ملحمة سليل الخوف الفصل 6 — ملحمة سليل الخوف 6

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 6 — ملحمة سليل الخوف 6 باللغة العربية على مانجا تايم.

خرج الرجل الضخم على ظهر حصانه من ظلمات الكهف القابع أسفل الجبل الأسود، لينفض عنه برودة المكان وهو يعود إلى الضوء الباهت.

كانت مجموعة من رجال القبيلة يمتطون جيادهم الثقيلة بانتظاره.

تحفهم هالة من الترقب والحذر، وأنفاس الخيل تتصاعد بخارًا في الهواء البارد.

تقدم أحدهم قليلاً، وقطع الصمت بنبرة حادة شابها القلق:

«هل انطلقت السفينة؟»

أومأ الرجل الضخم برأسه في صمت ثقيل، دون أن تبرح عيناه شق الجبل المظلم لثوانٍ.

قبل أن يدير مقود حصانه ويحثه على التحرك وهو يقول بنبرة جادة:

«نعم… هيا بنا، علينا العودة فورًا إلى القبيلة، فاجتماع هام بانتظارنا. تحركات القبائل الثلاث المجاورة باتت غريبة وتدعو للريبة.»

شعر الرجال بوطأة كلماته.

فضربوا أخاصر خيولهم وانطلقوا في أثره مسرعين، يخلفون وراءهم الكهف القابع في صمته المريب.

انطلقت القاطرة الخشبية تشق سكون النهر ببطء ثقيل.

وغرق المكان في صمتٍ مطبق لا يقطعه سوى أنين السارية الكبيرة تحت ثقل الهبات، وأزيز حبال الأشرعة وهي تتمدد تحت وطأة السحب.

ومع الخروج التدريجي من قلب الضباب الكثيف.

انكشفت أمامهم مشاهد أخذت بالألباب؛ كانت جدران الكهف على الجانبين تشعّ بوهجٍ ممتد يشبه آلاف النجوم الصغيرة المتلألئة في ليلٍ سرمدي.

بينما انعكس هذا البريق الشاحب على صفحة المياه الساكنة لتبدو وكأنها مجرة سائلة تجري أسفل السفينة.

ابتلع نومريس ريقه بصعوبة، وكان نذير الخطر يتصاعد في صدره كالدخان.

خيم على الجميع صمتٌ حاد ومريب.

صمتٌ أثقل الكاهل حتى بات الجميع مشلولين بلا حركة.

لا تنبض فيهم سوى طلقات أعينهم وحركة رموشهم القلقة.

وفي المدى البعيد، بزغ ضوءٌ أصفر باهت يرسم ملامح نهاية ممر الكهف.

وعلى طرفي الضفة، انتصب تمثالان هائلان نُحتا من الزمرد الخالص.

يجسد الأول هيئة رجلٍ ذي شعر كثيف منساب خلف ظهره.

بينما يمثل الثاني كائنًا بجسد إنسان، لكنه يحمل قرنين ملتويين على جانبي رأسه وجناحين شبيهين بجناحي الخفاش.

كان التمثالان يقفان متقابلين وكأنهما في صراعٍ أزلي حُبس في الحجر.

تأمل نومريس التمثالين بتركيز، واستقرت عيناه الحمراوان على التمثال البشري تحديدًا؛ سرت في عقله همسة مريبة:

«وكأنني رأيت هذا الوجه من قبل… ولكن أين؟»

وفجأة…

وبلا أدنى مقدمات…

انشق الهواء عن مخلوقات دقيقة تطفو في الفضاء.

جنياتٌ صغيرات لا يتعدى حجم الواحدة منهن طول الأصبع.

يفضن بوهجٍ زمردي ساحر.

ويحملن كمانات صغيرة يعزفن عليها ألحانًا تجرّد العقول من الحذر.

أخذت الجنيات يسبحن في الهواء حول أجساد الصبية والعبيد على متن السفينة.

كانت ألحانهن تتدفق كشلالٍ مسموم من الشجن والفتنة.

نغمات ناعمة تلامس الأرواح قبل الأسماع، تحمل بين طياتها سحرًا يذيب الإرادة.

وتنساب كخيوط من الحرير الدافئ لتستدرج القلوب نحو الهاوية.

ذهل الجميع فوق ظهر السفينة بهذا المشهد الأسطوري؛ فقد تميزت الجنيات بجمالٍ أخاذ وابتساماتٍ ساحرة تنبض بالبراءة الغادرة.

كنّ يرتدين أرديةً ناعمة نُسجت من أوراق الشجر الندية، بينما كانت خصلات شعورهن الذهبية ترفرف مع الريح كخيوطٍ من ضوء خالص.

سُحر الصبية بالكامل، وأُسروا بهذا الحُسن الصغير.

تسارعت دقات قلب نومريس، وشعر بشيء يصرخ في وجدانه أن خطبًا ما على وشك الوقوع.

فخفض بصره فورًا يتجنب النظر إليهن، وعقله يطرق في ارتياب:

«ما هذه الكائنات؟»

وفي تلك اللحظة، قفز إلى ذهنه تحذير الرجل الضخم الصارم عن النهر وما يقبع فيه من شراك.

فتساءل في سره: "هل هذا هو ما حذر منه ذلك الرجل؟"

على الجانب الآخر من القاطرة، سُحر أحد الصبية بفتنة جنيّة دقيقة حامت حوله.

كان الفتى قبيح الملامح، تُشوه وجهه بثورٌ كانت تنفر منها فتيات القبيلة.

فلما أدنت الجنية وجهها الشاحب منه ولمست خدوده برفق، اهتزت مشاعره وخفق قلبه المهروس تحت وطأة هذا الدلال غير المألوف.

وخُيل إليه أن شفتيها تتحركان بكلمات ناعمة تُناجيه وحده، فابتسم لها بلهفة مأخوذة.

انحنى الفتى برأسه نحو كتفه يُصغي لوحيها، ولم يكن ذلك الفتى سوى "دولي"، الصبي القبيح الذي كُلّف نومريس وشريكان آخران بحمايته.

توجس أحد صبية القبيلة خطرًا وصاح به بنبرة مكتومة:

«دولي! ما الذي تفعله؟!»

لكن دولي لم يكن في وعيه؛ إذ غرق بكليته في فلك الجنية الساحرة.

ومع احتكاك كتفه المتردد بصوان أذنه، انزاحت السدادة القماشية وسقطت، لتنفذ الألحان المسمومة إلى أعماق مسامعه بلا حائل.

حاول الوقوف والتخلي عن عقله، لكن الحبال المقيدة حول وسطه منعته.

كان فتى سمينًا، ومع تكرار المحاولات وتدفق العرق بغزارة من جسده، انزلقت يده المبللة بالطريقة الخاطئة في حل العقدة المرتخية… ليتحرر فجأة!

انتصب واقفًا على متن السفينة، فانسحبت النظرات المذهولة نحوه.

صاح صبية القبيلة بغضب أمرًا للعبيد المكلّفين بحمايته بالتدخل.

لكن نومريس أشاح بوجهه بعيدًا ببرود؛ فلم يكن ينوي المخاطرة بحياته من أجل إنقاذ أحمق يهرول نحو حتفه.

تقدم السمين بخطوات ثقيلة مأخوذة يتبع الجنية التي تحوم كفراشة ضوئية.

ومع كل خطوة تصاعدت نغمات الكمانات، لتبسط على وجهه تعبيرًا مفرطًا من النشوة والغبطة.

طافت بعض الجنيات أمام وجه نومريس تُغويه، لكنه كان يكتفي بالنفخ بقوة لنفرهن بعيدًا عنه.

مع بقاء عينيه الحمراوين ترصدان دولي بجمود، وهو يهمس في سره:

«هذا الأحمق لم يستمع لتحذيرات رجاله… فما ذنبي أنا لألقي بنفسي في الهلاك؟»

ساد الترصد بين ركاب السفينة جميعًا، والعيون معلقة بذاك المفتون.

وقف دولي على حافة القاطرة الخشبية، وصرخ بصوتٍ ملأه الهذيان:

«أيتها الجنية الخالدة… أنا قادم إليكِ!»

ثم ألقى بجسده الثقيل نحو أحشاء الماء المتوهج.

في تلك اللحظة بالذات، كانت الجنية تسبر قاع المياه الساكنة تحت السطح، ترقب هبوط الفتى ونظراته المبتسمة يدعوها إلى عناقٍ أخير.

وفجأة، تلاشت ابتسامتها الناعمة لتستحيل إلى تكشيرة خبيثة مفترسة، وتحول جسدها الضئيل في لمحة عين إلى حورية بحر هائلة، بشعة الملامح، تتراصف في فكها أسنانٌ حادة كأنياب القرش!

غرس المخلوق المفترس فكيه العريضين في رقبة دولي الشحمية.

واعتصرت أسنانها اللحم والدم المغلي، قبل أن تنزع رأسه عن أكتافه بحركة قاطعة وتغوص به إلى القاع المظلم.

أكملت السفينة مسيرها دون أن تتوقف، وانسابت عبر مجرى الكهف لتخرج أخيراً من فوهته.

دون أن يدري أحدٌ بالتفاصيل المرعبة التي جرت تحت المياه، وإن كان الجميع قد أدركوا الشق الأخير من مصيره.

صاح أحد الصبية بحنق مكتوم وهو يكز على أسنانه:

«فتى غبي!»

وعلى امتداد الأفق القادم خارج الكهف، انفرج المنظر عن بحرٍ واسع تتلاطم فوقه سحبٌ وغيوم بيضاء كثيفة تحجب المعالم تمامًا، فلا يُرى من العالم سوى هذا البياض الممتد.

تطلع أحد صبية القبيلة إلى الأفق الأثير، وهمس بنبرة شابها الثبات والرهبة:

«ها قد وصلنا… هذه هي المحطة الأخيرة قبل أن نلج إلى ذلك المكان.»

نهاية الفصل