كانت سلاسل عريضة مرتفعة من قاع البحر نحو السماء.
لم تكن سلسلة أو سلسلتين.
بل كانت مجموعة كبيرة من السلاسل المتفرقة في كل مكان، تخترق الأفق كأعمدة أسطورية تُمسك بجسد العالم.
بعد خروج الجميع من ذلك الكهف، كان البعض ما زال يتذكر التفاصيل المجهولة لما حدث للسمين.
شخر أحد صبية القبيلة في وجه نومريس والعبدين الآخرين، واشتعلت عيناه بغضبٍ حانق وهو يصيح:
«أيها العبيد الحمقى! لماذا لم تساعدوا سيدكم؟!»
جذبت هذه الكلمات المتفجرة أنظار جميع من في السفينة.
وبعد خروج السفينة إلى البحر المفتوح، أُزيلت سدادات الأذن من طرف الجميع؛ إذ لم يعد هناك خطرٌ يتهدد أرواحهم.
كان الكل يحدق بنظرات متهمة وثقيلة في نومريس والصبيين الآخرين.
ارتجفت أطراف العبدين المقيدين جوار نومريس من الرعب، وانكمشا على نفسيهما تحت سياط تلك النظرات.
أما نومريس، فقد جمد الدم في عروقه لثانية؛ ولم تكن صيحات الصبي هي ما أثار فزعه، بل تحذير الرجل الضخم الذي قفز إلى عقله فورًا كالصاعقة:
«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»
اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان قليلاً، وسرت برودة قارسة في أطرافه وهو يتذكر المشهد؛ لقد نسي ذلك تمامًا!
شعر بقلبه يقرع صدره بعنف كطبل حرب، وعقله يصرخ في الداخل:
"لو قدمت خطوة واحدة لأنقذ ذلك الأحمق لكان الموت حليفي… لكن، ماذا لو أصبحت أنا مكان ذلك التعس؟!"
تصبب عرق بارد على جبهته، لكنه جاهد بضراوة ليكتم هذا الرعب الفطري داخل وجدانه.
خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.
كان يعلم أن إظهار الخوف أمام هؤلاء الصبية يعني تحويله إلى قربان للغضب، وأن الحذر الشديد الذي أنقذه من فك الجنية هو وسيلته الوحيدة للنجاة من جشع البشر على هذه السفينة.
لقد قطع العم وعدًا قاطعًا لن يخلفه أبداً؛ "انتظروا حتفكم المحتوم ريثما نترجل من هنا… إن كُتبت لكم الحياة أساسًا".
هز البعض رؤوسهم بموافقة صامتة؛ كان الحساب مؤجلاً، ولذا لم يفيضوا في العتاب، مكتفين بترك الثلاثة ينقبضون في انتظار مصيرهم المظلم.
فلماذا يجهدون أنفسهم في المساس بهم الآن؟
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
تداعت في ذهنه شريط الذكريات وكل ما كابده.
«يبدو أن علي إيقاظ ذلك الشيء أيضاً في داخلي، لا أعلم ما هو وكيف يمكنني الحصول عليه، لكن يجب علي المحاولة، غير ذلك عندما أخرج سأكون على لوح تقطيع.»
استكان اضطرابه قليلاً.
وفجأة، خطى أحدهم حتى استقر بجانبه؛ كان نايلي.
شخص بصره هو الآخر نحو الغيوم التي ردمت الفضاء بين السماء والبحر، وهتف بنبرة هادئة:
«لا تقلق… سيتكفل القدر بكل شيء.»
كان نايلي يستشعر ما يعتمل في وجدان نومريس، ومن غيره يدرك خباياه في هذا القفر؟
لقد استظلا بسقف الواحة نفسها منذ نعومة أظفارهما.
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
كان ذلك الهاجس الذي رضع ثديه منذ الصغر ما يزال ينهش أطرافه، غير أنه مقارنة بما كان عليه قبل عامين، غدا نومريس أكثر سكونًا وثباتًا أمام العواصف.
انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.
رغم أن مأرب أبصارهم لم يكن سوى بياضٍ سرمدي مطبق.
وفي البرهة التالية، انشق الأفق عن عزفٍ هادئ؛ ألحانٍ تنتمي إلى عالمٍ آخر.
تيبست أجساد الجميع في أرباضها ما إن لامست تلك النغمات مسامعهم.
وفي اللحظة التالية، اندفع نومريس بكل ما أوتيت ساقاه من قوة، وهو يسد أذنيه بمهلٍ كلي، وقد استبد به هول الخطر؛ فقبض على الحبل مجاهدًا لربط نفسه بأحكام.
بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.
بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.
انساب الصوت في أرجاء المكان كأنه همسٌ رخيم يتردد بين طبقات الغيم.
صوتٌ لا ينتمي إلى هذا العالم المادي، بل يتخلل الأجساد مباشرة ليلامس شغاف القلوب قبل أن تصل صداه إلى الأذنين.
لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب السادة.
كانت النبرات تحمل دفئًا يُغري بالاستسلام، وفي الوقت نفسه تملك حدة خفية تخترق الصدور كإبر من جليد.
بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.
أما نومريس فكان يتخبط في سباق مع الزمن.
كانت تلك الحنجرة الذهبية تستفرغ إرادة كل من يستمع إليها.
تغزل لهم أحلامًا وردية وسكينة وهمية تجعلهم ينسون أين هم، ويغفلون عن تلك السلاسل الممتدة في المجهول.
أما نومريس، فقد كان صراخ غريزته يطغى على حلاوة النغم.
وفجأة، انقلبت حدقات الجميع نحوه يسخرون من هول فزعه.
«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»
تطايرت القهقهات في أرجاء السفينة.
لكن لا أحد يملك حق لومه؛ فغريزة البقاء لديه تفوق أي كائن على هذه الرقعة، وهي غريزة صقلها الحذر والتحسب المترسب في أعماقه منذ صغره.
اقترب الصوت أكثر وازداد بهاءً حين أطلت حمامة بيضاء عملاقة، تعتلي ظهرها ثلاث نسوة يتسربلن بأردية من الغيم، وشعورهن البيضاء ترفرف مع الريح بطولٍ يناهز ضعف طول أسيادهم.
وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.
رمقت النسوة صبية السفينة بابتسامة وادعة ما إن كف الغناء.
رفعت إحداهن يدها نحو شفتيها، ونفخت ببطء ليتفشى ضبابٌ باهت وصل إليهم في رمشة عين، مطوقاً الجميع.
كانت مجرد ثانية واحدة كفيلة بنقل الجميع من ذلك المكان الذي عادت ألحانه للتردد مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن ثمة من يستمع… لقد اختفى الجميع بلا أثر.
*****
في مدينة نيفيريا، وتحديداً في الشارع رقم 8 ضمن الضاحية الشرقية المجاورة لنهر مارسي، انتصبت المباني ذات المعمار العتيق الشاهد على تاريخ المدينة الغابر، مشدودة النواحي بزخارف هندسية دقيقة.
تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.
توقفت عربة سوداء على مقربة من أحد المنازل، ولتوّها ترجل منها رجل يرتدي قبعة سوداء مستديرة ومعطفًا طويلاً، ينحدر على جانبه سيف عتيق.
رمق النافذة المضيئة أعلاه بنظرة خاطفة قبل أن يضبط حافة قبعته وينطلق بخطوات متزنة فوق الرصيف الحجري.
كان ضوء القمر القرمزي ينساب سلسًا عبر الزوايا، صابغًا تفاصيل المشهد بأكمله بهالة حمراء أسطورية.
وقبل أن تصل قدم الرجل إلى الباب، انفتح المدخل ليخرج منه رجل آخر.
كان في الأربعينيات من عمره، ذا شارب بني كثيف ونظارات مربعة تعكس شحوب القمر القرمزي.
«سيد واتسن، لقد وصلت مبكرًا.. مرحبًا بك.»
«إنه لشرف لي يا سيد ألفريد. لطالما تاقت نفسي لزيارتك، لكنك تدرى بالعمل وشواغله؛ لا يترك للمرء متسعًا من الحرية كما ينبغي.»
أطلق ألفريد ضحكة خافتة قبل أن يحييه بإشارة نحو الداخل:
«تفضل أولاً، فثمة الكثير من الحديث في انتظارنا.»
«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.
اندفع الهواء الدافئ ليصدم وجه واتسن فور تخطيه العتبة، مسبباً قشعريرة خفيفة وهو يبتعد عن برودة الشارع ووهج القمر القرمزي.
انزلقت قدمه على السجاد الثقيل الذي ابتلع صدى خطواته تماماً، بينما انشغل ألفريد بإغلاق الباب خلفهما وإلقاء المزلاج الخشبي في مكانه بصرخة جافة.
عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.
تخطى الموقدة الحجرية التي كانت جمراتها تتأجج بوهج برتقالي خافت، وألقى نظرة خاطفة على الطاولة الكبيرة؛ كانت الخرائط المفرودة قد طُويت حوافها بأثقال نحاسية، وكأس الزجاج المتروك جوارها ينبض بظل أحمر ينسكب من إحدى النوافذ العالية.
نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.
«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.
رفع واتسن بصره نحو السقف، تتأرجح عيناه مع الظلال المتراقصة التي تنعكس من الثرية الكريستالية الضخمة.
لم تكن كريستالاتها شفافة تماماً، بل مشوبة بصفرة عتيقة تكسر الضوء كأنها تحبس بين طياتها أسرار سنين طوال.
متدلية بأغصان نحاسية دقيقة تشبه مخالب طير جارح يتربص في العتمة.
انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.
غرس كفيه فوق ذراعي الأريكة، تاركًا حواسه تتشرب هدوء الغرفة المريب، بينما امتدت يدا ألفريد لتضع كأساً بلورياً أمامه.
فتداعت فوق السائل الغامض انعكاسات قرمذية خاطفة تصارع جمرات الموقد.
تناول واتسن الكأس ببطء وارتشف منه رشفة خفيفة، انساب السائل الحارق في حلقه يوقظ حواسه، ثم وجه نظراته الحادة نحو ألفريد ونطق بنبرة هادئة ومستقيمة:
«سيد ألفريد، أنت تدرك جيدًا سبب زيارتي اليوم.. وتعلم تمامًا كم أن أوقاتي محكومة بالضيق والازدحام، لذا—»
توقف واتسن عن الحديث فجأة، وانعقد لسانه في منتصف الجملة.
سرت قشعريرة قارسة من أسفل ظهره حتى تسلقت نخاع شوكته، وجمدت الدماء في عروقه ببرودة مباغتة.
تجسدت في أعماقه موجة عارمة من هولٍ مفاجئ، واشتعلت في ثانية واحدة نية قتل ضارية ووحشية تتجه كالسهم نحو الرجل الجالس أمامه.
كانت غريزته الصارخة تجبره على القبض على مقبض سيفه المتروك على جانبه.
رفع واتسن رأسه بعينين تتسعان بذهول حذر، متتبعًا امتداد خط نظره خلف رأس ألفريد؛ هناك، على الجدار المخفي جزئيًا بالظلال، علقت لوحة زيتية في إطار خشبي عتيق.
استشعر ألفريد هذا التحول المفاجئ في الهواء المحيط بواتسن، والتفت هو الآخر ببطء نحو الجدار خلفه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة وادعة وهو يطالع اللوحة:
«هل استهوتك هذه اللوحة يا سيد واتسن؟»
كانت اللوحة تجسد مشهدًا غريبًا؛ شجرة بيضاء عملاقة تنتصب في قلب قاعة ضخمة، ورغم أن ضربات الفرشاة اقتصرت كليًا على درجات الأبيض والأسود دون أي لون آخر، إلا أن التفاصيل صيغت بدقة مرعبة.. خصوصًا ذلك العرش الغامض المقبع تحت ظلال الشجرة.
ثبّت واتسن نظراته الصارمة على اللوحة، ونطق بصوتٍ خفيض يكتنفه الجفاف:
«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»
هز ألفريد كتفيه بغير مبالاة، وأجاب بنبرة عادية:
«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»
استقام واتسن في جلسته ببطء متئد، ثم وقف على قدميه، ممررًا نظرته الثقيلة بين ألفريد واللوحة، وأخرج همهمة مبهمة من بين شفتيه.
لاحظ ألفريد تغيّر النبرة واحتدام الهواء بينهما، فرطب شفتيه وتساءل بوجوم:
«ما الخطب يا سيد واتسن؟ لمَ كل هذا التوتر؟»
ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:
«لقد سألتك بكل وضوح يا سيد ألفريد.. هل أنت واثق من أنك ابتعَتها من متجر لوحات عادي فحسب؟»
عقد ألفريد حاجبيه باستغراب وضيق، ورد مستنكرًا:
«بالتأكيد! ما الذي يدعوني للكذب عليك في أمرٍ كهذا؟»
نهاية الفصل