زهرة ازدهرت في مكان لم تزرها الفصل 10 — حج إلى الأعماق

اقرأ زهرة ازدهرت في مكان لم تزرها الفصل 10 — حج إلى الأعماق باللغة العربية على مانجا تايم.

معقل الإمبيريون، الأحياء الخارجية | الثالثة وواحد وأربعون دقيقة بعد الظهر | اليوم الأول شارع آخر يشبه سابقه. خلت أن المرء قد يصاب بالجنون، إن عاش في مكان كهذا.

قالت ميهيت بصوت يعتريه شيء من التعب: "إنه لأمر... غريب، أن يرغبوا في لقائنا في مكان بعيد هكذا. حتى مع مراعاة الظروف، لست أدري لمَ لم يتمكنوا من استقبالنا عند جسر الأثير. يبدو الأمر برمته غير معتاد البداية، لمنظمة بهذا القدر من العراقة".

قال كام: "يفترض المرء أنهم قلقون من تعرضنا للتعقب. يبدو الأمر مبالغاً فيه حقاً، لكن لأسباب تخصهم، لا يبدو أن النظام يرغب في ترك أي شيء يخص أمن هذا الأمر للصدفة".

قطبت جبينها.

"...حسناً، إما هذا، أو أن هذا نوع من اختبارات الإذلال".

ابتسمت ميهيت للطرفة، لكنها كانت ابتسامة خالية من البهجة، متصلبة من القلق والوجل.

قالت: "بصراحة تامّة، لا أکاد أتبين لمَ هم مهتمون إلى هذا الحد بإخفاء موقع ملاذهم عن أعين العامة، الآن بعد أن كفّوا عن كونهم منظمة سرية. يبدو الأمر أشبه بـ..."

توقفت للحظة، كأنما تبحث عن الكلمة المناسبة.

"...أمر عفا عليه الزمن".

متخلف. تلك هي الكلمة التي أرادت قولها.

قلت: "أعتقد أن أحدهم في مؤتمر هذا الصباح شاركنا النظرة ذاتها. لقد وصف النظام بأنه... أه..."

ذكرتني ران: "منظمة منبوذة تشبه الطوائف".

قلت: "أجل، تلك".

تصلب ملامح ميهيت قليلًا.

قالت: "بالطبع، لم أكن لأذهب إلى هذا الحد".

قال كام: "بصراحة، إنه شعور ليس ببعيد عن الإنصاف. كنت متشككة عندما تلقيت تعليمات سفرنا للمرة الأولى".

ومع ذلك... أطبقت شفتيها.

"أتوقع أن نذهل جميعاً لو علمنا كم من تجمعات السحرة لا تزال تكتنز معارفها بإحكام خلف الأبواب المغلقة هكذا، على الرغم من تغير المنحة الدراسية الحديثة على النحو الذي نراه. إنها مجرد حكايات فردية، لكن هذا النوع من الأمور شائع بشكل مقيت داخل نظام المنجمين الزمنيين أيضاً".

عبست ميهيت.

"لا أنوي التقليل من شأن مضيفنا، لكنه لا يدخل عقلي البتة سبب إقدام الناس على فعل كهذا. كان الأمر مفهومًا بالطبع عندما كان الحظر سارياً، لكن الآن بعد أن رُفع، أليس في مصلحة الجميع أن تُشارك المعرفة علانية؟"

قال كام: "وهو كذلك، على نحو ما ربما. من الناحية المثالية".

قالت أوفيليا: "يبدو الأمر... أنانياً بعض الشيء...؟ إن كان هذا حقاً دافعهم لكل هذا. مجرد الاحتفاظ باكتشافاتهم المتبقية مخفية، بدل مشاركتها مع بقية العالم".

فاجأتني هذه المداخلة. لم يكن مألوفاً من أوفيليا أن تعبر عن رأي في أي شيء قط.

عادة ما تكتفي بالابتسام بطريقتها القديسة المعتادة، إما بالصمت، أو بقول شيء مثل «أه، ليس من شأني أن أحكم».

كانت من تلك النمطية من البشر التي تبدو وكأنها ترى في امتلاك شخصية أمراً ينافي اللياقة. مع ذلك، لم يتبدُ على كام التأثر بهذا الحيود عن المعتاد. بل اكتفت بالضحك الخفيف على الملاحظة.

قالت: "حسناً، لو لم يفعلوا ذلك، لجاز الاستيلاء على اكتشافاتهم من قِبل باحثين آخرين، أو لصالح قضايا لا يرتضونها، مما يحرمهم الهيبة والثروة. لا يمكن للمرء أن يتوقع أن يكون البشر مدفوعين بالإيثار الخالص".

قالت أوفيليا: "أليس في الأمر نوع من الخيانة لمبادئهم الأصلية إذن؟ مشاركة المعرفة التي تفيد البشرية علانية، حتى عندما يريد العالم أجمع إبقاءها مكبوتة؟"

هزت كامروسيبا كتفيها وقالت: "ربما في معنًى ما. لكن المبادئ أهداف نطمح إليها، وليست حقائق حرفية. يخونها الجميع قليلاً في سبيل احتياجاتهم الخاصة. وهي نعمة أيضاً — لو لم يكن الأمر كذلك لما استقام المجتمع، إذ لن يستعد أحد للجلوس والتنازل في سبيل راحته الخاصة عند اشتداد الأمور".

"مم... أظن أن هذا صحيح..."

رغم قولها ذلك، لم تبدُ مقتنعة تماماً. لكن أوفيليا لم تكن ممن يقفون في طريق كام حين تدخل في وضع المحاضرة.

تابعت كام: "في الواقع، يمكن للمرء أن يجادل بأن مصلحة المرء الذاتية أهم من أي مبدأ، وهي ما يدفع الابتكار قدماً أكثر من أي شيء آخر. على مستوى أساسي، الإنسان كائن تنافسي، تطور لبقاء الأقوى. الحسد، والطموح، والمنافسة — هذه هي الأمور التي عجلت بمعظم التقدم عبر التاريخ. ما يخدم الأنا يخدم التقدم في نهاية المطاف بالوكالة".

قطبت جبيني. شيء ما في هذه الفكرة والطريقة التي تصيغ بها كلماتها كان يثير حنقي، رغم أنني لم أستطع تحديد السبب في تلك اللحظة الخاطفة. كان الأمر أشبه بسماعي لتلك الكلمات، أو لبعض تنويعات المفاهيم الكامنة خلفها، مرات لا تحصى من قبل. كأنها نُحتت في نفسِي بمرور الوقت مثلما يُدكّ التراب في سجادة قديمة. حينئذ، في لحظة الضعف تلك، تجلت رغبة مفاجئة داخل وظائفي الإدراكية، قافزة من الظلال كقاطع طريق يعترض فريسته.

صاح: مرحبًا! تحياتي من اللوزة الدماغية. أنا ذلك الجزء من دماغك الذي يؤمن بلا توقف بأن إشعال نقاشات سياسية هو فكرة سديدة في أي وقت. سأسيطر على وظائفك الحركية الآن. فكرت برعب: ماذا؟ لا، تبا لك! قال: هيااا، سيكون الأمر رائعاً. ستفوز وتُبهر الجميع بمدى ذكائك! لا! ليس مع كام. وخاصة ليس أمام غريب في منتصف الشارع! عضضت على لِساني بقوة. قال: حسناً. لقد فزت، لكن لا تخطئ الظن. في المرة القادمة، لن تملك من الإرادة ما تقاوم به.

التوى وجهي من الانزعاج. التفتت إليّ أوفيليا بنظرة يملؤها القلق.

تابعت كامروسيبا بعد لحظة صمت: "إذن! بما أن لدينا بعض الوقت، لمَ لا نتحدث عن عروضنا؟"

التفتت نحوي.

"حدثني عن عرضك يا سو".

التفتتُ إليها مقطباً جبيني: "كيف صرت المستهدف وحدي؟"

قالت وهي تهز كتفيها: "حسناً، علينا أن نبدأ من مكان ما".

هبت ران للدفاع عني قائلة: "لمَ لا تبدئين بنفسك؟"

قالت كامروسيبا بلهجة عملية: "لأنني أريد تقييم المنافسة بوضوح بالطبع".

كان من الصعب معرفة ما إذا كانت تمزح أم لا.

"هيا يا ران. حاولي تتبع المعنى الضمني".

أدارت عينيها بملل. تنهدت في نفسي. بدأت قدماي تؤلماني حقاً.

قلت: "إن كنت قلقة من أن أسرق الأضواء منك، فلا داعي لذلك. لا أنوي القيام بأي شيء مثير. سأقتصر على إعادة صياغة مشروع الشتاء الخاص بي، مع بعض التحسينات".

"آه!"

أومأت برأسها.

"أقصد النيجان— أم، النيجن—"

"أرانا الإنعاش السالب للإنتروبيا"، قلت.

قالت: "نعم، تلك. ما زلت أرى أنه كان عليك اختيار اسم أكثر جاذبية".

قلت وأنا أعدل نظارتي: "إنه يصف الوظيفة بدقة، وهذا هو الأهم. إنه مقاربة للإنعاش تعمل من طریق عكس الإنتروبيا لا عبر هندسة الأحياء أو علم الموت المباشر. «سالب الإنتروبيا» عكس الإنتروبيا".

عقدت ذراعيها وقالت: "قد يكون الأمر كذلك، لكن يجب أن تعترف بأنه لا يتدحرج على اللسان ببساطة".

"لست محاولاً بيعه".

"ليس بهذا التوجه، لن تفعل".

قالت بطليموس: "أه، عذراً للمقاطعة، ألم تواجه مشكلات في جعل ذلك يعمل يا سو؟ أتذكر أن العرض التقديمي بدا غريباً بعض الشيء".

سطّحت نظرتي.

قلت دون أن أجعله سؤالاً: "تعنين حين أعدت الحمامة إلى الحياة، ثم طفقت تنقر الأرض بجنون لـ 15 ثانية بلا صوت، ثم هوت وماتت مجدداً".

كنت واثقاً أن كل من هنا، وربما في الأكاديمية برمتها، يتذكر الحدث بإسهاب تام، حُكْماً على تعبيرات الرعب الواضحة التي علت وجوههم آنذاك.

قالت: "أ-أجل. حين حدث ذلك".

قلت: "التعويذة ما زالت عملاً قيد التطوير. لكن المبدأ سليم. الأجسام في أجساد حديثي الموت تظل منظمة. إن شُحنت بالطاقة بالشكل الملائم، فهي مستعدة للعودة إلى الاصطفاف بتدخل أقل ضرراً بكثير مما يُمارس حالياً".

قالت كامروسيبا بزهو: "باستثناء المنجمين الزمنيين".

أومأت برأس برأس خفيف وأجبت: "باستثناء المنجمين الزمنيين. لكن هذا صالح لنصف دقيقة كحد أقصى. بالمبدأ، قد يعيد هذا إحياء أشخاص ماتوا منذ 5 دقائق، وربما 10 دقائق كاملة".

قالت كامروسيبا: "بالمبدأ ربما. هل حللت الكثير من المشاكل إذن؟"

تسلل بعض التردد إلى نبرتي وأنا أقول: "القليل. الأمر ليس مثالياً. لكنه سيكون جيبداً لعرض قصير كهذا".

"أنت تعول على إبهارهم بالمفهوم السامي، إن كان تنفيذ ذلك المفهوم لا يزال يترك مجالاً لما هو مرجو؟"

"حسناً... أجل، أظن ذلك".

أدرت علماً بأنها كانت على وشك قول شيء متغطرس.

لقد طوّرت «حاسة-كام»

طوال السنتين الماضيتين.

تذمرت قائلة: "فكرة سيئة. من الأفضل دائماً تقديم شيء بسيط بثقة على تقديم شيء معقد بتردد. هذه هي القاعدة الأولى لإبهار الناس وبناء العلاقات".

قلت: "إنهم علماء مرموقون، ولست متأكداً من مدى نجاعة تلك التكتيكات الخاصة بمقابلات العمل معهم".

قهقهت كامروسيبا إثر هذا التأكيد.

قلت بنبرة تسلل إليها القليل من الضيق: "ما الذي تخططين لفعله في عرضك إذن؟ بما أنك مستعدة للحط من قدري".

"أه، هيا يا سو. لا تأخذني بهذه الجدية".

هزت رأسها، ثم استدارت للأمام وهي تتحدث: "أخطط لعرض جهاز استحدثته بصورة متقطعة طوال العام الماضي. إنه مخصص للفرز الطبي في جوهره — هدف الجهاز هو وضع الجسم في حالة إعدام مؤقت كلي قصير المدى إلى أن يصل العنف".

قطبت جبيني: "ألا توجد أدوات تفعل ذلك بالفعل؟"

قال كام، وبدا بشكل متزايد وكأنها هي الأخرى تحاول بيع شيء ما: "بعضها يفعله تبعاً للظروف، لكن ليس هناك ما يدمج كل التقنيات في جهاز واحد محمول وسهل الاستخدام. توفير لحظات قليلة بعد إصابة مميتة محتملة قد يكون الفاصل بين الحياة والموت. سيكون باهظ الثمن بطبيعة الحال، لكني أعتقد أن الطلب سيُوجد بسهولة داخل السوق النخبوي".

نفخت بضيق: "بالطبع".

عقدت حاجبيها باعتراض: "«بالطبع»؟ ماذا تقصد بذلك، أرجوك؟"

قلت: "أعني، بالطبع أنت تصنعين شيئاً موجهاً للأثرياء".

احذر. هذا ينحرف نحو منطقة النقاش السياسي بعد كل شيء.

قالت واضعة يدها على صدرها في تظاهر بالاستياء: "يا للهول يا سو. ظننت أننا أسمى من هذا النوع من الغمزات في هذه المرحلة من صداقتنا. وأنت أعلم من أن تنزلق وراء تسجيل نقاط رخيصة كهذه. طليعة الابتكار محجوزة دائماً للمميزين، لكنها لا تحصّل بد للوصول إلى الأقل حظاً مع الوقت. تلك هي طبيعة التقدم".

قلت: "هذا ما يقوله الناس. لكن في الممارسة، كل ما يفعله ذلك هو توجيه الابتكار ليفضل مشاكل الأغنياء للغاية، مع افتراض أن تلك المشاكل عينها هي أو ينبغي أن تكون أولويات الجميع. يقود ذلك إلى نتائج عبثية، مثل حقيقة أننا ما زلنا لا نملك وسيلة لعلاج التدهور الخلوي المعقد دون البنية التحتية لمدينة كاملة. لذا يسقط آلاف البشر في الريف موتى قبل أوانهم كل عام".

"يا للروعة. لقد حفظت شعاراتك الدعائية عن ظهر قلب حقاً".

ضحكت لنفسها مجدداً، وإن كانت هذه المرة أدنى صوتاً، أقرب إلى القهقهة.

"لا أذكر أنك رفضت التكنولوجيا المتطورة حين كسرت ساقك العام الماضي، وأردت إصلاحاً تاماً على الفور".

عبست: "هذا مختلف".

ابتسمت بخبث: "مختلف لأنه حدث لك، لا ل «نخبة» مجردة؟"

قلت ضيق عينيّ: "لقد تحولتِ إلى مجادلة شخصية الخصم".

أطلقت همهمة صغيرة مزعجة ومكتفية ذاتياً، ثم التفتت برأسها لتخاطب جزءاً آخر من مجموعتنا: "ماذا عنك يا بطليموس؟ متأكدة أن لديك شيئاً ممتعاً مستعداً".

انتفضت الفتاة قليلاً، وبدت غير مرتاحة لاستهدافها وحدها.

"أه، حسناً، في الواقع—"

قاطعتْها ران قائلة: "هذا هو".

ترددت بطليموس، وبدت مرتبكة من اضطراب تسلسل أفكارها.

"أه، ماذا؟"

قالت وهي تشير للأمام: "هناك. لقد وصلنا".

في غضون ذلك، كنا قد عبرنا إلى شارع آخر، أضيق من سابقه وخال تماماً، بلا أثر لأي مخلوق. هناك، عند الزاوية البعيدة، تمكنت من رؤية عربة سوداء كبيرة. على عكس تلك التي في السطح، لم تكن تجرها حصان — فمع اختلاف الجاذبية، يمكنك التدبر بمحرك هوائي فحسب. (حسناً، في هذا العصر، يمكنك التدبر في أي مكان على الأرجح بواحد، لكن العربات الخاصة كمفهوم كانت تندثر بسرعة بفعل الانتقال الفضائي محدود النطاق على أي حال، ولم يعد هناك جدوى من تغيير الستائر على سفينة غارقة).

خارجها، وقف رجل يبدو وكأنه رجل، مرتدياً عباءات سوداء، بجانب الباب وقد شبك يديه خلف ظهره.

قالت كام، وقد بدت وكأنها نسيت المقايضة السابقة فوراً: "أه، أخيراً!"

سألت ميهيت وهي ترفع حاجبيه: "هذا ما نبحث عنه؟"

"بالتأكيد".

أومأت برأسها.

"لقد أعطونا وصفاً لما يجب توقعة. رغم أنني كنت أتوقع اثنتين— قد يكون هذا ضيقاً بعض الشيء..."

قلت: "أتفاجأ نوعاً ما أنهم يسمحون بالعربات هنا أساساً، بالنظر إلى ضيق الشوارع".

أعلمتني ران: "تحتاج إلى تصريح خاص. أخمّن أنهم يملكون واحداً بالتأكيد".

اقتربنا من العربة والرجل الذي رفع بصره عند اقترابنا. كان مفتول العضلات قليلاً، يبلغ طوله حوالي ستة أقدام، وبشكل غير معتاد، لم استطع تبين وجهه على الإطلاق. حتى خلف النقاب، يمكنك عادة تكوين فكرة مبهمة عن الشكل والبنية، لكن نقابه كان سميكاً. جدار من القماش الأسود، منيع.

قالت كام بنبرة ودودة: "نهار سعيد!"

قال الرجل باحترام وعميق الصوت: "بعد الظهر".

"آه، هناك عبارة مفترض أن أقولها، أليست كذلك— تبا، أين هي..."

راحت تعبث بأوراق التعليمات، تقلبها صفحات قليلة، قبل أن تتنحنح أخيراً.

"عذراً. «أنا أُمثّل المبتدئين. جئتكم وسيفي مشهور، ضد عدو البشرية الأخير»".

تمتمت ران لنفسها: "أصابت كبد الحقيقة تماماً، هاه".

أومأ الرجل باسترخاء: "وأنا أُمثّل الأسياد، لأُوجه سيفكم إلى حلق عدوّنا".

مد يده.

"شكراً لحضوركم. من فضلك، ضعوا حقائبكم في الخلف كي نتمكن من الانطلاق".

تفرست بطليموس في صندوق العربة بتشكك: "أسيطون هناك متسع في ذلك الشيء...؟"

قال الرجل، وكان لصوته طبيعة مهدئة ولطيفة بفطرته: "لا تقلقوا. توجد تعويذة للمساحة المضغوطة. ينبغي ألا تجد صعوبة في تحمل الحمولة".

قطبت ميهيت جبينها: "أليس هذا خطيراً، على البشر؟"

قال الرجل: "أه، اغفروا لي، كان ينبغي أن أكون أوضح. أعني أن حجرة التخزين هي المعحوذة، وليست المقصورة الداخلية بحد ذاتها. المقاعد آمنة تماماً، أؤكد لكم ذلك".

عبست المرأة بتردد: "...حسناً جداً على ما أظن. تعالي يا ليلي، لنضع حقائبك بالداخل..."

بدأنا ببطء عملية تحميل أمتعتنا في الصندوق، رغم أن بعضنا احتفظ بحقائب كتفه، وظلت أوفيليا متمسكة بـ «صندوقها»

المشبوه الذي يحوي فتحات تهوية في متناول يدها. بعد أن انتهيت، نظرت إلى العربة نفسها بمزيد من التفصيل بينما كنت أنتظر الآخرين لينهوا عملهم. كانت المادة من معدن مطلي — بدت وكأنها تيتانيوم، لا برونز — وسميكة، من ذلك النوع الذي تراه في العربات المخصصة لنقل الأشياء الثمينة أو الشخصيات الهامة. بالإضافة إلى ذلك، كانت النوافذ مغطاة بالكامل بقماش أسود. للوهلة الأولى، ظننتها ستائر، لكن بات بإكاني رؤيتئن أنها مثبّتة في مكانها من الخارج، بإحكام يمنع تسرب ذرة ضوء واحدة للداخل.

قلت للرجل مشيراً إلى تلك الأغطية: "هذه الملاءات، هل وُضعت كي لا نرى إلى أين نحن ذاهبون؟"

أجاب بصوت يشوبه الندم لكنه يظل هادئاً بشكل مرضي، مشيراً إلى أنه توقع السؤال: "هذا صحيح. طلب مني الأسياد نقل اعتذارهم إن كان هذا سيسعفكم أي شعور بعدم الارتياح. لم يكسب جميع أفراد حزبكم ثقتهم بالكامل بعد".

لم أستطع رؤية تعبيراته، لكن نبرة صوته أوحت بأنه تحول إلى ابتسامة.

"رغم أنك لستِ هدفاً لمثل هذا الحرص بالطبع، آنستي".

قطبت جبيني: "أتعرف من أكون...؟"

أومأ برأس: "لقد أُحِطتُ علماً بجميع ضيوف المجمع، نعم".

سألت ميهيت بعد أن سمعت المحادثة، وبدت قلقة: "سيتعين علينا الجلوس في الظلام؟"

هز الرجل رأسه نافياً: "لا تقلقي يا سيدة. الداخل مضاء جيداً. انظري بنفسك".

مد يده جانباً وفتح الباب، عارضاً الداخل. كانت المقاعد مبطنة، وثُبّت مصباح غاز بإحكام في السقف. كانت مضاءة جيداً حقاً. لم يبدو أن هذا ساهم في تهدئة اضطراب ميهيت بالقدر الذي أمله.

"كم ستستغرق هذه الرحلة؟"

قال: "أتوقع أن تستغرق حوالي 20 دقيقة. أعتذر بشدة عن الإزعاج".

"ولن تخبرنا إلى أين وجهتنا...؟"

"سأنقلكم إلى مدخل الملاذ، الواقع داخل هذا البناء. لكني أخشى أن هذا كل ما يمكنني قوله، سوى أن الرحلة ستكون آمنة تماماً. إن أردتم معرفة المزيد عن المسار، فسيتعين عليكم الاستفسار من أحد الأسياد".

عبست قائلة: "لست متأكدة من كل هذا. هذا الأمر برمته— بل إنه يبدو برمته وكأنه..."

ترددت وهي تفرك جبينها.

"سامحوني. أنا هنا فقط من أجل مستقبل ابنتي. ليس من شأني الكلام".

قال الرجل مطمئناً: "تشجعي يا سيدتي. إن سارت الأمور على ما يرام، فأنا واثق أنه في المستقبل، لن تتطلب الأمور مثل هذه التدابير".

"أجل، حسناً".

أخذت نفساً متصلباً.

"آمل ذلك".

قال كام: "إن كان هذا سيريّحك يا ميهيت، فأنت تسافرين مع عدد من السحرة المدربين يفوق المعتاد في أي فرقة عسكرية. حتى لو قدر لهم بطريقة ما وضعنا في الإمبيريون ذاته،أتوقع أن ننجح في النجاة من تلك التجربة".

قالت بطليموس بابتسامة مشجعة: "أجل، لا تقلقي! يمكنني حتى وضع بعض التعاويذ الواقية عليك، إن كان ذلك سيساعد. كلنا نساند بعضنا البعض هنا، أليس كذلك؟"

قالت ميهيت ولم تبدُ مطمئنة تماماً: "أنا ممتنة جداً للعرض، لكن لا داعي لذلك. إن كنت قلقة، فلأجل ابنتي لا لنفسي. لم تكن قط على ما يرام في الأماكن الضيقة المغلقة—"

قالت ليليث بكلماتها العالية والحادة بطبعها: "أنا بخير يا أمي. لم أكن أعاني من رهاب الأماكن المغلقة منذ سنوات".

"يا عزيزتي..."

قالت أوفيليا بنبرة دافئة: "ليليث، أه، فتاة قوية يا سيدتي... متأكدة أنه لا داعي للقلق. نحن جميعاً هنا..."

"نعم"، قالت المرأة وأومأت بخشونة.

"نعم، بالطبع. تعالي إذن يا عزيزتي"، قالت واضعة يدها على كتف الفتاة.

"لنقضِ بالداخل".

أنهينا حزم حقائبنا وتسلقنا العربة الكبيرة. حتى بالنظر إلى حجمها، كانت مساحة ضيقة للغاية بالنسبة لنا نحن الثمانية. كان آخر من صعد هي ران، التي بدت مشغولة الذهن، مطملة النظر إلى شيء ما في المسافة.

قلت وأنا أصعد: "أه، ران؟ كل شيء على ما يرام؟"

رمشت، ثم فركت عينيها.

"نعم. آسفة".

تحركت لتتبعنا.

سألتها: "إلى كنت تنظرين؟"

"كلية السبيلي".

أشارت إلى البناء، البعيد في الأفق، المشيد على قسم من التضاريس المرتفعة في الطرف الخلفي للمعقل. كان مبنى عريق المظهر بحق، تحفة من الحجارة الزاوية وسطح حاد على شكل حرف V.

"كنت أفكر في أمر ما، هذا كل ما في الأمر".

تراصصنا جميعاً في الداخل. كانت ران تجلس بجانبي دائماً، لذا انتهى بي المطاف بجانبها مرة أخرى، رغم أنني كنت هذه المرة بجانب أوفيليا وصندوقها المشبوه الذي استقر في حجرها. رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها، بينما تحررت خصلات قليلة من شعرها الأشقر لتتدلى على طول فكها. مقابل ليليث، كانت ليليث محشورة بإحكام إلى جانب والدتها المنهكة، وظلت نظراتها مثبتة عن بُعد على سطح محرك المنطق.

سمعنا صوت الرجل وهو يأخذ مقعده في المقدمة. للحظة خفت من أن يقفل الأبواب، وهو ما كان سيبعث العجوز على الأرجح في نوبة هلع، لكنه لم يفعل. بدلاً من ذلك، سمعت صوت سحب ذراع، وبدأت العجلات في الدوران. وحينها تحركنا — الرحلة الثانية والأخيرة من الرحلتين اللتين سنخوضهما بعد ظهر ذلك اليوم.