زهرة ازدهرت في مكان لم تزرها الفصل 134 — نجا بفعلته

اقرأ زهرة ازدهرت في مكان لم تزرها الفصل 134 — نجا بفعلته باللغة العربية على مانجا تايم.

"الامر ليس علما دقيقا تماما، ولكن من الممكن فعل الكثير وقت البدء نفسه للتأثير في القابلية للتطكل لاحقا"، استطرد ساميوم.

"على سبيل المثال، تبدأ الروحان الأصلية والغريبة منفصلتين تماما، ولكن تتكون الروابط بسهولة إن أراد المرء ذلك، مما يمنحه قدرة أكبر على توجيه تطور حالته الواعية القصوى..."

أصدر صفيراً خفيفاً وازداد صوته إجهادا.

"ولكن حتى في تلك الحالة، تتلاشى تلك التعديلات لتصبح بلا قيمة تقريبا بعد بضعة عقود مقارنة بالنمو الطبيعي للعقل نفسه. بالطبع، لم أسعَ وراء ذلك في حالتك مطلقا، إذ بدا عقلك غير مستقر... والآن، سيصبح أي تعديل إضافي مستحيلا تماما. لا يمكن تغيير روحك مباشرة. كنت أظن... نغغ... أن الحصول على هذه المعلومات سيكون سهلا نسبيا، حتى مع اعتبار اللوائح المذكورة آنفا حول هذا الموضوع."

حدقت فيه.

"لكن، بالنظر إلى منظورك، حيث يصعب تأكيد المعرفة الأساسية أو نفيها قطعا... أفترض أنه من المفهوم أنك قد أسأت الفهم"، صرّح.

"إنه يؤول حقا إلى تلك التقنيات الثلاث فحسب. الخلق، والحركة، والإصلاح. وهناك الكثير ليقال عن كل منها، لكن..."

سعال آخر، وخرج هذه المرة قليل من اللعاب متدحرجاً على جانب شفته.

"...لكن لا شيء ينطبق على من اجتاز مرحلة البدء بالكامل."

شحب وجهي. فتحت فمي، لكنني عجزت عن الكلام.

"حتى لو اكتُشفت وسيلة للتعامل مع الروح مباشرة... وهو أمر غير مستبعد إن استأنف التقدم في العلم بحثه... لن يكون مثل هذا الأمر ممكنا على الأرجح. فحتى مع عدم وجود قيود لدينا على تغيير الدماغ المادي، ليس الأمر كما لو كان بإمكاننا إجراء تعديلات مستهدفة على الذاكرة والشخصية عبر الجراحة. ليس بالقدر الذي تبدو فيه... آملنا، على الأقل."

ابتلع ريقه وأخذ نفسا عميقا.

"لن يوجد بحلول الآن ما يُمیّز بين جزئي عقلك عما كانا عليه قبل البدء. وعاءان من السائل، إن مُزجا، استحالة فصلهما. إلا بالتصفية الفجة."

"أعتذر إن لم يكن هذا ما ترغب في سماعه"، تابع بعد لحظة.

"...لكن، لهذا السبب بالذات أقول إنه لا ينبغي لك النظر إلى نفسيتك بهذا المنظور الثنائي. ورغم أي نزعات مسبقة، يظل عقلك في النهاية كينونة متكاملة... من ذاتك الأصلية والغريبة. والأهم من ذلك مجددا، العقل سائل. يمكنك..."

سعال حاد وسريع، يكاد يشبه العطسة.

"...تصور نفسك بالطريقة التي تشاء. إن أردت رؤية نفسك حصرا بوصفك أوتسوشيكومي من فوساي، فيمكنك مقاربة الوضع كالتخلص من أي انشغال، أو وهم، أو فكرة مكروهة... إن شئت، يمكنني أن أوديك بكتب عدة في التأمل، أو اليقظة الذهنية، أو بعض المختصين في العلاج السلوكي المعرفي..."

"أنت تردد الكلام نفسه الذي قالوه لي في نهاية علاج الاندماج"، قلت وبنبرة بعيدة.

"حسن... على عكس التنويم المغناطيسي المزيف وعلاج الصدمات الكهربائية في خطة العلاج نفسها، فهي نصيحة سديدة"، زعم.

"بالطبع، لا تكون مثل هذه الطرق فعالة دائما. بعض الناس واعون لأنفسهم أكثر من اللزوم. لكن في تلك الحالة، كما قلت، قد يكون الوقت وحده كافيا. تشبث بالمشاعر والذكريات التي تعزها أكثر من غيرها، وسيخفت الباقي، أو يصبح بعيدا على الأقل وبشكل منتظم."

أغمض عينيه لحظة وأطلق أنينا.

"...أو إن لم ينجح ذلك، فقد رأيت أيضا من عانوا فشل الاندماج باهتمامات مشابهة يحققون بعض النجاح باستخدام المخدرات، والتي يمكنها تسريع تكوين الروابط العصبية بشكل هائل..."

"مخدرات."

تكلمت بهدوء شديد، وبتلميح من السخرية المرة والبعيدة.

"أنت تخبرني أن الحل هو تناول العقاقير المخدرة."

قطب حاجبيه قليلا.

"حسن، لن أقول (حلا)... إنها إحدى طرائق عديدة يمكنك تجربتها لتقريبك من حالة العقل التي ترغب فيها، أو لمنحك بعض الراحة في وضعي على الأقل."

لا يمكن أن يحدث هذا، فكرت. لا، لا. لا يمكن أن ينتهي الأمر هكذا.

"ق-قلت مسبقا"، أخبرته وصوتي يتهدج.

"راحتي لا تهم."

"هذا..."

"لا... لا، لا بد أن هناك شيئا لا تقوله"، أصررت ناظرا في عينيه بحثا عن أي أمارة خداع أو تحفظ.

"لا بد أن هناك شيئا يمكنك تجربته. عملية تجريبية ما. قلت إنه لا يمكنك تعديل روح أكثر بعد البدء، لكن لا يزال بإمكانك ربطها بروح أخرى، أليس كذلك؟ ألا يمكنك، لا أدري... صنع نوع من الروح الاصطناعية مصممة خصيصا لإصلاح هذا، ثم إزالة روحي وإلصاقها بها، ثم إعادة إلصاق النتيجة؟"

أطلق ساميوم ضحكة خرقاء، هذه المرة بالمعنى المعتاد لكلمة (خرقاء) لا تلك المرتبطة بالألم الجسدي.

"أه، حسن... لست متأكدا من إدراكك لعدد الاقتراحات المستحيلة التي طرحتها للتو في جملة واحدة."

سعال بصوت أخف هذه المرة. بدا وكأنه يتحسن قليلا الآن بعد أن انساق في الحديث.

"لسبب واحد، ما من طريقة لاستخراج روح من دون تدمير الدماغ. أذكر أنني أخبرتك بذلك آنذاك... لذا فإن (الذهاب والإياب) بالطريقة التي تصفها أمر مستحيل. كما لا يمكن إجراء البدء ما لم تكن روح ما مثبتة مسبقا في جسد مادي."

"أ-أيمكنك استنساخ جسدي الحالي، أليس كذلك؟"

سألت بهلع.

"أعرف أن زينو فعل ذلك، بالجسد الذي استخدمه حين كنا نقدم عروضنا... صنع نسخة من جسده الأصلي. يمكنك فعل ذلك، ثم إلصاق الروح المصممة لإصلاح الأمور، ثم روحي، أو شيء من هذا القبيل؟"

"أنت لست..."

تردد ناظرا إلى الجانب.

"حسب فهمي، ما يفعله البروفيسور أبوسيريون قائم على التحكم عن بعد في الجسد. تذكر أن القوة لا يمكنها التأثير في الدماغ. يمكن استنساخ جسدك، ولكن ليس... مما يعني أن دماغ بشري جديد كليا سيحتاج إلى النمو أو الحصول عليه بطريقة ما في هذا السيناريو، والذي سيمتلك بدوره روحه غير الكاملة، والتي ستكتمل بعد ذلك بإلصاق هذه الروح الاصطناعية الافتراضية -مم...- التي ابتكرتها على ما يبدو، مما يعني أن البدء الإضافي سيصبح مستحيلا بعد ذلك--"

"ماذا لو صنعت نسخة من روحي، عوضا عن ذلك؟!"

طالبت.

"أ-أليس هذا ما فعلوه للحصول على تلك المستخدمة عادة للبدء، مع كل أولئك الذين لم يتمكنوا من أخذهم أثناء الانهيار؟ ثم يمكنك ربط تلك بجسد جديد، و..."

انتفضت مقطبا.

"لا، انتظر، هذا لا ينفع... بل، يمكنك تعديل النسخة مباشرة! غيرها بحيث يكون شيكو كل ما تبقى، ثم تخلص من هذه لكيلا يعرف أحد!"

حدق ساميوم في بوجه مفزوع لعدة ثوانٍ، غير عالم على الأرجح بما سيقوله إزاء انحداري نحو الخيال الخالص. كنت في هذه المرحلة أبتعد عن العلم الراسخ لدرجة أنني كنت سأطلب منه تماما تحضير إكسير سحر يحولني إلى قط. لم يعد الأمر يُسمى يأسا حتى. كان غباء فحسب. لمحت لفترة وجيزة شيئا غريبا في تعبيراته. أثرا من المرارة والغضب يكاد يظهر، ولكنه ليس موجها لي.

"أم..."

مد يده إلى أحد الأنابيب المتصلة بمنطقة فمه وعنقه ضاغطا زرا. تدفق السائل صعودا نحو فمه وأطلق أنينا خفيفا وهو يفكر.

"...بينما يكون افتراضيا ممكننا استنساخ روح قائمة بالجملة، ثم استخدامها لإجراء بدء... فإن الجزء الأول من هذا الإنجاز لم يُحقق منذ العصر الإمبراطوروي، حين كان المرء قادرا بعد على استخدام الحديد."

استطاع رفع يده لفرك عينيه.

"ولكن، حتى لو تم ذلك... كما قلت، لا يمكننا إعادة صياغة روح مجتازة للبدء لتحقيق غاية محددة جدا بأكثر مما يمكننا إعادة صياغة الدماغ بالمشرط. ولا اقتراحك بخصوص (روح مصممة) لهذه الغاية بواقعي حتى على صعيد تجريدي، للسبب ذاته غالبا."

ظللت أحدثه بحدقة مذهولة.

"ربما كان طائشا مني إدراج ذلك كدالة ثالثة لفن الأنا،"

تابع، "إذ لم أشارك في مثل هذه المساعي سوى اثنتي عشرة مرة في حياتي كجزء من تجربة مع النظام نفسه. تركز جل أبحاثي على عنصر النقل. كمال ما استخدمته لاستخراج روحك أصلا... وسيط الجسم الجسدي ومرساة الغشاء. أو مفتاح النجم، كما سماه زملائي إشارة لشكلها المميز. صنيعة تستخدم لعزل روح معينة بشكل مستقل عن جسد إلى أجل غير مسمى، وجعل فحصها ممكنا. توسيع نطاق..."

سعال آخر.

"...وكالتنا على نظام التخصيص العشوائي لعمال الحديد، أو الحلول البديلة الأكثر فجاجة..."

"مفتاح النجم"، تمتمت متذكرا استخدامه للمصطلح قبل اثني عشر عاما.

"مم"، قال بنبرة جادة ومومئة.

"...لكن على أي حال، هذه التفاصيل زائلة، لأنه حتى لو لم يكن الأمر كذلك... فلن تكون النسخة أنت."

تردد.

"أعني... حتى لو شعرت بغير ذلك، فلا تزال هناك سلسلة متصلة بين ذاتك الحالية و(أوتسوشيكومي من فوساي) التي ولدت قبل ثلاثة عقود. أكثر بكثير مقارنة بـ... هويتك الأخرى... فعل ما تصفه بينما تقتل (أنتك) الماثل أمامي سيكون عكس ما تبدو راغبا فيه. عكس (إنقاذ) ذاتك ما قبل البدء."

هززت رأسي وشعرت وكأنني على وشك التقيا.

"لا، لا بد من أمر تفعله. شيء لتجربته."

"أنا آسف"، قال ببساطة.

بدا وكأن عقلي قد ارتطم بجدار.

"لا، هو... أنا... لقد كنت أبحث عنك منذ ثماني سنوات. أنا فقط... لم ألجأ إلى الطب الغامض إلا لأعرف أين بحق الجحيم ذهبت!"

امتلأت عيناي بالدموع.

"وأنا... ران، هي..."

هززت رأسي بحدة.

"من المفترض أنك قادر على إصلاح هذا!"

اتسعت عيناتا ساميوم.

"...لقد اخترت مسارك المهني بأكمله... فقط فرصة لإجراء هذه الحياد؟"

أومأت بضعف، وشعرت مجددا بأنني بالكاد أستطيع النظر إليه. لم تكن الحقيقة الكاملة ـ فمن الواضح أن رغبة شيكو في أن تصبح معالجة قد ساهمت هي الأخرى، إذ أردت ترك حياتها في أفضل حال استطعت ـ لكن لو علمت أن الأمر سينتهي هكذا، لما تجاوزت قط التدريب السام البسيط في أوريسكيوس.

"لا أعرف ما أقوله"، قال ببرود.

"أكرر، أنا آسف حقا. كان علي أن أبذل قصارى جهدي لأتحدث معك بصورة لائقة بعد ما حدث لـ █ █ █ █ █. ربما أمكن تفادي هذا، وكنت لتستقر على حالة ذهنية أفضل--"

"كم مرة يتعين علي القول إني لست الشخص المهم هنا؟!"

صرخت، وخرجت الكلمات متخبطة بين الشهقات.

"لماذا تتصرف وكأنني مجرد عابر سبيل سيء الحظ؟ لقد قتلتها! أسوأ من القتل!"

التوى وجهي في عبوس.

"لقد سرقت حياتها بأكملها! غقوت عقلها كوحش في قصة أطفال! ولم أسمح حتى لمن يحبونها بالحزن، لأنني أخذت (تلك التي) تعيش في عقولهم واستبدلتها بنفسي!"

صمت ساميوم، محولا بصره نحو طرف السرير بحزن.

"وأنت ساعدتني في فعل ذلك"، واصلت وأسناني مصكوكة.

"أنت... لقد سايرت الأمر فقط، لمجرد مساعدة صديقك على الشعور بتحسن! والآن تخبرني ببساطة أن أتخطى الأمر؟ أن الشيء الوحيد الذي بوسعي فعله هو تجربة الفطر، أو أي هراء من هذا القبيل؟ ألا تشعر بأي خزي بحق الجحيم؟! ألا تفهم كيف أشعر؟!"

كنت قد فقدت في هذه اللحظة جل ضبط النفس وكنت أصرخ في وجهه بلا مبالاة. ولحسن الحظ أن الأصوات الصادرة من الفناء الخارجي بدت وكأنها توقفت، فلو كانت لا تزال هناك، لكان هنالك احتمال كبير أن يتمكنوا من التقاط بعض ما أقوله.

"لقد قلت... إنني نادم"، تكلم ساميوم بتعب.

كان رده فاترا للغاية، وصبور النبرة لدرجة أنه أفقد أشرعتي رياحها قليلا. استنشقت مخاطي، مخلعا نظاراتي ومحدقا في وجهه المحتضر عبر عيني المنتفختين. مرت لحظات عدة. تحرك مخلوق بحري كبير عبر الماء خارج السياج الحيوي، فقطع جذعه البيضاوي الطويل الضوء القادم من الزهرة الأبدية.

"آسف لـ..."

سعال مكتوم آخر. أبطأ وتيرة كلامه قليلا.

"...الذنب الذي تحمله معك. أتمنى لو بوسعي قول شيء يبعث على الراحة بمعناه سوى أنك لست مسؤولا عن أفعال ذاتك السابقة."

أنت حقا لا تفهم، أردت أن أقول. ربما تظن أنه لا بأس من استخدام أي حيلة في المنظور لإنكار الواقع. لكني أتذكر ما كان في قلبي يوم تواصلت معك للمرة الأولى، ويوم التقينا في ذلك المبنى المكتبي. وللأشهر والشهور التي تلت ذلك. الغضب. الشوق. التطلع المنحرف والإثارة. الفرح والتحقق. الذاكرة هي الذات، والذات هي المسؤولية. وتلك المشاعر تتأجج بوهج أكبر من أي شيء آخر، في أي من الحياتين، قبلها أو بعدها.

لكني تذكرت مجددا تغير موقفه قبل البدء وبعده، وعرفت أنه لا فائدة. نظرت إلى يدي، وعيناي غائمتان.

"حين حدثتني للمرة الأولى، في ذلك الحين، عبر جسر المنطق ثم في ذلك المبنى المكتبي..."

بدأت، ونبرتي كئيبة، "كنت مقززا حينها، أليس كذلك؟ من أفعالي."

صمت ساميوم لحظة.

"...لن أقول مقززا"، قال.

"أعترف أنني احتقرتك بسبب خيانتك لمن عرفت أنها كانت صديقتك، لما بدا وكأنه رغبة ساخرة في مكاسب مادية في البداية. ولكن في النهاية... كلما تحدثت معك، وجدت مشاعرك ودوافعك غير مفهومة ومزعجة لا أكثر. ومع ذلك شعرت في الوقت ذاته بوجود أمر يشبهني فيك... كان شعورا نافرا."

أصغيت إليه بصمت.

"رغم ذلك، ما فكرت فيه أساسا هو أنك هبة حظ سعيد"، استطرد.

"كنت يائسا، وقتها، ألا تكون ذكرياتي الأخيرة مع █ █ █ █ █ محملة بالحزن والأسى، ومع ذلك قضى أياما أكثر وأكثر مركزا حصرا على تلك الفتاة... بدا الأمر وكأن حياتنا تنتهي في مأساة. وحين حاولت التواصل مع أوتسوشيكومي مباشرة..."

تردد، متحركا.

"عذرا. ستتذكر ذلك بنفسك بطبيعة الحال."

أومأت ببرود. قبل محاولتي التواصل معه، سعى ساميوم للوصول إلي... إلى أوتسوشيكومي مباشرة، مانحا إياها القليل من المعلومات حول علاج التميز الخاص بها وكيفية ارتباطه بجدها (وليس القصة بأكملها؛ فقد أخبرها فقط أنه استند في مظهرها إلى وين كعمل عاطفي، عوضا عن مقصده الحقيقي الأكثر إزعاجا) وتوسل إليها التفكير في تمثيل الدور قليلا مقابل تأمين مكان لها في أي جامعة على القارة تقريبا.

لكنها شعرت بالرعب ورفضت الأمر بأسره كأي شخص طبيعي.

"لم أكن أرغب في المقام الأول في تفحص أسنان..."

سعال، معظمها من أنفه.

"...الحصان المهدى. لذلك، تجنبْتُ التفكير في الأمر بعمق... أو في أفعالي الخاصة."

تنهد.

"طبعا، ما فعلته كان خاطئا. كنت مهووسا لدرجة... بذلك الرجل، لدرجة أنني لم أكرس تفكيري لشيء سوى إيجاد سيلة لرد ديني له. لم أفكر فيما أراده حقا لو كان في كامل وعيه، فضلا عن التفكير فيك بأي من المعنيين."

"أنت تتحدث كأنك كنت واقعا في حبه"، قلت.

أصدر صخبا ضاحكا بصوت متهدج.

"ربما يمكنك تسمية ذلك."

ضغط مجددا على زر الماء، دافعا رأسه ليغوص عميقا في الوسادة.

"في النهاية، لم أشترِ له سوى بضعة أشهر من السعادة الزائفة... صفقة سيئة. أحيانا، أكاد أظن أنه أدرك خداعي، قبل أن تتوارد حالته سوءا في تلك الأيام الأخيرة."

نظر إلى السقف.

"وبناء على ذلك، لا أستطيع أن أحسم ما إذا كنت أفضل تخيل أنه اعتقد أنه بلغ غايته أخيرا في النهاية، أو أنه كان يبتسم ببساطة لأجل مشاعري لمرة أخيرة."

بقيت صامتا، محدقا في الفراغ. بدا عقلي مفرغا. لم يبقَ لدي ما أقوله.

"على أي..."

قال مع نفس ثقيل آخر، "حال، إن شعرت أن اللوم واقع، فعليك توجيهه إليّ لا إلى نفسك. بغض النظر عن تفكيرك الحقيقي، كنت مجرد طفل مضطرب... لا تزال مجددا مجرد طفل حقا. أنا من... كان عليه أن يعلم حقا."

رسم ابتسامة محرجة.

"لو كان ذلك سيجلب لك الراحة، لعرضت عليك الانتقام، لكني أخشى أن يخلق لك مشاكل أكثر مما تستحق. وأخشى أنه لن يكون هناك..."

حلق حلقه بحدة، "...حياة كثيرة متبقية لأخذها."

نظرت إليه مجددا؛ هذا الرجل الذي منحني يوما كل ما أردته في العالم. بهيئته المهزولة، ممددا على هذا السرير بخيوط لا حصر لها من البرونز والقماش منسوجة في جسده المرقّع، بدا أشبه بجثة محنطة جزئيا منه بإنسان كامل. ورغم أنني رأيت فيه مصدرا للخلاص يوما، إلا أنه لا يمنحني الآن أي شيء أريده. الشخص الوحيد في العالم الذي يعرف الحقيقة كاملة، ومع ذلك، لن يحكم علي. أملي الأخير في إنقاذ شيكو، إلا أنه لا يملك اقتراحا طازجا واحدا.

لقد كانت ذروة هابطة أثيرية ومثيرة للشفقة أكثر مما تخيلت قط. مع ذلك، لم أستطع الشعور بالكثير نحوه على الإطلاق.

"إن كنت ترغب في تكفير ذنبك بطريقة ما--"

"لا أهتم بنفسي أو بمشاعري"، أكررت مرة أخرى، وصوتي يكاد يكون همسا.

"أريد فقط أن تستطيع شيكو أن تكون سعيدة."

"...حسن... أفضل طريقة لإنجاز ذلك هي إيجاد السعادة بنفسك"، قال وبنبرة تكاد تكون مشفقة.

"بما أنك في هذه الحالة، وعوضا عن الاستمرار في العيش بظلال حياتك ما قبل البدء، ربما كان أفضل لك أن تنأى بنفسك عنها وتنتقل إلى مكان لبدء حياة جديدة. في الأيام الخوالي لكنت اقترحت المستويات السفلى، لكن ربما يمكنك... الذهاب إلى الثنائية، أو إحدى المستعمرات الجديدة في السماء التي يخطط لها التحالف. غيّر اسمك--"

"لن أقبل فعل ذلك قط"، قاطعت بحزم بارد.

"لن أؤذي أصدقاء أوتسوشيكومي أو عائلتها ولو بعد مليون سنة بخطف حياتها نحو شيء لن تريده البداية."

عقد ساميوم حاجبيه.

"أرى... ألا ترى أنك... قاسٍ بعض الشيء على نفسك؟"

أصدرت الآلة أصوات نقر مجددا وهو يكافح مع نفس.

"حسب ما أخبرتني به، قضيت عقد من الزمن عائشا بهدف وحيد ماثل في ذهنك. بالتأكيد، لو وصلت إلى نتيجة... فقد استحققت الحق في التصرف لنفسك."

"لم أستحق شيئا"، قلت.

"لا أعرف حتى إن كنت شعرت بذنب حقيقي. ربما كنت أتصرف بمشاعر شيكو طوال هذا الوقت، وذاتي الحقيقية مقززة كما كانت دوما."

تردد بحرج.

"ح-حسنا، كما قلت مرتين... هناك أمور عديدة يمكنك فعلها لتغيير تصورك الذاتي. إن سمحت لي بالسؤال، أتحظى بأي علاج في الوقت الحالي...؟ لست متأكدة من أنك تفكر بعقلانية تامة."

إنه يسألني جديّاً عما إذا كنت أتناول مضادات اكتئاب في وقت كهذا، فكرت في نفسي، مستسلما لسخرية مظلمة حول عبثية الأمر. ويتحدث عن (التفكير بعقلانية). لن يفهم حقا أبدا. لماذا أتيت إلى هنا؟ لماذا خدعت نفسي ظانا أن الأمور قد تسير بشكل مختلف؟

"إن لم تكن هناك طريقة لإنقاذ أوتسوشيكومي"، قلت جازما، "فلن أستمر في عيش حياتها."

فتح ساميوم فمه كمن يريد الرد، ثم بدا وكأنه فهم مغزى كلامي، فتوقف بغتة مغلقا فمه. بدا قلقا، وأطلق أنينا مستسلما، ثم غير وضعية جسده قليلا. نظر بعيدا نحو يميني، نحو رف الكتب.

"...على هذا الرف هناك،"

قال مميلا رأسه، "في الصف الثالث من الأسفل، ينبغي أن توجد علبة خشبية. امضِ وقدمها، إن أمكن."

كدت لا أهتم بالعناء. لقد أجاب عن سؤالي، وأراد جزء مني المغادرة فحسب بدلا من قضاء وقت أطول في الاستماع إلى عباراته الجوفاء. لكني لم أمتلك مكانا آخر أذهب إليه. كنت غير مستعد على الإطلاق - وتجنبت التفكير بنشاط - فيما سيأتي بعد مغادرتي لهذه الغرفة. ماذا سأقول لران؟ كيف سأدعي أن الأمور طبيعية أمام الآخرين لبقية عطلة نهاية الأسبوع؟ هل كان هناك مغزى من الادعاء أساسا؟ نهضت، متجها نحو الرف، ووجدت العلبة التي ذكرها بسهولة.

سحبتها، حاملا إياها إلى الكرسي.

"يمكنك المضي وفتحها"، قال ساميوم.

"ألقِ نظرة."

فعلت ذلك. كان في الداخل كتاب غريب جدا. ظننت في البداية أنه مفتوح بالفعل، لكني أدركت لاحقا أنه بلا غلاف وأن لكتابته تصميما مقسما عموديا بغرابة، فضلا عن صنعه من المعدن. قلبته قليلا، متصفحا الرقاق بكسل.

"...أه"، قلت.

"أهذا أحد تلك المخطوطات التي كانت ران تتحدث عنها...؟"

سعل ساميوم، محاولا إمالة رأسه والنظر إلى ما كنت أفعله.

"عذرا؟"

"أه، همم، صباح اليوم فقط كانت صديقتي تحدثني عن شريعة تفيد بوجود كتب دائرية طورها علماء الأنا منذ زمن طويل"، شرحت.

"وأنه يمكنك استخدامها لإطلاق نوع من التناقض العقلي، أو ما شابه... وأن قراءتها مرار وتكرار تستحث تغييرا في عقلك."

"مم، يبدو كنوع الفلكلور المبالغ فيه الذي أتوقعه لشيء كهذا، أفترض"، قال ساميوم.

"لكن لا، هناك وميض حقيقة هناك. فهي تنبع من أيام كان موضوع علم الأنا وعلم الأرواح شائعين جدا - خلال القيامة الثانية - لكنها أقرب إلى التنويم الذاتي من أي شيء آخر. المفهوم، حسب أفضل..."

سعال.

"...ما فهمت، هو أنه يفترض بها وضع العقل في مكان من السكينة لدرجة تتيح للمرء دخول حالة غشية ذات قابلية ذهنية بالواعية... نوع من الحلم الواعي الواعي، إن صح التعبير. حيث يستطيع المرء رؤية عقله من الخارج وتغييره كيفما شاء."

أومأت ببرود، متصفحا إياها بكسل كأنها مجلة في عيادة طبيب. أيتعلق هذا بملحمة جلجامش أيضا؟ تبا.

"هذه صنعت بواسطة عضو من النظام، وأهديت لي منذ وقت طويل... كنت أنوي تركها هنا مع رحيلي، لكني لا أكنّ وداً كبيرا لهؤلاء القوم بعد ما فعلوه بجدك، لذا لا أرى سببا يمنعك من أخذها بدلا مني."

كان صوته يزداد إجهادا مجددا، بسبب تغيير الوضعية على الأرجح.

"يبدو أن هذه تتعلق بقمع الذاكرة. لكنها تستغرق... همم، وقتا طويلا جدا لتعلم كيفية بلوغ الحالة المعنية. قرأتها مرار وتكرار ولم أحقق سوى القليل... لكني أرجو أن تستخلص منها شيئا. مع أنهم جعلوها تبدو وكأن أقصى ما يمكنها فعله هو تحفيز آليات العقل الخاصة لإغلاق الذاكرة، كما يحدث في الصدمات، مما يعني أن النتائج فجاجة ومؤقتة في الغالب."

إذن فهي عديمة الفائدة لما أريده حتى في حال لم تكن كلها مجرد صوفية بلا غاية، فكرت. لماذا يعطيني إياها أصلا؟ فقط لأحظى بأمل زائف آخر؟

"فهمت"، قلت.

"...توجد كتب أخرى على الرف حول علم الأنا بصورة أوضح... يمكنك أخذ تلك أيضا، إن شئت. لن تجد أي إجابات، لكني آارجو أن يجلب لك الراحة رؤية المفاهيم الأساسية..."

سعال أكثر بحة.

"...مشروحة بطريقة سليمة، لتكون على إدراك مستقل بها. رغم أنها أدب محظور، لذا عليك توخي الحذر الشديد."

كنت بالكاد أستمع الآن. استقرت عيناي على صفحة عشوائية في المجلد. كان جلجامش يصطاد في نهر مع إنكيدو. كانا يتحدثان عن وقت خاضا فيه مسابقة صيد. وتحدث كل منهما بسعادة عن السمك الذي اصطاده. كان الأمر مريحا بشكل غريب.

"...إن لم تمانع سؤالي"، تحدث ساميوم مجددا بعد فشلي في الرد، "كيف عرفت بوجودي هنا؟ يفترض بالنظام إبقاء الأمر سرا."

أصدر صخبا.

"لكن، أفترض أنهم صاروا سيئين للغاية في ذلك مؤخرا."

"أ-أه..."

رمشت، وما زلت أقرأ وأنا أجيب.

"أم، تحدثت إلى صديقة أخرى لجدي قبل فترة. أوتونو من كورانتيا. تذكرت أنك اتصلت بها في تلك الليلة حين رأيتك للمولى، فظننت أنها ستكون خيطا جيدا..."

ازدادت نبرتي خفوتا. تنامى إحساس غريب في مؤخرة عقلي.

"أخبرتها قصة غامضة حول امتلاك ذكريات من شخص آخر في العالم المتبقي بعد البدء، ودفعتها بشكل ما لذكرك. لم تخبرني بشيء مفيد... لكن قبل نحو شهر، بعد أن رتبت الأكاديمية هذه الزيارة، أرسلت لي رسالة تفيد بأنها سمعت بوجودي هنا، لذا ينبغي لي البحث عنك."

رمش ساميوم، ثم قطب حاجبيه ببطء.

"أوتونو؟"

بدا مرتبكا.

"لماذا قد... لا، لا بد أنني أسأت فهم شيء ما."

ترددت، ملقيا نظرة نحو الأعلى.

"ماذا تقصد؟"

"حسنا، في هذه اللحظة، هي نفسها في..."

𒊹

القدس الداخلية | 7:50 مساءً | اليوم الثالث انتهى التسجيل فجأة في منتصف تلك الجملة. دارت أسئلة كثيرة مجدداً. لماذا انقطع؟ ماذا كان على وشك أن يقوله عن أوتونوي؟ أكان الاستنتاج البديهي هو أن الكتاب مسؤول عن فترة تشوش ذاكرتي؟ لكنني لم أعد أبه. إذ حصلت على جوابي ولم يبقَ شيء البداهة. لم أكلف نفسي عناء استعادة متاهة الصدى. استدرت وعدت ببطء من حيث أتيت. لا أدر إلى أين أمضي.

لا أعلم لِمَ أتحرك من أساسه. لم أعد قادرة على الهرب من الحقيقة فهربت من كل شيء تماماً. بدا العالم كأنه يتلاشى ولم يبقَ سوى وقع خطراتي على الأرض وظلام سرمدي شامل لطيف وساكن. لا بأس حدثت نفسي. قالها بالتازار وفان أليس كذلك؟ والتركّة التي خُطّت بقلمي قالت ذلك أيضاً أليس صحيحاً؟ لا شيء من هذا يحدث حقاً. سيعيد كل شيء ضبطه. إنه مجرد كابوس لا غير. إنه مجرد كابوس فحسب. سأرى ران والبقية قريباً.

سأظفر بالجواب الحقيقي من ساميوم عما قريب. هه... يبدو الأمر سخيفاً للغاية... أعني عجز ثيو عن إزهاق روح أحد. إنه عادم الفائدة. لن تدع كام نفسها تُقتل. إنها عنيدة بافراط. لن تكون نفرتيتي أول الراحلين قط... إنها أذكى من ذلك. وقالت ران إنها سترافقني حتى ينجلي هذا كله. لِمَ ظننت يوماً أن هذا حقيقي؟ إنه لغو تام. عُدت هائمة نحو قاعة المؤتمرات حتى كدت أتعثر بأحد الكتب التي هوت حين كنا نحصن الأبواب بيأس قبل ساعات.

لمحت طيفاً لهيئة الاجتماع في أوجها والجميع جالسون فوق المقاعد الخشبية والمجلس يحدق بي من الطرف النائي. ثم طرفت عيناي فتلاشى كل شيء إلى العدم. غمرني لفترة وجيزة حزن عارم عقمت الكلمات عن وصفه. ثم غاب الشعور في مستنقع عقلي. نعم. لا شيء يهم. وحتى على سبيل الاستبعاد لو كان كل ذلك حقيقياً لما كان مهماً على أي حال لأن حياتي قد انتهت بالفعل. هذا الوهم سيتبدد قريباً. لم أكن أعلم أين أتوجه لكنني عبرت مع ذلك الأبواب الحجرية الثقيلة عائدة إلى واجهة المبنى.

هناك ولدهشتي كان بالتازار مستنداً إلى جانب تمثال فوي بملامح بليدة مترقبة ودون نظارات شمسية هذه المرة. ابتسم بخفة حين وصلتي.

قال بنبرته المعتادة الرقيقة والودودة: "آه، أنت في موعدك تماماً".

بشكل ما ورغم كل ما حدث ما زلت قادرة على الاستياء من وجوده. كما أعادني قليلاً إلى الواقع وهو أمر لم أستسغه بالمرة فاحم وجهي تماماً. آلمتني ساقي ولابد أن تركيزي كان يتهاوى. كنت مجهدة متعبة للغاية.

قلت بعداء صريح: "ما زلت حياً. ظننتك هلكت في مفارقة التلامس".

"مفارقة التلامس؟ آهآه، تبين إذن أنها إلك النوبات".

تنهد بحسرة وهو يهز رأسه.

"لا، لا علاقة لي بالأمر أخشى ذلك".

إذن لابد أن ثيو قد استعمل عينة دم بعد أري، فكرت. كلا، ليس ذلك مؤكداً تماماً ذكرتني غريزتي الاستدلالية. تذكري أنك لم تشاهدي قط مفارقة التلامس تقع عياناً. يترك ذلك الباب مفتوحاً أمام احتمال كون الأمر مجرد حيلة ما. لماذا كنت أتكبد عناء التفكير في هذا أساساً؟ ألقى نظرة عليّ شارداً شفتيه بسخرية خفيفة.

"تبدين في حالة مزرية بعض الشيء. أعتقد أنك ستفزعين قليلاً لو رأيت نفسك في المرآة الآن".

عبست في وجهه.

قال ضاحكاً بخفة: "عذراً، أظن أنه حتى في ظل هذه الظروف يعد التعليق بفظاظة على مظهر فتاة أمراً مبتذلاً بعض الشيء".

قلت وشعرت أنني أرتجف: "أنت... أنت مرح للغاية".

فقدان دم داخلي مفرط.

"ألا تدرك ما حدث؟ ألا تلحظ أن الجميع فارقوا الحياة؟"

بدا أن الكلمة الأخيرة باغتتني بطريقة ما. وجدت نفسي أطبق شفتي بقوة.

أجاب بعرضية: "إنه أمر عابر. لقد شرحت لك هذا برمته مسبقاً. أنت لست في وعيك البتة هذه المرة أليس كذلك؟"

سألته: "أأنت من قضى على البقية...؟ من علق آنا وليليث وميهيت؟ من أردى فان رمياً من الخارج؟"

أجاب وهو يهز رأسه برفق: "أخشى أنني لست كذلك".

مد يده إلى جيبه وأخرج ما بدا وكأنه قطعة لحم مجفف مغلفة وقضم منها لقمة.

"لم أفعل شيئاً سوى الجلوس حيث تركتني حتى قبل ساعة تقريبا. قرأت المزيد من المجلات وشاهدت نيتامالارو تنفجر — ولم يتسُنَّ لي قط تأملها بوضوح من قبل — ثم انتظرت حتى عادت الأنوار. بعد ذلك قرأت الطالع قليلاً ثم توجهت إلى هنا لأرى من تبقي".

اتسعت ابتسامته قليلاً.

"خمنت أنك ستكونين الوحيدة الباقية. حتى في سيناريو كهذا تملكين غرائز بقاء أقوى بكثير مما قد توحى به شخصيتك".

حدقت فيه بينما كان مضغه الصوت الوحيد في الهواء الصامت للمدخل.

فسأل مهتماً: "إذن ما الذي جرى تحديداً؟ إن لم يكن لديك مانع. لقد ركبت قدراً لا بأس به من القطع معاً لكن سيكون من الممتع تأكيد الخطوط العريضة على الأقل".

طرفرت عيناي ثم ألقيت ببصري نحو الأسفل.

"توجهنا إلى مركز الأمن للاعتصام ريثما تحاول آنا إعادة توجيه ضوابط النقل المكاني لنتمكن من مغادرة الملاذ لكن بعضنا اضطر للخروج إلى الممرات لأن ميهيت أصيبت في غرفة الطباعة. ثم بينما كنا نركض هنا وهناك لمحاولة علاجها قُتل ساكنيكت ويثو. واعتلست ليليث معترفة بمهاجمتها لأمها بأوامر من هميلكار فنزلنا تحت الأرض لمواجهته وقُتل هو الآخر أيضاً... أو حسناً بدا الأمر كأنه قضى... لكن حين صعدنا مجدداً انفجرت الزهرة الأبدية. بعد ذلك اضطررنا للانقسام إلى مجموعتين لإصلاح أعمال نقوش الملاذ لكن..."

عبست داتكة عيني محاولة تبين طريقة للتعبير عن القصة بكل ما علمته.

"...لكننا هُوجمنا وحدثت أمور عدة وأُصيب فان برصاصة وبدا وكأن ثمة مفارقة تلامس و... أوفيليا وآنا... وزينو..."

على ذكر الأمر لم يكن هناك دليل قاطع على هلاك أي منهم. ورغم اعتراف ثيو بأنها كانت خطته فلم يكن مستبعداً نجاح أوفيليا في الفرار. ولم تكن آنا آناً أصلاً. ولم يُعثر على أي أثر لجسد زينو الحقيقي سوى بعض الأشلاء في الأنفاق.

وبدا وكأنه التقط تردد، فقاطعني بالتازار قائلاً: "لقد زرت مركز الأمن قبل نحو أربعين دقيقة وأكدت عدم وجود حي سواك وتيودوروس. وبناء على كمية الدم التي تغطيك وقطع العظام العالقة بصولجانك، فقد تطور الوضع، حسناً، تطور كثيراً".

طرفت عيناي. نظرت إلى صولجاني الذي ثبتّه بلا تدبر حول خصري بعد إردايي لتيودوروس. ومما لا يثير الاستغراب كان ملطخاً بالدماء وما هو أسوأ. تشظى الصليب المعقوف عند المقبض وانكسر على طول قوسه وكانت الأحشاء تكسوه وتكسو صدري بأكمله. لم يبدو الأمر حقيقياً. بل أشبه بزيّ لمهرجان توت أو ما شابه.

قال بأدب: "عذراً لم أرد مقاطعتك. تفضلي واصلي".

"آه... بعد ذلك كنا سنحاول المغادرة لكني عثرت على الحظيرة الحيوية الخفية..."

انتظر هل أنا المسؤولة عن موت الجميع؟

"...و... جثث ليليث وآنا وميهيت. إ-إلا أنها لم تكن آنا التي تحدثنا إليها طوال الليل... واكتشفنا أن جل ما حدث كان فخاً مدبراً من قبل النظام... وأن تيودوروس كان أحد القتلة. وقع عراك على ما أظن. و— وهذا كل شيء".

"أرى ذلك".

ألقى الغلاف على الأرض بعد أن أتم قضم اللحم المجفف.

"إذن كانت إلك النوبات حقاً هاه... أحزر أنه اعترف فقط بمحاولة قتل أوفيليا والجميع في النهاية؟"

عبست.

"نعم. أ-حسناً، ذكر أنه أراد قتل بارديا... لكنه قتل نفسه أولاً".

"منطقي".

ألقى بنظره على الحقل المحيط بالمبنى.

"تخميني أنه عاين شيئاً لم يعجبه على الجانب الآخر من النافذة. ذلك الرجل يضمر سرا عظيما كما تعلمين. لقد تكرر الأمر بضع مرات".

وضع سبابته على شفته مفكراً.

"أما البقية فلا يسعني سوى التخمين. لقد كان محقاً على الأرجح بشأن مقتل ساكنيكت على الأقل والذي دبره النظام وربما أطلق بالفعل مفارقة تلامس وهي مجازفة جنونية حقاً. لقد ضبطته يوماً يأخذ دمي في الماضي. لا راحة تذكر هاه؟"

قلت بصوت خافت: "ظننتك قلت إنك لا تعرف هوية القاتي؟"

أجاب مسلياً: "أنا لا أعلمها. أعرف فقط تفاصيل ثانوية. على سبيل المثال ليست لدي الفكرة عمن أطلق النار على فان ناهيك عن الثلاثة الآخرين. لا يفترض أن يبقى أحد على قوائم الحياة".

ضحك برفق.

"يا للغرابة. حتى الآن ما زلت مجرد متفرج تعس".

"ماذا عن آنا؟ لقد رأيتها في البرج".

أومأ برأسه.

"إنها حخدعة محبوكة أليس كذلك؟ لقد انطليت علي في المرة الأولى. حين تبلغ من العمر مبلغي لا يكاد أحد يدري كيف ينبغي أن تبدو عليه نسخة يافعة منك".

"من كانت؟"

سألت بفضول مبهم رغم كل ما جرى.

"الطاهية".

عبست.

"فيجانا؟"

أجاب باستهتار: "بالتأكيد. ربما لم تفحصي الجثة عن قرب بنفسك أبدأ أليس كذلك؟ لو فعلت لكنت لاحظت شيئاً ما".

ابتسم بدفء.

"تلك الحيلة تتكرر نحو نصف المرات".

فركت عيني. لا يزال الدم عالقاً بيدي.

"أنا لا... أفهم".

قال: "كلا لم أكن أتوقع منك ذلك. لكن لا طائل من الشرح الآن. ثم إنني لا أشعر برغبة في الخوض في الأمر حقاً".

سألت: "ما الذي تفعله هنا إذاً؟ أتراك تحاول الفرار؟"

هز رأسه نافياً: "كلا. أود ذلك لا تقطع قولي لكن الأمر مستحيل تماماً. حتى لو توجهنا إلى حجرة نقل مكاني وأوعزنا لسخمت بتنشيطها فلن يفيد ذلك شيئاً. إنها تخضع لل تخريب دائماً بنهاية الليلة الأولى ما لم يداوم أحد على حراستها عمداً لمنع ذلك".

شبك ذراعيه.

"مع أنني أتساءل عما إذا كانت ستجدي نفعاً حتى إن لم تخرب؟ فهذا ليس واقعاً بالنهاية. حسناً ليس واقعاً طبيعياً على الأقل".

قلت وبصيص أمل يرتسم على شفتي: "إ-إذن فالأمر حقيقي حقاً؟ أن هذا مجرد... عالم مزيف؟ وأن كل شيء سيعود إلى ما كان عليه؟"

"عالم مزيف تعبير درامي مبالغ فيه قليلاً. فهمي أنه وهم نتفق جميعاً على تصديقه وإن لم يكن ذلك دقيقاً تماماً أيضا"

فسر قائلاً.

"ربما يشبه الأمر غمس وجوهنا في بركة بينما بقية أجسادنا على السطح... حسن، أعتقد أنها مجرد مسألة مصطلحات".

ضيق عينيه قليلاً.

"لكن بعيداً عن ذلك لست متأكداً من أين جئت بتلك الجزئية الأخيرة. لقد أخبرتك مسبقاً أن هذه هي النوبة الأخيرة".

"نعم لكن..."

توقفت للحظة ملتقطة أنفاسي مع شعوري بوخز ألم مبرح من منطقة أسفل بطني. لقد وقعت في حلقة تغذية مرتدة سلبية حيث تؤثر حالتي العقلية على تعويذتي مما يلحق الضرر بجسدي المادي وهذا بدوره يفاقم حالتي الذهنية السوء سوءاً.

"...ل-لكن رسالة فان ذكرت أن عطلة نهاية الأسبوع ستتكرر مرة أخرى. في العالم الحقيقي".

أومأ مجدداً وقال: "أوه، أدرك ما تقصدينه. نعم هذا صحيح... ومع ذلك لا علاقة لذلك بنا".

عبست وشعور بالرهبة يتنامى بداخلي: "ماذا تقصد؟"

"سيكون هؤلاء هم أنفسنا الآخرين الذين لم يحبسوا هنا منذ البداية".

نهض واخطا خطوة مبتعداً عن التمثال.

"أما نحن فسنذهب إلى مكان مختلف تماماً".

"ماذا؟ أ-أين؟"

هز كتفيه.

"لا يمكنني الجزم. تلك المرأة"

وأومأ برأسه نحو برج الجرس "بدت وكأنها تأمل أن يكون أشبه بالنعيم. لكنه قد يكون جحيماً أيضاً. أو قد نتلاشى في العدم رغم أنني أخمين أن ذلك سيكون أقرب للثاني منه للأول في هذه المرحلة".

عاد بنظره إلى تمثال فوي ووجهها المشطور نصفين أحدهما مسالم والآخر يصرخ.

"أمتدينّ لدين يا شيكو؟ لا أعتقد أنني سألتك يوماً".

كشرت ناظرة إلى ساقي المرتجفتين: "...لا".

"مم، وأنا مثله".

اتسعت ابتسامته لتبدو باهتة وعاطفية أكثر.

"كان والدي أشارومي لذا تربيت على البانثيون القديم. على فكرة أن الآلة ستموت يوماً ويوضع العالم في شكله السليم".

أطلق نفخة ساخرة.

"لكن أمي كانت تؤمن بالمبدئية تعبداً وكلما زرتها بذلت قصارى جهدها لتنتزع تلك الأفكار من رأسي. أحزر في النهاية أن الاثنين ألغى أحدهما الآخر ووجدت صعوبة بالغة في تصديق أي شيء لا ألمسه بعينيّ هاتين".

أغلق عينيه للحظة مستطرداً: "...لكن بصراحة في هذه المرحلة أتمنى لو كنت أؤمن بشيء ما فحسب أتعلمين؟ لأشعر بتلك الثقة بأن كل شيء سينتهي على ما يرام عاجلاً أم آجلاً".

تمتمت مرتعشة: "مِمبْغ".

لربما تعاطفت معه لو أنني أصغيت إلى ما يقوله.

التفت ناظراً إليّ مجدداً: "عذراً لا يبدو أنك في مزاج يسمح بتلقي سفسطائي".

وضع يديه في جيوب طعامه.

"سألتني لِمَ أنا هنا. كنت أبحث عنك تحديداً في الواقع".

سألت وأنا ألهث: "لـ... لِمَ؟"

"حسن، أنا لست الشخص الأكثر دهاءً في الوجود وقد قلت ما يشبه ذلك أساساً... لكني أشعر بالمرارة حيال هذا الوضع في الواقع".

خطا خطوة نحوي.

"أعني هذه هي النوبة الأخيرة ولا أحد يملك أي أدنى فكرة عما يأتي بعد. ورغم أنني الوحيد الذي يتذكر تماماً وكان عليه مواجهة ذلك الواقع وافق الجميع أساساً على أن أجلس بهدوء وألا أثير ضجة. بينما أنت ونظراً لدورك فقط أُعدّ لك كل شيء لتعاملي معاملة تفضيلية. أعني أحزر أنني أستطيع تفهم المنطق من حيث إنه لن يهم بالنسبة لي بعد هذه المرة سواء هكذا أم لا لكن... يبدو الأمر كذر الرماد في العيون بعد كل ما حدث".

ابتسم بسخرية مرة.

"أنت من النوع الذي يغار. متأكد من أنك تفهمين".

مجدداً لم استوعب سوى جزء ضئيل.

"ما هي... مشكلتك معي على أي حال؟ ولِمَ تدعوني شيكو؟"

رد بوضوح: "لأنني أعلم أن ذلك يزعجك. وهل تريدين معرفة السبب حقاً؟"

ترددت ثم أومأت.

خطا خطوة أخرى للأمام مجيباً: "حسن، لا يسعني الرفض إن كنت تسألين صراحة. أخبرتك مسبقاً أن عدد الشقوق في خزانة المؤن يمثل عدد النوبات التي انقضت. لكني في الحقيقة لست متأكدآ تماماً من صحة ذلك. لا أستطيع تذكر مدة استمرار هذا العبث. ألف مرة؟ عشرة آلاف؟ مائة ألف؟"

اتسعت ابتسامته المريرة وكلما اقترب أمكنني رؤية عينيه الغارقتين في إعياء مرير ورهيب.

"لقد انقضى وقت طويل جداً وأنا أموت مرة بعد أخرى رغم أنني لست هنا سوى ضربة حظ عاثرة وما كان لي أن أتورط في الأساس".

"ما علاقة هذا بي؟!"

صرخت بغضب.

"أنا لم أطلب... لم أطلب الوجود هنا أيضاً!"

"سأخبرك".

قال.

"لأنك في الغالبية الساحقة من السيناريوهات — أكثر من تسعة من كل عشرة — أنت من يردي الجميع قتيلاً".

اتسعت عيناي قليلاً. حدقت فيه.

تابع قوله: "لا أستطيع البدء في عد المرات التي كان فيها آخر وجه أراه قبل أن 'أموت' هو وجهك. بعد أن أُصبت برصاصة في ظهري. أو تم تفجيري أرباباً بالقوة. أو دُفعت من النافذة. أو خُنقت. أو غُرقت في حوض السمك الغبي. أو رمي بي في الفراغ وراء جدران الحظيرة الحيوية. هذا ناهيك عن الثمار الدانية — كتقيؤ دمي في حدث استباقي أو الموت دون حتى معرفة ما يجري في مفارقة التلامس".

تراجعت خطوة للوراء وكذبت: "لـ-لست قاتلة".

ضحك بملء فيه مبتسماً باتساع. كان صوتاً لحنياً يذكرني كثيراً بأوفيليا.

"الآن تمنيت لو أحضرت مرآة. لن أهتم حتى بتبرير ذلك برد".

خطا خطوة أخرى رداً على تراجعي. قبضت على صولجاني وشعرت بالخجل والذعر.

"كل هذا السيناريو باستثناء ما أرضى هير، صُمم خصيصاً لمصلحتك. لكي لا تضطري أنت الأخرى لتذكر الحقيقة".

مال برأسه قليلاً وعيناه تخترقان عيني بتركيز حاد.

" ومع ذلك انتهى بك الأمر على هذه الحال على أي حال. يكاد يثير رغبتي في الضحكة. أحزر أنه حتى لو دللت النمر في قفص مذهب وأطعمته لحماً مصنعاً ثلاث مرات في اليوم، فلن يغير ذلك طباعه قط".

"مـ-ماذا ستفعل...؟"

قال بجدية وصرامة: "سأكون البيدق الذي يبلغ الطرف الآخر من الرقعة وأكسر نمطي في السلوك الطيب".

سرى على وجهه تعبير جمع بين القسوة والألم وبدت عيناه وكأنهما تدمعان قليلاً.

"وحينها ربما ولأجل الدقائق الأخيرة على الأرجح من وجودي سأظفر بالقليل من التنفيس الخاص بي".

تقدم خطوة أخرى فتعثرت عائدة نحو الأبواب الحجرية.

أمرته: "ا-ابتعد!"

وأنا ألوح بصولجاني.

"كلا".

شرع يتمتم بشيء ما واتجهت يده نحو صولجانه المزخرف بهلال قمر وهو أحد رموز ثاناتومانيا التحويلية، لكنه كان في موقف ضعيف إذ كان صولجاني مشدوداً بالفعل. لم أستطع رؤية وميض الحاجز. تكفي تفريغة بسيطة لإزهاق روحه. نطقت بالكلمة المستهلة... حدث ومض ودوي حاد. كان الدخان يتصاعد من ثقب في جيبه. كانت خدعة. لقد أوهمني بأنه يعوذ بينما كان يسعى نحو مسدسه العاكس. إنها تكتيك بدائي لدرجة جعلت شعوري بالغباء لانطلاء الخلية عليّ أمراً محرجا.

شعرت بوخز ألم حاد ينطلق من صدري. ألقيت نظرة إلى الأسفل. كان هناك ثقب يتوسطه تماماً. اخترق القلب مباشرة. رفع المسدس بدقة وسرعة دافعاً عدسة للأعلى مما زاد من شدة الشعاع. أطلق النار ثلاث مرات أخر مستهدفاً المنطقة ذاتها في كل مرة. أصاب قلبي مرة أخرى ومنطقة الرئة اليسرى مرتين حتى بالكاد بقي شيء هناك. تطايرت كتل من اللحم الملتهب والرماد الملطخ بالدماء على الجدار الخلفي. حاولت التعوذ أو مد يدي نحو مسدسي الخاص لكن كل ما استطعت فعله هو بثق كميات هائلة من الدم سدت حلقي فوراً.

فارقتني القوة وأسقطت صولجاني وتهاوت ساقاي وكأنهما تنفصلان إثر فشل أركان تحريك اللحم. سقطت إلى الأمام واصطدم وجهي بقسوة بالأرضية الحجرية. لم أشعر سوى بالبرودة والارتباك واليأس. غرق بصري في الظلام. وحينها فارقت الحياة.

𒊹

قتل بالتازار الإيساني أوتسوشيكومي الفوسائية في الساعة السابعة وست وخمسين دقيقة مساءً. بعد هذا تجول في الملاذ وحده وقتاً طويلاً. تفقد مسرح الجريمة داخل المحمية الحيوية الخفية. ثم عاد إلى الملاذ الداخلي وزار لفترة قصيرة غرفة ذكاء المصنوعات محادثاً سخمت. أخيراً قضى الساعة التالية في البيت الزجاجي. قرأ كتاباً أحضره من القاعة الرئيسية وشرب من زجاجة وسكي من قبو نبيذ النظام.

في الساعة السابعة بعد التسع مساءً. قبل نهاية السيناريو بأقل من ثلاثين دقيقة بقليل. أنهى حياته بلا ألم مستخدماً التعويذة القاتلة للحياة. عند وقت موته لم يكن هناك ناجون آخرون.

انتهت المحاولة النتيجة: فشل اكتمل التهدئة بدأت تسلسلات الإجهاض

أخبرني أيها الملاح أورشانابي لمن تعبت ذراعاي لمن ألم قلبي هكذا في كل تعبي لم أفعَل خيراً لنفسي بل لهذا الوحش الحقير وحدَه — ملحمة جلجامش، اللوح الحادي عشر