أمعن آسر تالفرن النظر في الحلقة المعتمة المتشكلة في السماء. كان كسوف كاستور غامضاً أبداً فيما يخص الطقس وتيارات الرنين، لكن هذا الكسوف بدا مقلقاً بشكل خاص. شعر مسبقاً بتدفق الرنين في الأرض والمباني من حوله بينما كانت الرياح تشتد. شد معطفه بحذر حوله وانحنى إلى الأمام، مركزاً على نقل ما تبقى من ممتلكاته من كشكه إلى الحقيبة التي أحضرها لهذا الغرض. نظر حول المساحة الضيقة لكشكه بشيء من الحيرة.
كانت حياته كصاحب كشك في نزل القلعة تبدأ بالانحوار في ذهنه. كان جمع ممتلكاته وإغلاقه نهائياً هو الخطوة الأخيرة.
"أأنت مستمع همس؟"
قاطع الصوت الأجش تسلسل أفكاره فاستدار ليرى السائل. رجلان يرتديان معاطف جلدية سميكة خاصة بالتضاريس المفتوحة يشيان نحوه مائلين في وجه الرياح الدوامة. ألقى آسر تالفرن نظرة سريعة من خلفهما فلم يَرَ أحداً آخر. كانت باحة نزل القلعة شبه خالية إذ لجأ عمال النزل والزوار على حد سواء إلى الداخل لتفادي السماء المغلقة. حارس منفرد يلفه رداء ثقيل كان يجوب الممر فوق سور المحيط لكن انتباهه كان منصرفاً إلى ما ورائه.
قال آسر: "نعم".
قطع الرجلان المسافة الفاصلة وانحنيا قريباً منه ليُسمعا أصواتهما وسط الرياح.
قال أقرب الرجلين: "سننطلق في قافلة بعد يومين ونحتاج إلى مستمع همس ليرشدنا عبر الدروب البعيدة عن طرق التاج نحو الشمال".
قال آسر: "حسناً، لا أفعل ذلك الآن. آسف".
مع ذلك لم يتحرك الرجلان.
أصر الرجل القائد مجدداً: "سندفع لك. مال جيد مقابل العبور".
التفت رفيقه لينظر من في الباحة أيضاً.
أوضح آسر: "لا أفعل. الآن أشياء أخرى. ابحثا عن غيري".
أصر القائد: "نريدك أنت".
أثار شيء فيهما شعور آسر بالخطر. نقل حقيبته إلى يده اليسرى ودلى ذراعه اليمنى بجانبه. تسللت يده اليمنى تحت حافة معطفه نحو سكين الصنعة الثقيلة التي يرتديها خلف ظهره. اخترق صوت هاوثورن الآمر الذي لا يُخطأ الرياح قاطعاً حديثهم. استدار الرجلان معاً ليريا المتحدث. تحركت يد آسر مبتعدة عن سسكينه وتراجع خطوة للخري فخلق مسافة بينه وبين الرجلين. قطع هاوثورن المسافة الفاصلة بينه وبين الرجال الثلاثة بخطوتين واسعتين.
تفحصهما بعينيه فخفض أحد الرجلين نظره وراوح قدميه بينما عبث الآخر بمعطفه.
استفسر هاوثورن: "أيها السادة؟"
تمتم الرجل الأقرب إلى هاوثورن: "كنا راحلين للتو".
التفت اثناهما نحو مستمع الهمس ثم إلى هاوثورن. أخيراً وبانحناءة خفيفة ابتعد الاثنان مشياً.
سأل هاوثورن: "زبائن؟"
"يبحثان عني لآخذهما شمالاً".
"إلى أين؟"
"لم يقولا".
"أانت راحل؟"
تفحص هاوثورن الحقيبة التي يحملها مستمع الهمس بيد واحدة وأمعن النظر في ملابسه الجديدة.
"أنا أذهب إلى هنا. عمل آخر الآن. أعمل للمدينة".
"يا آسر، أتعمل لسلطات المدينة الآن؟"
أومأ مستمع الهمس برأسه سريعاً.
ابتسم هاوثورن وهو يقول ذلك: "أفللمدينة حاجة كبيرة لتوقعات الطقس إذن؟ أم لدلائل القوافل؟"
قال آسر: "لدي مهارات أخرى تستطيع المدينة استخدامها".
أقر هاوثورن قائلاً: "حقاً، حقاً"، وبدا أن عينيه تتوهجان في ضوء السماء المغلقة الكئيب.
لاحظ آسر ذلك لكنه لم يبدِ أي رد فعل.
"من يمتلك خدماتك الآن يا آسر؟"
قال آسر: "سيادته، القاضي الأعلى".
تسلل إليه الشك لحظة خروج الكلمات من فمه عما إذا كان يجب أن يقولها لكن لقاءه غير العادي بالرجلين كان طازجاً في ذهنه وما زال هاوثورن يثير قلقه.
تفكر هاوثورن: "القاضي الأعلى ها؟ أيحتاج أوريليان كيث إلى مستمعي همس الآن؟ لماذا؟"
لم يقل آسر شيئاً. قلص هاوثورن المسافة بينهما.
قال وهو يمرر أصابعه على يقات آسر تالفرن: "تملك ملابس لطيفة. معطف جيد. لابد أن القاضي الأعلى يثمن عملك يا آسر".
أومأ آسر برأسه.
سأل هاوثورن: "أأجريت قراءات مؤخراً؟"
أومأ آسر مجدداً.
قال هاوثورن: "إذن لن تحتاج إلى هذا الكشك بعد الآن؟"
استمر آسر تالفرن في التراجع بخطوات صغيرة حتى أوقفه الجدار الخشبي للكشك.
"طقس السماء المغلقة، أنا راحل".
قال هاوثورن: "ما زال عليك إيجار شهر لهذا الكشك. متى ستدفعه يا آسر؟"
"دورة القمر القادمة، سيدفع آسر".
قلص هاوثورن المسافة بينهما مجدداً حريصاً على البقاء في ظل الكشك.
"سمعت أن القاضي الأعلى تعرّض لهجوم. هناك في ندبة العروق. أكنت هناك؟"
أومأ آسر برأسه مجدداً.
"من غير المعتاد أن يغامر كيث بالخروج خارج قاعدته. إنه يدير كل شيء عادة عبر اللفافات والأختام. أتدري ما كان يفعله؟"
فكر آسر لحظة وهز كتفيه قائلاً: "القاضي الأعلى والسيدة وينت، عمل كثير معاً".
تراجع هاوثورن حريصاً مجدداً على إبقاء وجهه في ظل الكشك.
وقال: "لا تنسَ دفع إيجار الكشك الأخير".
راقب آسر وهو يلقي حقيبته فوق كتفه ويشد معطفه حوله ليستدير ماراً عبر البوابة وخارج نزل القلعة. فكر هاوثورن وهو يراقب ظهر مستمع الهمس: إذن، أوريليان كيث وسير وينت يعملان معاً. لم يكن المشترك الوحيد بينهما في الآونة الأخيرة سوى مقتل مشرف الأرض. تنهد هاوثورن بعمق ورفع نظره إلى السماء الثقيلة فوقه. كانت الغيوم تتجمع طوال اليوم. أصبحت الحلقة المعتمة التي كانت تتشكل بينما يتقدم بولوكس أمام كاستور مخفية عن الأنظار تماماً ولم يطُل الوقت حتى ينهمر المطر.
في ظل وجود كل وقت العالم، لا يتوفر الوقت الكاف قط، هكذا تفكر. وفي تلك اللحظة تماماً فوقه شق السماء وميض صاعقة كثيف وبدأت قطرات المطر الأولى الثقيلة تتساقط.
* * *
قبل وقت طويل. رمق هاوثورن تانيل بنظرة شك.
"الذهاب إلى المدينة وحدك ليس فكرة سديدة. كدت تلقى حتفك هناك".
كانا في الغرفة الخلفية لنزل القلعة حيث اعتاد هاوثورن استقبال ضيوفه الراغبين في إبقاء صفقاتهم معه ططي الكتمان. كان تانيل واقفاً أمام مكتب ضخم تلالت عليه اللفافات، بعد يوم عمل شاق في الاسطبلات، وقد اغتسل وأبعد شعره الأسود عن وجهه وضم كفيه قليلاً إلى جانبيه. كان هاوثورن يتكئ على حافة المكتب مقابلاً له. وتكوم المزيد من اللفافات على رفوف خلفه لتغطي الجدار الخلفي للغرفة بأسره.
تأمل تانيل اللفافات المكدسة. ثم عادت عيناه بحدة إلى وجه الرجل الذي أنقذه.
"لم تمضِ هنا سوى شهرين بالكاد. ما الذي يجعلك تحترق شوقاً للعودة إلى المدينة يا تانيل؟"
أحال تانيل بصره في أرجاء الغرفة مستوعباً تفاصيلها. ثم ارتدت عيناه إلى هاوثورن. حاول مراراً أن يمرن نفسه على هذا اللقاء في ذهنه. لكن شيئاً من ذلك لم يعده حقاً. تحدث هاوثورن بصوت خفيض لكنه حمل نبرة نافذة. كانت نظرات عينيه توحي بأنه يرى أعمق بكثير مما تبدي.
"أنا—"
بدأ كلامه ثم توقف. وأطلق صوت تنحنح. كان عقله يطير في كل اتجاه. أدرك، وهو واقف هنا وعينا هاوثورن تخترقانه، أن خياراته أشبه بالعدم. يستطيع أن يكذب على سيده ويحاول التسلل إلى المدينة، لكن الرجل بدا كأنه محيط بكل ما يدور في نزل القلعة. أو يستطيع اختلاق قصة، لكنها ستتداعي فور أن يعثر على مراده ويعود. أو بمقدوره الذهاب وحسب بلا عودة. قلب كل احتمال فلم يجد واحداً منها سالماً من مخاطر لا يستطيع وزنها حقاً.
واستقر رأيه على أن قول الصدق قد يكون الخيار الأفضل.
"كتاب"، قال.
مضت هنيهة طويلة وزن هاوثورن خلالها رد الفتى. ثم جاء طرق خفيف على الباب. أذن هاوثورن للطارق بالدخول فانفتح الباب ليطالع نصير داخلاً. بدا على الحارس تردد عابر حين وقع بصره على تانيل الواقف أمام هاوثورن.
"أأعود لاحقاً؟"
سأل.
"لا، ادخل"، قال هاوثورن.
"كان تانيل هنا يسهب في سرد مدى أهمية عودته إلى المدينة لاستعادة كتاب".
"ماذا؟"
أُسقط في يد نصير تماماً.
"حتى أطفال الشوارع بحاجة للعلم"، قال هاوثورن مبتسماً ببرود.
ثم التفت إلى تانيل قائلاً: "أسهِب في إخبارنا عن هذا الكتاب".
شعر تانيل بانزعاج بالغ. لمר يكن يود إطلاع أحد على الكتاب الذي عثر عليه، فما بالُك بإخباري هذين الرجلين، لكنه شعر أنه حيال طريق مسدود، ولأن تجربته معهما كانت طيبة حتى الآن. كانا يكلفانه عملاً شاقاً في الاسطبلات، بيد أن أحداً لم يصرخ في وجهه قط. لم يضايقه أحد. أُطعم وكُسي. ومُنح غرفة صغيرة وسريراً. لقد خبا الغليان المستمر في صدره منذ أن حل بنزل القلعة. ولم يكن يملك سبباً حقيقياً لعدم الثقة بهما.
"إنه لي"، قال.
"وكيف وقع في يدك؟"
سאל هاوثورن. فروى لهما تانيل ما حدث. حدثهما عن ليلة النار البيضاء. وعن شعور الرعب. وإحساس عميق بالوحدة والفقدان يعتصر جوفه. تمايل في وقفته وهو يتحدث وذهول يغشى عينيه كأنه يعيد معايشة الواقعة التي يسردها. حاول أن يظفر بكلمات تترجم مشاعر لم يبح بها قط. ولأنه لم يجد الألفاظ الدقيقة وكانت تلك التي تقفز إلى ذهنه تبث الرعب في نفسه، انتهى به الأمر إلى سرد نصف القصة وإخفاء أكثر مما أبدى.
وحين فرغ ساد صمت عميق أرجاء الغرفة بينما استغرق الرجلان في تأمل ما ألقاه على مسامعهم لتوه.
"بإمكانك الانصراف الآن".
طرده هاوثورن. تردد تانيل. أراد الاستفاضة وطرح الأسئلة، لكن قطعية نبرة هاوثورن لم تترك له مجالاً. استدار على عقبيه في صمت، ومر بجوار نصير الذي كان متكئاً على الجدار يستمع طوال الوقت، وفتح الباب، وألقى نظرة جانبية أخيرة عليهما، ثم غادر الغرفة.
"ما رأيك فيما سمعت؟"
سأل هاوثورن فور مغادرة تانيل. استوى نصير واقفاً واقترب ليقف بجانب هاوثورن أمام المكتب.
"طفل شوارع لم يبع كتاباً وجده لينقذ حياته؟"
قال مشيراً إلى التناقض البين.
"وقال إن ذلك الكتاب ظل في مكانه طوال الوقت، لكنه أشرق وتوهج ليلة النار البيضاء. أي كتاب هذا الذي يفعل ذلك وأي طفل يحتفظ به؟"
"إنه لشاب استثنائي حقاً"، قال هاوثورن.
"لقد نجا في الشوارع بلا حماية. كيف له أن يصطلي ببرودة ليالي السماء المغلقة حين تخترق العظام وتستبيح الهمسات العقول؟"
"أنا أعلم ما يدور في ذهنك يا نصير".
"ألست تفكر بالمثل؟"
زم هاوثورن شفتيه.
"آخر مرة فعلنا فيها ذلك، انتهى بنا الأمر بكايلين".
"الكثير من الأمور لم تكن متسقة في المرة السابقة وقد آثرنا غض الطرف عنها".
"وهذه المرة؟ لا شيء يسير وفق ما ننتظره أيضاً".
"لدينا خبرة أوفى هذه المرة"، قال نصير.
"حقاً".
فرك هاوثورن فكه بيد واحدة.
"ولهذا يتعين علينا توخي الحذر. هذا الفتى عسر القراءة، حتى بالنسبة لي. ينتابني شعور بأنه ليس حاضراً بكامل وعيه. كأنه يمشي نائماً في رحلة حياته".
"أبداً مختلفاً حين عثرنا عليه؟"
"نجل، بدا مختلفاً. ليس ككايلين، لكنه لا يشبه أحداً ممن صادفتهم قط أيضاً. وهو الآن يبدو كجسد بلا روح".
"يبدو حياً بما يكفي حين يكون بجوار خادمة الغسيل، أماريال"، لفت نصير انتباهه.
"لاحظت ذلك أيضاً؟"
أومأ نصير برأسه.
"كتابه هذا؟ الذي يقول إنه عثر عليه؟"
"فلنستعذه إذن ونرى".
"أترجح احتمال أن يكون ما يزعمونه؟ كل تلك الشايعات التي نطرق بها منذ يزيد عن عام الآن؟"
هز هاوثورن كتفيه.
"الكثير منها ينبعث من تاج كيريث، وربما كانت أمينة المكتبة أليشيبا ضالعة في ذلك".
"هي التي تنشر الشائعات؟ ولماذا؟"
"تؤمن أليشيبا بأن أشارين لم يخط في كتب اللهب الثلاثة كلمات فحسب بل طبع فيها رنيناً. لا يمكنك قراءة الكتب بعينيك وحدك".
"كنا نقول في كايلاثالاس إن كتب اللهب أُرسلت بعيداً لا لإخفائها بل لتؤوب في الوقت المناسب. ما رأيك أنت؟"
استند هاوثورن إلى الوراء، مفسحاً لمكتبه حمل وزنه.
"أتريد الصدق؟ أنا أُصدق ما ينقله إلينا مخبرونا. مكتب النزاهة العقائدية في العاصمة يتحرك باستعجال لسبب ما. عملاؤهم يحضرون كل حفريات، ويتعقبون كل تقرير عن لففات مستعادة؛ وينفقون الكثير من المال في سبيل معلومات تقود إلى كتب غتيقة، وحين يشترونها، يدمرونها".
رسمت الكلمات، المنطوقة في الغرفة الخلفية لنزل إقليمي، مشهداً ذا أعماق عجز كلاهما عن سبرها، لكن كلا الرجلين استشعرها.
"وهذا يقودنا إلى مأزقنا. علينا استعادة هذا الكتاب الذي أخفاه الفتى. وحين يصير في حوزتنا سنعرف بشكل أفضل كنهه وما يتعين علينا فعله تالياً".
أومأ نصير برأسه مجدداً.
"سأصطحب تانيل في الصباح إذن، وسنتوخى الحذر".
"لا تذهب وحدك. خذ معك أورتانغ وروغيف. إذا كان هذا الأمر شبيهاً بما نظنه فسيكون هناك آخرون يتقفونه بالفعل".
أومأ نصير.
"تعلم، لو كان حقاً أحد كتب اللهب، فهناك احتمال أن يكون هو—"
مقاطعه هاوثورن بضربة حاسمة ببطن كفه.
"دعنا من التكهنات"، قال.
"في الصباح، خذ الفتى واستعذ الكتاب. ويا نصير، لا تدع أحداً يعترض طريقك".
* * *
الآن. شقّ صوت الرعد الأجواء فاستعاد هاوثورن وعيه بالحاضر. لم أكن مخطئاً، هكذا خطر بباله. لكن شيئاً لم يكن على ما يُفترض به أن يكون. أزعجه عجزه. بكل ما يملكه من معرفة وموارد، ما زال عالقاً في سلسلة أحداث لا يستطيع السيطرة عليها تماماً. أحتاج إلى ألفارون هنا، هكذا فكّر، وإلى إمبراطور يقف إلى صفّي مجدداً. ومع هذه الفكرة، ألقى نظرة سريعة واحدة حول الفناء الفارغ والشخص الوحيد للحارس الواقف على الممر فوق البوابة، ثم عاد إلى الداخل.