نور. نور لطیف ودافئ يتسلّل من حافة الستائر. نعومة الفراش الدافئة. رائحة طعام الإفطار المالح. صوت حديث الناس وضحكاتهم الآتية من بعيد. أمور هادئة وعادية. كم من الوقت أخذتُ ذلك النوع من الأمور مسلّماً به؟ كم مضى من الوقت منذ أن حللتُ الألم فكرياً، ونسيتُ كيف يكون شعور الخوف الحقيقي واليأس الملموس؟ البقاء في شقق مريحة... الذهاب إلى مدارس فاخرة في مدن كبرى... فعل أشياء ممتعة مع الأصدقاء طوال اليوم...
لشخص كان من المفترض أن يعاقب نفسه، لقد عشتُ حياة جميلة وخالية من الهموم حقاً. بطريقة ما، وأنا أملّق جثة ران في تلك اللحظة، بعد أن فقدتُ كل شيء... كانت تلك أكثر مرة شعرتُ فيها أنني أنا نفسي منذ وقت طويل، أليس كذلك؟ مثل نفسي الحقيقية. في تلك اللحظة، لم أكن أفكر في التبرئة أبداً. الشيء الوحيد الذي أرَدتُه... أن أكون آمناً. أن أكون في مكان دافئ ولطيف، حيث مصدر ألمي غير موجود ببساطة.
حيث لم يحدُث. كان الأمر غريباً جداً. أيمكن تسميته مباركة؟ أم لعنة؟ لماذا بدا العالم سعيداً جداً بتحقيق أمنياتي، ولكن فقط عندما كانت أنانية؟ طرق، طرق. أحدهم كان يطرق الباب. أنتحتُ محاولاً فتح عينيّ. كان رأسي يؤلمني، وإن قليلاً فحسب، تماماً كما تتوقع من الساعة الأخيرة لصداع نصفي يتلاشى. فركتُ عينيّ رامشاً مراراً ومحولاً نظري حول المكان. كنتُ في غرفة النوم التي خُصّصت لي في الدير، مستلقياً في الفراش بملابس النوم.
بدا كل شيء في الغرفة سليماً. لوحة النسخة الأصلية للنزل لا تزال معلقة بجانب إطار السرير. وساعة المياه التي تعرض حالياً العاشرة وثماني وثلاثين دقيقة لا تزال مستقرة على الطاولة المجاورة للسرير، إلى جانب رواية المغامرات التي أعارني إياها ران، وقد قُلبَت ومظهرها الخلفي يواجه السقف. الأرضية سليمة. أغراضي لا تزال موضوعة على الخزانة. كل شيء... بدا عادياً. ومع ذلك-- طرق، طرق.
طرق آخر.
قال الصوت: "أهناك أحد حيّ في الداخل؟"
عرفتُ ذلك الصوت الأجش والمتمنّع. كان يعود لساکنيكت. ساکنيكت..؟ لكن-- فركتُ عينيّ مقبضاً حاجبَيّ.
قلتُ بصوت واهٍ: "...نعم، ماذا هناك؟"
قالت دون أن يبدو أنها تهتم حقاً بأي من الامرين: "أسفة لإيقاظك. طلب مني صديقم أن أتي لأطمئن عليك نظراً لتأخر الوقت. ولأقول إننا على وشك إزالة الإفطار، لذا إن كنت تريد شيئاً فمن الأفضل أن تنزل الآن."
قلتُ: "حسناً، شكراً."
سمعتُها تبتعد بخطواتها، لكنني ظللتُ أملّق الباب لبضع ثوانٍ أطول، بينما اتسعت عيناي ببطء. نظرتُ في أنحاء الغرفة للمرة الثانية، غير قادر على تقبل ما كنت أراه تماماً. اعتدلتُ في جلستي مادّاً يدي لأخذ نظّارتي. أبعدتُ ملاءة السرير متفحصاً جسدي. كل شيء... كان عادياً. كان صدري وساقاي سالمين تماماً. بحذر، وكأنني قلق من أن تنفجر الغرفة بأكملها، خطوتُ نحو الخزانة حيث تركتُ محرك منطقي، وضغطتُ براحتي على الحديد المزيف.
تفقدتُ ساعته الداخلية. كان ذلك اليوم الثلاثين من نيسان. اليوم التالي للمجلس. اليوم الذي عشته للتو. سمعتُ الأصوات مجدداً، من زاوية مختلفة هذه المرة. خطوتُ نحو النافذة وفتحتُ الستار، محققاً بصري في الضوء المصنوع. هناك، متجولين تحت المظلات الخشبية لتلك الحديقة المزروعة بعناية وشبه البرية في آن، كانت هناك شخصيات عرفتها متجهة نحو الحرم الداخلي للنظام. رأيتُ سيث وبارديا يتحدثان معاً، وبدء توشيلا متخلفاً قليلاً، مشتولاً بواسطة آلة نحت شجيرة ورد.
كان يانثو هناك أيضاً، حاملاً كيس ملابس متسخة، ومعه تيودوروس يدفع أباه على كرسي متحرك خلفه. كان الأمر يشبه تماماً آخر مرة نظرتُ فيها من هذه النافذة. لقد كنتُ هنا من قبل. مع ذلك... هذه المرة...
𒊹
اغتسلت. ارتديت ثيابي. نزلت إلى الأسفل.
"ران، ناوليني الكريمة النباتية، أتمانعين؟"
سألت كام من خلف باب غرفة الطعام.
أجابت ببرود: "أعادوها بالفعل إلى المبرد. عليك إخراجها بنفسك إن كنت تريدينها".
"تبّاً، تباً لهذا،"
ردت. سُمع صوت ملعقة معدنية تحتك بالخزف.
"سأكتفي بالسكر وحدي. مع هذا الحليب المصطنع البائس، هي لا تعدو كونها سكراً ودهناً على أي حال. لعلّي أضيف الزبدة وحسب".
قالت ران بجفاف: "تبدين مرحة حقاً هذا الصباح. على كلّ، لمَ لستِ مع البقية؟ ألا ترغبين في نيل الأسبقية في إحدى 'جلسات الاستشارة الشخصية' التي يتيحونها، أو ما شابه؟"
"أرجوكِ، لستُ بيائسة. ومن منافسي في هذه المرحلة أصلاً؟ إزيكييل، سيث، ولعل ثيودوروس وأوفيليا هن الوحيدون أظنّهم يكترثون لأمر إقامة العلاقات. أما البقية فإما أصغر من أن يبالوا، أو عقائديون أكثر من اللزوم، أو حمقى أغنياء، أو متكبرون عما لا يعنيهم".
توقفّت برهة.
"حسن إذن، أو تجلس أمامي حرفياً، ومن المفترض أنها لا تكترث لأسباب تخصّها".
"يفسد هذا غرض عدم ذكر الأسماء إن كانت هناك أربع فئات ولا يوجد سوى أربعة أشخاص تتحدثين عنهم حقاً".
صححت لها كام: "خمسة، بالحساب".
وبدت فئة 'الحمقى الأغنياء' واسعة بعض الشيء.
"على أي حال، قصدي أن المجلس لن يضيق وقتاً، وسيغدو على الأرجح أكثر وداً في وقت لاحق من اليوم، متى نفضوا عنهم غبار الصباح".
هطرت ران بضحكة خفيضة.
"أمتأكدة أنكِ لستِ غاضبة فحسب من طريقة تناولهم لعرضك؟"
تمتمت وملامح وجهها تظلم: "أوه، لا تذكري الأمر حتى. لا أزال عاجزة عن تصديق أن البروفيسور أبوسيريون كان الوحيد الذي لا يبدو متلهفاً لتمزيقه إرباً. ما كنتُ لأتخيل يوماً أن تعاطف النظام سيكون وضيعاً إلى هذا الحدّ".
أطلقت ران ضحكة قصيرة وخفيضة على إثر ذلك.
سألت كام في تحدٍّ: "ما المضحك في هذا، ها؟"
قالت ران: "لاشيء".
قالت كام باحتقار: "يا للهول، لا تبدئي بالتصرف مثلي يا سو. واحدة تكفي وتزيد".
عبرت البناء. كانت الغرفة شبه خاوية. أطباق فارغة وبقايا طعام — أغلبها كالصباح الأولوية عدا طبق عجة البيض الإينوتي — كانت الجوميل تنقلها بسرعة، ولم يبقَ إلا ما شغله الجالسون الأخيرون على المائدة: كامروسيبا، ران، وميهيت، ولم تكن الأخيرة سوى مَن تتناول طعامها بعينين مجهدتين وملامح شاريدة. كانت ران تقرأ كتاب التنانين الخاص بها، بينما كانت كام ترتشب القهوة من كوب. التفتت الاثنتان نحوي ما إن دخلت.
قالت كام: "مم، تكلّمني عن الشيطان. صباح الخير، يا سو، نظرياً. خشيت ران أن تكوني قد متّ".
رمقتها ران بنظرة استياء لوهلة، ثم التفتت نحوي.
"فاتك النداء الأخير للوجبات الحقيقية، لكنني أبقيت لكِ بعض البيض وبضع فطائر محشوة تفضلينها. إنها باردة قليلاً، لكن هذه المخلوقات أذكى من أن تسخّن لكِ الطعام في المطبخ إن أردتِ".
وأشارت بيديها إلى أحد الجوميل.
"أو يمكنك تناول بعض الحبوب، أظن ذلك. لديهم تقنية تحافظ على برودة الحليب".
صححت لها كام، مسندة رأسها على كفها: "حليب البقر فحسب. ليس للآخرين منه نصيب فيما يبدو".
بقيت واقفة عند المدخل شاردة النظر فيهما، ووجهي متجمد. وفمي مفتوح قليلاً.
سألت ران بعبوس حذر: "...سو؟ أتحبين بخير؟"
واصلت التحديق بها خصيصاً. الطريقة التي تجلس بها على المقعد. رداءها البسيط. عينيهما الصغيرتين الثاقبتين.
قلت: "...أه، أجل. عذراً".
سألت كامروسيبا: "ما الأمر، أوتسوشيكومي؟ تبدين مذعورة".
قلت: "ل-لا شيء. فقط... أفكر في أمر ما".
𒊹
بعد الفطور، عدت إلى غرفتي لأتأكد ـ قدر المستطاع ـ من قدرتي على التواصل مع العالم الخارجي. اتصلت بإيوا، إذ رغبت في التحدث إلى شخص لا صلة له البطلة أو حتى بالعالم الأكاديمي عموماً، وجعلتها تسرد عليّ مجموعة معلومات لا يعرفها سوانا. ثم حين سألَت عمّا يجري، أخبرتُها أنني في منشأة تحت الماء، وإن متُّ في ظروف غامضة، فالأمر ذنب البطلة، وعليها الذهاب إلى المراقبين. حاولتُ إبداء الأمر كأنّه مزحة، احتياطاً لاحتمال مراقبة المكالمة.
بعد ذلك، خرجتُ في نزهة طويلة جداً. وما إن انتهت أخيراً، حتى وجدتُ نفسي جالساً وحدي في الحديقة النباتية، على مقعد خشبي تحت إحدى الشجيرات. لم أُضيّع وقتاً يذكر هناك، لذا لم أتمكن حقاً من تقدير جمالها. لكنها كانت حقاً منطقة لطيفة وصغيرة. تشكيل الأرض والممرات بين الأشجار مع المقاعد المتقطعة والمعالم الغريبة التي فاتتنِي في زياراتي السابقة ـ مثل تمثال ديمل، ملكة البرية المحتضرة ـ نجحا في إعطائها شعور حديقة حقيقية.
خلافا للمحميات الحيوية الأخرى، كانت هناك حتى رياح مصطنعة تعصف بين حين وآخر، خالقة وهماً حقيقياً لفضاء مكشوف. أمعنت النظر باتجاه النيتايمالارو، غارقاً في أفكاري، وجسدي مستند بنصفه على أحد المسندين. شعري يتطاير ذهاباً وإياباً أمام وجهي. تذكرت كل شيء. أحداث تلك الليلة الرهيبة التي لا تنتهي. الملاذ في ذلك الظلام الحالك الساحق، عمليات القتل، وأسرار البطلة الدنسة لا الحصص التي ظهرت للعلن.
دوامة العنف والرعب التي بدت وكأنها تفكك الواقع نفسه. وجه بارديا المحطم، رائحة دم فان ومادة دماغه المتناثرة على ملابسي، عيناها الفارغتان والميتتان لران. موتي الخاص، وإحساس البرد الرهيب الشامل الذي سبقه. كلها منقوشة في داخلي، ملموسة لدرجة شعوري بإمكانية إغماض عيني والعودة إلى هناك. خوفي، وأملي، ويأسي. وعلى الرغم مما قالته، المكالمة مع نفسي الأخرى أيضاً... رغم أن تفاصيل ذلك الجزء كانت ضبابية بعض الشيء.
كل الوحي، وكل لغز إضافي، أوضح حتى ممّا كانا عليه في تلك اللحظة. لكن تلك الذكريات تراكمت فوق شيء آخر، كصفحة إضافية خيطت بفظاظة في منتصف رواية. سابقتها، ذكرياتي احتوت أيضاً على نسخة مختلفة تماماً ليس فقط لذلك اليوم، بل لعطلة نهاية الأسبوع بأكملها، بداية من صباح الجمعة ذاك في العربة. تماماً كما اقترح فان. معظمها كان متطابقاً. جرت الأحداث بترتيب متطابق تقريباً، وأجرينا المحادثات نفسها تقريباً.
كام ما زالت تلقي خطبتها، وما زلنا نتجادل حول معتقداتها الغريبة، وبعد ذلك ما زلت أخرج مع ران حتى اصطحبني بطليموس لرؤية البروفيسور نيندار. سلكنا الطريق نفسه إلى الملاذ والتقينا بمجموعة الفتيان في الوقت عينه. بدأت انحرافات صغيرة تحدث عند وصولنا، لكنها كانت تافهة في الغالب. لم أكن أشكك في سلامتي العقلية، لذا لم تبدأ الجولة إلا في اليوم الثاني، وقضيت معظم ذلك الجزء من المساء في جولة بمختبر لينوس الشخصي في برج البحث إلى جانب ران وكامروسيپا، قبل أن أصادف نيفيرواتين في طريق العودة وأقضي وقتاً أقصر معها في حديقة الدير.
ثيودوروس كان ما يزال راغباً في التحدث معي، وهو ما نسيت تماماً أمره بعد الشجار أثناء العشاء. اليوم الثاني سلك النمط نفسه إلى حد ما. حدث كل شيء بنفس الطريقة تقريباً، حتى مع العديد من الأحداث المشؤومة نفسها ـ وجدت الملاحظة في الكتاب الذي أعارني إياه البروفيسور نيندار، والتي قادت إلى التخطيط للتحقيق مع كامروسيبا، رغم أن الجولة قُطعت قبل أن نصل حقاً إلى الطابق الثالث.
بالتازار وأوفيليا تقابلا وما زالا يتسببان في الحدث التنبؤي، رغم أن بالتازار نفسه بدا مختلفاً تماماً، ليبدو محرجاً بحق بشأن فرض نفسه على مجموعتنا ويبذل قصارى جهده ليكون ودوداً بحق. زينو ما زال يعطيني الغرض الغريب، وستيث ما زال يخوض قتاله المرتب ظاهرياً مع بارديا، رغم أنني لم أره في طريق لقاء ساكنيكت في مركز الأمن، لذا لم تكن هناك طريقة للجزم بوقوع ذلك أم لا. أخيراً، ظهر فان في اللحظة الأخيرة مع المكون الغامض للأبيجا وعطل المؤتمر.
لكن هنا انحرفت الأمور. لم تكن هناك رسالة تهديد مسروقة على محرك منطق كام ـ ولا أي رسالة أخرى للموضوع. لا ظهور لأنّا الصغيرة، سوى اختبار مبهر بصرياً للأبيجا تلاه استعجال صفنا للعودة صعوداً. لا شخصية غريبة بقناع الطائر خلف الزجاج. ووفقاً لكامروسيبا على الفطور ـ التي أخذت على عاتقها على ما يبدو التحقيق في الطابق الثالث ـ لا جثة في غرفة السلاح ناهيك عن الحديث عنها، فقط بنادق ومتفجرات.
واليوم... في اليوم المفترض أن يفسد فيه كل شيء... لا شيء. لم آخذ كلام كامروسيبا، ولا كلام عقلي الخاص. انطلقت بعد بضع دقائق فقط على الطاولة واستكشفت الملاذ بأكمله بمفردي. تحققت من موقع كل جريمة؛ مطبخ بيت الضيافة، غرفة القناع (لم يُفقد شيء)، مركز الأمن والصندوق الذي يحوي أدوات بطليموس القذرة. دخلت غرفة النوم التي استيقظت فيها وقاعة الاستحمام المقابلة لها. تفقدت برج ساميوم من الخارج، متأكداً من عدم انكسار أي نافذة وعدم وجود شيء حول الأرض.
ثم تحققت من جميع الأماكن الأخرى ذات الصلة بجرائم القتل. الباب المختوم تحت برج البحث ـ ألقيت نبوءة صغيرة، ومما يمكنني استخلاصه بناء على الميكروبات الميتة في المنطقة، كانت قصة لينوس الأصلية صحيحة بعد كل شيء، ولم تكن أكثر من رصيف بحري صغير. أطلقت نظرة عبر ثقب الباب إلى غرفة إقناع البطلة لأرى ما إذا كان أي شيء قد حُطّم، لكنه لم يكن كذلك. تحققت من غرفتي وغرف تبديل الملابس أدناه بحثاً عن أي مؤشر على المعركة بين سيث وإيزقيل المفترض أن تدمرها، لكن لم يكن هناك ما يُعثر عليه.
وطبعاً تحققت من مخزن المؤونة، لكنه كان مجرد ذاك ـ مخزناً عادياً ممتلئاً بطعام طبيعي ومحفوظ جيداً. المكان الوحيد الذي تعذر علي التحقق منه هو المحمية الحيوية المخفية. فكرت في المجازفة، لكنني قررت أن الأمر لا يستحق عناءه. مع كون الملاذ في حالة مستقرة حقاً، سيقبض علي الأمن بالتأكيد. بعد كل هذا، تجولت بلا هدف، مستمعاً لأحاديث الناس. دورفاسا يجري محادثة مع سيث حول مسيرته المهنية وآماله في دخول ممارسة الطب خارج الحدائق؛
بدا أكثر لطفاً مما كان عليه على العشاء أو خلال المؤتمر. لينوس يعطي أوفيليا نصيحة تبدو عامة في القاعة الرئيسية. نيفيرواتين، ليليث وبارديا يناقشون الفن في المعرض. مهيت تجري محادثة هادئة وشخصية مع هاميلقر في غرفه الخاصة. لم يكن أي منهم يناقش شيئاً غير معتاد، ولم يكن هناك أي مؤشر على شيء يختمر تحت السطح. كان الأمر مجرد... يوم عادي. أكان كل ذلك حلماً؟ خيالاً حياً عصياً على الفهم لعقلي المنكوب بالحزن؟
لا، لم يكن ذلك ممكناً. فبعد كل شيء، رأيت الكثير من الأشياء على مدار ذلك الكوبوس والتي ما كان لي أن أعرف عنها. وفي حين لم أستطِع تأكيد الأعظم منها دون لفت الانتباه لنفسي، كان هناك غيرها ممّا هو دنيوي وسهل التحقق منه. على سبيل المثال، في هذا... الواقع، لم أسبق لي زيارة الجزء العلوي من القاعة الرئيسية ورؤية النسخة المصغرة من جدارية جلجامش، لكنها كانت هناك. وكذلك الممر الخفي إلى الحديقة النباتية من غرفة الانتقال، أو حتى تفاصيل أكثر تفاهة مثل أي قناع ينتمي لأي عضو في المجلس والتي كان التحقق منها سهلاً.
إذن... كان لابد أن يكون كل ذلك حقيقياً. ومع ذلك، أنا وحدي من تذكر. تماماً كما قالت نفسي الأخرى. لم أدرِ بما أشعر. أكان يجب أن أكون سعيداً؟ بأن كل تلك الأحداث المأساوية، وحتى الظروف التي سبقتها، قد مُسحت ببساطة؟ محيت من الواقع؟ لم أكن أشعر بالسعادة. كنت مرتبكاً في الغالب. أردت أن أفهم، لكنني لم أعرف حتى من أين أبدأ. ماذا كان علي فعله أصلاً؟ الذهاب إلى ران أو أحد الآخرين ومحاولة شرح أنني تذكرت فجأة نسخة مختلفة من اليوم قُتلوا فيها بوحشية، وبالنسبة للفتيان، ربما كانوا قتلة بأنفسهم أو متواطئين على الأقل لعدة مرات؟
بدا ذلك وسيلة رائعة لأُحوّل إلى مستشار للصحة النفسية، خاصة وأنني سأصارع حتى لإثبات الأمر دون التسبب في نوع من الحوادث. صادفت ثيو أثناء التطلع في المكتبة، وكان رأسه عميقاً في كتاب، وحاولت ألا أبدو كمن شاهد للتو ثعباناً يزحف من تحت وسادته بينما نتبادل التحيات. ماذا كنت لأقول له؟
"هي، ثيو، زرت واقعاً بدئياً كنت فيه قاتلاً متسلسلاً، ويمكنني إثبات ذلك بحقيقة أنني أعلم بأنك معجب بي؟"
كان الأمر مفارقاً للواقع بجنون. الاقتراب من أحد أعضاء البطلة كان طرحاً عبثياً بدرجة أكبر. بالكاد استطعت اتهامهم بتفاصيل خطة لينوس المعترف بها لتدبير قتل جماعي لأجل، لأسباب لم أزل أستوعبها، تزييف موتهم. لأنه لم يحدث. لماذا لم يحدث؟ أكانت الظروف المفترض أن تقود إليه قد عدلت بطريقة ما، أو لم تكن موجودة في الواقع أصلاً؟ لم يكن هناك أي دليل مادي يمكن العثور عليه، ولا حتى الأشياء التي كنت تتوقع إعدادها مثل دائرة الطقوس المتضمنة في اختفاء دورفاسا.
لم أعرف بما أفكر حيال ذلك. ربما لم يكن أمراً يمكن التفكير فيه. لم يكن هناك تفسير عقلاني لما حدث. القوة لا يمكنها التأثير على العقل، لذا لم يكن الأمر كأن تلك الذكريات قد اختلقت جشعا وأدرجت اصطناعياً؛ مجدداً، كان لابد أن يحدث الأمر، بصورة ما. ولكن رغم تطابق أجزائه بوضوح مع الواقع، لم تكن هناك طريقة للجزم بما إذا كان كله كذلك. ليس دون معرفة سبب الظاهرة من الأساس. فيما يخص ذلك، عثرت على دليل واحد فقط.
عندما سألت كامروسيبا وران عما إذا لاحظا أي شيء غريب يحدث طوال الليل، ذكر الأخير شيئاً طرحه بارديا على الفطور: أنه حين كان قلقاً ومستيقظاً حتى وقت متأخر من الليل في الحديقة، لاحظ ضوء زهرة الأبد يسطع لفترة وجيزة، ثم ينطفئ تماماً لدقيقة تقريباً. لابد أن الأمر مرتبط. ظلت الأبيجا المرشح الوحيد دائماً فيما يتعلق بالأشياء في الملاذ القادرة تخييلياً على تحريف الزمان والمكان على هذا النطاق ـ لتجديد العالم بأكمله نظرياً، كما تعبير زينو.
ومع ذلك، كان طريقاً مسدوداً. أتيت إلى هنا آملًا ملاحظة شيء مختلف عن النيتايمالارو، ولكن حتى لو وجد، فلن أعلم عما أبحث. لم أكن أفهم كيف تعمل. لذا جلست هناك فحسب. متسائلاً عما إذا كان بإمكاني إقناع نفسي بأنه كان حلماً بعد كل شيء. سيكون الأمر مريحاً حقاً لو أمكنني ذلك. في النهاية، وبعد انقضاء بعض الوقت، سمعت خطوات بطيئة وناعمة تقترب على العشب. استطعت تمييز صاحبها، لكن عقلي بدا متشبعاً أكثر من أن يلتفت أو يحييها.
كل ما استطعت فعله هو مواصلة التحديق في الألوان الغريبة من الهيكل/النبات الغريب الملتف خلف العشب. لحسن الحظ، لم تبدو مهتمة بذلك.
"يبدو أنك منشغل به تماماً"، قالت نيفيرواتين، وهي تتحرك لتقف إلى جانب المقعد، ويداهما متشابكتان خلف ظهرها.
"أفترض أن عليّ الشعور بالإطراء، لكن بصراحة، دورفاسا تولى معظم الجانب الجمالي".
عضت على شفتها، عاقدة حاجبيها قليلاً.
"رغم أنني لم أكن واثقة أبداً لماذا قرر جعل الشكل بهذا القدر من الغرابة. أفترض أنه أراد استغلال حقيقة أن تصميمي للمادة الأساسية يجعلها غير قابلة للكسر تقريباً بغض النظر عن الجاذبية، لكن الأمر مبالغ فيه بعض الشيء".
كان يجدر بي الشعور بالارتياح لسماع صوتها، وأعتقد أنني شعرت بذلك. لكن مع ذلك، واصلت التحديق، وجبينا يعقد تدريجياً بينما أتأمل عميقاً في الجلبة الغريبة الزيتية. كأنني سأفهم كل شيء فجأة لو أنني رأيته في الضوء الصحيح فحسب. أمالت نيفيرواتين رأسها.
"اعذرني، لا أقصد إزعاجك إن لم تكن في مزاج للحديث".
ترددت، وانكسر تركيزي أخيراً ليتجه نحوها.
"أ-أوه، لا. معذرة، المعلمة الكبرى"، قلت بتصلب.
خلعت نظارتي، محكاً عينيّ.
"لماذا عمل دورفاسا على المشروع على أي حال، إن كان مرتبطاً بمشروع جدي في الأسفل؟"
كدت أنطق الاسم، قبل أن أتذكر أنه لم يُفترض بي معرفته.
"ظننت أنه يكرهه".
ضحكت.
"أتظن أنه يكرهه؟ أأمر غيابه مساء أمس؟"
أشيرت نيفيرواتين بالطبع إلى الاجتماع مع البطلة حيث عرضوا جعلي عضواً فخرياً، والذي حدث أيضاً في هذه النسخة من الواقع. لم يسفر عن الكثير. أعطاني هاميلقر خطاباً قصيراً يتحدث ـ بعبارات مبهمة للغاية ـ عن مدى أهمية الشخصية التي كانها جدي في التنظيم ومنح العرض، فشكرته بغزارة (وبشكل مزعج) لكنني أخبرته أنني لست مهتماً. قال إنه يأسف لسماع ذلك وسمح لي بالمغادرة. أما فيما يخص مشاعر عضو المجلس بشأن الأمر برمته، فلم يكلفوا أنفسهم عناء التحفظ بشكل خاص.
بدا واضحاً موافقة زينو ولينوس، ومعارضة أنّا الواضحة، وبدا هاميلقر ونيفيرواتين في حياد بعيد ومتضارب على التوالي. دورفاسا، مع ذلك، لم يكلف نفسه عناء الحضور. فركت عيني.
"هذا وبعض القرائن السياقية الأخرى، أعتقد ذلك".
همهمت نيفيرواتين لنفسها، ناظرة إلى السقيفة.
"شخصياً، لا أجسر على ادعاء معرفة ما يكمن حقاً في أعماق قلب الرجل"، قالت بابتسامة خفيفة.
"لكنه انسجم معه جيداً، في يوم من الأيام. السنوات وحدها جعلت منهما شخصين مختلفين، كما تفعل غالباً".
أومأت برأسي عن بعد.
"بالمناسبة، أخبرني عصفور صغير أنك قضيت الساعات الثلاث الأخيرة متجولاً في الملاذ كزومبي"، أضافت.
التفتت لأنظر إليها. صورة جسدها المعلق على برج الجرس قفزت إلى ذهني.
"عصفور صغير؟"
"عصفور صغير يدعى ساكنيكت"، وضحت، ونبرتها تحمل تسليطاً من التسلية الهادئة.
"أعتقد أنها كانت قلقة من كونك تستطلع الموقع بنية سرقة ما. بالطبع، أعرفك بما يكفي لأكون واثقة أنك لن تكون مهملًا أبداً، إن كانت تلك هي نيتك".
ابتسمت بارتباك.
"أهناك ما يشغل بالك؟"
سألَت.
"لا بأس إن كنت تفضل عدم قضاء الأحد متبنياً مجموعة من الأفاعي العجوز مثلنا، الآن بعد أن انتهت الأجزاء الإلزامية. لكنني سأكره أن يحدث لك شيء مزعج تحت مراقبتي".
ألقيت نظرة نحو الأسفل.
"لا، أنا... لا شيء"، قلت.
"لم أرك على العشاء ليلة البسة أيضاً"، قالت، عاقدة ذراعيها بينما التفتت هي نفسها لتتأمل زهرة الأبد.
"أحدث شيء أثناء لقائك مع ساميوم؟ لا رغبة لي في الفضول، لكن..."
شددت شفتي.
"لا، ليس الأمر كذلك".
تحركت بارتباك، ناظراً إلى الجانب.
"أيمكنني طرح سؤال عليك، المعلمة الكبرى؟"
"بالطبع"، ردت.
"تفضل".
أخذت بضع لحظات للتفكير في الأمر.
"...لو أخبرتك أنني حلمت بأن عطلة نهاية الأسبوع هذه سارت بشكل مختلف تماماً، وحدث شيء مروع، فماذا ستكون إجابتك؟"
رفعت حاجبها.
"لست متأكدة".
فكرت في الأمر لحظة.
"أظنني سأقول إنه يجب عليك أن تكون سعيداً لكونه حلماً فقط".
"حتى لو كان حياً بشكل لا يصدق؟"
سألَت.
"واحد يمكنك الحلف بحياتك أنه كان واقعاً؟"
هبت هبة أخرى من الرياح المصطنعة، دافعة قماش رداءاتها البيضاء للرقص.
"حسناً"، قالت، "إن كنت هنا الآن، فهل يهم إن كان حقيقياً أم لا؟"
"أشعر أنه يهم"، قلت.
"نحن جميعا نشعر بأشياء"، أخبرتني.
"لكن الحياة هي ما هو مادي في اللحظة الحاضرة. في النهاية، لا يوجد أكثر أو أقل من ذلك".
ربما كان بإمكاني الضغط بقوة أكبر. لو كانت نيفيرواتين تعلم شيئاً حقاً، فهي كانت تشير بوضوح إلى عدم رغبتها في الحديث عنه. لكن لو طرحت كل شيء، لربما أمكنني اجبارها على الاستجابة، حتى مع خطر جعلها تعتقد أنني مجنون حقاً. أعني ـ لقد كانت هي المدبرة لحضور فان لإعادة تنشيط الأبيجا، وبناء على القرائن السياقية، ربما كانت متورطة بعمق في المشروع. وطبعاً كانت جزءاً من الدائرة الداخلية، لذا ستعرف حقيقة ما كانوا يخططون له.
لكن أكان ذلك حكيماً؟ لم أفهم حقاً كيف حدث هذا. ربما، ورغم أن العالم الذي أنا فيه الآن بدا خالياً من كل العوامل التي تسببت في تفكك المأساة في العالم الذي أتذكره، ظل البعض يفقس تحت السطح بغض النظر. مما يعني إمكانية إفساد هذه الحالة الجديدة للأمور، وإشعال كل شيء مجدداً. بدا هذا الاحتمال أسوأ بكثير من مجرد الارتباك. ماذا قالت نفسي الأخرى؟ إنها أرادت مني أخذ ما اختبرته كدرس في كيف يمكن للأمور أن تزداد سوءاً دائماً.
حتى لو بدا الكثير مما أخبرتني به خاطئاً جوهرياً، فتلك، على الأقل، نقطة جيدة. لم أرد لران أو نيفيرواتين، أو أي من الآخرين، أن يموتوا. حتى لو فعلوا أشياء خاطئة. منطقياً، إن أردت إجابات، فأعقل ما يمكن فعله هو الانتظار. امتلكت معلومات تواصل نيفيرواتين. كان بإمكاني الانتظار حتى نعود بسلام إلى يرو القديمة، ثم محاولة حل هذا من مسافة آمنة. لذا هذا ما فعلتُه.
𒊹
بالتأكيد، جرى أمر آخر بالطريقة نفسها تماماً: لقائي بساميوم. الفارق الوحيد هو أنني تفاعلت مع الأمر هذه المرة بشكل أشدّ إبهاراً بكثير. لم أكتفِ بعدم أخذ الكتاب الذي عرضَه عليّ، بل تراجعتُ -مثلما لمح نفرتاتين- إلى غرفتي باكياً، حيث بقيتُ حتى الصباح. فاتني العشاء. وكانت المرة الأولى التي أرى فيها ران منذ وقوع الحادثة هي تلك التي جمعتنا على مائدة الإفطار. كنتُ بحاجة إلى إخبرها بما حدث.
لكني ما زلتُ أشعر وكأنني وقعتُ في صدمة من جراء رؤية جثتها. لم أكن أعرف كيف أحدثها. لم أكن أعرف حقاً كيف أحدث أي شخص. ما هذا الشعور؟ إثم الناجي، رغم أن أحداً آخر لم يمت أصلاً؟ بعد أن مللتُ من تأمل الزهرة الخالدة، عدتُ أهيم على وجهي، لكن هذه المرة بلا هدف محدد. انتهى بي المطاف هائماً في منطقة المقابر، متردداً بين دخول الحرم الداخلي للبحث عن ران، أو بذل جهد شكلي لإقامة علاقات مهنية مع النظام كي لا يطرح الناس الأسئلة.
واصلتُ النظر إلى البركة، متسائلاً عما إذا كان يجدر بي الغطس لأرى إن كان المحيط الحيوي الخامس موجوداً حقاً. ربما سيعتبرونني راغباً في السباحة فحسب ولن يلقوا بالاً للأمر. لكنني بالطبع لم أُقدم على ذلك. أدركتني ران في نهاية المطاف.
قالت وهي مقبلة من جهة قاعة المؤتمرات: "أهلاً يا سو".
أجبتُ بصوت خافت: "أهلاً... مرحباً".
ألقت نظرة حولها وهي تكمل اقترابها.
"تتسكع قرب المقابر إذن".
"ن-نعم".
مازحتني قائلة: "أفكر في إحداث بعض الأطياف أو ما شابه؟ هدم هذا المكان؟"
قفزت إلى ذهني بوضوح فورة ما فعلته بجسد حزقيال، ثم بثيودوروس لاحقاً، فهام بصري نحو الأفق البعيد. حدقت فيّ ران باسترابة لبضع لحظات.
"...أمم، إذن، الجميع تقريباً يضيعون وقتهم في القاعة الرئيسية الآن. ظهر زينو بهذا الجسد الغريب مجدداً، وكمروسيبا تحرج نفسها وهي تحاول مخاطبتهم دون أن تبدو وكأنها تجد الأمر غريباً للغاية".
توقفت برهة.
"...قد يكون الأمر ممتعاً للمشاهدة".
أطلقت زفيراً: "هه. نعم".
"يبدو أنهم سيجرون تصويتاً بشأن ما سنتاوله على العشاء في هذه الليلة الأخيرة أيضاً. يبدو أن الطاهي يخطط لبذل قصارى جهده".
توقف قصير.
"...أعني، إن كنت ترغب في اللحاق بالأمر، بما أنك لم تكن حاضراً في الإفطار. أو الغداء".
قلت: "ع-عذراً. أعتقد، أنا أمم".
فتحت فمي وأغل مراراً، واصطكت شفتاي الجافتان بعضهما ببعض.
"أحتاج فقط إلى القليل من الوقت لتصفية ذهني".
قالت وهي تعقد حاجبيها قليلاً: "صحيح".
مرت لحظة أخرى. حدقت في أحد القبور. كان الاسم المكتوب عليه وو ماو. لقد ماتت منذ ثلاثمئة عام.
قالت ران وهي تشيح بوجهها: "اسمع. لست مجبراً على الحديث عن أي شيء بعد. لا بأس. أنا أقدر ذلك".
شعرت وكأن عضلاتي توترت جميعها دفعة واحدة.
قبضت على يديّ: "ران--"
قالت بسرعة: "حقاً. فقط... تعال وتناول شيئاً، حسناً؟"
لم أطق بكلمة، فاستدارت وعادت أدراجها إلى الداخل.