زهرة ازدهرت في مكان لم تزرها الفصل 128 — أوتسوشيكومي والشيطان

اقرأ زهرة ازدهرت في مكان لم تزرها الفصل 128 — أوتسوشيكومي والشيطان باللغة العربية على مانجا تايم.

لا أكاد أفقه شيئاً في علم الروح، ومعرفتي بفن التلاعب بالنفس أضيق إن وُجدت. لو كنت أفقه، لما أمضيت اثنتي عشرة سنة أسعى خلف حديث منفرد مع خبير. يحيل حراس القسم هذا العلم موضوعاً عصياً على التعلم خارج القشور. ولا يقتصر الأمر على صون سرّ الغرس. حتى السحرة لا يتلقون إلا نُتفاً تكفيهم لادراك ما يدور في أبدانهم. بل إن علماء الروح أنفسهم لا يتلقون العلم إلا على نحو ما يتلقى الطبيب البشري علوم الجسد؛

المشكلات التي قد تداهمه، والإجراءات المرعية لتقويمها... وإن أخفقت تلك الإجراءات -وكيف لا تخف مع خرف الانهيار الترابطي- فأفضل سبل الرعاية التلطيفية. ثمّة سبب وجيه لذلك. التلاعب بالنفس مرعب للغاية. لقد استحدث عمال الحديد باباً خلفياً إلى العقل البشري باحتواء تلك العملية الطبيعية اللامركزية في كل عصب وقصرها على المعقد الروحي. حُظر التلاعب بالنفس لكونه وسيلة ممتازة لاستعادة الشطر الأخير من العصر الإمبراطوريم حين غدا تسعة وتسعون وتسعة من عشارة الألف من البشر عبيداً كهربائيين مسلوبي الإرادة أمام طبقة من الملوك الملوك ممن أحالوا أنفسهم محركات منطقية.

لكن تبقى استنتاجات معينة تسعك استنباطها مما يتيسر لك من معلومات. على سبيل المثال، وعلى الرغم من انعدام الفعل هذا في أيامنا، فإن حقيقة احتواء برج أصفهدف على مخزن هائل يضم مليارات الأرواح المستخرجة تعني بحكم التعريف وجود سبيلي لاستخراجها من الأحياء واختزانها أصلاً. و... إن كان الغرس لا يأتلف إلا عبر الاضطراب الناجم عن إرغامه على إنماء روح جديدة بدل إعادة الوصل بتلك المقابلة لبذرته، مستخدماً المألوف لتقويم الشاذ...

فلماذا ينبغي أن تكون الروح المانحة من العالم القديم طالما أنها تؤدي الغرض؟ احتوى سجل ساميوم على هذه الملاحظات وغيرها الكثير عن التلاعب بالنفس، حتى وإن كان مجلدًا واحداً وسط عدة مجلدات وقلما فهمت ما أقرأه، حتى في تلك الكرة الثانية. ويا للعجب، لم يكن الأمر سوى تفصيل عرضي في ملاحظات انشغال معظمها بضبط نتائج الغرس عبر العبث بشتى المعايير؛ القنوات العابرة للأبعاد التي تستخدمها للتوصيل، ونوع التحفيز الذي تُسلطه لجعل الروح الأصلية تنظر للزرع بوصفه شيئاً يلزم شفاؤه ليلتحم بها.

(أقل ما يقال إن الظروف التي أُجريت فيها هذه التجربة طالما أثارت تساؤلاتي). مع ذلك... كفى ذلك ليترسخ فكرة في عقلي. رؤية اسم الحالة ذاتها التي وصفها الطبيب مدونة على تلك الصفحات. كأنه البشير الأول لنبوءة. خوف وإمكانية واستحالة. في البدء، لم تكن سوى خيال عاطل. شرارة. خيط هروبي آخر ليتتبعه عقلي المغيم. لكنها ثابرت في اليوم التالي. والذي يليه. وتدريجياً، غدت شيئاً خطيراً. سؤالاً.

سخف محض، أصر عقلي في البداية. إنها مزحة. حلم طفولي تأخذه على محمل الجد بلا سبب. إن كنت تظن حقاً أن هذا ممكن، فقد أصابك جنون مطبق. لكن الفكرة ثابرت. أمر لا عقلاني، تقدم عقلي قائلًا. المفهوم برمته قائم على افتراضات عدة. بشأن هذه التقنية. بشأن قدرتك حتى على الاتصال بسياسي شهير ودوافعه. وأرجح الاحتمالات هي ألا تفضي إلى شيء أو أن ينتهي بك المطاف وراء القضبان. لكن الفكرة ثابرت.

جنون أهوج، استقر عقلي في النهاية. شرير. نزعة مشوهة وشاذة بغيضة أن ترغب في ارتكاب هذا بحق أحد الأشخاص القلائل الذين أظهروا لك الططف يوماً. لقد تصرفت سلفاً كمسخ مهووس، لكن هذا... لماذا قد ترغب في شيء كهذا أساساً؟ لماذا قد أرغب في شيء كهذا؟ لماذا أثارت هذه الفكرة شيئاً غائراً في قلبي، تماماً كما فعلت قبل كل تلك السنين؟ العقول، لا البشر وحدها بل سائر الحيوانات، آلات صُممت لنسج الروابط؛

هذا هو معنى التعلم. تختبر في البدء مثيرات وتستقرئ السبب بناءً على محيطك. ثم تستقرئ من تلك الاستقراءات، ثم تستقرئ من استقراءات تلك الاستقراءات. إنها سلسلة ترابطية، سلسلة لو نظرياً، لأمكن تتبعها صعوداً حتى أول مرة يفتح فيها المرء عينيه وهو بعد في الرحم. غير أن العقول لم تتطور لتتعامل مع العالم الذي صنعناه نحن البشر. تخلق الحضارة قدراً مفرطاً من التجريد والعلية غير المباشرة، ولا يدرك الجزء اللاواعي من أدمغتنا ما يدور.

لا يمكن اقتفاء أثر المثيرات الإيجابية والسلبية نحو جذور متماسكة، فتتخبط وتقبض على الظلال بعجز، مما يولد أموراً كالرهاب، والشهوات الجنسية، والاعتقاد بأن عالم الاقتصاد وظيفة حقيقية. كما قلت آنفاً، تشابك كل ذلك في عقلي. حبي لـ شيكو. حسدي لها، ولكل ما تملكه وعجزتُ أنا عنه. كرهي لنفسي ولهيئتي الجسدية الرثّة والمحطمة والمصنوعة بالجملة. كلا، لم يكن أمراً مستحدثاً. ظل هنا طوال الوقت، منذ أن بُذرت في عقلي فكرة أن يغدو شخص آخر أوتسوشيكومي فوساي، وأنا طفل خائف وقابل للتشكيل هناك في الخزانة.

وكل ما فعله طوفان المعرفة التي دمرت علاقتنا إلى الأبد في رأسي كل يوم هو إطفوها على السطح. خاطبني الشيطان. ما بالك لو أمكنك أن تضحي بها؟ أن لا تقتصر على مجرّد رفقتها، بل تمتلك كل ما يخصها؟ غرفة ضخمة وفراش مريح لا يُصوّر تستيقظ عليه. ثياب فاخرة وجميلة ترتديها كل يوم. منزل باهر يغص بكل الأشياء الثمينة التي قد تشتهيها. عالم يبدو لطيفاً بلا شروط. عائلة محبة ترعاها كل يوم.

جسد جميل، معافى، فريد كلياً. وعقل عبقري يتخطى كل تحدٍ بيسر. وكل ما تحويه. أحلامها، دفين مشاعرها. وكل ما أفلت منك. مستقبلها المشرق. نفسها. لو حدث لي أي أمر آخر حينذاك، أي أمر البتة، لربما اختلفت مجريات الأمور. بيد أنه لم يكن ثمة ما يشتت انتباهي عن مسار الأفكار السامّ ذلك. لم يأتِ أحد للاطمئنان عليّ. ولا فرص تتطلب غير جهد استباقي مني لسنوات. مجرد عام في العزلة بتلك المعلبة بلا سوى جسر منطقي وأفكاري.

حاولت الاتصال بها (رغم أن هذا بحد ذاته كان فكرة مروعة)، ظاناً أنه لو تيسر لنا الحديث فقط، فسيرسي ذلك منظوري تجاه الوضع على الأقل. لكنني لم أجد عند التنقيب في تفاصيلها سوى أنباء فوزها بمسابقة أخرى في البر الرئيسي. تتفوق عليّ وتتركني خلفها شيئاً فشيئاً. في البداية، دفعني الغضب إلى الأمام. أردت الانتقام منها لأنها هجرتني لأسباب عجزت حتى عن إدراكها؛ ولأنها جعلتني أحلم بأن حياة أفضل ممكنة، لتعود وتنتزع ذلك الإحتمال.

بدت الفكرة، في تصوري المشوه للواقع، عدلاً. كانت غارقة في جهلها بقدر النعم التي تحظى بها، وبمدى لا تناظر وضعنا، لدرجة بدا معها صائباً أن أحظى بها أنا بدلاً منها. أو لتكون عقاباً من نوع ما. لكن الكراهية تشبه احتراق المغنيسيوم؛ ساطعة لكنها وجيزة، لا تصلوا للفعل المحسوب— وثمة سبب لكون معظم المجازر السياسية سيئة التخطيط وعديمة الهدف المحدد. بعد أيام معدودة، خبا شعوري.

لم أحمل ضغينة لـ شيكو، ليس حقاً. في أعماق قلبي، ظلت الملاك أنقذتني. ظلت تلك المشاعر، وإن شابتها خسارة، متأججة بسطوع يفوق أي شيء آخر. لذا أدرت وجهي عنها. ودفنت الفكرة مجدداً وحاولت تبليد حواسي. بيد أن هذا لم يكن حلاً، إذا لم يتغير شيء حقاً. لم أتلقَ شكراً سوى مزيد من الوحدة. وظلت ذكرياتها ماثلة في مقدمة عقلي، تتعفن كفاكهة تحت الشمس. ألم. لوعة. ثم... حسنًا، شرحت هذا الجزء بالفعل، حين تحدثت عن إخبار أبي لي بأمّي.

أظن أن ما أثار الأمر، في نهاية المطاف، هو مجرد يوم عتيد شهد حادثة مزعجة طفيفاً. أولاها، أثناء خروجي لجلب المؤونة، اصطدامي بشخص يشاركني بذرني. لا بمعنى مروري بحدث استباقي -كنا نرتدي الأغطية جميعاً بوضوح- بل بقدر شعوري بتلك النغزة في عمودي الفقري حيث تدرك أن احتمال تنافر الاتصال بات وشيكاً. لم تكن هذه المرة الأولى التي يحدث لي فيها هذا. لكنها كانت المرة الأولى التي أعجز فيها حتى عن تخمين هوية الشخص.

لأن الفئة التي مررت بها في الشارع بدت عائلة ثرية. وكانوا عاديين بقدر ما تتخيل؛ رجلاً وامرأة، وابنة كبرى وابناً أصغر. يتبادلون الدردشة والضحك. لم يحمل أحدهم سمات ثانوية تقترب من سماتي. وفي تلك اللحظة، أدركت: كان يمكنني أن أكون أيًا من هؤلاء الناس. كان بإمكانك أن أنعم بحياة طبيعية وسعيدة. لكن... لم أكن كذلك فحسب. وتداعى العالم ذاته، داخل قلبي، وتكسر. فكرت في كل ما حل بي، وفي كل ما تجلدت له من معاناة لبلوغ مستقبل أفضل، وبدا الأمر كأن الرياضيات لم تكن لتتطابق.

كف كل شيء عن صنع المعنى. ثمة من يهتم لأمرك دائماً. لكن البعض لا يملك أحداً على الإطلاق. لا يحق لأحد شيء على حساب سواه. لكن من دون شيء، لا يستطيع البشر العيش. أحب نفسك وامضِ قدماً، فتغدو سعيداً. لكن بعض الناس بلا مستقبل. قنطت من العالم المتناقض، ورفضت كل شيء. وانددمج هروبي في القصص وإيماني الأعمى بامتلاكي مصيراً خاصاً. رأيت حياتي برمتها سردية واحدة. ورأيت لنفسي مصيراً.

هكذا إذن، همس الشيطان لي. هكذا كان مفترضاً أن يكون الأمر منذ البداية. ولهذا التقيَت بها بالأصل. بهذه الطريقة ستكونان معاً! ليس أنك تقترف خطأً. كلا، بل العالم نفسه هو الخاطئ! طالما شعرت بذلك في أعماقك، منذ أن كنت طفلاً. بأنك تعيش حياة ليست لك، حياة تفتقر لأشياء تعرف حقاً وجوب وجودها، تماماً كإحساسك بألم وهمي من طرف مقطوع. بأن مكانك الحقيقي في موضع آخر. وكنت كذلك. ارتكب الملوك خطأ.

كان مفترضاً أن تكونا الشخص ذاته منذ البداية! ولهذا التقيتم في الأصل. إنه القدر. كل هذا قدر. وما هذا إلا إصلاح للأمور! كان كل ذلك قائماً على تفكير سحري - فلم أدرك حقاً قط ما أنا مقبل عليه، وكلما أمعنت التفكير، تبدل تصور عقلي لما وصفه ساميوم بخصوص ماهية التجربة حسياً. تخيلت نفسي أحياناً كشخصين متميزين في الجسد ذاته، وكيف سأستطيع مخاطبتها قدر ما تشاء، وعليها أن تسامحني وإلا جُنّ كلانا.

وتخيلت الأمر أحياناً على أنه مجرد عيشي لحياتي حياتها. وحين أخرى تخيلت اختفائي داخل عقلها كلياً، لأغدو مجرد فكرة... بيد أن القشة التي قصمت ظهر البعير هي ما نجحت في إقناع عقلي العقلاني به. فمع أن سجل ساميوم منحني معلومات وافرة عن السبل المحددة لحث فشل الاندماج عمداً، إلا أنه لم يقدم الكثير حول طبيعة السيرورة المعتادة. واستناداً لما سمعته خلسة، كان كل من ساميوم وجد شيكو مصابين بفشل الاندماج بنفسيهما.

لذا خلصت طبيعياً إلى أنه يصيب الجميع. مما قادني بالطبع إلى استنتاج أحمق للغاية. ترغب شيكو في أن تصبح ساحرة، قال الشيطان. يعني هذا أن شخصاً آخر سيندمج في عقلها على أية حال. إن عجزت عن منعها، ألا تظن أنها تفضل أن يكون شخصاً يعرفها، بدلا من غريب تماماً؟ فلن يكون لديهم سبب لاحترامها؛ وبوسعهم فعل أي شيء بحياتها وعائلتها وجسدها. أما أنت... فأنت تهتم لأمرها. ويمكن اتمانك على أحلامها.

وكأن شيئاً لم يكن البتة. عليك فعلها. إنها السبيل الوحيد لإنقاذها. وأنت الوحيد القادر على إنقاذها. بالطبع، لم يصمد خط التفكير هذا أمام التدقيق أيضاً.

لو كنت مهتماً حقاً بـ"إنقاذ"

شيكو من مصير تحولها إلى ساحرة، لكانت ثمة خيارات عديدة أقل جنوناً أستطيع انتهاجها بدل الإقدام على الفعل بنفسي. حتى إن تعذر عليّ بلوغها عبر الجسر المنطقي، لأمكنني بعث رسالة لتحذيرها. أكان بإمكاني استقلال سفينة والذهاب جسدياً إلى عنوانها. وعلى الأقل، لأمكنني بذل جهد حقيقي في البحث بعلم الروح على النحو الذي سنفعله أنا وران لاحقاً لتأكيد شكوكي. لكن عقلي وجد السبل لرفض تلك الخيارات.

ما كانت لتصدقك أبداً بعد ما جرى. لظنت فحسب أنك تحاول زج نفسك في حياتها مجدداً. بحثت عن هذه المصطلحات في كل مكتبات بحار المنطق الكبرى ولم تظفر بشيء. ربما برمتها مؤامرة ضخمة. قد تلقى حتفك محاولاً تأكيد ما تعرفه سلفاً. افعلها وحسب. افعلها. إنها السبيل الوحيد. بدا الأمر أشبه بأنني لا أتخذ قراراً واعياً -رغم كوني فاعلاً- أو كأن جزءاً مني كف عن استشعار الرعب من المفهوم ذاته، وأشبه بكون الطرق الأخرى أمامي تُمحى واحداً تلو الآخر.

حياتي بأسرها تتكثف في نقطة واحدة، رؤية نفقية، سم الخياط. حتى شعرت وكأنني أُجر نحوها كدمية على خيط. حتى باتعدم البديل. كان مقدراً لهذا أن يحدث دوماً.

تخلص من "نفسك"

البغيضة والعديمة الفائدة. اقبض على منبع كل خير عرفته يوماً في العالم بطريقة تعذرز معها نزعه منك أبداً. تَمسّ أوتسوشيكومي فوساي. ...كلا، ليس هذا صحيحاً. أنت أوتسوشيكومي فوساي بالفعل. كنت كذلك دائماً، منذ البداية. عليك فقط تأكيد هذا الواقع بيديك. الأمر كما قال ساميوم. الحب جنون. تتعلق الروح بهدف، فيتفكك كل ما سواه ويعيد تشكيل نفسه حوله، تماماً مثلما تتفكك المادة حول قلب ثقب أسود.

لكن حتى لو أقنعت نفسي، فلن ينحني العالم مجرد تمنيي. ظل هناك لغز التنفيذ. مجدداً، أدركت أن الأمر لن يكن يسيراً -في البداية، كانت فكرتي عن كيفية الاتصال بساميوم أقل بكثير من اتصالي بشيكو. وباعتباره شخصية عامة، توفر قدر كبير من المعلومات عنه بصورة مدهشة لمن يترصد فحسب؛ أتذكر تفكري في كيف أن فهمي المحدود للشهرة وأنا طفل بوصفها مقصورة على المغודين ونجوم الدراما جعلني أعجز كلياً عن إدراك أهمية الشخص الجالس عبر الطاولة أمامي.

ثمة تفاصيل شتى استطعت تبينها مجرد مقالات إخبارية قديمة. علمت، ضمن أمور أخرى، أن مسيرته السياسية بدأت بانتخابه عضواً في مجلس مقاطعة في تل ريما -إحدى دول المدن اليزارانية المركزية قرب أولد يرو- عام 1031، في سن بدت صغيرة بشكل غير طبيعي، مستنداً على ما يبدو جزئياً على هيبة عائلته للوصول إلى المنصب. وبعد شغله دورة كاملة، ترقى عام 1054 إلى منصب غير منتخب في سينودس تل ريما، الهيئة الحاكمة للدولة، ليشغل منصب وزير التنمية الحضرية.

ثم رُقّي -مؤقتاً- إلى أمين للخزينة عام 1089، قبل أن يترجل عن السياسة المحلية عام 1107 متقلداً دوراً في السلك الدبلوماسي للإجماع اليزاراني، وتنقل خلاله بين مناصب شتى ليستقر مطاف به فيغدو أحد مفوضيهم السامين الاستعماريين الثلاثة عام 1183، وهو منصب بالغ الأهمية آنذاك، لتزامنه مع حرب الأبعاد الكبرى. وضمن ذلك الدور، شارك في مؤتمر أولد يرو الأصلي، مساهماً في صياغة معاهدة توحيد الجيش والعهد، الوثيقة التي أنجبت التحالف الأعظم.

ثم غادر الإجماع اليزاراني ليخدم النظام الجديد مباشرة، ليشغل عام 1211 منصب ناظر إزالة الاستعمار، ثم لفترة وجيزة وبأبهى صورة منصب مدير الدبلوماسية بين عامي 1225 و1230، قبل أن يستقر أخيراً في دور طويل الأمد لناظر التكامل الاقتصادي، وهو المنصب الذي شغله لأكثر من قرن. وأخيراً، استقال من منصبه عام 1357 ليتولى دوراً أكثر تواضعاً كمستشار اقتصادي استمر عليه حتى يومنا هذا.

أوه، وخلال مسيرته، تزوج امرأة من عائلة يزارانية بارزة أخرى، وأنجب منها أربعة أطفال، ثم طلقها تزامناً مع استقالته الأخيرة تقريباً. حقاً. مدير الدبلوماسية. كان الرجل على مرمى حجر من منصب المدير الأول، الذي يحكم عشرين مليار نسمة -العالم بأسره عملياً. وكنت جالساً هناك أضجر من قصصه الحربية القديمة لرغبتي في الركض صعوداً لمشاهدة دراما الرعب المخيمية! كان يجدر بي أن أطلب منه منزلاً!

سأطلب منه ما هو أكثر بكثير من منزل هذه المرة. استطعت العثور على عنوانه (قصر حقيقي في الأحياء العليا لأولد يرو، المطلة على الحدائق المعلقة، والتي بحين انتقالنا إلى هناك أنا وران بِيعت لأحد أبناء الثعالب الجدد من أقطاب كتابة الصدى ممن رمموه ليغدو كابوساً هيكلياً كلاسيكياً جديداً يضم أعمدة ومماثيل من الرخام الفائض عما يتسع له منشور دعائي إيقوني) وحتى، على عكس شيكو، تفاصيل الاتصال بجسر المنطق الخاص به.

لكن عائلته كانت تعيش هناك. حتى لو نجحت في تمرير استدعاء غير مُتحقق، تعذر عليّ إجراء المحادثة التي أخطط لها على رابط يتقاسمه مع أحفاده الأبكار. كلا، كان لا بد من خط شخصي ما. الأثرياء أمثاله يحتفظون دائماً بمساكنهم الخاصة، وخطوط تواصلهم الخاصة التي لا يعلمها سوى المقربون. لكن كيف لي استنباط أمر كهذا؟ واتتني الفكرة سريعاً. جسر المنطق في منزل شيكو. استخدمه ساميوم، وبدا واضحاً تواصله مع عائلتها قبل الزيارة.

بافتراض أن جدتها لم تستبدله -ولم تبدُ ممن يستبدلون الأشياء كثيراً- فمن المرجح أن تفاصيله لا تزال تحتفظ بي في النظام. لكن كيف لي الدخول؟ تعذر عليّ... العودة فحسب. لطالما أظهرت لي الود. لكن ذلك كان وأنا لا أزال صديقاً لـ شيكو. وحتى لو لم تسمع بطريقة ما عن قطيعتنا -وهو احتمال مستبعد للغاية، نظراً للمدى الذي ذهبت إليه في إصرارها- فلن تدعني أدخل منزلها مجدداً بلا سبب، بعد انقضاء كل هذا الوقت.

ماذا بوسعي فعله؟ أخبرها بأنني بلا مأوى وأتوسل استعطافها لأقضي الليلة؟ فكرة التعبير الذي سترسمه على وجهها وأنا أتمرغ عند عتبتها كانت كفيلة بإثارة غثياني. لو رأتني على حالتي الآن... كلا. ثمة سبيل أبسط. سبيل أنظف. من أيامي مع شيكو، عرفت أنها تغادر الجزيرة طوال عطلة نهاية أسبوع واحدة كل شهرين لزيارة أصدقاء في البر الرئيسي، وأنها لم تخرق هذا النمط طوال معرفتي بها. وعرفت من واقعة مبكرة في صداقتنا أنها تحتفظ بمفتاح احتياطي مدفون في أصيص زهور معلق بجانب منزل ضيوفها الصغير.

لذا انتظرت. وحين حانت عطلة نهاية الأسبوع -قرابة منتصف الليل يوم السبت، في أبعد وقت عن مغادرتها أو عودتها- تسللت نحو المنزل، سالكاً طريقاً خلفياً عبر الغابات أتذكره من أيام طفولتنا ليقل احتمال رصدي. تأكدت من خلو المنزل من أي أنوار، وأنه، حسب تقديري الأقصى، لا أحد يراقبني. استرددت المفتاح، شاكراً الملوك لوجوده في مكانه الصحيح، وتسللت عبر الباب الخلفي. كان العودة إلى هناك أمراً مؤلماً.

تغيرت تفاصيل سطحية قليلة -قلّ الأثاث المكشوف وبدا المكان أقل ترتيباً عموماً، كنتيجة لعدم اهتمام جدتها بالمظاهر بقدر أمها- لكن عدا ذلك، بدا الأمر وكأنني عبرت الزمن. خطوت عبر المطبخ حيث أعددنا وجبات لا حصر لها، وغرفة الطعام حيث أكلت معها مراراً. شعرت بملمس الأرضية المألوف، واستنشقت الرذاذ الأرضي المعطر خفيفاً ذاته. كان مؤلماً. ذكريات لا تحصى تدفقت في عقلي، كل منها يقطع بطريقته.

العودة إلى هذا المكان الذي طالما بدا كمنزل أكثر من أي مكان آخر، كدخيل الآن... بدا الأمر فضيعاً. لن يدوم طويلاً، فكرت. سأصلح كل شيء. كل شيء... زاحفاً ببطء وسط الظلام، تقدمت نحو غرفة المعيشة، متجاوزاً تلك الخزانة ذاتها حيث اختبأت (بدت بالغة الصغار الآن). تجاوزت الأريكة نحو الجسر المنطقي، وضغطت المضخة لتشغيله. وما إن انتهى من الإقلاع، حتى ضغطت بأطراف أصبعي على الحديد المزيف، مخلفاً أقل أثر ممكن.

وبمعجزة ما، لم يخفق شيء. ولم يكن العثور على معلومات ساميوم عسيراً حتى. شعر جزء مني بالرعب. كأنني كنت أنتظر توقف الكون حتى عن إيصالي لهذه النقطة، حيث سألتزم حقاً بهذا الأمر. تردد. لكن تعذر عليّ التوقف الآن. لم يكن أمامي سوى المضي قدماً. وإدراكاً مني بأن استخدام جسر المنطق هذا بدل جسري أنا سيجعل لفت انتباهه أرجح بكثير (رغم عدم تقليل احتمالية إدانتني لو سارت الأمور بشكل خاطئ، إذ سيحمل مع ذلك تسجيلي للمواطن)، فتحت واجهة الكتابة وبعين عقلي، شرعت في صياغة رسالة.

ساميوم أور-يسار، أعتذر عن إزعاجك، لكن أرجو قراءة هذه الرسالة. ربما تتذكرني حين التقينا هنا قبل 6 سنوات. لقد رويت لي قصة عن لقائك بجد أوتسوشيكومي، ثم تناولنا العشاء معاً في وقت لاحق من تلك الليلة. لكن ما لا تعلمه غالباً هو أنني سمعت خلسة محادثتك بأكملها معه، وتلك التي دارت مع أوتونوي كورانتيا. كنت خارج غرفتي لعدم توفر جسر منطقي فيها، ولم أستطع النوم وأردت مشاهدة الدراما.

وحين وصلت، فزعت واختبأت في الخزانة. أظنك لم تفكر قط في التحقق مما إذا كان أحدهم متناغماً. كذبت بشأن كوني في الخزانة طوال الوقت لأن ذلك الجزء بدا، حتى مع معرفتي بما أنا مقبل على فعله، شاذاً ومحرجاً للغاية. لقد نسخت سجلك أيضاً. قرأته كاملاً، وصنعت نسخاً متعددة محتواه. ما سأقوله سيبدو وكأنه يقود إلى الابتزاز، لكنني أعدك بأنه ليس كذلك. أؤمن بإخلاص وجود طريقة نساعد بها بعضنا بعضاً.

لقد أدرجت عنوان رابط جسر المنطق الخاص بي. أرجو التواصل معي هناك لنتحدث باسهاب. أرجو إدراكك أنه إن لم تتواصل معي، فقد أعددت الأمور بحيث يُرسل محتوى السجل إلى صحفيين عديدين، وإلى الرقيب، وإلى حراس القسم إن لم أتدخل لتأخير هذه العملية مرة على الأقل كل شهر. ورغم كونك رجلاً عظيم النفوذ وقريب من نهاية حياتك، فأنا متأكد من إدراكك لتبعات المحتوى والتأثير الذي قد يخلفه لا عليك وحدك، بل على عائلتك بأسرها.

لم تكن هذه مخادعة. لقد فعلت ذلك حقاً. وكما قلت، يمكنني أن أكون عازماً للغاية ما أن أعقد العزم على غاية. بالإضافة إلى ذلك، فقد أعددت الأمور بحيث يعلم █ █ █ █ █ بالحقيقة حول كيفية كذبك عليه. مجدداً، أرجو التواصل معي بأسرع ما يمكن. مكثت مطولاً أمام الرسالة لنحو عشرين دقيقة بعد صياغتها، مشعوراً وكأنني على وشك لف حول عنقي حبلاً. إن لم تسير الأمور على النحو الذي أمله، قد أُزج في السجن، أو ألقى حتفي حتى.

تداعت إلى ذهني كل الاحتمالات التي بدت بعيدة جداً مرحلة التخطيط. وما زال شعور الذنب والرعب مما أفعله عالقاً في الأعماق. لكن ذلك لم يردعني. لا أملك ما أعيش لأجله على أية حال. عبرت نهر روبيكون، وأرسلتها. محوت كل البيانات المستطاعة من جسر المنطق، وبصمات أصابعي عن السطح المادي. غادرت ذلك المنزل للمرة الأخيرة، وأعدت بحذر المفتاح إلى موضع قارب بدقة ما وجدته عليه. ثم فررت عبر الغابات، عائدًا عبر المدينة إلى شقتي الكئيبة، وقلبي يخفق بجنون فاق كل ما تخيلته ممكناً.

أمضيت الأيام التالية في حالة أشبه بنوبة هلع مستمرة. ولم يستغرقني الأمر طويلاً لأندم على كل شيء، وبعد تفقد صندوق وارد جسري ما يزيد على مائة مرة على الأرجح، نجحت في إقناع نفسي تماماً بأن بابي سيُخلع في أي لحظة من قبل حراس القسم، ليخفوني إلى غرفة مظلمة أتعرض فيها للتعذيب طوال ما تبقى من أيامي. كان هذا التفسير الوحيد الممكن لسبب تأخره كل هذا الوقت في الرد. كنت مرعوباً لدرجة عجزي حتى عن جرع الماء، فكيف بالأكل أو النوم السليم.

فكرت في محاولة الفرار من البلاد. الغوص عميقاً في ديون الرفاهية عبر حجز عطلة إلى الثنائية، ثم التواري في العالم السفلي لأحد مآويهم، مكافحاً ومتهرباً من مسؤولي الهجرة عبر حياة جريمة منظمة. (بالطبع كان هذا خيالاً عبثياً؛ فمع رصيدي الائتماني، لم أكن لأتحمل تكلفة رحلة إلى الثنائية قط). مرّ أسبوع، وتحول محور قلقي. ألم... يتلق الرسالة وحسب؟ أم أن تفاصيل الاتصال تلك باتت بالية؟

أم ربما شعر بأمان بالغ في منصبه لدرجة أن تهديدي لم يبلغه حتى، فتجاهله مع عدد لا يحصى من التهديدات المتلقاة بانتظام؟ عجزت عن التفكير. أأنفذ تهديدي؟ ما المفترض بي فعله؟ مضى أسبوع آخر. وشرعت أكاد أحاول نسيان الأمر. محاولاً التظاهر بأن شيئاً من ذلك لم يحدث قط. لكن بعد ذلك... وبعد 18 يوماً، في وقت متأخر من المساء بينما كنت أتفرج بكسل على الأخبار... أخبرني الجسر بتلقي بريد جديد.

وتعرفت عليه. ذلك الخط ذاته الذي غدت ألفته تلازمني في الأشهر الأخيرة. كان المحتوى جافاً. 'هذا ساميوم. تلقيت رسالتك وأنا مدرك. أنا مستعد للحديث معك. سأتواصل معك في التاسعة من مساء غد. أعلِمني إن كان هذا غير مقبول.' لم أصدق ذلك. شعرت وكأن هيكلي العظمي على وشك القفز من جلدي. كان يساير الأمر حقاً. لقد نجح بالفعل. لكن نوعاً من القلق سرعان ما استبدل بآخر. كيف بحق الجحيم سأجري هذه المحادثة معه؟

عند هذه النقطة، كعجزي حتى عن الحديث مع العاملين في مركز التوزيع. كيف أمكنني إقناعه بأمر بالغ الجنون كهذا، وماذا سأفعل إن أخطأت فهم مشاعره؟ أأحاول استخدام ابتزازي الواهي للمضي قدماً على أية حال، أم...؟ لم أمتلك وقتاً للقلق بشأنه هذه المرة، إذ ما إن رمشت حتى حل المساء التالي، وكان جرس جسر المنطق يرن. لا تخف، همس الشيطان. هذا ما تبتغيه. هكذا ستغدو سعيداً. ما كان لي أن أتفاجأ، لكن سلوك ساميوم اختلف كلياً عن محادثته مع شيكو وجدتها، وتلك التي سمعتها خلسة في تلك الليلة.

لقد كان بارداً كالثلج، أشد جدية من أي شخص تقاطع معه طوال حياتي. طوال الوقت، سبرني إسقاطه بنظرة مستوية شبيهة بالتمثال، واستحال تبين حالته العاطفية -رغم تفسيري القاطع لها حينها على أنها احتقار. نطق بالكلام بصعوبة بالغة، وكانت الكلمات الوحيدة الصادرة عنه هي، 'أنت ذلك الطفل الذي كان صديقاً لأوتسوشيكومي' في مستهل محادثتنا. وفي المقابل، كنت حطاماً. تلعثمت وتمتمت طوال التفاعل برمته.

استحضرت في عقلي خطاباً كاملاً أحاول من خلاله تبرير ما أنا مقبل على اقتراحه، وكيف أمكنني خيانة شخص عرفه كص صديق لي بذلك الشكل الهائل. لكنه لم يمتلك أي صبر يذكر. أوقفني، مطالباً بالدخول في صلب الموضوع. وفعلت.

"أنا... أنا، آه... اكتشفت إصابتي بهذه الحالة. لقد كتبت عنها-- لقد كتبت عنها في كتابك. في سجلك، أعني."

حدق بي ساميوم، منتظراً استرسالي. عجزت عن مواجهته، ولا حتى عبر جسر المنطق. احمر وجهي خجلاً لدرجة شعرت معها بقرب إغمائي.

"تسمى، أمم... أمم، تسمى... روح-- روحية مفرطة، أه..."

"متلازمة فرط التكيف الروحي"، أكملها لي.

"نعم"، قلت مطرقاً برأسي سريعاً.

"في الكتاب، أه، قلت... ق-قلت إن المصابين بتلك الحالة، إن عقولهم... يمكن استخدامهم كمتبرعين. مثل أولئك الذين يستخدمونهم، أمم... لصنع السحرة عادة....أليس كذلك؟"

هذه المرة، ساد صمت وجيز.

"هذا صحيح"، أجاب.

إذن لم أسيء الفهم. ترددت مطولاً قبل بلوغ الجزء التالي. تنفست بعمق، وغمر العرق ثيابي. فكرت بجدية في قطع الاتصال هناك حينها.

"ج-جدها.. صديقك"،تمتمت أخيراً.

"بحينها، تعرُّض، أه... خرفه، ازداد سوءاً، أ-أليس كذلك؟ أعني، لا بد أنه كذلك. إذن... غالباً لا يملك إدراكاً متماسكاً للأمور. لما حدث. أليس كذلك؟"

مجدداً، حدق بي ساميوم بما بدا حكماً صامتاً، وبقي وجهه ساكناً.

"إذن... إذن...."

عضت شفتي.

"أ-أتريد... أتريد الاستمرار-- المضي ق-قُدماً؟"

سألت بتلعثم مستستم.

"في خداعه، أعني؟ محاولة، أه... جعله سعيداً؟"

"أرجو الدخول في صلب موضوعك"، أصر ساميوم مجدداً.

ظننتني ألمحت أدنى تلميح لانكماش، لكنه قد يكون من نسج خيالي.

"أنا-- أنا..."

ابتلعت ريقي.

"سأفعلها. أنا... أنا سأدعي أنني هي."

بقي وجهه ساكناً.

"لا أعلم من نويتم استخدامه أصلا"، قلت ليتدفق الكلام مفاجئاً أسرع من قدرتي على احتوائه، مأخوذاً بالهلع تقريباً.

"أ-أو أي روح أعني، أو كيف يعمل هذا الهراء. لكن-- لكنني أتذكر تلك المرأة تقول إنكم لم تدركوا حتى إن كانوا سيوافقون، أمم، على الأمر. لكني سأفعل! سأدعي أنني وين، أو أياً كان اسمها. سأتبع أ-أياً كانت التوجيهات التي تمنحها لي، ولن أخفق. سأفعل ذلك من أجله قدر ما تشاء. وطالما تطلب الأمر حتى يرحل. وحتى بعد ذلك، لن أعبث بحياتها أو أبدو مريباً، ل-لذا لن يدرك أحد حدوثه. سأحمل الحقيقة إلى القبر— إلى القبر."

استمر وجهه في السكون.

"أنا أعرفها"، أضفت.

"ك-كنا صديقين حميمين. لذا حتى لو-- حتى لو حدث خطأ ما، بطريقة ما، كالتي تحدثت عنها في سجلك حدوثها أحياناً، فسأظل قادراً على التصرف مثلها. لقد-- لقد مارست حتى خط يدها. وأنا من العصر الحالي! لذا لن أرتبك بشأن أي شيء. بالإضافة إلى ذلك، لا عائلة أو أصدقاء لدي، ل-لذا لن يبحث أحد عني. أنا مرشح مثالي!"

"تريد استخدام روحك للزرع"، سأل، بادياً كمن يسعى لتوضيح قاطع.

"ن-عم"، قلت، باهتاً بثقة لكنه انتهى هشاً صغيراً.

"أ-أو بالأحرى، أعرض ذلك... إن كان أمراً بمقدورك فعله."

صمت ساميوم طويلاً. في البداية، واصل التحديق بي كعادته، لكنه كسر التواصل البصري للمرة الأولى في المحادثة. حدق نحو الأرض لنحو نصف دقيقة، بادياً مستغرقاً في التفكير.

"...أرى"، قال أخيراً مشبكاً يديه ورافعاً بصره مجدداً.

"حسناً جداً."

جحظت عيناي.

"ت-تعني... ستفعلها؟"

سألت مذهولاً.

"يتوقف ذلك على قصدك بكلمة 'تفعلها'"، قال بجفاف.

"لست متأكداً من النتيجة التي ترجوها. إن كنت ترجو كسب الثروة والجاه، فلن يُزرع عقلك ببساطة في جسدها--"

"لا، أنا أعلم!"

قاطعته.

"ك-كما قلت، قرأت سجلك. أنا أفهم!"

رفعته لترسيخ النقطة.

"أنا لا... لا أرغب في قتل-- في محو ها، حسناً؟ في الواقع، س-يكون أفضل لو أن ما تبقى كان هي في الغالب. لو فكرت مثلها، لكنني أدرك فحسب كوني شخصاً آخر. أو ربما ليس حتى هذا القدر..."

أنزلت بصري بنفسي، ووجهي ملتف بإحراج مذهل.

"لا أهتم بالتفاصيل. أعلم أن الأمر معقد. إن وافقت، إذن... يمكنك فقط فعل ما تراه مناسباً، حسناً؟ أياً ما ظننت نجاحه."

هذه المرة، تبدل تعبير ساميوم الحجري طفيفاً حتماً. بدا كأن شيئاً لاح له، وأنه يقيمني بمنظور مختلف. قطب حاجبيه خفيفاً.

"العملية ستكون دائمة"، تحدث بجدية.

"استخراج روحك سيدمر دماغك. سيلزم تدمير جسدك أيضاً."

"هذا، أه، جيد"، رددت بارتباك.

"أعني، أ-أعلم."

"لدي التزامات أخرى، لذا سأتواصل معك خلال الشهرين المقبلين بمكان لقاء في مدينتك"، وجهني.

"سأستخدم البريد المادي. ستعيد ضبط محركك وجسر المنطق للإعدادات المصنعية ولا تتحدث بهذا لأحد. ويجب ألا تغير سلوكك بأي شكل، كإجراء مشتريات شاذة أو تعديل روتينك. إن حدثت أي اضطرابات غير مرغوبة بحياتك، فتصرف وكأن الأمر لا يحدث. هل كنت واضحاً؟"

"نعم"، قلت ورأسي يدور.

"كما قلت، سأتواصل معك خلال الشهرين المقبلين."

وبهذا قطع الاتصال. بعد لحظات من انتهائه، جلست. اضطررت لذلك. يا للهول، فكرت. يا للهول. سيحدث ذلك حقاً. سيحدث ذلك حقاً. غمرتني المشاعر، وتلاشى الخدر في قلبي فوراً. ضحكت وبكيت، شعرت بالأمل والقأس، والبهجة وكره الذات الساحق بلا حدود. خطتي المريضة، التي كان مفترضاً أن تكون من قبيل الضلال، ستحدث بالفعل! جرى كل شيء تماماً كما أملت، بلا أدنى تعقيد يذكر! لمَ تتفاجأ؟ قال الشيطان.

أخبرتك. هذا قدرك دوماً. نعم، القدر. ما من كلمة تصفه غير ذلك. لست متأكداً كيف أصف حالتي العقلية خلال الشهر والنصف التاليين. بدا وكأنني في حالة صدمة أبدية. كلما تذكرت ما سيحدث، تقيأه عقلي مجدداً. بدا الأمر أشبه بحزن مقلوب رأساً على عقب لا ترقباً. تغييراً هائلاً لدرجة استحال، بل تعذر الشعور بواقعيته. انغمست في خيال شاذ، وراوحت عقليتي بين طفل عشية عيد ميلاده وسجين ينتظر حكماً بالإعدام.

فكرت، بهوس، في كل ما سفعله ما أن أغدو شيكو. تركزت هذه الأفكار في البدء حول الرفاهية التافهة. فكرت في تناول كل وجباتي المفضلة كل يوم، وتجربة أطعمة أشد فخامة عجزت قط عن تحمل تكلفتها سابقاً. فكرت في إمكانية لعب كل ألعاب الصدى التي أردتها أخيراً-- وكيف سيشعوري برفع كومة منها هومت بها مستعملة وأنا طفل وكأنها لا شيء وقضاء عطلة نهاية الأسبوع بأسرها في التهامها. فكرت في شكل ارتداء ثياب جميلة مفصلة خصيصاً، وحتى اختيار أزياء جديدة بالكامل بنفسي.

نعم. حياة أستطيع فيها بلوغ كل ما أشتهيه! حيث لن أضطر للتفكير بديون الرفاهية مجدداً! لكن سريعاً، مع شعوري المتزايد بواقعية الأمر، تمركزت أفكاري حول الشخصية الجوانية. تخيلت شعور مناداة الجميع لي باسمها. وشعور عائلتها بكونهم عائلتي. عناق أمي لي وإخباري بحبها إياي. مناداة أخي الأصغر لي بأختي. الجلوس معهم على العشاء كل ليلة دون أن أكون دخيلاً. والأهم من ذلك كله، أن يبدو كل ذلك طبيعياً-- أن أشعر بكونهم عائلتي أيضاً.

نظراً لما توجب عليّ تذكير نفسي به ذهنياً، فلن أكون محتالاً. سأشاركها أفكارها. مشاعرها. عثرت على صورة التُقطت بعد عامين من صداقتنا، واحدة من ثلاث امتلكتها فقط لعدم توفر كاميرا لدي؛ التقطت الجدة الصورة ومنحتني نسخة. كنا نجلس معاً على طاولة العشاء، نبتسم، بينما جلست الأم في الخلفية. تجنبت التمعن بها لأكثر من عام لأنها كانت مؤلمة للغاية، لكن بمقدوري الآن تفقدها بمنظور مغاير تماماً.

طويتها لإخفاء حضوري... كلا، بل لإخفاء حضور غريب لم يكن مفترضاً وجوده. حدقت بالشخصيتين الأخريين. تلك أمي، قلت لنفسي. كاتاكا. وتلك أنا، أوتسوشيكومي فوساي. تلك أمي، كاتاكا. وتلك أنا، أوتسوشيكومي فوساي. أمي... وأنا... حين أرغمت نفسي على تصديق تلك الكلمات، حاولت تخيل جلوسنا على العشاء، كما في الصورة. كيف سيبدو الأمر؟ أي أحاديث سنتبادلها؟ بم تتحدث العائلات حين يخلو الأمر من الآخرين؟

قريباً، سأعلم أخيراً. وسيكون حدثاً يومياً عادياً. ذلك الاحتمال... بالحصول على أمر حسبته مستحيلاً أساساً، مهما فعلت... أثار شيئاً في أعماق روحي. نحن البشر نرغم أنفسنا على الاكتفاء باستخدام المستقبل لتضميد عيوب ماضينا.

نتحدث عن "صفحات بيضاء"، و"عائلات مكتشفة"، و"طفولات ثانية".

لكننا نقر على مستوى ما بكونها بدائل ناقصة. التغيير الرجعي. هذا ما نتمناه جميعاً انتزاعه من أحضان الكون. إعادة كتابة حياتنا لنكون دوماً الشخص الذي اشتهيناه، غير مشوبين بالتعقيد والبذاءة. لكن قبل كل شيء، فكرت في مدى لهفتي لمجرد لم شملي بها. رؤية وجهها المبتسم. سماع رأيها في أحدث الروايات والدراما. سماع صوتها الرقيق يخبرني بأن كل شيء سيكون على ما يرام. حتى لو اضطررت لفعل كل ذلك أمام المرآة.

لن نفترق مجدداً، ولا حتى في الموت. كل ما سنواجهه، سنواجهه معاً. معاً... رغم تعليمات ساميوم، لم أستطع منع نفسي عن تغيير سلوكي. كف الشكل الذي تقمصته عن كون شيء أبذل جهداً للتأقلم معه، وغدا موضوع اشقئزاز علني لا أنتظر التخلص منه. كفكت عن الأكل أو العناية بمظهري. بدا الأمر، بطريقة ما، كطهارة طقسية.

كأن عليّ ترك "نفسي"

الحالية والبذيئة تذبل وتموت لأرتقي إلى طبيعة أسمى. لم أفعل في بعض الأيام سوى تفقد بريدي، ثم الاستلقاء في السرير حتى حل الظلام. مضت الأسابيع، وتملكتني التململ. حفظت بعض المعلومات عن حيّها ومدرستها، رغم إدراكي المنطقي بعدم جدوى ذلك. عثرت على إعلان يفيد بتمثيلها وطفلين آخرين لمدرستهم في مسابقة أخرى بعد ثلاثة أشهر، وشعرت بمزيج غريب من الانزعاج والرهاب حين أدركت إمكانية كوني الشخص الذاهب إلى هناك.

بدا الأمر غريباً للغاية، حين تأملته من تلك الزاوية. كأن حياتي تُعاش دون وجودي هناك. بعد شهر، تملكَني القلق. لمَ لم يتواصل معي ساميوم بعد؟ ماذا لو لم أسمع عنه مجدداً؟ تعذر عليّ العودة. استحال عليّ مواجهة هذا المستقبل مجدداً. لكن الرسالة أتت أخيراً. ظرف بنيّ غفل، يُرجح تسليمه باليد، يحوي ورقة رقّ منفردة دُوّن عليها تاريخ ووقت -الخميس التالي، العاشرة مساءً- وعنوان، إلى جانب مفتاح معدني صغير.

لم تهزني أحداث الملاذ بذات الرعب الذي اهتززت به حين حان ذلك اليوم. في ذلك الظهيرة، ودعت شقتي وكل ممتلكاتي الدنيوية، ومنطلقا من شقتي للمرة الأخيرة. قضيت بعض الوقت في البداية متجولاً حول الجزيرة. عدت إلى منزل عائلة إيسيها ومقبعاً بالنظر إليه عن بعد. عدت إلى مدرستي القديمة، والشاطئ حيث التقيت شيكو. زرت المدرسة التي ارتديناها معاً. تفحصت عبر نوافذ المطعم الذي أخذتني إليه في ذلك العيد الميلاد الرائع.

ثم، حين غاب المصباح الأعظم منذ أمد وهوت المدينة في صمت نسبي، توجهت سيراً إلى العنوان. توقعت نوعاً من المنشآت الطبية المريبة في جزء هادئ من المدينة، لكن لدهشتي، لم يكن أياً منهما. بل تبين كونه مبنى مكاتب حديث البناء في حي الأعمال الصغير بالمدينة. اتسم بتصميم عصري، بنوافذ طويلة تقف تناقضاً مع أحجار وحشية فضفاضة، ولا يزال بعض النشاط دائراً بالداخل من أشخاص يرجح قيامهم بنوبات عمل ليلية.

عرفت لافته قريبة المكان بـ"برج توكوروبي"، معلنة عن توفر مساحات للإيجار.

أرشدتني التوجيهات إلى مدخل الخدمات، الذي فتحته بالمفتاح. ثم تسلقت السلالم الخلفية حتى الطابق الرابع. كانت أبوابه الخشبية البسيطة غفلة (يُرجح كونها إحدى تلك المساحات المذكورة) لكنها مفتوحة سلفاً، ليتكشف وراءها ممر طويل مظلم يضوي ضوء من غرفة مفردة في الأفق. بطريقة ما، أدركت أن تلك هي وجهتي المقصودة. بخطوات بطيئة ومقلقة، سرت. فجأة، بدا كل شيء هادئاً للغاية، وبدت اللحظة كأنها تمطت لمدى زمني خارق للطبيعة تقريباً.

أراد جزء مني الركض فجأة. لربما تظاهر ساميوم بالامتثال لاستدراجي إلى هنا وقتلي؛ لم يبدو هذا قطعاً كالمكان الملائم لإجراء عملية جنائية معقدة. رغم أن أكان ذلك صحيحاً؟ كيف كان مفترضاً أن يعمل أساساً؟ مهد شك لظهور غيره. خاض ضميري معركة أخيرة ضد ما كنت أفعله. أكنت سأفعل هذا حقاً؟ حتى لو استطعت إقناع نفسي بعدم كونه قتلاً تقنياً، فظل اقتحاماً بأبشع درجة متخيلة. ألن يؤكد ذلك كل الأمور البشعة التي تشعر بها نحوي غالباً؟

كيف لي تقبل عيشي مع نفسي...؟ وماذا لو أسأت فهم آلية عمل هذا برمته؟ أعني... إن كانت الروح مجرد جزء من عقلك، فما بال البقية؟ حينها، صرح جد شيكو علانية بأن هل كان هذا انتحاراً فعلياً؟ أكنت على وشك الموت هنا؟ واصلت المسير. طقطقة، طقطقة. صوت نعالي الرخيصة التابعة لمركز التوزيع على الأرضية العارية من السجاد. أخيراً، بلغت الباب موارب الانفتاح، ومتنفساً، درت حول الزاوية. رغم افتقار الغرفة لما يميزها، إلا أن منظرها حُفر في ذاكرتي، مكاناً أجد نفسي فيه في الأحلام مراراً وتكراراً.

لعبت الظروف دورها حتماً، لكنها بدت كئيبة لدرجة ما. كانت الستائر مسدلة بإحكام، وينبعث الضوء من مصباح غازي نفعي وحيد في الطرف الأقصى، مما أسفر عن إلقاء كل شيء لظلال طويلة. لم تحوِ سوى قطعتي أثاث: طاولة برونزية ضخمة تنسجم مع بيئة المكتب، وكرسي خشبي مائل قليلاً يعلو مقعده حقيبة سوداء ثقيلة. بجانب ذلك الكرسي، مسمراً عينيه نحوي بوجه كاشف ما إن خطوت للداخل، كان ساميوم.

شعرت بفزع بالغ لرؤيته. حمل الوجه ذاته الذي تميز به عبر محرك المنطق: بارداً بإطلاق، عيناه تحفران فيّ كالمثاقيب. لكن برؤيته شخصياً مجدداً، ومع تصليب النور والظلام لخطوط وجهه مخلفة وميضاً أصفر في عينيه الداكنتين الثقيلتين... حضر الكثير من الحكم الضمني. كأنني أتفرس بملك الموت شخصياً. لهثت، جاهلاً بما أقوله. ومجدداً، رغبت بالركض.

"اجلس"، وجهني ساميوم.

"أنا-- مـ..."

"اجلس"، ردد.

"أه--أه، حسناً."

بجسد متصلب، تقدمت نحوها. دفعت نفسي صاعداً باليدين ونفذت أمره، متموضعاً على حافة المعدن البارد.

"أتملكها؟"

سأل. حدقت ببلاهة.

"أملك ماذا؟"

"النسخة"، أجاب.

"أ-أوه."

أنزلت بصري.

"نعم..."

مددت يدي لحقيبتي، واستخرجت متاهة الصدى الصغيرة المستخدمة لنسخة سجله. مد يده، فناولته إياها.

"سأتحقق من هذه لاحقاً"، حذر، خطواً ووضعها في حقيبته.

"والأخرى؟"

مددت يدي لجبيبي فناولته ورقة رقّ مجعدة.

"هذه، أمم... هذا عنوان المحطة البعيدة. سأمنحك كلمة السر حين... أه، حين..."

عجزت حتى عن النطق بها علانية، الآن وقد كنا وجهاً لوجه. غمرني خجال أطاح بقدرتي حتى على التطلع إليه. لم أستطع سوى التمعن بانعكاسي على البريق المعدني في الأسفل. تناولها بدوره، متوقفاً ههيهة لتأمل أمر ما.

"أنت ساذج إلى حد ما"، قال بجفاف.

"هذه الهوية تتبع خدمة استضافة بيانات مجانية في دورثيدون. ولن يثير الأمر ضجة حتى لو طلب محاميّ إزالة المحتوى تماماً."

اتسعت عيناي هلعاً. بداهة بإمكانه فعل شيء كهذا! كيف غدوت بهذه السقافة؟ رفعت رأسي برتجة لمواجهته.

"أ-كلا! أملك، أخر..."

"لا داعي لاختلاق شيء"، قال بازدراء.

"لن يؤثر ذلك على ترتيبنا."

توقفت عن الكلام، وبقي فمي مفتوحاً قليلاً. ثم طبقته فجأة، متنفساً بعمق عبر أنفي.

"أفعلت كما وجهتك؟"

سأل.

"نعم"، قلت بإيماءة سريعة.

"لم أتصرّف بشذوذ... واصلت ارتياد مركز التوزيع كل أسبوع كالعادة، واستخدمت محرك المنطق لمواصلة مشاهدة ذات الأشياء. ولم أفعل ما قد يوحي بحدوث شيء لي، أيضاً. كشراء أشياء غريبة، أعني..."

"وماذا عن اللقاءات الاجتماعية؟"

سأل.

"أفعلت--"

"لم أحظَ بأي منها"، قاطعته.

"لا أملك حقاً، أه..."

تلاشت نبرتي. تردد ساميوم للحظة.

"أرى."

استدار عائداً لحقيبته، مستخرجاً هذه المرة دفتر ملاحظات وصندوقاً خشبياً مستطيلاً صغيراً. أمضى لحظات يتأمل الأول.

"سأشرح طريقة عمل ذلك. أرجو الإنصات بحرص، وعدم التردد في المقاطعة بطرح أسئلة إن رأيت ضرورة لذلك."

"ح-حسناً"، قلت مؤمئاً.

عقب ذلك، تحدث ساميوم طويلاً. أطلعني في البدء على ما يرجو فعله، إلى جانب معلومات تخص جدها وحالته الراهنة. وكما تبين، صدق تخميني بخصوص تدهوره الذهني الملحوظ... لكنك تعلم ذلك بالفعل. ظل غالباً واعيًا، لكنه بات يحتاج رعاية منتظمة بوتيرة متصاعدة، وكثيراً ما غدا مضطرباً ومشوشاً. ورغم كونها معلومات استنتجتها إلى حد كبير، فقد تحدث عن فشل اندماجه، وكيف حفز لم شمله مع وين أعمال حياته بأسرها.

كما حدثني قليلاً عن وين شخصياً، شخصيتها واهتماماتها. عملت على ما يبدو كمؤرخة ونشأت في مجتمع زراعي وكانت من عشاق الكوميديا السوداء ووسائط الخيال -وتوسع ساميوم في تفاصيل قصص بعينها استمتعت بها حقاً، إلى جانب ذوقها الموسيقي الذي بدا مهماً لها. وأخبرني بأنها كانت صبيانية، وغالباً لاذعة السخرية، لكنها حملت لطافة دقيقة وحازمة تبرز حين يعاني من تعرفهم. أقل ما يقال، عجزت عن إدراك كيف بحق الجحيم سأنجح في ذلك، إذ لم أكن أحظى بأي جزء من عقلها في هذه العملية.

"لا تقلق حيال الأمر كثيراً"، قال ساميوم بازدراء.

"فأنت لسْت مفترضاً تذكر كل تفاصيل حياتها أو كونك ذات الشخص تماماً، على أي حال. تظاهر بالسماح للأمر بالظهور عرضياً، وسيكفي ذلك غالباً."

ما لم يتحدث عنه، بشكل لافت للنظر، هو علاقتها بمن يكون جدها في العالم القديم. ذكر كونه غير ذي صلة، لأنه لم يرغب قط في أن تدرك هي -كأوتسوشيكومي- هويته على أية حال-- وأن ذلك لن يجلب له سوى الخار والعار. وأردف بوجوب اكتفائي باتباع إرشاده، والسماح لرغبته بالتصديق بإنجاز البقية. وحدثني بالقليل جداً عن العالم القديم نفسه، مؤكداً مجدداً عدوم أهميته. ...وهو أمر غريب طفيفاً، بأثر رجعي.

مع استمرار المحادثة، لاحظت تبدل نبرته ضمناً. اتخذت طابعاً عارضاً، وبدا أكثر تعباً، كأن عملية شرح كل ذلك كانت تستنزف شيئاً غائراً في داخله. تسللت قذارة طفيفة إلى نبرته، فسرتها حينها باستهدافها لي، ليتضخم مزيد من الخار في صدري. إلا أن نزعها من السياق يجعل أرجحية شعوره بالخزي من نفسه أعلى. أخيراً، حدثني عن العملية ذاتها.

"أسنفعل، أه، ذلك حقاً هنا...؟"

سألت.

"لا... تبدو حقاً كمكان يمكن فيه إجراء جراحة."

"اخترت هذا العقار لاستبعاد احتمال الاقتحام غير المتوقع، وفي حالة نادرة لحدوثه، لكون أحد أصحاب المصلحة صديقاً لي"، أوضح.

"سنذهب إلى مكان آخر، لكنك لن تكون واعياً. لا أستطيع إجراء التلاعب بالنفس في مكان قد يرصده الرقيب، لذا يتعين إجراؤه في مكان منعزل."

أوه. جلست على الطاولة بدل الكرسي لظني بقيامه به هنا. ليبدو مظهري الآن كشخص مجنون غالباً.

"أين؟"

سألت.

"ليس شأنك"، أجاب.

"هذا النصف من العملية معقد بعض الشيء أيضاً. أتطلب الوصول لمنشآت غير متوفرة في هذه الجزيرة. طبيعة تلك المنشآت، والعملية بحد ذاتها، ليست أمراً تحتاج لمعرفته."

ابتلعت الهواء، وشعرت بجفاف شفتي. بداهة لن يخبرني. لقد استخدمت آخر معلومة حساسة لابتزازه.

"إن كان هذا سيهدئك، فلن يحدث فارقاً في إدراكك للأحداث"، أخبرني.

"سأخدرك هنا، والمرة القادمة التي تعي فيها ستكون بانكشاف العملية تماماً بعد عدة أسابيع."

"عدة أسابيع؟"

سألت بصدمة طفيفة.

"نعم"، قال.

"سأحتاج لإيجاد نافذة فرصة مناسبة."

أوه، صحيح. تذكرت فجأة ذلك الجزء من خطته قبل كل تلك السنين، حين تحدث عن اختطاف شيكو. تلك التي أزعجتني بشدة حينها... ترددت.

"أستلحق... الضرر بها، بأي شكل؟"

طرف ساميوم، ثم قطب حاجبيه نحوي، كأنه منزعج لإجباره على التفكير في الأمر.

"نعم، آمل ألا يحدث. خطتي هي تخديرها خلال فحص طبي روتيني--"

"كلا، أقصد... أيلحقها أذى"، حاولت التوضيح.

حدق بي كمن يعاني تلفاً دماغياً.

"...لا"، أجاب أخيراً.

"من منظورها، سيكون الأمر وكأنها تتذكر فجأة اختبار ما اختبرته أنت. ولن يطرأ أذى أو تغير في وعيها عدا ذلك."

أرأيت؟ قال الشيطان. لا يبدو الأمر سيئاً للغاية، أليس كذلك؟ لكن الكلمات بدت غير مقنعة بعمق.

"أكانت لديك أسئلة أخرى؟"

ترددت للحظة، ثم أومأت بتصلب.

"كيف... سيبدو الأمر؟ بالنسبة لي؟"

حدق بي، متحدثاً بحزم.

"حين التقينا آخر مرة، قلت إنك غير مبال بالتفاصيل."

تراجع بارتباك، محولاً بصره بعيداً.

"ما قلته حينها هو الأكثر ملاءمة لأهدافي أيضاً"، قال، منتقلاً إلى نبرة تقنية أكثر.

"بافتراض سير كل شيء على ما يرام، ستحفظ ذاكرة صريحة بلا تغير -أعني الذاكرة السير ذاتية- لكل من حياة أوتسوشيكومي وحياتك، لكنك ستختبر ارتباطاً عاطفياً أقوى بذاكرتك العرضية وذاكرتها الدلالية على التوالي. وإلى جانب حقيقة عدم تخزين الروح للذاكرة الضمنية بتفكير إطلاقاً، يجب أن يفضي ذلك إلى نتيجة تقارب فيها سلوكياتك وطرائق تفكيرك تلك الخاصة بها، لكنه يبقى لهويتك الحالية الأولوية."

ضيق عينيه طفيفاً.

"مع ذلك، فالتلاعب بالنفس ليس علماً دقيقاً. يستحيل التنبؤ بدقة بكيفية تجلي ذلك من منظورك، سيما في البداية. سأكون حاضراً حين تستيقظ وأستجيب بناءً على ذلك."

لم أستوعب سوى أجزاء من ذلك الشرح حينها، لكنني شعرت بعدم ارتياح مجدداً لدفع الاستزادة من المعلومات. وحتى لو بدا شبيهاً بما أبتغيه تجريدياً، فإن سماع تفاصيل كيفية شق روحي وإعادة ترتيبها جعل الأمر يبدو أشد رعباً. تلمظت، محاولاً عدم التفكير فيه.

"و... أيعلم أحد غيرنا بالأمر؟"

سألت.

"لا"، أجاب فوراً.

أومأت بضع مرات، ثم بضع مرات إضافية. شعرت بلون وجهي يتلاشى لإدراكي عدم امتلاكي شيئاً آخر للسؤال عنه مما لا يُطيل أمد المحادثة فحسب، بل رافقته العزيمة أيضاً. نعم. بمقدوري فعل هذا. يمكنني جعل هذا الأمر المستحيل حقيقة.

"حسناً"، قلت بصوت مهتز.

"أه، أمر آخر..."

مددت يدي لجيبي، مستخرجاً حاوية معدنية صغيرة.

"أيمكنك منحني هذه؟ حين... بل حين ينتهي الأمر؟"

تمعن بها.

"مجرد هذه؟"

أومأت.

"...أظن لا مانع."

أخذها، ووضعها في حقيبته بدوره.

"ألنبدأ إذن؟"

"نعم"، قلت، غدا اللفظ كاللهث.

"ل-لننفذها."

"حسناً جداً"، قال ساميوم بلامبالاة.

فاجأني جزء مني بعدم منحي فرصة للتراجع. لكن حينها، لمَ يفعل؟ مد يده وفتح الصندوق الخشبي. وبداخله محقنة وسائل مركب. قفز قلبي خارج صدري.

"أأنزع... ملابسي...؟"

سألت لسبب ما.

"لن يلزم ذلك"، قال.

"أحتاج للوصول إلى مخك الأدنى فحسب. استلقِ أو انتقل للكرسي، من فضلك."

شعرت بإحراج أكبر بشأن فكرة الوقوف والجلوس مجدداً، لذا تحولت واستندت للخلف عوضاً عن ذلك. ضغط المعدن البارد بحزم على مؤخرة عنقي، وخلفت يداي أثراً عرقياً وأنا أتخذ وضعي. ألقيت نظرة أخيرة على جسدي السفلي وانعكاسي. هذه هي. هذه آخر مرة أرى فيها هذا. تجلدت. أبعد ساميوم قماش ردائي، كاشفاً ذراعي اليمنى.

"سأحقن المهدئ الآن"، قال.

"إن لم تخض جراحة من قبل، فلن يستغرق الأمر سوى لحظات لتفقد وعيك. بعدها، ستستيقظ دون شعور بانقضاء أي وقت البتة."

يا للهول، فكرت، متصاعداً بالهلع في صدري. تباً. يا لعنة. لا يمكنني فعل هذا حقيقي، أليس كذلك؟ هذا جنون! اهدأ. جل ما أحتاجه هو الاسترخاء. أغمض عينيّ، وفي لحظة فقط، سأكون مع شيكو مجدداً. سينتهي كل الألم... شعرت بانزلاق الإبرة في ذراعي، وشعور حارق ووخز مع تدفق المخدر في الوريد. لا أريد الموت! لم فوات الأوان. قُل شيئاً. أبلغه بعدم فعلها! وماذا؟ الزحف مجدداً إلى تلك الشقة القذرة الصغيرة لتعيش حياتك الفارغة والكريهة؟

لن أكون معها أبداً. أتذكر ذلك الألم؟ الحياة طويلة. كل شيء قد يحدث. كنت طفلاً فحسب. يمكنني حيازة مسيرة. لقاؤها مجدداً حين يصبح كل ذلك بعيداً في الماضي. ذلك مجرد خيال. لن يحدث حقاً قط. شعر رأسي بخفة. بدأت عيناي تظلمان حتى مع استمرار امتلائي بالتردد. هذا قتل! لا رجعة عنه! كيف ستعيش وأنت تراه وجهها في المرآة؟! كلا، بل تنقذها. بدونك، سيرتدي غريب وجهها. فكر بما سيفعلونه بها. ذلك مجرد افتراض!

لست تعلم حتى رغبتها المستمرة في أن تصبح ساحرة! لقد ربما تبدلت أفكارها... أنا لهف للاستيقاظ خلف عينيها. متلهف للغاية لعدم كون نفسي أخيرًا. لا أريد الموت! لا أريد الاختفاء... سأشتري شريحة لحم رائعة حقاً في مطعم... أنا جائع... كلا، كلا، عليّ قول شيء... ساميوم... أتساءل أي نوع من الأصدقاء ستمتلك؟ أتساؤل كيف سيبدو منزلها... لا أستحق لمس نور باهر كهذا. عجز عن التحرك. أبي... لم أره مجدداً...

شيكو، أنا آسف جداً. أحبك بشدة. تعبت حقاً. وداعاً، أنا. أنا سعيد للغاية بلقياك. يؤلمني ظهري. سنبقى معاً إلى الأبد... إلى الأبد... مهلاً، فيما كنت أفكر؟ أنا... لا أستطيع... أنا... ... وهناك، في تلك الغرفة الصغيرة بالطابق الرابع من مبنى المكاتب، على الجزيرة التي وُلدت فيها ولم أغادرها قط، كفت نفسي القديمة عن الوجود.