5:37 مساءً | مخلفات ديشور | 5 يونيو | 1608 عهد المنزل لم يكن ملكي. كشف سائر المنازل على الهيكل الضخم، أعارني إياه مجلس مستوطنة ديشور، وهم محتفظون بكامل الأرض الفعلية ريثما ينقضي عام تمهيديّ مدته خمسون عاماً.
الفكرة كانت أن هذا بمثابة نوع من «الاختبار»
للمجتمع في المستعمرة، وبعدها تخضع لحالة صحة العامة، والنسيج الاجتماعي، واستقرار الغلاف الحيوي، عملية تقييم قبل دعوة المهاجرين أفواجاً. في الوقت الراهن، ما كان لك الدخول سوى عبر اليانصيب أو عبر مسيرة تقديم طلبات تكاد تكون لوظيفة. لقد تمكنت من العبور بفضل شهاداتي الأكاديمية. جلّ الديكور في المكان جاء رفقة البناء. كالمظهر الخارجي، كان تقشفياً نسبياً، ومعظمه ملون بأبيض مسطح أو بدرجات ترابية خافتة.
لم تكن الغرف كثيرة، لكنها بدت أوسع بكثير مما ستظظى به عائشاً في مدينة مزدحمة مثل أوريسكيوس. في الطابق الأول توجد منطقة معيشة تحوي بضعة أرائك ورفوف، ومطبخاً بكامل المرافق المتوقعة، وغرفة طعام بإطلالة على حيث يمكن للحديقة أن تكون لو أنني تجشمت عناء غرس واحدة. مجلس المستوطنة كانت له سياسة غائمة في رغبة مشاركة الجميع في رعاية إيكولوجيا الكوكب، لذا توجد هناك بعض خزانات المياه ومعدات التسميد — بما فيها مصاطب مرفوعة للمحاصيل — والتي تجاهلتها كلياً، مما أدى إلى كونها الآن نصف مدمومة بالتراب الأحمر.
الطابق الثاني، في غضون ذلك، يضم غرفة النوم الرئيسة، وحماماً، ومكتباً. هناك أيضاً مدخل يحوي خزان الغاز البرونزي (في يومنا هذا تعبئة واحدة قد تكفيك لما يقرب من ستة أشهر) في منتصف السلالم، والذي كنت أستعمله غرفة للغسيل والثياب. لقد تركت غالبية هذه الغرف من دون لمس في الغالب مقارنة بحالتها حين انتقلت إليها، باستثناء منطقة المعيشة الممتلئة نصفها بصناديق لم أجشم نفسي عناء تفريغها قط، والمطبخ الفوضوي قليلاً بحكم الضرورة.
كان لدي غول لتنظيف الأشياء نيابة عني (شيء أحرج بلون الحجر الرملي يشبه كومة أشكال مستطيلة أكثر من تشبهه بشخص) لكنه كان محدود الفعالية نظراً لأنني لا أستحب كونها بالغة التعقيد؛ أحدهما دمر ألبوماً صورياً كان مهماً لي قبل 80 عاماً ولم أتجاوز الأمر كلياً قط. بوسعي فعلها بالقدرة إن بلغ السيل الزبا على أي حال، لكنني كنت خائفاً فحسب من كسر نظام المضخات والصمامات الرقيق بطريقة ما والذي يُبقي الأجهزة تعمل.
آخر ما أردت فعله هو اضطراري لطلب مصلح. الغرفة الوحيدة التي أظهرت علامات واضحة على سكن بشري مستمر كانت المكتب. هناك حيث كان محرك المنطق، لذا بنيت عُشّي هناك عِوَضاً عن غرفة النوم الفعلية، التي بدت أكبر وأفرغ من اللازم. المكان بأسره بدا أكبر وأفرغ من اللازم، لكنه كان أصغر طراز من المنازل التي عرضوها حين قررت الانتقال إلى هنا. يُفترض ظنّاً من السلطات أن السبب الوحيد لرغبتك في العيش بعيداً إلى هذا الحد عن المدينة هو تقديرك لمساحتك الشخصية، وليس لكونك مسخاً يريد تجنب الحضارة فحسب.
بإمكاني ععد الضيوف الذين استضفتهم على أصابع اليد الواحدة إجمالاً منذ انتقالي قبل ما يقرب من 20 عاماً، لكنني لم أسمح لفرد واحد قط بدخول المكتب، إذ افترضت أن ذلك سيقود إلى افتراضات مؤكدة حيال حالتي العقلية. التقريبي الوحيد الطبيعي حيال الأمر كان المنطقة المحيطة بالسرير، والتي سحبتها من الغرفة الأخرى وأبقيتها مرتبة نسبياً لكي لا أترك نفسي أشعر بالاختناق الشديد أو القرف حين أحاول النوم.
البقية كانت... حسناً، لا توجد طريقة لطيفة لقولها. كانت فوضى. أكوام من الأوراق، والكتب، والمجلات تغطي نصف الأرضية، وثُلث آخر تشغله ثياب قذرة وأكياس قمامة لم أجشم نفسي عناء إزلاتها إلى الأسفل بعد. ثياب أنظف وكتب أكثر (روايات في الغالب) وُضعت كومة فوق الأخرى على الخزانة بلا نظام أو منطق خاص، والمكتب، المطل على النافذة، غارق في خردة لدرجة يكاد المرء بالكاد يرى السطح خارج المنطقة المتقلصة التي سوّرتها للكتابة الفعلية.
كانت هناك رسائل قديمة، ومناديل، وفناجين متسخة لم أملك قط طاقة نقلها إلى المطبخ، وبالتأكيد قوارير الأدوية. حتى خزانة الملابس في مؤخرة الغرفة كانت محشوة بفوضوية بمتاهات صدى، وأجزاء محرك منطق، وصناديق نويت تفريغها وما فعلت قط. أخيراً، على الطاولة الجانبية المجاورة للكرسي الذي أجلس عليه أثناء استخدام جسر المنطق، أبقيت ممتلكاتي الأعز. دمى المحشوة المفضلة من مجموعتي القديمة.
صور من ذرى حياتي؛ مع الفريق في نهاية مشروع إعادة التصميم، ومع صديقاتي القدامى، ومع — قديمة حتى إن اللون كاد يتلاشى — ران وآخرين عرفناهم آنذاك. وأقدمها جميعاً، محرك منطقي القديم. المعدن متآكل لدرجة تكاد النقوش لا تُبين. ظلّ ظلّ. فور وصولي، وإجرائي زيارة سريعة للمرحاض، وإمساكي بكيس من خبز مسطح محفوظ ومبهر يمكنه لعب دور وجبة عشاء عابرة، توجهت صعوداً إلى هناك مباشرة، ملقياً حقيبتي في غرفة الغسيل بلا حتى تجشم عناء تفريغها.
إذ قضيت الأسبوعين المنصرمين في فضاءات طبيعية ونظيفة في المقام الأول، شعرت بما يكاد يكون نبضة غريزية للاشمئزاز عند المنظر، ثم إحساس بخزي راسخ العمق. وجدت أنفي ينكمش غريزياً — لم أكن مهملاً لدرجة أن المكان ينتن حرفياً، لكنه بالتأكيد كان ينتن روحياً، على مستوى وجودي. لا أصدق أنك تعيش هكذا، قال حكمي الذاتي. مع أنك تقريباً في منتصف العمر تتباً. احتقرت حالة هذه الغرفة.
لقد أصابتني بالكآبة حتى مجرد النظر إليها. لكن المرة الوحيدة التي بذلت فيها جهداً لتنظيفها ملائماً، تُرِكْتُ بإحساس بالفراغ والقلق حين انتهى كل شيء. يُقال غالباً إن الخطوة الأولى نحو جعل المرء يشعر بتحسن هي تحسين بيئته، لكنني خلصت إلى أن هذا لا يصح إلا إن كان جزءاً من مسعى أوسع نحو تحسين الذات. إن جعلت منزلك مرتباً بنقاء لكنك ما زلت عالقاً شخصياً في طريق مسدود لا ترى منه مفرّاً، فكل ما سيحققه الأمر هو جعلك تشعر بخيبة الأمل، كإمضاء أسبوع في التحضير لسباق لست حتى مؤهلاً لدخولها.
الحقيقة كانت أن هذا المكان، هذه الخربة المخزية، جعلتني أشر بالراحة تجاه نفسي أكثر من أي مكان آخر عشت فيه في القرن الماضي. لقد كانت مثل قشرة جرح، تعزلني عن عالم بدا مفعماً بمعلومات وصور مضللة، وتجعلني أتمركّز حول ما كان يمكن أن يكون لو كانت حياتي مغايرة، أو الأسوأ، تجدد أملاً كاذباً في إمكانية كونها مغايرة. لقد كانت غرفة تذكرني بأنني لست من نفس طينة سائر البشر، ولم أكن مجبراً على إخضاع نفسي لمعاييرهم.
لقد كانت غرفة تقبل العالم كما اختبرته عِوَضاً عن مقارعته؛ مربكاً، ومتناقضاً بشكل منهك، ووحيداً. لقد كان المنزل الذي احتجت إليه، وأكثر من ذلك، المنزل الذي استحقبته. أنا أعرض هذا كله كما لو كان فلسفة متعمدة تبنيتها، لكن لا تفهم الأمر خطأ. لم أكن أعلم حقاً لما كنت أعيش هكذا. لم أتخذ أي نوع من الاختيار الواعي فعلياً حيال المسألة، وكنت دوماً أتأرجح بين الاستسلام وإخباري نفسي بأن الأمر مؤقت، وبأن شيئاً ما سيحدث في النهاية ليقودني لرتز أموري معاً.
كنت أختبر أحياناً أسابيع أقرر فيها فعل ذلك، ماملاً استمارات وظائف وخارجاً أكثر، ليتسرب طاقتي فحسب وأنزلق راجعاً إلى أخدودي. لكنني أعتقد أنه كان ما شعرت به حقاً، في أعمق بقاع قلبي. نعم، فكرت، مستشعراً الاسترخاء. من الجيد العودة. طرحت نفسي على الكرسي المريح وتوافقت مع محرك المنطق؛ كان نحيلاً وأملس مقارنة بتلك الخاصة بالأيام الخوالي، مشابهاً أكثر لعمود مفعم بسائل كثيف وخافت التوهج مقابل التصاميم الميكانيكية المعقدة التي خلفها، رغم بقاء بعض من ذلك في القاعدة حول السطح الأملس لجسر المنطق ذاته.
استدركت دراما كنت أتابعها قبل رحلتي حيال سلسلة عمليات قتل غامضة في مضمار سباق في بلدة رونباردية صغيرة. لعبت لعبة صدى أدمنت عليها تتعلق ببناء قلعة وتأطيرها لنحو أربع ساعات. أكلت مجدداً. جربت دراما أخرى صدرت في الأسبوع المنصرم وكانت اقتباساً لكتاب خيالي. انكفأت في السرير ونمت. استيقظت. توافقت مع محرك المنطق. أنهيت الاستدراك مع الدراما، مستشعراً خيبة الأمل لعدم وجود حلقات أخرى.
ذهبت على بحر المنطق للبحث عن توصيات لأشياء مماثلة، لكن انتهى بي المطاف مشتتاً بمشاهدة تسجيلات سياسية. شعرت بالغضب واليأس حيال حالة العالم. أكلت مجدداً رسمت في دفتر اسكتشاتي لبضع ساعات. تحدثت إلى صديق (أقرب لمعارف؛ تحدثت إليه حقاً حيال الإعلام فحسب، إذ التقينا في مجموعة نقاش قبل بضعة أعوام) عبر بحر المنطق، وأوصاني بدراما مغايرة، جربتها وظننت أنها لا بأس بها. أكلت وجبة أخرى ثم عدت للنوم.
استيقظت. توافقت مع محرك المنطق. عدت إلى لعبة الصدى من اليوم السابق، إلى أن علقت فيها بعد نحو ساعتين أخريين. عدت إلى الدراما التي أُوصيت بها، والتي اندمجت فيها نوعاً ما. تحدثت إلى صديقي حيالها قليلاً، شارداً ببعض شكاياتي. أكلت. تلقيت رسالة من صديق قديم في الوسط الأكاديمي يسأل عن حالي، وأمضيت ساعة أفكر في كيفية الرد، قبل الاستسلام نهائياً. شاهدت أخبار المحلية ببلادة لساعة.
جربت لعبة الصدى لفترة أطول قليلاً، ونجحت في إحراز تقدم طفيف، بالغاً حدث القصة التالي. أرسلت أمي استدعاء لأنني لم أجشم نفسي عناء الاتصال بها قط لأخبرها ببلوغي سالماً، وتحدثنا لفترة. أكلت، وعدت للنوم. استيقظت. أخرجت كتاباً نويت قراءته، سيرة روائية أحببتها تدعى ماهيرات من أتيمارا. قصة حياتها كانت محزنة حقاً، إذ غادر والدها أمها في سن مبكرة وأمست أمها مسيئة، مما قادها لتطوير شخصية منعزلة كذلك.
بيد أنه، لاحقاً في الكتاب، وجدت الحب وتزوجت، مما أغاضني وجعلني أشعر بالفراغ. أكلت. أنهيت الموسم الأول من الدراما وتحدثت إلى صديقي قليلاً أكثر حيالها. لعبت لعبة الصدى لوقت أطول من اللازم، اليوم بأسره تقريباً. أكلت مجدداً. عدت للنوم، ونمط نومي يغدو منفصماً أكثر فأكثر عن التقدم الفعلي للليل والنهار. استيقظت. قرأت بقية الكتاب، والتي بلغت ذروتها برسالة حيال كيفية إلهامها بالفن الذي استهلكته لتغدو شخصاً ما لم تتوقعه، وأنها أملت استحثاث ذلك الشعور التحويلي عبر عملها الخاص.
كان عاماً ومتحيزاً للناجين لدرجة أغضبتني. قررت عدم شراء أي كتب أخرى لها، رغم كونها جيدة. رأيت يو متاحة — نادرة، في يومنا هذا، إذ أن عملها يبقيها مشغولة جداً — والتقينا عبر بحر المنطق في هذه البيئة المحاكاة الشبيهة بالمكتبة التي نستعملها دائماً. كنت أمرح مستدركاً معها، لكنها استُدعيَت فجأة بشيء يتعلق بأحد أطفالها. شعرت بالحزن وجلست متوارياً في السرير لا أُنجز شيئاً طوال اليوم.
أكلت. لعبت القليل أكثر من لعبة الصدى، ونمت أثناء فعل ذلك. أُيقِظْتُ قبل الأوان باتصال آخر من الجامعة البلهاء، والجرس يرن بوقاحة من محرك منطقي المحمول. مددت يدي وصفعت عليه محطماً إياه.
"مرحباً؟"
كانت ذات المرأة من اليوم الأقبل.
"أهل هذا السيد الكبير فوساي؟"
"ممهم،"
قلت، مبتهجاً لكون جسور المنطق لا تنقل مظهرك الحرفي ما لم ترغب في ذلك. لم هذه السيدة لا تتصل بالناس إلا في بزوغ الفجر؟ سايكوباتية.
"آسفة لإزعاجك، لكنني أملت مناقشة إعادة جدولة موعد محاضرتك، الآن وقد تجاوزنا الوقت المخطط الأصلي. رئيس القسم كان حزيناً جداً لعدم تمكنك من اللحاق بها."
أمكنني التبيّن من نبرتها — رغم محاولتها جعله يتبدى ودوداً — أنها منزعجة مني، مما جعلني بدوري منزعجاً منها. لقد كانوا هم من حاول العبث بي بتغيير الوقت الذي اتفقنا عليه. لمَ قد يكون ذلك ذنبي؟
"حسناً،"
قلت.
"أعتذر لعدم العودة إليك باكراً... كنت مسافراً، والأمور فلتت مني."
لمَ أعتذر؟ أكره شخصيتي.
"مفهوم كلياً،"
قالت، بلطف.
"أكان لديك موعد في الاعتبار؟"
سألتها.
"الوقت الذي مُنِحْتُ إياه من القسم هو السابع عشر، مجدداً في فترتنا الصباحية في التاسعة والنصف صباحاً،"
أوضحت. أوه، اذهبي بحق الجحيم. تباً لهذا.
"أسيناسبك ذلك؟"
"أم، حسناً... لا، أخشى لا..."
تنحنحت.
"أنا آسف، لكنني عادة مشغول في الصباحات. لهذا السبب اخترت الوقت الذي رتبناه من الأساس."
تجهمت.
"ألديك أي شيء متاح بعد الظهر؟"
توقفت للحظة.
"ليس خلال الشهر، أخشى. لدينا متحدث منتظم يشغل نصف مناصب ضيوفنا لدورة علم الوفيات، والبقية محجوزة بالفعل أو مشغولة بالامتحانات وأشكال أخرى من الدراسة التكميلية. كان علينا استقبال عدد غير معتاد من الطلاب الجدد هذا العام كجزء من دفع أكاديمي من مجلس المستوطنة، لذا أخشى أن سبب ذلك اضطراباً معتبراً في هذه المنطقة، إذ نستضيف امتحانات الإلقاء بعد الظهر حصراً. تتطلب استخدام صالتنا الرياضية، كما ترى، وهي مشغولة ببرامجنا الرياضية خلال الفترات المبكرة."
"أرى،"
رددت بخفوت.
"لذا أخشى أن الفترات الصباحية هي كل ما يتاح لدينا لهذا الفصل، وهو حقاً حين نريد منك، إذ يتزامن مع وحدتنا حول علم الوفيات الإنتروبي. ربما بإمكاني إعطاء قائمة بكل فتراتنا الصباحية المتاحة؟ لابد أننا سنعثر على ما يناسبك."
ارتعشت. تلبستني رغبة عارمة لتحطيم محرك منطقي على الجدار بقوة هائلة. شعرت بأنني محشور في زاوية-- لم أستطيع إخبارها ببساطة، بينما أتظاهر بكوني أكاديمياً بالغاً جاداً، أنني لا أريد أي موعد صباحي لأنني لا أريد النهوض من السرير. لكن في الوقت ذاته، ألم يكن ذلك واضحاً كلياً؟ لم يكن الأمر كأنني كنت كذاباً بارعاً للغاية. ألم تستطع التقاط تلميح لعين؟ هي تفمر بناءً على تعليمات من الأشخاص الذين يديرون الجامعة فعلياً، ذكرني حسّي السليم.
لا يمكنها اتخاذ أي قرارات أو افتراضات فعلية حيالك. صمتُّ للحظة. فكرت في قطع البث ببساطة والتخلص من الجامعة حرفياً. لم أرد التعامل مع هذا. لم أرد إفساد نمط نومي لجر نفسي إلى محطة القطار في ساعة سخيفة من الصباح، ثم محاولة إلقاء محاضرة بينما ما زلت نصف نائم. لقد كان شاقاً بما يكفي التظاهر بالعملية حين أملك وقتاً لألملم نفسي. لكنني تخ تخلفت بالفعل عن محاضرة ضيف أخرى هذا العام، ومثلما قال أخي، لقد مضت سنوات منذ حصولي على أي نوع من التوظيف حتى المماسي.
في أي نقطة سيعترض مجلس المستوطنة على كونها عالة، ويرسلني إلى الميميكوس؟ ربما كان أخي محقاً بعد الظهر. ربما العزلة التي حزتها هنا لم تستحق الثمن، وسيكون أفضل حالاً بالعودة إلى أوريسكيوس ببساطة. كان عليّ التظاهر بالعملية قليلاً فقط لعائلتي، وربما إن حصلت على ستائر معتمة لكل النوافذ، لأمكنني نسيان حالة العالم حولي.
"السيد الكبير؟"
سألت المرأة، بلمحة من الاستعجال.
"ع-عذراً،"
تلجلجت.
"ينبغي أن يكون ذلك ممكناً، لكنني سأضطر للنظر في نقل بعض ارتباطاتي. أيسير الأمر إن عُدت إليك لاحقاً؟"
"...جيد جداً،"
قالت.
"هناك بعض مخاوف الجدولة الأخرى التي نتعامل معها أيضاً، لذا كان رئيس القسم يأمل تسوية هذا بنهاية الأسبوع. هل أخبره بتوقع رد خلال اليوم أو اليومين المقبلين؟"
عضضت شفتي.
"بالتأكيد. حسناً."
"جيد جداً. شكراً لوقتك إذن، السيد الكبير فوساي."
"نعم، وأنتِ أيضاً."
قطعت البث بينما شعرت بوخز من الإحراج للحظات الأخيرة من المحادثة. تجهمت، رامياً جسر المنطق بلا مبالاة على المكتب. ترنحت راجعاً إلى السرير، مسدداً وجهي في الوسادة. كان القماش دهنياً نظراً لتأجيلي تأدية الغسيل. تباً، لعنت في نفسي.
لمَ قلت إنه «ينبغي أن يكون ممكناً»؟
الآن سيبدو الأمر أكثر حرجاً إن انتهى بي المطاف بالقول لا أستطيع. لمَ لم أتخذ قراراً ببساطة؟ لمَ كان ظني الأول ركل العلبة أسفل الطريق، كطفل يحاول التملص من واجبه المدرسي الملعون؟ ملوك، أنا مثير للشفقة. استنشقت وأزفرت بشدة. أداة النوم رائحتها خليط بين بصاق جاف ورائحة مرهم شعري الزهرية. دفعة تفاعلية من الكبرياء الدفاعي تدفقت مجدداً ضد الخزي الذي شعرت به. أنت لست مثير للشفقة، قالت.
أنت على الأرجح أحد أبراع علماء الوفيات في المستعمرة بأسرها. يجب أن يكونوا ممتنين لمنحهم وقت يومك حتى! من بحق الجحيم يظنون أنفسهم، محاولين إشعارك بالذنب؟! يمكنهم الذهاب إلى الجحيم جميعاً. بقيت في السرير لساعة أو ساعتين أخريين، محاولاً عبثاً العودة للنوم. شعرت بغثيان، ومكثت أتقلب ذهاباً وإياباً على مرتبتي. جلدي بدا لزجاً وقذراً. لم أستطع كف التفكير في أشياء أغضبتني. استسلمت في النهاية.
نهضت، أخذت حماماً، وأكلت. شاهدت دراما مختلفة — هذه عن مجموعة أشخاص حازوا قوى خارقة عقب السفر عبر بوابة إلى عالم آخر يسكنه في المقام الأول بشر سحالي — نسيت أن موسماً جديداً لها قد بدأ. أنهيت لعبة الصدى، التي حوت نهاية مخيبة للآمال. نهضت لفتح الحجرة في محرك المنطق واستبدالها بأخرى نويت بلوغها. بينما انتظرت بصق الآلة للمكعب، نظرتي — بلا قصد حقيقي مني — حامت نحو الطاولة الجانبية.
نظرت إلى صورة لي ولريخيتري التُقِطَت حين كنا ما زلنا نعيش في تيمأفات. كانت امرأة تبدو مسترجلة، بشعر مقصوص بضع بوصات قصيرة فقط، عيناها وتعبيرها يحوزان دوماً هدوءاً معيناً جعلها تبدو رائعة بلا تكلف. كانت مرتدية خيتوناً أسود أنيقاً، وتمسكني حول خصري. كنت مبتسماً ووجهي محمر، لكن عيني بدتا بعيدتين بطريقة ما. في الخلفية، أراكت — صديقة لها عرفناها الاثنان عبر العمل — كانت تصنع تعبيراً سخيفاً، ملوحة بذراعيها في الهواء بتهور.
ثم انزاحت نظرتي أكثر للخوار، عند صورة لكافة صف المبتدئين النماذج، التُقِطَت في اليوم الذي تجمّعنا فيه جميعاً للمرة الأولى. كنا نقف في وسط البهو، أمام شجرة اعتادت التواجد هناك آنذاك، متناقضة مع الرخام الأبيض للأرضية. كامروسيبا كانت تمنح ابتسامة مثالية كالصورة في المنتصف، إلى جانب إزقيل، الذي لم نعلم أنه وغد كامل بعد. سيث كان يمنح ابتسامة أكثر حرجاً إلى يسارهما، بجوار بارديا، الذي بدا مهيباً كالمعتاد، قابضاً على صولجانه كما لو كان قضيب دولة.
أوفيليا كانت نحو اليمين، مخضلّة، بينما وقفت ليليث إلى جانبها بتعبير يشبه حيواناً مرعوباً. بطلميا كانت في وضع غريب ومرئية جزئياً خلف إزقيل، عيناها شاردتان للنظر إلى شيء خارج الكادر. فانغ وقفت على الحافة، ذراعاها متصالبتان بعرضية. ثيودوروس بدا وكأنّه على وشك العطس. وعلى العكس منهما، في الطرف البعيد الآخر، كنا أنا وران، نقف أقرب من البقية. بدوت متوتراً، مرتدياً ابتسامة مقتضبة لشخص يرغب بيأس في البدو فوتوجرافياً، لكنه لا يملك أدنى فكرة حيال كيفية ظهورها، وبدت هي جادة حتى الموت، محدقة مميتة في الكاميرا كما لو كانت قد بالت شخصياً في فطورها.
لقد كان أشبه بها. ابتسمت بمرارة عذبة. تساءلت لماذا احتفظت بهذه الأشياء هنا، عارماً بأن رؤيتها تؤلمني. أخبرت نفسي أنها تبقيين مشدوداً إلى ذاتي الحقيقية. وبأنه حتى إن لم أكن أعلم ما أفعله بها، فندمامي كان ثميناً، لأنه ظل يبدو كشيء ما. لأنه كان دليلاً على أنني عشت، حتى لو قادتني طبيعتي لخراب الأمر بأسره. لكن ربما عند نقطة معينة، كان ذلك النوع من العاطفية مازوخية متنكرة فحسب.
ربما سيكون أفضل حالاً ترك الأمور تمضي ببساطة. تلك كانت الكليشيه، أليس كذلك؟ دع الماضي يمضي، عش في اللحظة؟ بطريقة ما، لم أظن أن الحياة التي عشتها كانت ما قصده مخترع تلك الحكمة المبتذلة.
𒊹
حاولت أن أعيش. حقّاً حاولت. من أجل شيكو. من أجلنا كلينا. بعد مقتل الحلقة الداخليّة في أكاديمية أولد يرو للطبّ والشفاء، صار صفُّنا محطَّ أنظار الجميع، من صحافة وسلطات محلّية. رافق ذلك قدرٌ مذهل من التكهنات حول كيفيّة وقوع تلك الجريمة المستحيلة—بالمعنى الحرفي بالنسبة لسث، الذي كسر ضلعاً وهو يحاول التسلّق خارج نافذة في الطابق الثاني هرباً من الإعلام—خصوصاً بعدما تبيّن عدم استخدام أيّ قوّة سوى التمائم التي استخدمناها لفتح الباب.
لم يدخل أحد ولم يخرج أحد، والمدير، الناجي الوحيد الواعي وقت دخولنا، فقد وعيه بعد لحظات ولفظ أنفاسه الأخيرة في غضون ساعة، دون أي تفسير لحالته البدنية. ومما زاد الطين بلّة، تأكّد بقاء النوافل مغلقة طوال الوقت. هذا ترك تفسيرين محتملين للجريمة. الأول، والذي عُدّ عموماً الأقل ترجيحاً، هو أن مساعدة المدير قد قتلت وحدها مجموعة بأسرها من السحرة النبلاء، وقطعت رؤوس جثثهم في غضون دقيقة واحدة، ورتّبت أجسامهم بعناية—أما في حالة دورفاسا فقد هشّمتها إلى قطع بالمعنى الحرفي—وكل ذلك من دون إحداث أي صوت.
أه، وأصابت نفسها باهتزازة حقيقيّة في الدماغ، كما أكّد الفحص الطبّي لاحقاً. الخيار الثاني والأكثر واقعيّة هو أن مجموعتنا بأسرها قد قتلتهم معاً ثم اختلقت قصّة خياليّة حول كيفية اكتشافنا لمسرح الجريمة للتستر على الأمر. لم يكن هناك دليل على هذا بالطبع، ولا حتى أي أسباب معقولة حقيقيّة للشبهة؛ فلم يكن هناك دافع، ووصف عشرة طلاب، واثنين من موثّقي النظام، وعضو رفيع المستوى من طاقم الأكاديمية يجتمعون لتنسيق أمر معقد إلى هذا الحدّ بأنه بعيد المنال...
حسنأ، سيكون ذلك تقليلاً كبيراً من شأن الواقع. لذا، بطبيعة الحال، لم يحدث شيء قانوني. لم نُحاكم. مع ذلك، وقعت رائحة الفضيحة الكريهة على صفنا، وانتهى الأمر بإلغاء برنامج المتدربين المثاليين بأكمله. عرضوا نقلنا إلى صف اعتيادي من اختيارنا، لكنَّ أغلبنا، وأنا من ضمنهم، غادر المدينة برمّتها لمجرد الابتعاد عن الأنظار. طبعاً، تركتْ لي نظرتي الفريدة بعض الشبهات الفريدة. كان الموقف—موت الحلقة الداخلية للنظام بأسرها في حادثة تبدو ظاهريّاً كأنها انتقام سماوي نزل من ملكة الموت—مألوفاً أكثر مما ينبغي، خصوصاً إذا أخذتَ في الاعتبار أن قطع الرأس تركهم بلا أدمغة يمكن التعرف عليها.
بدا مرجحاً للغاية أنه السيناريو ذاته الذي عشته في الحلقة يتكرر، وأنهم زيفوا موتهم بينما استخدمونا كشهود. الاستنتاج البديهي هو أنهم جهّزوا ذلك المشهد برمّته مسبقاً مستخدمين جثثاً بديلة مقنعة بما يكفي لخداع السلطات، رغم أنني ما زلت لا أملك أدنى فكرة عن دور المدير، ناهيك عن كيفية هروبهم بحق الجحيم. في الواقع، هذا تقليل من حجم المشكلة—لم تكن عندي فكرة عن اللعنة ذاتها.
لماذا—لو افترضنا أن الاجتماع السرّي مثّل محاولة فاشلة لتنفيذ هذه الخطة عينها—كان بمثل هذه الأهمية أن يشهد صفُّنا تحديداً هلاكَهم؟ حتى لو افترضنا أنهم أوقعوا برجال صفِّنا في شباكهم مثلما حدث في الحلقة، فلم أستطع حتى تبيّن سبيلاً يمكن أن يساعد في سير الأمور على هذا النحو، فضلاً عن كونه كافياً لتبرير إعداد عبثيّ معقد إلى هذا الحدّ. أعني—لقد كانوا معنا طوال الوقت عملياً.
لم يكن بإمكانهم فعل أي شيء ذي بال. لذا فلا بد أن هناك مقاربات أبسط. وكان الأهم من ذلك السؤال الذي سيطر على اللحظات الأخيرة في الحلقة قبل أن تفسد الأمور تماماً: ما دافعهم أساساً لتزييف موتهم في المقام الأول؟ ما الذي يدور بحق الجحيم؟ كل ما امتلكته كان شبهةً تولدُ من دليل مستحيل. لم يكن الأمر وكأنني أستطيع الذهاب إلى الشرطة، ومع الأوضاع الحالية، قد يجرني تتبع تحقيقي الخاص إلى ورطة خطيرة.
لذا، وبروح التوجه الذي شعرت وكأنني اخترته لحياتي،... تركتُ الأمر يمضي مجدداً. تجاوزتُه. حاولت ألا أفكّر فيه. أمَّا مظروف نفرتواتن، فقد احتوى بالفعل على رسالتين: واحدة من ساميوم، والأخرى، على الأرجح، منها هي. كانت رسالة ساميوم في جوهرها مجرد اعتذار مطوّل يكرر الكثير من النقاط التي دارت في محادثتنا الأخيرة. اعتذر عن طريقة إدارته للمحادثة، وقال إنه يخشى أن يبدو متعجرفاً أو متجاهلاً.
عرض عليّ قائمة كتب يمكنني قراءة بعضها—أغلبها قانوني، وبعضها الآخر ليس كذلك—والتي يُتصوَّر أن تساعدني في مشكلتي إلى حدّ ما، مع إصراره مجدداً على حدودها وحقيقة أنه لا شيء يتغيّر جذريّاً أبداً، مع هذه المرّة بنوع من الصراحة الوحشية تقريباً. وأخيراً، اقترح—بما أنه لم يكن على علم بأي شخص آخر في وضعي الدقيق—أن أكذب صراحةً بشأن طبيعة فشل اندماجي وأتظاهر بتذكّر العالم القديم، إذ رأى أنني ما زلت قادراً على إيجاد التعاطف والرفقة إن بحثت عن مجتمع السحرة السرّي، نظراً لأن حالة وجودنا كانت متشابهة في نهاية المطاف.
بحثت في الكتب، لكنَّها بدت كلها بلا فائدة، وبدت النصيحة الأخيرة طائشة لدرجة أنني وجدتُها مزعجة حقاً. مثل، أجل. اذهب لتهدئة ألم العيش كمحتال أبدي عبر تزييف حفنة علاقات مبنية على كذبة! يا لها من فكرة رائعة. يا له منغبي. كانت الرسالة الثانية أوجز بكثير لدرجة أنها لم تكن رسالة حقاً. بل كانت سطرين فحسب.
السطر الأول كان عنوان جسر منطقي، وتحديداً "١٢٧٤-٣٣٠٩-٤٧٣٥-٩٥٠٩-١٥٤٢".
لم يؤدِّ إرسال استدعاء إليه إلى أي رد.
أما السطر الثاني، والذي كُتب بخط يدها بوضوح على الأقل، فكان، "إن خشيت الموت، فعد إلى بوابة الملجأ. هنا تبدأ رحلتك، كما فعل جلجامش من قبل."
لم أكن أعلم ماذا أقول حيال هذا، وبصراحة، كلما مرَّ الوقت قلَّ اهتمامي. لم أكن أعرف ما أشعر به تجاه نفرتواتن في هذه النقطة، خصوصاً بعد أن افترقنا دون أن أعرف حقاً ما إذا كانت حية أم ميتة. أعني، ربما كانت ميتة في هذه المرحلة بغض النظر عن أي شيء، لكنك تفهم ما أعنيه. ما زلت أعتقد أنها كانت شخصية بارعة، لكن مع تقدمي في السن، شعرت بغرابة متزايدة تجاه العلاقة التي جَمعتنا.
لقد دفعني إلى أحضانها إلى حدّ كبير ضغط سعيي لإنقاذ شيكو—إذ كنت في ميكي، معزولاً حتى عن ران—وشعرت أنها منحتني تماماً نوع المودة التي احتججتُها في وقت كنت فيه على وشك الانهيار. ...ولكن، كما تعلم، لقد نامت مع طالب لم يصبح بالغاً سوى قبل عامين فحسب. ومع بقاء النظام وكل ما يحيط به سؤالاً بلا جواب، لم أستطع هزّ شعور أنني استُخدمت بطريقة ما. ظننت أننا مقربان، لكنها لم تخبرني حتى بخططها.
جعلني هذا قلقاً. على أي حال. بعد أن عدت إلى أوريسكيوس، أنهيت دكتوراه لكي أفرغ منها، ثم هجرت الطب برمّتي لفترة، محاولاً السعي وراء ما ظننت أنه سيجعلني أسعد. حاولت اتباع نصيحة ران، سائلًا نفسي كل يوم عمَّا تريده شيكو ومتبعاً ذلك نحو أفضل خواتيمه. انتهى بي المطاف بالذهاب إلى مدرسة فنون وتعلم كيفية الرسم التوضيحي، ثم بعد تخرجي، عملت في شركة تنتج روايات مصورة، ثم لاحقاً في شركة تصنع دراما رسوماً متحركة.
ظننت أن اتباع ما كان شغفها الشخصي الأعظم سيشعرني بالتحقق، ولو لفترة قصيرة، حدث ذلك. مع ذلك، وكما تبين، لم أكن موهوباً جداً. كنت مقبولاً، بما يكفي لأعمل كموظف عادي ينتج عملاً بجودة لائق، لكن لم يكن لدي حس تصوير كافٍ لأبرز حقاً أو أنجح في مشاريع فردية. تحولت الوظائف إلى عمل شاق ومضنٍ، وتبخرت البهجة كلها من تلك التجربة. قررت، بدلاً من ذلك، أن أُحاول أن أصير ناجحاً ومشهوراً قدر الإمكان، لألمع بسطوع بالطريقة التي طالما رغبنا فيها أنا وشيكو بطرق مختلفة.
عدت إلى علم الأموات، وأصبحت باحثاً. حققت عدد من الاكتشافات وشققت طريقي ببطء صعوداً في مراتب العلم، وأصبحت ناجحاً للغاية بالفعل. ورغم أنني لم أبلغ قط القمم التي بلغها أعضاء المجلس، فقد دُعيتُ في ذروة مسيرتي المهنية لأكون جزءاً من مشروع إعادة تصميم البشر، وهو مسعى قدّمته اتفاقية أولد يرو لرفع متوسط العمر البشري بشكل ملحوظ عبر إجراء أول مجموعة من التعديلات الجذريّة على جسم الإنسان كجظام بيولوجي منذ الانهيار.
استغرق الأمر ما يقرب من خمس وعشرين سنة، لكنه سار بشكل جيد للغاية في النهاية. أعدنا بناء عدد من الأعضاء من الصفر، ونجحنا في النهاية في رفع متوسط العمر المتوقع بنحو ثمنين عاماً، فضلاً عن جعل جسم الإنسان أكثر صلابة وحيوية بشكل ملحوظ بشكل عام—أي تمثيل غذائي وجهاز مناعي أفضل، وعضلات أكثر كفاءة، وعظاماً أقوى. كان النظام وكامروسيپا سيشعران بالفخر. حتى لو كنت عضواً واحداً فقط في فريق كبير إلى حدّ ما، فقد وقفت على المسرح وتلقيت ميدالية من المُديرة الأولى بنفسها.
(لحسن الحظ، كان هذا قبل نحو عشر سنوات من تحولهما باستمرار إلى مثاليين).
بأي مقياس، كنت "ألمع بسطوع".
كنت أقف في مركز العالم المطلق، محتفَى بي، وإن كان مجرداً، من البشرية جمعاء. ...مع ذلك، شعرت بالفراغ وحسب. كان الأمر منفصلاً تماماً عن الشعور الذي تخيلته في شبابي. لم أشعر بأنني محبوب أو متيم بأي طريقة مهمة، ولم أشعر بأن أحداً يهتم بي للأسباب الصحيحة. وكل المكافآت المادية التي تلقيتها بدت بلا معنى. وككعكة فوق الطزاط، وكلما انهار العالم أكثر فأكثر، شعرت بتورط متزايد فيما آلت إليه الأمور، في السماح للمشكلة بالتفاقم أكثر.
لقد صرت، عمليّاً، الشخص ذاته الذي شعرت أن كامروسيپا ستتطور إليه. أليس ذلك سخرية؟ أظنها سخرية. استنتجت أن ما أردته حقاً، وما طالما تاق له فؤادي على الأرجح منذ أن نظرت إلى ذلك الأفق في طفولتي، هو أن يُرَى. لا أن أمارس شغفي فحسب، أو أن أكون مميزاً بشكل سطحي. بل أن أُحَبَّ للأشياء التي يهتم بها قلبي أكثر، للسمات التي تقترب أكثر من جوهر كياني. لكن ما هو كياني؟ ومن أكون حقاً، بخلاف قشرة بنيتها طوال حياتي؟
في منتصف وقتي تقريباً كباحث محترف في علم الأموات، بذلت جهداً أكبر في المواعدة، والتي تجنبتها سابقاً بسبب... حسناً، لا أعرف حتى من أين أبدأ. حقيقة أن هويتي بأسرها كانت مبنية على سر مظلم وغير مغفور له على الأرجح لم أخبر به أحداً قط، والذي قد يعرضني الاعتراف به أنا والشخص الآخر لعواقب قانونية وشخصية؟ حقيقة أنني كانت تربطني علاقة مشوهة وشبه رومانسية بجسدي، والتي كانت لا تزال تتركني أشعر بالخجھ والقسوة عندما أرتكب أي حماقة بحقه؟
حقيقة أن خوض الاستهلال قد حطّم إيماني بأن البشر قادرون حتى على فهم بعضهم بعضاً؟ يمكنني الاسترسال. لم أكن أعرف حتى كيف أكون حميمياً عاطفياً وجسديّاً مع شخص أراه ندّاً لي. على الرغم من أنني تجاوزت قرناً من الزمان، ما زلت أشعر وكأنني مجرد طفل. لكنني حاولت. رغم وجود جبل حقيقي من البدايات الخاطئة والمحرجة—فمائتان عام وقت طويل بعد كل شيء—كانت لدي ثلاث علاقات تستحق الذكر حقاً.
الأولى، مع فتاة تُدعى تاتاما التقيت بها عندما كنت لا أزال أعمل رساماً توضيحيّاً والتي قضيت معها وقتاً متقطعاً على مدار عقود، كانت كارثة مطلقة لم استمرَّ حتى لخمس سنوات. لم أكن أعرف كيف أخفف من رغبتي الملحة في الحميمية أو ارتيابي بشأن مشاعرها الحقيقية، وتحولت إلى شخص كابوسي مطلق، صرت متطلباً ومحبطاً بطريقة، ورغم أنها لم تكن تعادل نفسي القديمة، إلا أنها ما زلت تردّد صدى ذلك السلوك بدرجة مخيفة.
لقد تساويني أكثر من غيرنا من حيث الهوايات والاهتمامات الفعلية، وكانت لطيفة وصبورة معي للغاية. كانت تود دائماً سماع أفكاري بشأن أشياء أريد رسمها، ولم تشعرني قط بأنني غبي، حتى عندما كنت أتصرف بسخافة. لكن في النهاية، استنفدت طاقتها ودفعتها بعيداً. الثانية كانت سابانبال، امرأة عملت معي في مشروع إعادة تصميم البشر. لم يكن لدينا الكثير من القواسم المشتركة مقارنة بعملنا فحسب، لكننا توافقنا لأن كلا منا استمتع بالمحادثات الفكرية والفلسفية، وكلا منا أتى من خلفيات مؤلمة.
استمرت العلاقة هذه المرة لفترة أطول، لكنها تفككت في النهاية عندما أدركت، بمرور الوقت، أنني أخفي أشياء تخصني عنها ولم أفتح قلبي حقاً وأجعل نفسي عرضة للخطر. انتهت بشكل غريب ومرير، حيث راحت تزداد استياءً من تحفّظي، ووجدت نفسي محبطاً من موقف لا يمكنني فيه منحها ما تريده. في النهاية، ذبلت العلاقة واختفت، ولم أكن شجاعاً بالقدر الكافي حتى لأطلب تأكيداً قاطعاً على أنها انتهت برمّتها.
وأخيراً، والأحدث عهداً، كانت ريكهتري، التي التقيت بها بمجرد أن أقلعت إلى حدّ ما عن السعي وراء مسيرة مهنية رفيعة المستوى واستقريت في منصب محاضر في تيم-أفات، والتي انتقلت معها في الأصل إلى ديشور. بطريقة ما، كانت كل ما ظننت أنه مناسب لي كشريك.
كانت نشيطة، وناضجة، ومتفائلة بطبيعتها، وسعيدة بلعب دور الدعم العاطفي و"القائد"
في العلاقة بشكل غير متماثل. كان لدينا قدر لا بأس به من القواسم المشتركة أيضاً، حيث أحببنا كلانا الإفراط في تحليل الوسائط والسفر في الكثير من الدوائر الاجتماعية والأكاديمية نفسها. توافقنا جيداً، حتى لو لم أكن أدرك السبب. كانت تعتني بي، وبدت وكأنها تعلم وتتقبل في آن واحد وجود جزء مني لا تراه أبداً. استمرت تلك العلاقة لأطول فترة. ...لكن في النهاية، ذهبت هباءً. ما زلت لا أُحس بنوع الاتصال الذي أريده.
وبعد أن استقرت علاقتنا فيما بدا وكأنه حالتها النهائية، مع عيشنا معاً وعملنا في وظائف بحثية منخفضة المخاطر في الجامعة المحلية، بدأت أشعر بابتعاد متزايد عنها. لم تكن تعرفني حقاً. بدا الأمر وكأن كل لطفها وُجّه نحو دمية كنت أقف بجانبها فحسب. حينها بدأت أفهم. أو ربما يجدر بي القول إنني بدأت أتقبل ما كنت أعرفه حقاً منذ فترة طويلة. عندما وصلت إلى تلك الإجابة لدى عودتي إلى إتان قبل كل تلك السنين، وجدت سبيلاً لتبرير وجودي ذاته والتعايش مع نفسي.
لكن ليس ككائن بشري. كان إحساسي بذاتي مهدداً وجوديّاً؛ لقد صرت وجوداً غريباً، قادراً فقط على تبديد صراعي الداخلي الذي لا ينتهي عبر الانغماس في أدوار وقصص لم أعد أؤمن بها بإخلاص، عبر العيش داخل زيف من الواقع، زيف من الذات. طوال هذا الوقت، كنت أجري وراء ذكريات أهداف أوتسوشيكومي وكوروكا، أحلام صاغتها مشاعرهما الحقيقية. لكن نفسي في الوقت الحاضر، في أعماقها، لم تكن تمتلك رغبات متماسكة وقابلة للتحقيق.
ما زلت عالقاً في تلك اللحظة التي شاهدت فيها جدي يموت، أسير لغز ليس له حل، ولا أستطيع الهروب إلا عبر الكف عن التفكير فيه فحسب. لذا فقد صغت قشرة متزايدة التعقيد.
بينما ذبلت الكيميرا المتفككة التي كانت "ذاتي"
الحقيقية. في إحدى الليالي، في النهاية، سكرت بالقدر الكافي لأحاول الاعتراف بالحقيقة لريكهتري، ملقياً الحذر في الهواء. في وقتنا الحاضر، ومع صيرورة الحكومة سلطوية علناً، تغريت طريقة التعامل مع حالات فشل الاندماج بشكل ملحوظ. لم يعد هناك علاج تأقلم؛ إن اعترفت بامتلاك مجموعة من الذكريات الأجنبية، فأنت عرضة للاختفاء ببساطة. تلقيت رسالة من تشينغ غو قبل عقود يقول فيها إنه يفرم سجلات مرضاه كلها، رغم وجود فهم ضمني بأن حراس القسوة لن يتتبعوا الحالات التاريخية طالما حافظوا على صمتهم.
حتى مجرد البحث عن معلومات حول السحرة مثل ران ومثلي قد يوقعك في ورطة خطيرة. لكن على الرغم من ذلك، أخبرتها بكل شيء أو كادت، ثرثرت بتخبط حيال الأمر كله لأكثر من ساعة. مخرجاً خطاياي كلها في فعل يأس أخير ومتهور، ربما كبديل لعدم امتلاك الشجاعة لإخبار ران بكل تلك السنين، حتى في النهاية بالذات. لا أعرف حتى إن كانت أخذتني على محمل الجد؛ أشك بقوة في أنها ظنت أنني أعترف بشيء آخر من خلال الرمزية.
مع ذلك، رددت الكثير من الأشياء التي قالها ساميوم؛ أنني صغير، وأن الوضع برمته يبدو ممزقاً، وأن أياً ما حدث لم يكن خطئي. لم أُحس بشيء. كان الأمر فارغاً. شككتُ في أن التطهير كافٍ حتى لإصلاح الأمور حقاً، لكني أدركت الآن أنني لن أحصل على ذلك حتى، لأن ما أردته لم يكن تعاطفاً حقاً. ما أردته هو فهم حقيقي؛ شخص عالق في الجحيم ذاته، وتصل كلماتي إليه. لكن لسوء الحظ، العالم مليء بجحيمات محددة للغاية.
والمشكلة التي لا يمكن حلها تتوقف في النهاية عن كونها مشكلة على الإطلاق، لتصبح ببساطة جزءاً منك، كمرض مزمن. مهما رغبت في العيش، في تحدي طبيعتك ودفع نفسك مراراً وتكراراً حتى لو كان ذلك مؤلماً، فإن إرادتك تتصدع في النهاية. تتأقلم. تقبل بوجود محدود أكثر. تخليت عن العلاقة بعد ذلك بوقت قصير.
انتقلت للعيش هنا—ظاهرياً لأخذ وقت "للتفكير"—وانتهى بي المطاف بتكريس أيامي للقيام بما بدا طبيعياً ودون احتكاك.
لم أكن بحاجة لبشر آخرين. عندما شعرت بالوحدة، قلت لنفسي إن لدي شيكو، وكنا أقرب بكثير مما قد يأمل أي شخص آخر في أن يكون. وفي الأيام التي نفرتني فيها تلك الفكرة، قلت لنفسي بدلاً من ذلك إنني أدرك من التجربة الشخصية أن كل الروابط بين البشر زائفة ومبنية على الوهم على أي حال. وعندما تركني ذلك أشعر بالمرارة والضيعة، تخليت عن أي تعليل أعلى لأفعالي برمتها، وقلت لنفسي ببساطة إنني سأحاول مجدداً ذات يوم.
فقط بعد أن أرتاح قليلاً. لم أكن سعيداً حقاً. لكن... ربما كان ذلك مقبولاً. شعرت بالسلام. بارتياح. ربما كان ذلك كافياً. في الفلسفة الطبيعية، طالما فُهم أن الوقت والإرادة البشرية مجرد أوهام. كل المادة، وكل مستويات الوجود المصنوعة بشرياً أو غير ذلك (إذ إن الإنسان نفسه جزء من الواقع، وليس استثناءً منه) تنشأ من المجال الخالد، النواحي البلوري للكون الذي ليس كل ما عداه سوى وجوه له.
كل شيء—كل شيء شاسع بشكل لا يصدق ولا يوصف—موجود، هناك، في لحظة واحدة ثابتة، وما نفسره على أنه سببية ما هو إلا تقليب لصفحة مكتوبة بالفعل. كل حركة مدركة للمادة ليست سوى استقراء لعلاقاتها بين المستويات. لم يكن هناك خيار أبداً. كانت هذه هي الحياة التي انتظرتني دائماً. كنت ما كنت. ولم أستطع أن أكون أي شيء آخر. أو، حسناً، هكذا قلت حتى قبل يوم واحد تقريباً.
𒊹
لعبت لعبة الصدى الجديدة لعدة ساعات. لعبة استراتيجية تاريخية تستند إلى توحيد رهنبارد بعد سنوات الفراغ. كانت سهلة للغاية. دخلت مجموعة نقاش على بحر المنطق أشارك فيها أحياناً وأخبرت بضعَة أشخاص بالأمر. دفعتهم الشكوى بدورهم. أرسلت إلى يو ملاحظة طريفة حول دراما كنا نناقشها. أكلت. أمضيت مكرهة بضع ساعات في تفقد ملاحظات المحاضرات. شاهدت بضع حلقات أخرى من دراما القدرات الخارقة.
صارت غير قابلة للمشاهدة تدريجياً. أويت إلى الفراغ. استيقظت. تصفحت موجزات السياسة وانتابني الضيق مجدداً. شاهدت حلقتين أخريين من الدراما البائسة. ثم تذكرت أن لدي فحصاً طبياً روتينياً اليوم. أكلت وارتديت ثيابي وطلبت من المركبة المغناطيسية أن تقودني إلى المدينة. كان الأمر روتينياً. ج جلّه أشخاص كان بإمكاني فعله بنفسي. سجلت حضوري وجلست في البهو. غرفة لا أستطيع وصفها إلا بأنها في الوادي الخارق للديكور المريح.
أثاث يحاول أن يبدو كداخل نُزل صيد لكنه يبدو نظيفاً للغاية ومرتباً بدقة. ثم نوديت إلى جولة التقييم. وضعوني في بضع آلات وأعطوني حقن الحالة ومقاومة المناعة. ثم تركوني أنتظر النتائج. دعتني الطبيبة إلى مكتبها لمحادثة المتابعة القصيرة التي ترافق هذه الزيارات حتماً. لكن شيئاً حدث لم أكن أتوقعه.
قالت بجدية: "آنسة فوساي، أنا آسفة جداً لاضطراري لإخبارك بهذا، لكني أخشى أن إشارتك العصبيّة أظهرت أنك تظهرين أعراضاً مبدئية لخرف الانهيار الترابطي المعقد."