منزل أبي | 5:34 مساءً | اليوم الأول "قاع المحيط...؟"
التفتت كام وراءها نحو إحدى النوافذ.
"كيف يُعقل هذا؟ كنا في السماء العليا..."
"ربما كان أفضل لو قلت محيطاً"، صحح عبارته.
مد يده إلى الطاولة أمامه وصبّ لنفسه فنجاناً صغيراً من الشاي من إبريق، ووضعه على طبق قبل أن يرفعه إلى حضنه.
"بتحديد أدق، نحن تحت بحر الأبرياء الشمالي في الأتيليكوس".
طرفْتُ عينيّ مذهولةً بعض الشيء. كان معروفاً أن صانعي الحديد حين حاولوا إعادة خلق العالم القديم صنعوا سبع محاولات. كان الميميكوس هو المحاولَة السابعة والأخيرة، بينما أُهملت الست الأخرى لتصبح ما يُعرف اليوم على نطاق واسع بالمستويات السفلى. الأتيليكوس، المأخوذة من كلمة إنوتيان التي تعني 'غير المكتمل'، كانت هي السادسة. على عكس شكل الوعاء الذي يتمتع به الميميكوس، كان يشبه أكثر طبقاً أو مقلاة ثماني الأضلاع، وبينما كانت مساحة سطح الميميكوس تتكون من حوالي 63 بالمئة من الماء، يقترب الأتيليكوس من 97 بالمئة، حيث كانت المنطقة اليابسة الوحيدة عبارة عن جزر منفردة أو أرخبيلات.
...على الأقل هذا ما قرأت عنه. لم أزره شخصياً أبداً— حسناً، حتى الآن، كما يبدو. كان السفر إلى المستويات السفلى من العالم المتبقي مقيداً منذ الحرب بين المستويات الكبرى؛ ولم يفعل ذلك معظم الناس، بل وحتى معظم السحرة. بل بدأ حتى الوعي بهذا الموضوع يتلاشى من الذاكرة العامة. إذا كان ما يقوله صحيحاً، فتساءلت عن سبب ذهاب النظام إلى كل هذه الأطوال. ويكفي القول إنه كانت هناك طرق أبسط بكثير لتتخذ مقراً لك في مكان منعزل بشكل مستحيل.
قالت كام وعيناها واسعتان: "أكان ذلك سفراً عبر المستويات؟"
ثم أردفت: "لكن بالتأكيد ستكون تكلفة الإيريس هائلة!"
أجابها ونبرته مسترخية وهو يحتسي الشاي من فنجانه: "الأمر ليس سيئاً كما تتوقعين. ربما كنتِ تتساءلين عن سبب اضطراركِ للانتظار حتى وقت دقيق يبدو وكأنه رقم عشوائي تماماً، أليس كذلك؟"
أكنت أتَساءل عن ذلك؟ بدا الأمر أشبه بشيء كنت سأجده غريباً، لكنني كنت منغمسة تماماً بكل ما يحدث هناك في ذلك المكان...
شرح قائلاً: "ذلك لأن الانتقال الآني لا يبدأ إلا عندما يصطف هذا الملاذ تماماً مع موقع حصن السماء العليا. بصراحة، هذا أبعد ما يكون عن مجال خبرتي، لذا فإن بعض النقاط الدقيقة تفوتني قليلاً. لكن الخدعة تكمن في أن الميميكوس والأتيليكوس ليسَا ثابتين تماماً، بل يتحركان ويتمايلان مع الوزن أثناء دورانهما ودوران مصابيحهما حولهما. ونتيجة لذلك، فإن ما يصادف وجوده في نفس المكان على المستوى الآخر يكون في حالة تغير مستمر. قبل سنوات، حددنا النوافذ التي يتطابق فيها موقع هذا الملاذ بشكل وثيق مع مكان حصين، وحسناً. أصبحت تلك مداخلنا".
قالت ران وقد عقدت حاجبيها: "ظننت أنه لا يمكن السفر بين المستويات إلا عبر بوابة ثابتة ومثبتة. حيث يرتبط مكان واحد بآخر بشكل دائم، بغض النظر عن التغير في الموقع".
قال لينوس: "أرى أنكِ على علم بالموضوع قليلاً".
ثم تحرك إلى الأمام وشابك يديه ببعضهما.
"لا، تلك هي الطريقة الحديثة، ولكن هناك طرق أخرى أقل شهرة. هذه طريقة أقدم لم تُستخدم منذ حرب القرون الثلاثة. إنها توفر الإيريس ويمكن إتمامها في الحال بقليل من الاستعداد... إن كنتِ مستعدة لتحمل الكثير من الإزعاج".
والمخاطرة، هكذا حدثت نفسي. لو حدث ذلك متأخراً قليلاً أو مبكراً قليلاً، لكنا نُقلنا إلى الماء أو إلى بعض الصخور، ولكنا الآن موتى تماماً. وبدا وكأن لينوس يلتقط ما يدور في خاطري، فابتسم ابتسامة مشوبة بقليل من الذنب.
"آسف لعدم إبلاغكم بما سيحدث مقدماً. إن كان هذا يواسيكم، فلدينا الكثير من وسائل الأمان الاحتياطي. لم يحدث حادث واحد قط منذ أن بني هذا الملاذ".
قالت كام، وكأنها تتحدث نيابة عنا جميعاً: "أه، لا، لا داعي لأن تاعتذر من بين كل الأشياء! فبمستوى السحرة الذين تعدهم بين صفوفك، حسناً— أنا متأكدة من أنك تعلم ما تفعله. في الواقع، يجب أن أقول إنني منبهشة للغاية. إنها طريقة أغرب بكثير مما كنت سأتوقعه على الإطلاق. أن أتخيل أنك تستخدم شيئاً أساسياً مثل ملجأ سحري..."
سطّحت حاجبيّ. بدأت أتساؤل عما إذا كان هناك أي شيء يمكن للنظام فعله ولن يثير إعجاب كام.
قال لينوس: "أعتقد أن المنظمة كان لديها واحد، في وقت ما قبل عصري. لكن كل ما يتطلبه الأمر لتسلل أو تدمير ملجأ سحري هو منعطف محظوظ واحد لمقتحم محتمل. لقد أردنا شيئاً مراوغاً حقاً، لا يمكن الوصول إليه من خلال مدخل ثابت أبداً".
قاطعتُه قائلةً: "أ-آسفة للمقاطعة،...لكن ألا تحظر معاهدة التحالف الكبرى الاستوطان الدائم على المستويات السفلى؟"
"آها. حسناً، نعم".
أدار وجهه بعيداً لبرهة وهو يحك مؤخرة رأسه.
"أمم، إذن هل سنضطر لأداء قسم السرية بعد كل شيء...؟"
نظرت إلى كامروسيبا.
"لأن هناك محققاً هذا الصباح سأل عما إذا كان سيكون من المقبول أن نتحدث عن هذا المكان عندما ينتهي كل شيء، وأعتقد أن كام قالت إن الأمر لا بأس به".
احمرّ وجه كام قليلًا وقالت: "قلت إنه مقبول بشرط يا سو. يجب ألا تعطي السيد الأعظم انطباعاً خاطئاً".
هدّأني لينوس بقوله: "لا، لا. لا تقلقي. لن تكون هناك أي حاجة لأقسام. هذا المكان قانوني، رغم أنه يعتمد على ثغرة قانونية بعض الشيء. فقد أُقيم هذا الهيكل قبل التصديق على المعاهدة في اجتماع إيليكريا، وفاتهم أثناء عملية إنهاء الاستعمار التي سبقتها. لذا طالما أننا لا نبني أي شيء جديد، فهو مقبول".
وتذبذبت عيناه البنيتان نحو الأسفل لبرهة.
"أما عن الحديث عنه بعد حقيقة الأمر، فلدينا إجراء في بالنا للتأكد من بقاء الموقع سرياً. فلا داعي للقلق إذن".
رفعت كامروسيبا حاجبها وتجعّدت زاوية فمها للأعلى وقالت: "إجراء، همم؟ أتمانع في إشباع فضولي؟"
أجاب: "أعظ الظن أنه لا ينبغي لي مناقشة التفاصيل. رغم أنني أظن أنكِ ستدركين الأمر بحلول الوقت الذي ينتهي فيه كل هذا".
كان ذلك غامضاً بعض الشيء.
قلت: "كان هناك شيء آخر".
نظرت ران إليّ للحظة وتوترت بخفة.
قال: "بالتأكيد. تفضل يا أوتسو".
أوتسو. لم يكن يناديني هكذا اختصاراً سوى هو وثيو وحدَهما.
"حين حدث الانتقال..."
نظرت إلى الأسفل لبرهة محاولاً ضبط نفسي لكي لا يتسرب شعور البارانويا الغريب -أكان بارانويا؟- إلى نبرتي.
"...شعرنا بشيء غريب، كأننا لم نكن في أي مكان لبضع لحظات. فقط في نوع من الفراغ. أوفيليا— أمم، أنت تعرف أوفيليا، أليس كذلك؟ أترضى أنك تحريت عن الجميع عندما رتبت لكل هذا".
رأيت ران ترتاح مرة أخرى، لكن تعبير وجهها بدا محتاراً أيضاً. ليس هذا وقت إثارة الأمر. ليس بعد.
"حسنًا الآن، لست متأكداً من أنني مهم بما يكفي لأقوم بالكثير من الترتيبات".
أطلق ضحكة واهية وهو يحك جانب رأسه.
"لقد بحثت في أمر الجميع قليلاً، نعم. وإن كان فقط لكي لا أرتكب أي حماقات سخيفة".
قلت: "صحيح. لكن لا، لقد كان الأمر كافياً لجعل أوفيليا تتقيأ. لقد كان حاداً للغاية".
توسّمت على وجه لينوس عبوسة وقال بصوت متأسف: "أه، يؤسفني سماع ذلك حقاً. أهي بخير؟"
قالت كام: "أظن أنها بخير بما يكفي. أظن أنها قالت إنها تريد فقط الصعود إلى هنا لتنظف ملابسها في أسرع وقت ممكن. لقد قالت ذلك، أليس كذلك يا سو؟"
قلت مؤمئاً: "نعم".
عقب بتنهيدة خفيفة: "تمنيت لو أنها قالت شيئاً. كنت سأطلب من ساكنيكتي أن تحضر لها بعض الدواء. رغم أنها متلاعبَة بالأحياء بالطبع، لذا ربما يكون من السخف مني حتى مجرد اقترح ذلك... ولكن نعم، أخشى أن هذا عرض جانبي للسفر بين المستويات، رغم أنني لا أستغرب أنكِ لم تسمعي به. فأنتن جميعاً من الجيل الرابع عشر بعد كل شيء".
سألت: "يححدث هذا دائماً...؟"
لا يزال هناك ما يؤرقني في هذا الأمر.
أجاب: "نعم".
وأخذ رشفة أخرى من الشاي.
"رغم أن البعض يعانون منه بشكل أسوء من غيرهم. إنه نتاج التباين في مرور الوقت بين المستويات المنفصلة. يتحرك الوقت هنا ببطء شديد نسبياً مقارنة بالميميكوس، بما يقارب ثماني عشرة ثانية في اليوم، وهذا التنافر يعني أن الجسد لا يمكن نقله مباشرة من مستوى إلى آخر، لأنه سيكون..."
قاطعت كامروسيبا بحماس رغبةً في إرضائه: "خارج التزامن. قرأت عن هذه الظاهرة عندما كنت أدرس تخصصي. تبّاً، اللعنة".
صفعت جبهتها بأصابعها، وإن كان بطريقة مرحة جعلت من الواضح أنها لم تكن تؤنب نفسها بجدية بالغة.
"أشعر بالغباء الآن لعدم إدراكي لما كان يحدث في تلك اللحظة بالذات".
قال لينوس: "حسناً، لقد كنتِ تدخلين دون الكثير من السياق، لذا قد يكون ذلك ظلماً بحق نفسك بعض الشيء. ولكن نعم. بما أن الجسد -باعتباره تجمُّعاً للأشياء- سيكون متحركاً بسرعة أكبر قليلاً بالنسبة لبقية الواقع إذا نُقل مباشرة، يحتاج الكون إلى لحظة لتعديله أولاً. هذا ما كنتم تختبرونه جميعاً".
قلت: "بدا وكأنه وقت طويل. أكثر من مجرد لحظة واحدة".
قالت كامروسيبا وهي ترفع إصبعاً مستخدمةً نبرة أنا-ذكيّة-للغاية: "ذلك لأنك كنت موجوداً مؤقتاً خارج أي وقت تقليدي خارجي. كان إحساسك الوحيد به نابعاً من جسدك الخاص، وهي تجربة ذاتية للغاية".
أومأ لينوس وقال: "نعم. يعاني البعض منه بشكل أسوأ بكثير من الآخرين. اعتاد جدك المسكين أن يقول إنه شعر وكأن الأمر استغرق ساعات بالنسبة له يا أوتشيكومي، لذا ربما يسري شيء من ذلك في عائلتك".
كان طريفاً كيف أن فكرة السمات الجسدية التي 'تسري في العائلة' قد نجت حتى العصر الحديث، عندما لم تكن تنطبق بأي معنى علمي منذ الانهيار.
سأل متجهاً نحو ابنه للحظة: "كيف كان الأمر بالنسبة لك يا ثيو؟"
أجاب: "أ-أمم، كان لابأس به. أعتقد أنه بدا وكأن دقيقة قد مضت؟"
ثم عبس.
"ربما أقرب إلى ثلاثين ثانية..."
ابتسم لينوس ابتسامة خفيفة وقال: "إذن فهو أسوأ بقليل مما اختبرته أنا. أنا محظوظ. بالنسبة لي، يمر في مجرد لحظة".
"لكن الأمر تجاوز ذلك أيضاً"، قلت.
"حدث شيء لعقلي. كان الأمر كما لو شعرت... لا أعرف كيف أعبر عن ذلك. بنصف نوم".
عقب لينوس: "مم، هذا نتاج الحرمان الحسي على الأرجح. الجسد مصمم ليجمع المعلومات دائماً. وحين يُحرم منها، يرتبك قليلاً بشأن ما يجري".
عبست. نظرت إلى وجوه الآخرين، فلم أرى أي مؤشر على أن أيًا منهم واجه مشكلات في هذا التفسير، ولا حتى ران، التي كانت عادة متشككة أكثر مني. وبالنظر إلى الموقف بموضوعية، كان من الصعب العثور على أي خطأ في هذا التفسير. إذًا لماذا كان شيء ما بشأنه لا يزال يزعجني؟
قالت ران: "إن لم تمانع، كان هناك شيء أود معرفته أيضاً".
"أه؟"
التفت لينوس إليها.
قالت: "كنت أتساؤل عن أمور عدة بخصوص الجدارية في الغرفة التي نُقلنا منها".
بدا ثيو مرتبكاً للحظة، لكنه لم ينطق بكلمة. كنت محتاراً بعض الشيء أيضاً. كشخص، كانت ران موجهة نحو الأهداف بشكل لا يصدق. لقد كان من النادر حقاً أن تكون فضولية لمجرد الفضول.
"آه!"
أضاءت عيناه مبيّنتين أنه تذكر.
"تلك التي في مدخل غاينايكيان؟"
بدت ران وكأنها على وشك قول شيء ما، ثم ترددت، والتوى تعبير وجهها ارتباكاً وهي تنتقل إلى مسار تفكير آخر.
"...غاينايكيان؟ تقصد، مخصص للنساء؟"
تسطّح تعبير لينوس قليلاً، وتسلل بعض الإحراج، وأطلق ضحكة خافتة.
"آه، نعم. أظن أنكِ لا تعرفين شيئاً عن ذلك".
وتنحنح بقوة.
"ربما استنتجتم قدر ذلك بالفعل، لكن النظام لديه بعض، أه، دعونا نقول عادات قديمة بعض الشيء عندما يتعلق الأمر بالنوع الاجتماعي. أقر بأنني لم أكن مرتاحاً تماماً لها أبداً..."
قلت: "انتظر، أه، مهلاً. أتقول لي إننا لم نُفصل لنجعل مجموعتنا أصغر، بل... فقط لأن الرجال والنساء لديهم مداخلهم المخصصة لهم؟"
أجاب: "حسناً، في هذه الحالة، كان الأمر مزيجاً من الاثنين. لكن... هذا ليس غير صحيح، نعم".
سألت، محتاراً أكثر مما شعرت بالإهانة: "لماذا؟"
شرح قائلاً: "إنها بقايا من الأيام المحافظة عندما تأسست المجموعة، خلال القيامة الأولى. أعتقد أن المنطق الأصلي كان أن الرجال والنساء الذين يسافرون معاً بشكل منتظم سيكونون أكثر عرضة لخلق صراعات داخل المنظمة".
عقّب عقلي مترجماً: إنه يقصد أنهم كانوا سيشرعون في الدخول بعلاقات، وسينشغلون عن العمل.
قال بنبرة مطمئنة لم تبد واثقة تماماً: "بالطبع، هذه ليست اعتقاداً شائعاً هذه الأيام. ولكن، حسناً، لا يمكن تغيير ميثاق النظام دون تصويت بالإجماع من جميع الأعضاء الكاملين، وهو أمر غير واقعي تماماً. لذا ظلت العادة قائمة..."
لم أسترسل بالقول، لكنني توقعت أن الواقع كان أعقد بقليل مما عرضه لينوس. عندما يعيش المرء لفترة طويلة جداً، وخاصة وهو مسكون بهدف باطني بحت، يمكن أن يغذي ذلك معتقدات غريبة وطويلة الأمد حول الحقائق الجوهرية. شعرت أن الأمر قد يستحق سؤال إحدى العضوات الإناث من الدائرة الداخلية لاحقاً.
قالت كامروسيبا، وهي تكافح بصوت واضح بينما صارع دافعها لتكون متملقة مع معتقداتها الفعلية: "أفترض أن هذا... مفهوم. سمعنا القليل عن ذلك من رجلك هناك أثناء رحلتنا— إن الاستقرار والاستمرارية يُعتبران فوق كل اعتبار".
قال لينوس: "تلك هي المنطقية. رغم أنني لست متأكدًا من مدى موافقتي عليها. في الواقع..."
ألقى نظرة لأعلى، ثم أشار بيده إلى الخارج.
"غرف النوم هنا مقسمة حسب الجنس أيضاً. الطابق الأرضي للرجال، بينما الطابق العلوي للنساء. أصدقاؤك يتعلمون ذلك على الأرجح الآن".
قلت ونبرتي مسطحة: "إنه لأمر جيد حقاً أن فانغ ليس هنا".
"مم-همم."
أومأت كامروسيبا برأسها ووضعت إصبعاً على شفتها.
"حس أقترض أن هناك سحراً عتيقاً معيناً في الأمر؟ أعني— إنها عادة غير ضارة في النهاية".
قال ثيو، مشاركاً لأول مرة منذ فترة: "هذا موقف غير معتاد بعض الشيء بالنسبة لكِ يا كامروسيبا. فأنتِ دائماً ما تنزعجين، أه. تثورين بشأن معاملة النساء بشكل مختلف. من هذا القبيل".
قلت: "أعتقد أن الكلمة التي تبحث عنها هي 'تحيز جنسي' يا ثيو".
حك مؤخرة رأسه وقال: "ح-حسناً، أنت تعلم. لم أكن أريد وضع افتراضات حول سياساتها، أو أي شيء من هذا القبيل..."
ربما كان ذلك ذكياً. لم يستكشف ثيو حقل الألغام المتمثل في منظومة معتقدات كام بالقدر الذي فعلته أنا.
قالت كامروسيبا، رغم أن شيئاً في نبرتها حمل تحفظاً تكتيكياً وكأنها كانت واعية بأن موقفها لم يكن منطقياً تماماً: "لا أسمي هذا سوء معاملة. إنها مجرد نزوة صغيرة، ومن الممتع تقريبا أن تُعترف بهذه الأمور من حين لآخر".
قال ثيودوروس: "أنا، أه، لست متأكداً من أنني أفهَم".
قالت ران بتعبير جاد: "ولا أنا. بصراحة، يبدو الأمر لي مرعباً بعض الشيء".
عضضت على شفتي.
قالت كام وهي تقوم بحركة متبرمة: "تبّاً، لا بأس. وتعالي يا ران. لا داعي لأن تكوني فظة بشأن هذه المسألة".
قال لينوس: "لا، لا بأس تماماً. أقر بأنه وضع رجعي. وكل ما يمكنني فعله هو الاعتذار".
ونظر إلى الشاي في فنجانه وهو يحرك السائل بداخله قليلاً.
"لكننا شردنا بعيداً جداً عن الموضوع. ما الذي كنتِ تريدين معرفته عن الجدارية يا آنسة هوا-ترينه؟"
قالت ران: "أغلب ما في الأمر هو ما كان مقصوداً بتمثيله. كنا نتكهن بشأنه في وقت سابق".
"آه، صحيح".
أخذ رشفة أخرى.
"من المفترض أن تمثل ملحمة جلجامش، لكنك ربما استنتجتِ ذلك بنفسك، أليس كذلك؟"
أومأت ران برأسها: "نعم".
قالت كام بمرح: "فقط بسببك يا ران، لولا مداخلتك، لتوقعت أن يفوتنا جميعاً".
أومأت برأسها قليلاً وقالت: "كان الأمر بسيطاً بما يكفي".
لم تكن ران تميل إلى الاستجابة كثيراً للإطراءات.
وأعادت نظرها إلى لينوس وقالت: "كنت فضولية بشأن سبب وجودها هنا".
"همم، أرى".
بدا لينوس مفكراً للحظة وهو يميل برأسه للأمام.
"الملحمة هي نوع من... الزخرفة، لمنظمتنا، أظن".
ابتسم بخفة، رغم أنه يبدو خاطئاً استخدام كلمة 'ابتسام بخبث' معه. لم أكن متأكداً مما إذا كان وجه لينوس قادراً على إصدار تعبير ينم عن أي أثر للغرور الفعلي.
"أنا متأكد من أن سبب ذلك ليس صعب التخمين".
اقترحت: "لأنها أقدم قصة حول السعي وراء الخلود؟"
ضحك وقال: "أعترف أن الأمر ليس تفسيراً عميقاً بشكل خاص".
وتوقف للحظة، وبدا تعبير وجهه استبطانياً فجأة.
"رغم أنه، لكي أكون دقيقاً، فإن هذا قابل للنقاش في الواقع— يزعم بعض الدالسين أن سردية القيامة تسبقها في بعض أساطير عصر الممالك القديمة".
بدت ران وكأنها تفهم ما كان يتحدث عنه، فأومأت: "إنها على الأقل الأولى التي وُضعت قواعدها بالكامل".
اعترف لينوس قائلاً: "هذا صحيح. أنا أفرط في التدقيق. أخشى أنها عادة سيئة لدي".
في الطابق العلوي، صدر صوت صخب، ربما من أحد الآخرين بينما كانوا يستقرون في غرفهم. وكان هناك اضطراب خفيف في الهواء.
سألت: "عذراً، ما هي 'سردية القيامة'؟"
كان لدي فكرة عما قد يقصده بما كان يقوله، لكني كنت فضولياً بعض الشيء بشأن كيف سيصوغ هذا المفهوم.
"آه، سامحيني. أنا أتحدث متخطياً جمهوري".
أعاد الفنجان إلى الطبق لبرهة.
"هناك مدرسة فكرية ترى أن هناك أسطورتين رئيسيتين عندما يتعلق الأمر بالقصص التي يبتكرها البشر بخصوص الحياة الأبدية. الأولى هي سردية 'الإكسير'، وتنتمي إليها ملحمة جلجامش. حيث يوجد إي جُرعة أو عشبة يمكنها منح الحياة الأبدية، لو لم تكن بعيدة عن متناول الإنسان مباشرة. بينما الثانية..."
صدر صوت خبط هادئ آخر. في الأعلى، كنت متأكداً تماماً من أنني سمعت أوفيليا تقول شيئاً، أو تصدر نوعاً من الأوامر بصوت عالٍ، وإن لم يكن بطريقة تجعلها تبدو في أي نوع من الخطر.
واستطرد لينوس: "...هي سردية القيامة. وتسمى أحيانًا أسطورة الموت والبعث. إنها تدور حول شخص... أو ملك، رغم أن الاثنين غالباً ما يكونان متطابقين في السياق الأسطوري... يفقد حياته، ليولد من جديد بحياة جديدة وأسمى. يظهر الاثنان أساساً في جميع الثقافات، لكن المشكوك فيه أيهما جاء أولاً".
وتردد.
"حلًا، إن كان أحدهما قد جاء أولاً على الإطلاق".
سألت: "إن؟"
شرح قائلاً: "هناك جدل مفاده أنها قصص قدم الحالة البشرية نفسها. مفاهيم -أو ربما رغبات- ستأتي بشكل طبيعي إلى عقل أي شخص حي تقريباً. فطرية، وليست ثقافية".
قالت ران: "أنت تتحدث عن فرضية النماذج الأصلية للأسطورة المقارنة".
"آها، أنتِ تعرفين الكثير بالنسبة لعمرك".
ابتسم لها لينوس، بادياً معجباً بعض الشيء.
"هل سمعتِ قط أنه، كنتيجة ثانوبة للتطور التطوري كمستخدمين للأدوات، يولد جميع البشر بفهم غريزي لكيفية شحذ سكين بسيطة من المواد الخام، بنفس القدر الذي تمتلك فيه جميع الطيور فهماً لكيفية بناء عش؟ من منظور معين، ربما يمكنك رؤية السعي وراء إطالة العمر بشكل هائل في نفس الضوء. شيء يلامس وتراً عميقاً داخل القلب. يسعى إليه الناس، دون معرفة السبب حقاً".
عقب ثيودوروس وبدا محرجا قليلاً: "أنت تبالغ بعض الشيء يا أبي".
"آه، هيا يا ثيو"، قال، رغم أن الكلمات كانت دافئة - لم يكن توبيخاً.
"هذا عمل حياتي. يجب أن تمنحني بعض العذر لأحرج نفسي".
أكدت كامروسيبا وهي تكتف ذراعيها بكسل: "حسنًا، أعتقد أنها طريقة رومانسية للتفكير في الأمر يا سيّد".
فكرت في نفسي، يا للآلهة. إنها تندفع حقاً كأن حياتها تعتمد على ذلك.
قال لينوس: "شكراً لتماشيكِ معي يا آنسة توون. حقاً، رغم ذلك، ربما أفرط في إضفاء الطابع الفكري على الموضوع. على الأرجح، هناك جاذبية متأصلة لكلا الفكرتين. فلا أحد يريد أن يموت، بعد كل شيء".
وابتسم ابتسامة خفيفة.
قالت كام: "من الطريف حقاً وجود اثنين متميزين رغم ذلك. لم أفكر قط في الموضوع بهذه المصطلحات من قبل".
قال لينوس: "لديهما جاذبيتان أساسيتان مختلفتان، أظن".
ثم عبرت نظرة طريفة عينيه للحظة، وتجعد حاجبه الكثيف تفكُّراً.
"ما هو الحلم الأفضل، برأيك؟ العيش إلى الأبد، ولكن بشباب لا يُطال إلا مرة واحدة؟ أم الاضطرار للتقدم في السن والموت، ثم الحصول على فرصة للشباب حقاً من جديد، والبدء من جديد بكل المعاني؟"
التنين مقابل العنقاء.
قلت: "التنين مقابل العنقاء"، وبدت الفلترات التي يُفترض أن تمنع مسارات تفكيري المجنونة من التسرب من فمي متعطلة على ما يبدو.
قال لينوس وهو يشير إليّ: "آه، هذه طريقة ظريفة للتعبير عنها يا أوتسو. طالما امتلكت دائماً طريقة أدبية في صياغة الأمور".
ورشف من فنجانه مرة أخرى.
"همم... شخصياً، سيكون عليَّ اختيار العنقاء، رغم أنني رجل عجوز، لذا فبالطبع سأكون منحازاً نحو بدايات جديدة".
قالت كامروسيبا: "حسناً، من الواضح أن أيهما سيكون رائعاً. همم... كنت سأقول العنقاء في الماضي، على ما أظن، لكن التنين يناسبني أكثر في هذه المرحلة".
قال ثيودوروس: "أظن أنني سأختار التنين أيضاً. ماذا عنك يا أوتسو؟"
"هاه؟ أه، أمم".
ترددت للحظة.
"العنقاء".
هذا ما أنت هنا لأجله، بعد كل شيء. لتبعث شخصاً ما. ساد صمت لبرهة بينما نظر الجميع إلى ران بتوقع. فعبست، بادية منزعجة من السؤال.
قالت على مضض: "التنين، أظن. أنا لا أفهَم الخيار الآخر حقاً. إذا متَّ وأصبحت شاباً مرة أخرى، لكن عقلك لم يُمسح بطريقة ما، فهو نفس البقاء شاباً على أي حال. وإذا مُسح، إذن... أنت ميت أساساً، أليس كذلك؟ قد تكون مجرد شخص جديد وحسب".
قالت كام بابتسامة ماكرة: "تلك استجابة تشبهك حقاً يا ران".
أجابت بجمود: "لا أعرف كيف يُفترض بي أن أرد على ذلك".
قال لينوس: "أفترض أنه حكم تجريدي بعض الشيء".
ورفع فنجانه مجدداً، وأخذ رشفة أخرى، هذه المرة لفترة أطول قليلاً.
"لكننا شردنا بشكل جامح عن الموضوع، لذا فأنا أستطرد. اسم الملاذ مأخوذ أيضاً من المحمة. إنه 'أبسو'، اسم المحيط الذي يغوص فيه جلجامش لاستعادة الزهرة. من حيث الأسطورة الأوسع، إنه نوع من 'البحر البدائي' الذي يقع تحت العالم السفلي".
سألت: "أهذا هو سبب بنائه هنا على الإطلاق؟ أنا مندهش نوعاً ما من مدى اهتمام النظام بالجماليات، بالنسبة لمنظمة أكاديمية. مع هذه، أه— الزخرفة، مع الحدائق. كل هذا..."
قالت كامروسيبا مقاطعة: "لا ينبغي للمرء أبداً الاستهانة بقوة الجماليات يا سو. الإنسان مخلوق يتفاعل بشكل لا يصدق مع بيئته. عزز قصة في العالم الذي يحيط به، وسيبقى أكثر تركيزاً على اتباع النص".
وتذبذبت عيناي لفترة وجيزة بيني وبين لينوس، يفترض لترى ما إذا كان هذا الخط قد أثار إعجابه.
ابتسم لينوس وقال: "أنتِ أدبية بنفسك يا آنسة توون. لكن للإجابة عن سؤالك، لا. رغم أنها فكرة طريفة، إلا أن هذا المكان اختير لأن الهيكل الأساسي كان ينتمي بالفعل لأحد الأعضاء، وليس لأن كون المرء تحت الماء يجعله يوحي بالذكريات. أما عن التفاصيل الأعمق للجدارية نفسها..."
والتقط ملعقة يحرك بها الشاي.
"ربما لست الشخص المناسب لتوجيه السؤال إليه— لقد رأيتها مرة واحدة فقط، لكوني لا أستخدم مدخل النساء عادة. سيكون من الأفضل لكما التحدث إلى آنا. إنها التي أنشأت بوابات الحصن في البداية، وكانت مشاركة في— في تكليف صنعها، على ما أعتقد".
أومأت ران: "شكراً لك. سأفعل ذلك".
وتحركت قليلاً في مكانها ناظرةً في الرواق.
"لكن في الوقت الحالي، أنا ذاهبة لتفقد غرفتي".
قلت: "أنا، أه، أعتقد أنني سأذهب أيضاً. أريد تفريغ أمتعتي قبل أن تبدأ الأمسية".
قال لينوس: "خذوا راحتكم. ستمضي بضع ساعات أخرى حتى العشاء، لكن المطبخ بجوار السلالم إن احتجتم إلى أي شيء تأكلونه أو تشربونه، وهناك غرفة ألعاب عبر الأبواب المزدوجة في الأعلى إن مللتم، لذا اجعلوا أنفسكم في بيوتكم".
وابتسم ابتسامة دافئة.
"ومن الجيد رؤيتكم جميعاً مرة أخرى. أنا متشوق لعروضكم جميعاً".
قلت: "شكراً لك".
لوحت كام لنا عرضاً، ثم التفتت إلى لينوس مجدداً بينما بدأنا في المشي مبتعدين، وما زالت عيناها تتلألأان كطفلة فضولية: "إن لم تمانع يا سيدي، لا يزال لدي المزيد من الأشياء التي أريد أن أسال عنها؟"
أجاب برحابة صدر: "بالطبع، بالطبع. لماذا لا تجلسين بدلاً من الوقوف هكذا، رغم ذلك؟ وتناول بعض الشاي—أوه، الجحيم، كان ينبغي بي على الأرجح أن أعرض الشاي على الجميع، أليس كذلك؟ يا للآلهة العلى، أخلاقي ستفسد في شيخوختي".
سمعت ثيودوروس يقول مهدئاً: "لا بأس يا أبي..."
فانطلق اثنانا في الرواق نحو اليمين، وبدأت المجموعة تتلاشى عن سمعنا.
قالت ران بفتور: "يجب أن نجد تلك الفتاة التي تُعجب بها الآن، حتى نتمكن من الحصول على أمتعتنا ومفاتيحنا".
احتججت: "هي لا تُعجب بي".
"أه-هاه. حسناً، إنها على الأرجح في الأعلى".
وألقت نظرة على السقف الحجري ذي اللون البني الفاتح. انعطفنا في زاوية ووصلنا إلى سلم يؤدي إلى الطابق العلوي. كان السقف في المبنى مرتفعاً بشكل غير معتاد، لذا كانت درجات السلالم أكثر مما تتوقع. جعلني هذا واعياً بمدى التعب الذي بدأت أشعر به من كمية المشي التي قمت بها خلال الساعات القليلة الماضية.
سألتها بكسل: "إذن ما رأيك في لينوس...؟"
قالت: "بدا كما كان عليه قبل عقد من الزمن تقريظاً، أظن. لقد بدا مستمتاً بسماع صوته. ولكن، هذا حال معظم الرجال الأثرياء الكبار في السن".
قلت: "لا أستطيع تخيل مدى غرابة الأمر بالنسبة لثيو. أن يكون هنا معه، بعد أن أُقصي عن هذا الجزء من حياته منذ... حسنًا، منذ الأبد".
نظرت إليّ رافعة حاجبها: "أليس الأمر غريباً بالنسبة لك؟"
طرفّت: "أعني. نوعاً ما".
وتابعت قائلة: "ويا لصدفة الحديث، تفاجأت أنك لم تسأله عن ساميوم".
ترددت ناظراً إلى الأسفل.
حدقت بي للحظة ثم تنفست الصعداء: "لا بأس. لدينا متسع من الوقت. لماذا لا تركز فقط على الاسترخاء الليلة؟ اثره إن شعرت برغبة، أو لا تفعل".
صمتُّ لبرهة، ثم رفعت نظري إليها مجدداً وقلت: "شكراً لك يا ران. أه، لكل هذا أعني".
أصدرت همهمة. وصلنا إلى الطابق الثاني، وكان رواقاً آخر يشبه الأول إلى حد كبير، إلا أن السقف هنا كان أطول، مع ظهور العوارض الخشبية وانحناء السقف تماماً. كما زُين بشكل أنيق بعض الشيء، بجدران مرسومة يدويّاً مزينة بتصميم زهري معقد وانسيابي يُوحي بالحديقة في الخارج. وفي أحد الأقسام كانت هناك فسيفساء لسرْب من الطيور تطير عبر سماء المساء. كان لطيفاً، لكنه -حسناً، هذا المكان بأكمله حقاً- بدا غريباً وعريقاً بشكل غريب.
لم يكن مشهداً يثير رهبة جماعة منعزلة من الباحثين المحرمين. كانت المنطقة شبه فارغة، رغم أنني سمعت الأصوات المكتومة لأشخاص خلف الأبواب المختلفة، مما يوحي بأن الآخرين كانوا بصدد الاستقرار. ولمحنا ساكنيكتي تتجه نحو الرواق في الاتجاه المعارض.
ناديْتُها: "أه، عذراً. ألديك ثانية؟"
أجابت بنفس النبرة المترفعة والعفوية السابقة: "أه، مهلاً".
وتوقفت.
"أكنتم تريدون مفاتيح غرفكم؟"
قلت: "هذا صحيح".
مدت يدها إلى أحد جيوبها وأخرجت حلقة مفاتيح، ثم فكت مفتاحين برونزيين أنيقين وسلمتهما إلينا. ومررت واحداً لكل منا على التوالي.
قالت ران: "شكراً".
قالت: "أقوم بعملي فحسب. أنتِ في الغرفة 3، هناك تماماً..."
وأشارت إلى مدخل على الجانب، ثم التفتت إليّ، "...وأنت في أقصى الطرف الآخر في الغرفة 7، في الخلف".
وأشارت بإحدى أصابعها الطويلة النحيلة نحو الطرف البعيد من الرواق.
"لقد تركت أغراضكم عند الأبواب. هذا يناسبكم، أليس كذلك؟"
قلت: "نعم. هذا يناسبني".
أومأت برأسها ورحلت.
قالت ران: "سأذهب لأستقر في غرفتي".
قلت: "حسناً. أراكي لاحقاً إذن؟"
قالت وهي تومئ: "نعم. أخبرني إن واجهتك أي مشكلة".
قلت بابتسامة محرجة: "أنتِ تعاملينني كطفل حقاً اليوم، أتعلمين".
تجاهلت ملاحظتي وتحركت لفتح بابها. واصلت طريقي في الرواق. أحد الأمور التي بدأت تدهشني هو مدى هدوء الملاذ، عندما لم تكن هناك محادثة تملأ الهواء؛ فلم تكن هناك أصوات مدينة محيطة، وقليل من أصوات الريف أيضاً. بلا تلميح خفيف للريح، بلا قطرات ماء. فقط خطوات قدمي على الأرضية الحجرية، ودون حتى صدى يُذكر. قريب بما يكفي، وصلت إلى الباب، فتحته ودخلت. كانت الغرفة لطيفة بما يكفي.
كان هناك سجادة بنية فخمة، وبعض الأثاث الخشبي ذي الطراز العتيق، وسرير كبير، بالإضافة إلى نافذة ذات إطلالة لطيفة على الحدائق في الخارج. بل كانت تحتوي حتى على مرحاض خاص مع حمام دُش صغير. وهناك أيضاً جسر منطقي مغروس في الجدار الخلفي للغرفة. عمود آخر من المعدن الشبيه بالسبج الأسود، مغروس هذه المرة في الجدار بجوار باب الحمام. لقد وفروا أي نفقة حقاً من أجل هذه التجهيزات.
ألم يبدُ لك هذا غريباً بعض الشيء؟ هكذا حدثت نفسي. غريب؟ لماذا؟ لأن هذه يُفترض أن تكون المرة الأولى التي يستدرجون فيها غرباء بأي سعة جادة. أبنوا هذا المكان بأكمله، من أجلك فقط؟ حسناً، لقد بدا ذلك غريباً بعض الشيء الآن بعد أن فكرت في الأمر. خمّنت قائلة: ربما ليس للضيوف فقط، بل لأعضاء النظام الأدنى شأناً. أو المبتدئين المحتملين. كانت النظريتان معقولتين. وسكت المشكك بداخلي، ولو مؤقتاً.
التقطت صندوقي وحقيبتي، حيث قالت ساكنيكتي إنهما ستكونان، وتحركت للداخل مغلقاً الباب ورائي. ثم بدأت في تفريغ الأمتعة. أخرجت ملابسي -أحضرت فستاناً رمادياً داكنًا، وستولا أخرى، وسترة أزرق، ورداءً- ووضعتها في كومة على الخزانة المرتفعة، وبعد ذلك وضعت الكتب وألواح الرون التي أحتاجها لعرضي على المكتب، وكذلك محرك المنطق الخاص بي. واستخرجت أدويتي وبعض مستحضرات التجميل وتركتها في الحمام.
واستردت رواية المغامرات اللزجة التي كنت أقرأها بين الحين والآخر خلال الأسبوع أو الأسبوعين الماضيين عن سفينة استولى عليها تمرد. كانت إعارة من ران؛ نصف الأشياء التي قرأتها كانت كذلك. كنت أفضّل الإثارة والغموض، لكنها لم تكن فظيعة. ووضعتها على الطاولة بجانب سريري. وأخيراً رأيت رسالة أوتونوي، وشعرت برغبة في النظر إليها مرة أخرى. لكن كما قالت ران، كان الوقت مبكراً في عطلة نهاية الأسبوع.
سيكون أمراً غريباً حقاً لو بدأت في البحث عن عنابر الرعاية أو طرح أسئلة ملفتة للنظر بينما وصلت للتو. لذا قررت الانتظار حتى الغد لأستثير قلقي، وحشرتها مرة أخرى في حقيبتي. وبينما كنت أنتهي، لاحظت، فوق السرير، صورة لمنظر طبيعي لنزل في الخريف. كانت الأوراق على الأشجار التي تحيط بالمبنى قد بدأت تكتسي باللون البني وتتساقط على الأرض أدناه... إلا أنها لم تكن أي نزل عادي، الآن بعد أن ألقيت نظرة ثانية عليها.
كانت بوضوح صورة للمبنى الذي نزلنا فيه، باستثناء حقيقة أن البيئة كانت مختلفة. لكن ذلك كان غريباً أيضاً، أليس كذلك؟ هذا المكان من الواضح أنه لم يكن يمتلك فصولاً. بالتأكيد، كان على النباتات أن تتخلص من أوراقها من حين لآخر، ولكن... حسناً، لم يكن الأمر مهماً حقاً. ولما نفد مني العمل لأقوم به، سرت بكسل نحو إحدى نوافذ الغرفة. حدقت خارجها لفترة قصيرة، محاولاً تفريغ رأسي بينما كنت أتأمل الحديقة.
التصميم اللطيف، والمزيج الحذر من العناصر البرية والمنمقة. تباين الألوان. أخذت نفساً. لا تقلق، قلت لنفسك. لقد قطعت شوطاً طويلاً لتكون هنا، ولتحظى بالفرصة التي ستتاح لك الآن. وقريباً، كل هذا، وكل ما حدث منذ خطئك في ذلك اليوم، سينتهي أخيراً. وحتى لو لم يحدث ذلك... انتفضت. لا. دعنا لا نفكر فيما إذا كان لن يحدث. لم يكن الحدث الحقيقي حتى الغد، لذا لبقية الليل، قررت أن أحاول الاسترخاء وأخذ الأمور ببطء.
نزعت نظارتي، تاركاً كل ما هو قريب يغبش قليلاً. وبالتحديق في الزهور المرتبة بعناية، تركت عقلي يشرد. فكرت فيما قد يقدمونه لنا على العشاء. فكرت في عرضي. وعن خطاب كام الغريب من هذا الصباح. وعن صندوق أوفيليا الغامض. وعن مدى لطف ران غير المعتاد، وكم كنت مديناً لها. وعن— هاه، جاءت الفكرة فجأة من مكان مجهول في عقلي بينما تجولت عيناي إلى مجموعة أخرى من الأشجار. تبدو هذه الحديقة مختلفة قليلاً عن المرة السابقة.
طرفْتُ عينيّ. المرة السابقة...؟