رأيت حلم نار: رأيتُها ترتفع، من رماد غنّى تحت سماء بلا دموع. وهناك، فوق محرقة لا تبرد أبداً، جلس ظلّ بلا حراك — لا تاج، لا لهب، لا ذهب. نحيل كالنَّفَس قبل انطلاق الشُّعلة، شاحب كالنَّار بلا ضوء، كالصمت الممزّق — همس بصوت النُّور الساقط: "أنا صدى اللهب. أنا الذكرى التي حاولوا تسميتها. احترقتُ مرّة — ساطعاً وصادقاً — وسمّوني سيّد النّار... لكنهم لم يعرفوا قط". ومن الظلام، أتى الكهنة الحمر، رؤوسهم منحيّة، ورموزهم ملطخة بالدماء. لما فقدوه — وما هو أسوأ — نسوه، ولأجل كل نار لم يطلبوه قط. وبعيداً في الأفق، عبر السماء المغلقة المعتمة، جاءت الأرواح كضباب، أو نور خافت — بكى حرّاس اللهب، وتحرّك سابِحو الأرواح، وسأل صوت واحد، بلا كلمة: "أكُنَّا مخطئين باتباعك؟" ثم من القمّة، صوت من نار: "لم تفشلوا — لقد ذكرتموني في كل حكاية. مشيتُ في الرماد. وتحمّلتُ الهمس. أنا لم أذهب — بل لم أأتِ بعد". ثم احترق الليل ببريق، واختفى في ضوء الصباح. أنا الماوراء الذي صار لهباً. لستُ ضائعاً، بل أنتظر — لأقوم مجدداً".
المصدر: يُنسب النص إلى عرّاف أصداء مجهول، وتُعد مقطوعة حلمت بحلم لهب جزءاً من التراث الشعري الحي في فيريليا الآن، وهي أبيات تنسج النبوة والفقد والترجيع عبر الأعمار وحدها تُهمس في ليالي السماء المغلقة أو في أعماق طقوس اللهب، حين تكون الذاكرة أشد حدة ويسري الترجيع عميقاً. *** (مقدمة) صادف الرجل الكهف محض صدفة. استغل نهار السماء المفتوحة ليدخل موات أاشايل ويبحث عن عروق حجر المغناطيس المتبقية. مناجم قديمة ومنسية استنفدت طاقاتها تقريباً. حمل في كيس على كتفه بعض الأدوات البسيطة. لكنّه أخطأ طريقه في التلال وفقد توازنه على تلك الأرض الغادرة. كان قوياً. قبض على الصخور وهو يهوي منزلقاً على السطح الزلق لمنحدر التل انزلاقاً متحكماً به لكي لا يؤذيه السقوط. نهض من القاع شاكراً أشارين وحظه على سلامته. شرع يجمع أدواته وهناك لاحظ الفتحة الضيقة في سفح التل. كانت في الشق الفاصل بين صخرتين ضخمتين وبدت كأنّ عواصف الترجيع التي غيّرت معالم السطح هنا قد مزقتها. لم تكن تلك الفتحة الصغرى تُرَى إلّا من زاوية محددة وفقط عند الاقتراب منها تماماً. لو لم يتزحلق ويهوِ على منحدر التل لما اكتشفها قط. لم يكن المنجم ليأمل الكثير. كان المنحدر مغطى بخبث حجر المغناطيس الذي سيل على السفح. غيّرت العواصف اللاحقة والحركة الطبيعية للصخور معالم المكان. تكلست الأرض والحجارة. كان برق السماء المفتوحة في الموات مميتاً. تفقد المنجم فانوسه المحمي الذي أشعله باحثاً عن علامات الترجيع. ظهر ومض ضئيل للغاية في اللهب منحرفاً بعيداً عن الصخر. كان طفيفاً إلى درجة يكاد يكون معها غير ملحوظ مؤكداً تقديره بأنّ هذا الصخر قد استنفد. مع ذلك كانت الكهف الطبيعية قليلة في فيريليا. وغالباً ما بلغت العروق السطح فيها. أحياناً تحمي الصخور الثخينة ترجيعاً غنياً ممّ يجعلها تبدو ضعيفة من الخارج. هذا أكثر ما جعله يصرّ على ألا يكونتيقن رجعته بلا طائل. بحذر، وبعد أن جمع أدواته وألقاها على كتفه، شق طريقه عاصراً جسده عبر الشق الصخري. ما إن صار في الداخل حتى أطفأ فانوخه وأخرج شظية توهج مثبتة على مقبض خشبي ومقصوصة ببراعة لتعظيم إشراقها. ألقت شظية التوهج ضوءاً أبيض بارداً على جدران الكهف. تتبعت عيون الرجل العمل الذي أُنجز في الممر. صُقلت الجدران. غُرست دعامات في الصخر بالأعلى لتثبيت سقف الكهف. كانت حركة الأرض داخل الكهف طفيفة للغاية. تتبع الممر هبوطاً إلى أعماق الصخر. اتسعت الجدران وصار الدرب تحت قدميه أملس. تساءل: لماذا؟ لم اهتم المنجمون كثيراً بالكهف التي يعملون فيها. ما دامت آمنة فهي جيدة بما يكفي. قادته خطاه إلى فجوة شاسعة. بُشْتت من أحشاء التل نفسه وبدت جدرانها ملساء كالزجاج. ساد هدوء غريب في داخلها. بدا الأمر وكأنّ الهواء نفسه أُجبر على الثكون. همهم الرجل بصوت خفيض لنفسه بحثاً عن الطمأنينة. انعكس ضوء شظيته على أسطح صدئة. زوايا حادة. معدن قاوم سنوات الطقس. اصطفت على جدران الغرفة أحجار مغناطيس مقلوبة. عمل مكلف وبعمق ثلاث طبقات على الأقل. التحمت بالصخر على نحو لم يستطِع فهمه تماماً. لاستخراجها سيحتاج إلى معاول متخصصة. استدار. كانت طاولة مربعة ضخمة مختبئة في الظلال بوسط الغرفة داخل حفرة منحوتة من أرضية الكهف. صُنعت من حجارة مشبعة بقطع مغناطيسية مدمجة. انغرست فيها مصفوفة معقدة من التروس. رُكبت على الطولة أجهزة لم يسبق للرجل أن رأى مثيلا لها. وعلى مسافات منتظمة على امتدادها استقرت مغناطيسات حجرية لا يُخطئ العين شكلها المميز حتى تحت الصدأ والغبار المتراكم عليها. اقترب من الطاولة بحذر. لماذا تخبأ هذه في كهف؟ بدت ثقيلة بما يكفي لتتطلب عشرين رجلاً على الأقل لرفعها. فضلاً عن أنّه يستحيل أن تمر من الفتحة الضيقة المؤدية من الخارج. ظنّ أنّ هذه صُنعت هنا قطعة بعد قطعة. رفع ذراعه قدر استطاعته ليسلط الضوء. تمنّى لو امتلك شظية توهج أخرى على الأقل. لم يكن ضوء شظية واحدة كافياً لتبديد الظلال. حدّق الرجل. كانت هناك الخطوط الباهتة لأناس محترقين على جدران الكهف. اختفت فور أن وجه ضوءه مباشرة عليها. أبعد شظية التوهج عنها محركاً إياها يميناً ويساراً حتى التقط ضوءها الضعيف حوافها. انحنى الرجل فوق الطاولة مقرباً شظيته لفحصها. كانت قديمة. قديمة حقاً. ظهرت تشققات التقادم في الحجر نفسه وعلامات حفر تدل على أحجار مغناطيس فقدت نارها وانهارت على ذاتها. في البداية كانت هذه الطاولة ستضيء في الظلام. لوّح بشظيته فوق العتلات الغريبة وأجزاء الآلية الأخرى المدمجة في الحجر. على إحداها ومختومة في المعدن نفسه بدت الخطوط الواضحة لأيل يثب على قائمتيه الخلفيتين. فحصها الرجل. إذن هذه تخص بيتاً نبيلًا. اشترى رجل ثري منجماً ثم... ماذا؟ دبر لبناء طاولة حجر مغناطيس هنا؟ لم يتبين أي معنى لذلك. على أحد جانبي الطاولة بُذلت محاولة لتنعيم السطح المتقرّح. شرع أحدهم في كشط الطبقات العليا الرقيقة للوصول إلى ما تحتها وبدء عملية الإثراء. غير أنّ العمل قد أُهمل. بعث المنظر القشعريرة في جسد المنجم. بدا أحدث عهداً من أي شيء آخر هنا. إذ لم يرغب في الشروع بتحطيم أي شيء الآن ألقى بنظره متفقداً أرضية الكهف. وجد بعض القضبان المعدنية ومغناطيسين حجريين تُركا في إحدى الزوايا ومختومين أيضاً بالأيل الوثاب وتروساً مسننة عدة لم يرى مثيلًا لها من قبل. وضع كل شيء في كيسه. كانت للتروس أسنان مسننة تحيط بها وثقب مثقوب بعناية في مراكزها. وككل شيء آخر صدأت مع مرور الزمن لكنّها حين حملها بدت ثقيلة بشكل مفاجئ مما يعني أنّ المعدن في الداخل ما زال صالحاً. لا شكّ في أنّها ذات قيمة. كل شيء هنا قديم للغاية لكن صنعه لا لبس فيه: عتاد نقابة الجحيم. على جدار الكهف وعلى ارتفاع ركبتيه وعلى بعد خمس خطوات فقط من حيث وجد التروس وُجدت بصمة كف إنسان. كانت أداكن من الصخر المحيط بها فبرزت بوضوح حين ضربها ضوءه بشكل جانبي. كادت تختفي تماماً عند تسليط الضوء المباشر عليها. شعور غريب تلبّكه في جوف هدوء الكهف العميق. أصابه شبه غثيان فقرر العودة أدراجه. كان حذراً في طريق خروجه ففحص كل شيء بعيون جديدة لكنّه لم يواجه أي حوادث وما إن صار في الخارج حتى تبدد الغثيان الذي شعر به. حدّد الرجل موقع الكهف في ذهنه. كان عليه العودة إلى بيته. لقد كان أشارين لطيفاً معه. أحجار المغناطيس المقلوبة على الجدران تساوي عمل سنة كاملة. عليه العودة إلى هنا بمعاول قادرة على استخراجها من ارتباطها بالصخر دون إتلاف حجر المغناطيس. بدأ مسيره عائداً باتجاه إيلينوست. عرف أنّه عليه الإسراع ليصل في الوقت المناسب لبيع ما وجده في سوق الحلقوم ويعود إلى بيته في فيينسكار بعد ذلك. لم تكن لديه طريقة ليعلم بأنّ هذه ستكون المرة الأخيرة التي يرى فيها الكهف وطاولته الغريبة.