تسمّر نومريس في مكانه.
الكلمات التي همس بها نايلي لم تكن مجرد تحذير عن خطر داهم، بل كانت زلزالًا زلزل ما يظنه ممكناً.
«الجنين»… قوة محرمة كفيلة بإنتاج قوة لا تقهر لمن يوقظه داخله.
اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان.
لم يفكر في الهرب أو الاختباء كما يفعل بقية العبيد؛ بل سطعت في عقله الفكرة كشرارة غاضبة وسط الظلام:
«إذا كان هذا الشيء، إيقاظه قد يمنحني قدرة غريبة… فلماذا لا يمتلكه صبيٌ مثلي؟ لمَ لا تكون هذه الفرصة التي انتظرتها لعامين؟»
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الفكرة تغلي في رأسه، انفتحت في مخيلته بوابة نحو ذلك اليوم الشؤوم.
عادت به الذكريات كالسياط.
رأى أمه تُجرّ من شعرها فوق التراب، ورأى ذلك الرجل الطويل القامة، بشعره الرمادي المعتم والمعطف الداكن، والندبة القديمة البشعة التي تشق وجهه من أسفل عينه حتى ذقنه.
تذكر كيف كان يزأر بأوامره لرجاله بلا رحمة، وهم يقتادون أبناء جنسه كالمواشي.
ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.
لمحة يده المشتعلة.
في ذلك اليوم، وظنًا منه أنه مجرد وهم نسجه الخوف والموت.
رأى لهبًا حقيقيًا يلتف حول يد ذلك الرجل.
لم يكن وهمًا.
كانت تلك هي القوة التي جعلت هؤلاء الرجال أسيادًا، وجعلت منه ومن قومه عبيدًا.
تأجج الغضب في صدر نومريس كالمجلجل، واحتدم الدم في عروقه حتى كاد يسمع دقات قلبه في أذنيه.
كزّ على أسنانه حتى كادت تتكسر، وشخص بنظره نحو المجهول وهو يهمس في سره بنبرة قطعت كل أمل في المغفرة:
«إني سأتذكرك… أتذكر وجهك كل يوم.»
هدأ نومريس أخيرًا.
أغلقت الذكرى أبوابها، واستقرت الملامح الباردة القاسية على وجهه مجددًا.
التفت بنظره نحو نايلي، واقترب منه بضع خطوات، ثم قال بنبرة خفيضة ولكنها ممتلئة بالتصميم:
«نايلي… إذا كان هذا الجنين يعطي قدرة لا يمكن استيعابها، فهو الحل الوحيد لنا.»
«الصبيان يستطيعون المحاولة أيضًا.»
«إنها فرصتنا الوحيدة لنكسر هذه القيود ونتحرر من هذه العبودية.»
نظر إليه نايلي، وقبل أن يتكلم، ظهرت في عينيه لمعة حذرة من التردد سرعان ما استحالت إلى إيماءة ثبات حازمة.
«كنتُ أفكر في الشيء نفسه يا نومريس…»
همس نايلي وعيناه تجولان المكان بحذر.
«إما أن نأخذ هذه القوة أو نموت ونحن نحاول. لا يوجد خيار ثالث.»
عقد الصبيان العزم في صمت شديد.
جمر الفكرة يشتعل في صدريهما، ينتظران اللحظة المناسبة للاندفاع.
—
«إلى الطريق! أيها الكلاب!»
شق الصراخ دويّ الصباح الباكر.
متزامنًا مع اختفاء آخر لمحات الضوء القرمزي خلف سحبٍ رمادية ثقيلة.
كان نومريس يسير ضمن السلسلة البشرية المقتادة خلف الخيول، يحفه بني جنسه وعلى مقربة منه نايلي.
كانت أقدام الصبيان الحافية تطأ التراب المبلل بالندى البارد، ورائحة الخوف تفوح من أجسادهم النحيلة.
بعضهم يئن بكاءً خفيضًا، وبعضهم ينظر إلى الأرض باستسلام مطلق.
أما نومريس، فكان يسير برأس مرفوع قليلاً، لا ترصد عيناه مشقة الطريق.
بل تتفحصان وجوه الحراس، وسياطهم، والثغرات الضيقة في دروعهم.
سنتان من العبودية لم تجعله عبدًا، بل جعلته ذئبًا يتمسكن بالخنوع، ينتظر لحظة غفلة من السجّان ليغرس أنيابه.
اقترب القطيع البشري من قاعدة الجبل، يقودهم صبيان القبيلة من فوق ظهور خيولهم نحو المكان الموعود…
نحو الجبل الأسود القابع أسفل الوادي.
كان نومريس يرتدي رداءً أسود ممزقًا وطويلًا يلتف حول جسده الشاحب وتلعب به الرياح كأنه أنشوطة مهلهلة.
بينما تغطي الضمادات المنسولة يديه وساقيه لتداري ندوب الأغلال، مع شريط أحمر يشدّ خصره.
التفت أحد صبيان القبيلة، يرتدي درعًا من جلود الحيوانات التي باتت اليوم مجرد بقايا ناتجة عن صيد أهل القرية.
وحدق في ملامح نومريس والبقية، قبل أن يطلق همسةً ذات نبرة مقززة وعالية تقصد الإهانة.
لم يفاجأ نومريس؛ فقد اعتاد هذه النظرة ذاتها يوميًا منذ أن تم شراؤه قبل عامين.
اليوم، سيُدفع بهم كدروع بشرية لحماية أبناء القبيلة.
فإيقاظ الجنين حدثٌ مفصلي في حياة كل صبي، والبالغون ممن أيقظوا أجنّتهم عاجزون عن التأمين الفعلي.
إذ إن المعبد القابع في جوف الجبل يرفض دخول أي شخص قد أتمّ إيقاظ جنينه، ويردّهم مهما حاولوا.
ضمّ العبيد رجالًا كبارًا؛ بعضهم عرفهم نومريس سابقًا، والبعض الآخر جرى شراؤه مؤخرًا ليكونوا حطبًا لهذه الرحلة.
ففي هذا العُرف القاسي، طالما لم يوقظ المرء جنينه، فلن يُعامل إلا كعلفٍ للمدافع.
حتى أولئك الذين تطوعوا من رجال القبيلة لمرافقة الصبيان، كان دورهم محددًا مسبقًا:
الوقوف في الخلف ودفع العبيد إلى خط النار الأول.
هكذا كانت القواعد دائمًا، وهكذا صُممت اللعبة.
اقترب الجمع من قاعدة الجبل.
كان الجبل يرتفع كجثة عملاق حجري يسد الأفق.
مدخله عبارة عن شق مظلم يبعث بالهواء البارد والرطب.
عند المدخل، كان يقف الرجل ذو المعطف الداكن، صاحب الندبة القديمة أو هكذا كان يخيل إلى نومريس.
تطلّع أحد الرجال من فوق ظهر حصانه.
كان ضخم البنية، بشعر أشقر طويل ولحية رثة غير مهذبة.
يرتدي دروعًا جلدية ثقيلة وتستقر خلف ظهره مطرقة حجرية عريضة.
انسابت منه نظرة مفترسة ألقت برعبها الثقيل على صدور العبيد جميعًا،
قبل أن يطلق صوته الخشن كأنما يجر جلمودًا على صخر:
«إن تقاعس أحدكم يا كلاب… فإن ما ينتظره عند الخروج لن يكون سوى الموت!»
كانت كلماته قاطعة كحد الساطور، تحذيرًا دفينًا يُعلن عن النوايا بلا مواربة.
صدمت التهديدات مسمع نومريس، فتسارعت نبضات قلبه وانعصر صدره بحنق مكتوم.
«هؤلاء الحمقى يريدون منا أن نكون أضاحي لتأمين طريق أبنائهم… طالما خفضت رأسي في التراب وتحملت الهوان منتظرًا موطئ قدم للفرار والبحث عن أمي، لكنهم اليوم يدفعون بنا إلى المسلخ!»
لو كان نومريس يدرك حجم الهول القابع في أحشاء ذلك الظلام، لما تجرأ عقله على تصوّر الخلاص بهذه البساطة.
نزل صبيان القبيلة عن ظهور الخيول بصلف، ثم جرى توزيع العبيد؛ ثلاثةُ أجسادٍ مستباحة تُخصص لحماية كل صبيّ من أبناء الأسياد.
فإيقاظ الجنين ليس مكرمةً تُمُنح للجميع، بل مقامٌ محفوف بالخطر يتركه القوم لمشيئة القدر.
ارتفع صوت الرجل الضخم مجددًا وهو يزأر كالرعد:
«هيا! ليتحرك الجميع!»
خطوةً تلو أخرى، بدأ التدافع نحو جوف الجبل.
ومع كل قدم تطأ العتمة، كان الهواء يزداد كثافةً وبرودةً تثقل الكاهل.
توغل الجمع في العمق المهيب؛ مشاعل الصبية تلتمه بقعًا نارية تائهة في الظلام.
والعبيد يتحركون أمامهم خلف الهالة الضوئية.
كان الدليل يقتفي أثرًا معلومًا؛ فالطريق متسعٌ بصورة تدعو للريبة، أرضيته حجرية زلقة، وقطرات الماء تتدلى من السقف العالي لتبلل أسمالهم.
بينما تتوشح الجدران بطحالب معتمة وتتردد أصوات الجرذان بين الممرات كهمسِ الموتى.
استمر المسير السقيم حتى انفرج الظلام عن نهرٍ ضخم ساكن متوهج بتوهج ابيض، ترسو على ضفته قاطرةٌ خشبية هائلة.
وقف الرجل العريض بحصانه عند الحافة؛ كان هو الوحيد من البالغين المسموح له بالوصول إلى هذا الحد من الكهف، لكن أرض النهر كانت خط نهايته الذي لا يستطيع تجاوزه.
تطلع الرجل في وجوه الصغار وحذر بنبرة شابتها قسوة خائفة:
«تذكروا جيدًا قبل أن تصلوا إلى وجهتكم… لا تتبعوا ذلك الصوت! سيسحركم… سيجذبكم إلى القاع! إنه أعتى الأخطار في طريقكم، فلا تلتفتوا واصمدوا. إياكم وأن تنزعوا هذه السدادات عن آذانكم!»
كان الجميع في تلك اللحظة يسارعون بإغلاق آذانهم بسدادات قماشية سميكة قبل الصعود إلى متن القارب.
لم يفهم نومريس ماهية الخطر الذي يتحدث عنه ذلك العجوز، لكن انقباضةً مسمومة سرت في عروقه.
لم يكن يدري إلى أي جحيم يُقتادون، وعن أي صوتٍ مجهول يحذرهم هذا الرجل.
تبادل نظرة خاطفة مع نايلي، فقرأ في عينيه الفهم والتحفّز ذاته وهو يدفع السدادات في أذنيه.
اقتدى به نومريس فورًا، ثم اعتلى الخشب المتهالك حتى وقف ملاصقًا لأحد صبيان القبيلة.
التفت إليه الصبي بنظرة احتقار، وصاح بصوتٍ كتمته السدادات جزئيًا:
«أيها العبد! ما الذي يؤخرك؟!»
استغل نومريس انسداد أذني الصبي، فازدانت شفتاه بابتسامة خبيثة وهمس بنبرة خفيضة ومتقطعة:
«اصمت… أيها الوغد.»
لمحه الصبي وتحركات شفتيه المريبة، فانتزع السدادة من أذنه بغضب عارم وهو يصيح فيه:
«ماذا قلت للتو؟!»
حافظ نومريس على بروده، واكتفى برفع حاجبيه ببرود وهو يهمس بملامح طائعة:
«قلت… أنا قادم.»
ثم أردف رجل مشيراً بيده:
«هيا، عليكم بربط أنفسكم جيدًا كما أُمرتم.»
استعاد الصبي وقاره المغرور، وأعاد دفع السدادة في أذنه باقتناع، مقبلًا على تنفيذ التعليمات المفروضة؛ إذ سرعان ما بدأ كل صبيّ من أبناء القبيلة بربط جسده إلى إحدى السواعد الخشبية المرتفعة في جوف القارب.
لزم نومريس الحذر، وعقله يقلّب الأمر بصلابة وارتياب؛ لم يفهم الجدوى من هذا التوثيق المحكم ولماذا يُربط الجمع بهذا الشكل المعقد على ظهر السفينة.
لكنه انقاد للتعليمات حذرًا؛ فربط حبل حزامه حول خشبة مجاورة.
انطلقت القاطرة الخشبية عبر امتداد النهر المتوهج ببريقٍ أبيض جنائزي.
انسابت المياه بلا صوت، بينما احتد الضباب أمامهم كستارٍ ثقيل، يحجب الرؤية تمامًا ويُغرق السفينة وركابها في عتمة ضبابية لا حد لها.
نهاية الفصل