".
أمالت رأسها نحوي.
"لا شيء على الإطلاق، هاه".
قلت محترساً: "آسف. ربما كان طرح هذا الأمر غباءً...".
قالت وهي تهز رأسها: "لا، لا بأس. لا أترجى منك أن تتذكر. رغم أنني مندهشة لأنك لا تستطيع استنتاج الأمر على أي حال. ربما يبدو واضحاً تماماً".
انعطفنا نحو الشارع الذي أقطن فيه. تمايلت الأشجار في الريح، وما زالت الأوراق تتمسك بأغصانها بصعوبة.
قالت: "أظنني سأبين لك الأمر، لكن بشرط واحد. أن تجيب عن سؤال لي أولاً، وأن يعجبني الجواب. أريد أن أكون أنانية قليلاً".
أومأت وقلت: "حسناً".
سألت: "ما طبيعة علاقتك بها؟ لقد اختاروك لأنكما كنتما تعرفان بعضكما، لكنك لم تخبرني بأي تفاصيل قط".
شعرت بجفاف شفتي.
"حسناً... لم تسألي قط".
قالت: "أجل، لأن الوضع برمته مقرف حقاً. لكن هذه هي المرة الثانية التي تقول فيها شيئاً كهذا اليوم. وها أنا أسأل الآن مجدداً".
أخذ هواء المساء يبرد قليلاً. دلالة أخرى على أوان السنة. مررت يدي على كمي مع هبوب البرودة قليلاً، وأخذت أفكّر.
قلت: "ليس هناك الكثير ليقال حقاً. أعني... كنا صديقين".
قطبت ران حاجبيها بفضول.
"بأي معنى؟".
قالَت: "لا أَدري. عَلى النَّحوِ الَّذي يَكونُ بِهِ الأَطفالُ جَميعاً أصدِقاءَ، أَظُنُّ..."
أَزَحْتُ بَعضَ الشَّعرِ عَن عَينَيَّ. لَم أَكُن أُعني عَناءَ ضَفْرِهِ في الآوِنَةِ الأَخيرةِ.
"كُنَّا نَتَجاوَبُ بَعدَ المَدْرَسَةِ، ونَلعبُ الألعابِ. نَدرُسُ كَثيراً، إِذ كُنتُ دائماً أَتَخَلَّفُ عَنها في الدَّرجاتِ. أُقيمُ أحياناً في بَيتِها لِتَناولِ العَشاءِ. نُطالِعُ الكُتبَ حِيناً ونَتَحدَّثُ عَنها لاحقاً... لَم يَكُن الأمرُ مُهمّاً، أَظُنُّ".
سألت: "كَيفَ الْتَقيتُما؟"
قُلتُ ضاحِكاً قَليلاً مِنَ الحَرَج: "آه. كانَ أَمراً سَبيهاً. اعتَدتُ التَّعرضَ لِلكثيرِ مِنَ التَّنمُّرِ في المَدرسةِ الابتدائيَّةِ، ولِسَبَبٍ ما، سَرَقَ بَعضُ الأطفالِ الآخَرينَ مُحرِّكَ المَنطقِ الخاصَّ بي وأَخبَروني أنَّهم دَفَنوهُ عِندَ الشَّاطئِ-- لَم يَكُن ذلِكَ صَحيحاً، بَل خَبَّئوهُ في مَكتبِ المُعَلِّمِ. لكِنَّني كُنتُ ساذِجاً للغايَةِ، فذَهبتُ للبَحثِ عَنه بالطَّبعِ".
بَقيتِ الابتسامةُ عَلى وَجهِي.
"الشُّواطئُ في إيتان صَخريَّةٌ حقّاً. يَصعبُ الحفرُ حَولَها، وتَستطيعُ إيذاءَ يَدَيكَ إن لَم تَكُن حَذِراً. لا بُدَّ أنَّني بَقيتُ عَلى تلكَ الحالِ لِساعاتٍ حينَ صادَفَتني".
قالت: "ساعَدتكِ؟"
نَخَرْتُ قائلًا: "لا، لَيسَ شَيئاً كَهذا. أَخبَرَتني فَقَط أن أدخُلَ لِأنَّني كُنتُ أتَصرفُ بِجُنونٍ. ثمَّ ضَمَّدَت يَدَيَّ وعَرَضَت عَلَيَّ استِعارَةَ مُحرِّكَ المَنطقِ الخاصِّ بِها لِذلِكَ اليَومِ. كانَ أَمراً كبيراً لِطفلٍ عَشوائيٍّ مِن مَدرستِكَ، عِندَ التَّفكيرِ في الأمرِ".
قالَت ران بِنَبرةٍ مُتفَكِّرَةٍ: "يُشبِهُها ذلِكَ، رَغمَ كُلِّ شيءٍ".
زَفَرْتُ برفقٍ: "أ... أُجل. ذَهبتُ إلى بَيتِها لِأخذهِ، ورأيتُ رِوايَةً كُنتُ أقرؤها عَلى سَريرِها. تَحدثنا عَنها، ثُمَّ قادَ أمرٌ إلى آخَرَ".
"همم".
بَدَت كَأنَّها استَوعبَت هذا كُلَّهُ لِبِضعِ لَحَظاتٍ، ثُمَّ أومَأَت بِبطءٍ.
"هَل كُنتُما قَريبتينِ؟"
قُلتُ مُقطِّبًا حاجبَيَّ: "لا أَدري، حَقّاً. لَستُ مُتأكِّدَةً، لا أَعتقدُ ذلِكَ. كانَ لَدَيها الكثيرُ مِنَ الأصدقاءِ الآخَرينَ، فلِذا لَم نَكن نَلتقي إلَّا بِضعَ مَرّاتٍ في الأُسبوعِ. كانت دائِمةَ الانشغالِ بشيءٍ أو بِآخَرَ. لكِنَّني..."
عَدَضْتُ عَلى شَفَتي.
"استَمْتعتُ كَثيراً حقّاً".
قالَت ران: "أَظُنُّ أنَّ هذا كُلَّ ما تُريدُه حَقّاً، عِندَما تَكونُ طِفلاً".
قُلتُ بِتعبٍ: "نَعَم".
كانَ هُناكَ شَخصٌ يَومًا ما شعَرَ بأنَّهُ يَفتقِرُ إلى كُلِّ شيءٍ. القُوَّةَ، الثَّروةَ، الحُبَّ. كُلُّ ما رآهُ في الآخَرينَ كانَ يَنزلقُ بَعيداً عَنهُ.
ولِذلِكَ، خطَّطَ لِاستدعاءِ شَيطانٍ.