ملحمة سليل الخوف الفصل 43 — ملحمة سليل الخوف 43

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 43 — ملحمة سليل الخوف 43 باللغة العربية على مانجا تايم.

بدأ ضوء النهار يتلاشى خلف الغيوم السوداء، مخلفًا وراءه مساءً قاتمًا غطّى شوارع الحي الجنوبي.

تسللت البرودة عبر النوافذ، بينما أخذت الرياح تداعب أطراف الستائر، مطلقةً حفيفًا خافتًا في أرجاء المنزل.

ساد الهدوء المكان، ولم يُسمع سوى صفير الرياح المتقطع وأصوات بعيدة تتلاشى شيئًا فشيئًا مع اقتراب الليل.

كان نومريس لا يزال في الداخل مع فورتكس، وقد أخذت ظلال المساء تمتد على الجدران، حتى بدت زوايا الغرفة أكثر عتمة مما كانت عليه قبل ساعات.

بدأت قناديل الزيت المعلّقة على جوانب الشوارع تشتعل واحدًا تلو الآخر، ناشرةً ضوءًا أصفر خافتًا على الطرقات الحجرية. امتزجت أضواؤها بظلال المباني الطويلة، فبدت الشوارع وكأنها تتوارى بين بقع متفرقة من النور والعتمة.

وضع فورتكس حزام سيفه حول خصره، ثم عدّله قليلًا قبل أن يرفع رأسه نحو نومريس.

"هل أنت مستعد؟"

ضم نومريس سيفه إلى صدره، ثم أومأ برأسه، معلنًا استعداده التام.

ابتسم فورتكس.

"جيد."

فتح باب المنزل وخرج، فيما تبعه نومريس.

صليل!

في اللحظة التي تجاوزا فيها العتبة، استل فورتكس سيفه بسرعة خاطفة، ثم وجّه ضربة قوية نحو نومريس.

شعر نومريس بالخطر في اللحظة الأخيرة، فرفع سيفه أمام وجهه بصورة غريزية، وانزلق سيفه قليلًا من غمده.

بوممم!

اصطدم السيفان، وانطلقت بينهما شرارات متطايرة.

كانت استجابة نومريس لحظية؛ فقد نجح في صد هجوم فورتكس قبل أن يتمكن الأخير من إكمال حركته، حتى إنه لم يُخرج سيفه من غمده بالكامل.

راقب فورتكس وجهه المتصلب، ثم أطلق ضحكة ساخرة.

"يبدو أنك مستعد حقًا."

قطّب نومريس حاجبيه، وحدّق فيه بغضب.

"ما بك أيها الوغد؟ هل تريد قتلي؟!"

أعاد فورتكس سيفه إلى غمده، وكأن شيئًا لم يحدث.

"وكيف لك أن تموت من هجوم كهذا؟"

صمت لحظة، ثم تابع بنبرة أكثر جدية:

"لو أن هذه الضربة خدشتك ولو قليلًا، لما كنت تستحق مرافقتي. ستموت قبل أن نصل إلى هدفنا، وربما لن تتجاوز حتى بوابة السجن."

ابتسم نومريس، فقد أدرك ما حاول فورتكس فعله.

"ما بك تبتسم؟" سأله فورتكس.

"لا شيء."

لم يبدُ فورتكس مقتنعًا بإجابته، لكنه لم يلحّ عليه. استدار ومضى في طريقه، فتبعه نومريس.

هبّت رياح قوية في الشارع، تحرّك معها طرفا عباءتيهما السوداوين. وعلى امتداد الطريق الحجري، ألقت قناديل الزيت المعلّقة على الجدران أضواءها الشاحبة، بالكاد كانت تبدد شيئًا من العتمة التي أخذت تبتلع الأزقة.

لم يكن الشارع مكتظًا بالمارة كعادته. ربما كان اقتراب الشتاء، أو السماء المثقلة بالغيوم السوداء، كافيًا لدفع الناس إلى الاحتماء بمنازلهم قبل حلول الليل.

كانت العربات تمر بين الحين والآخر، وبعضها شبه فارغ، فيما راحت عجلاتها تصدر صريرًا خافتًا كلما اجتازت الحجارة غير المستوية. أما أصحاب المتاجر، فكانوا يعجّلون بإغلاق أبوابهم، وكأنهم يريدون الانتهاء من أعمالهم قبل أن يشتد الطقس سوءًا.

رفع نومريس عينيه نحو السماء، ثم أعادهما إلى الطريق أمامه.

"هل تعتقد أن المطر سيسقط الليلة؟"

"على الأرجح،" أجاب فورتكس دون أن يلتفت إليه. "وهذا في صالحنا."

فهم نومريس ما يقصده، لكنه ظل صامتًا للحظات قبل أن يسأله:

"وماذا سنفعل عندما نصل إلى السجن؟"

أبطأ فورتكس خطواته، ثم توقف والتفت نحو نومريس.

"لدي خطة."

"خطة؟ ومتى كنت تنوي إخباري بها؟"

ابتسم فورتكس.

ضيّق نومريس عينيه، وقد بدأ ينتابه شعور بأن ما سيقوله فورتكس لن يعجبه.

"من تعبير وجهك، أشعر بأن خطتك لن تروق لي، أليس كذلك؟"

أشاح فورتكس بنظره نحو الطريق، وكأنه يحاول إخفاء تعبيره.

"همم…"

ظل نومريس يحدّق فيه، منتظرًا أن يكمل حديثه.

تنهد فورتكس أخيرًا، ثم قال:

"حسنًا، لدي خطة تقتضي دخولنا إلى السجن عبر البوابة الرئيسية، أمام أعين الحراس."

اتسعت عينا نومريس قليلًا.

"ماذا؟ وكيف سنفعل ذلك؟"

حك فورتكس أنفه، ثم أجاب بلامبالاة:

"ستعرف عندما نصل. لكن لدينا مشكلة واحدة علينا حلها أولًا."

"وما هي؟" سأل نومريس.

التفت فورتكس نحوه، ثم ألقى نظرة على السيف الذي يحمله.

"سيفك."

نظر نومريس إلى سيفه، ثم رفع عينيه إليه مجددًا.

"ما به؟"

"سأفكر في حل عندما نصل. ستعرف كل شيء حينها."

أنهى فورتكس حديثه، ثم استأنف سيره دون أن يضيف كلمة أخرى.

أما نومريس، فظل يتبعه وقد ازدادت شكوكه بشأن تلك الخطة التي لم يكشف له فورتكس منها سوى ما يكفي لإثارة قلقه. بينما كانت الغيوم السوداء تتراكم فوق المدينة، وتزداد الرياح برودةً مع اقتراب الليل.

ــــ

الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 4، سجن العبيد.

صرير…

انفتح الباب الحديدي الثقيل ببطء، مطلقًا صريرًا مزعجًا تردد صداه في أرجاء المدخل. وبعد لحظات، بدأ الحراس يزجّون بدفعة جديدة من العبيد إلى الداخل، دافعين إياهم بعنف، بينما كانت السلاسل الملتفة حول معاصمهم وأقدامهم تتصادم مع كل خطوة.

تعالت صيحات الحراس، واختلطت بأصوات الأقدام المتعثرة فوق الأرض الحجرية. بدا الإرهاق واضحًا على وجوه الوافدين الجدد؛ فقد كان بعضهم بالكاد قادرًا على الوقوف، فيما أخذ آخرون يتلفتون حولهم بقلق، محاولين استيعاب المكان الذي سيقضون فيه الأيام القادمة.

خلف القضبان الحديدية الممتدة على أحد جوانب السجن، كان رورمين مستلقيًا على الأرض الباردة، وقد أثقلت القيود أطرافه. وإلى جواره، استلقى رفيقه ذو العينين البرتقاليتين، رافعًا رأسه قليلًا ليتأمل العبيد الجدد الذين أخذ الحراس يدفعونهم إلى الداخل.

لم يتبادلا الكلمات، لكن نظراتهما ظلّت تلاحق الوافدين واحدًا تلو الآخر، وكأنهما يحاولان معرفة ما ينتظر هؤلاء البائسين خلف جدران السجن.

على مقربة من المدخل، وقف روبرت فيسك، مدير السجن، يراقب عملية إدخال العبيد بوجه خالٍ من التعبير. كانت عيناه تنتقلان بين الوجوه والأجساد المنهكة، يتفحّصهم كما لو كانوا بضاعة وصلت لتوّها إلى مخزنه.

وبجانبه، وقف برادو جون، الرجل الذي أحضر هذه الدفعة، يتابع المشهد بهدوء، وكأنه سلّم مهمته إلى صاحب المكان ولم يعد يعنيه ما سيحدث لهم بعد ذلك.

لم يبدُ روبرت مهتمًا بحالة الوافدين أو بما عانوه في طريقهم إلى هنا. كان ما يعنيه هو وصولهم سالمين، وعددهم، وما يمكن أن يضيفوه إلى مخزون السجن من العبيد.

فيما استمرت أصوات السلاسل تتردد في أرجاء المكان، معلنةً وصول دفعة جديدة إلى هذا السجن، الذي لم يكن دخوله سوى بداية لمعاناة أشد قسوة.

اتسعت أسارير روبرت وهو يشاهد العبيد يُزجّ بهم خلف القضبان، ثم قال بنبرة راضية:

"لقد عملت بجد هذه المرة، جون. دفعتان في ليلتين… هذا أكثر من كافٍ لوقت طويل."

أطلق برادو جون ضحكة خافتة، ثم أجاب:

"يبدو أن حظك يتحسن يا روبرت."

التفت روبرت إليه، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة.

"الحظ؟ لا أؤمن بالحظ. كل ما في الأمر أنني أعرف كيف أستغل الفرص عندما تظهر."

هزّ جون كتفيه بلا مبالاة.

"سمّها ما شئت. المهم أن بضاعتك وصلت، وأن عملي انتهى الليلة."

ألقى روبرت نظرة أخيرة على العبيد خلف القضبان، ثم أعاد عينيه إلى جون.

"وهذا ما يهمني. ما دامت الأمور تسير على هذا النحو، فسيكون لكلينا نصيب جيد."

ابتسم برادو جون ابتسامة خفيفة.

"إذًا، آمل أن تكون مستعدًا لما هو قادم."

توقفت ابتسامة روبرت للحظة، قبل أن تعود إلى وجهه بصورة أوسع.

أطلق برادو جون ضحكة خافتة، ثم قال:

"في الواقع، لديّ أخبار قد تهمك يا روبرت."

رفع روبرت حاجبه باهتمام.

"وما هي؟"

"أخبرني أحد المقربين من إدوارد كولستون أنه جلب دفعة ضخمة من العبيد من وراء البحر، وقد رست سفنه قبل أيام في إمبراطورية سول ماريا."

تغيّرت نظرة روبرت قليلًا، وسرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة.

"دفعة ضخمة، تقول؟"

"نعم. وبحسب ما سمعته، فإن عددهم أكبر بكثير من دفعتنا الأخيرة. بل إن سفينة واحدة من سفنه قد تحمل من العبيد ما يجعل الدفعة التي أحضرناها اليوم تبدو تافهة بالمقارنة."

ألقى روبرت نظرة على العبيد الجدد خلف القضبان، ثم أعاد عينيه إلى جون.

"وهل تعتقد أن بإمكاننا الحصول على بعضهم قبل أن يُباعوا؟"

هزّ جون كتفيه.

"لا أستطيع ضمان ذلك الآن، لكنني أستطيع معرفة المزيد."

اتسعت ابتسامة روبرت.

"إذًا، افعل ذلك. لا أريد أن نضيّع المزيد من الوقت يا جون. تواصل مع ذلك الرجل، وحاول تأمين دفعة لنا في أقرب وقت ممكن."

أطلق جون ضحكة قصيرة، ثم قال:

"كنت أعلم أنك ستفكر في الأمر بهذه الطريقة. لكن علينا التحلي بالصبر؛ فالرحلة إلى هناك ستستغرق أيامًا طويلة، ولن تصل القافلة بين عشية وضحاها. سأرسل رسالة إلى ذلك الرجل وأطلب منه أن يحجز لنا عددًا من العبيد قبل بيعهم."

صمت لحظة، ثم تابع بنبرة أكثر جدية:

"مع ذلك، لن يكون الأمر بهذه السهولة. فالحدود بيننا وبين إمبراطورية سول ماريا تخضع لرقابة مشددة، وقد نواجه صعوبة في نقل العبيد عبرها. لكن ذلك الرجل يملك نفوذًا كافيًا، وربما يستطيع تدبير طريق يسمح لنا بتهريبهم دون أن نثير انتباه السلطات."

عقد روبرت ذراعيه أمام صدره، وظل ينظر إلى جون للحظات قبل أن يقول:

"هذه مشكلة حقيقية، لكنني أثق بأنك قادر على إتمام الصفقة. لا أريد أن تضيع منا فرصة كهذه."

ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يقطعه روبرت فيسك بسؤال بدا عابرًا:

"هل لديك ما يشغلك هذه الليلة؟"

هزّ برادو جون كتفيه، ثم أجاب بنبرة مرهقة:

"بعد هذه الرحلة الطويلة، كنت آمل أن أكرّم نفسي ببعض النبيذ في حانة رأس الغراب. لماذا؟ هل لديك شيء في ذهنك؟"

"نعم، أريد…"

"توقف عندك!" قاطعه جون ساخرًا، رافعًا كفه أمام وجهه. "يا روبرت، لا داعي لأن تكمل. أعرف أنك لن تسألني عن أحوالي لتتمنى لي ليلة سعيدة. لكنني سأترك كارل معك هذه المرة. لقد أخبرتك أنني منهك، وكل ما أريده هو بعض النبيذ لأريح أعصابي."

شدّ روبرت حزام سرواله حول بطنه المنتفخ، ثم رفعه قليلًا قبل أن يقول:

"ليس الأمر أن كارل لا يكفي، لكنني أحتاج إليك أنت هذه المرة. لديّ صفقة مهمة ستتم بعد قليل."

تلاشت السخرية من وجه جون تدريجيًا.

"صفقة؟"

"نعم. ستصل عربة بعد قليل، محمّلة ببعض تلك الأشياء. أنت تعرف ما أقصده، أليس كذلك؟ والدفعة التي أحضرتها اليوم لن تكون كافية لتلبية الطلب."

ابتلع جون ريقه، وقد أدرك ما يلمّح إليه روبرت.

"هل لدينا طلب آخر؟"

أومأ روبرت برأسه.

"لدينا طلب أكبر من أن نلبيه بالعبيد وحدهم. سنضطر إلى استخلاص بعضهم من الدفعة الجديدة الليلة."

تنهد روبرت، ثم أضاف بنبرة اعتذار مصطنعة:

"أعلم أنك عملت بجد طوال الأيام الماضية، وأعرف أنني أحمّلك أكثر مما ينبغي. لكنني لا أستطيع الاعتماد على أحد غيرك في أمر كهذا، ولهذا أحتاج إلى مساعدتك لليلة أخرى فحسب."

نفخ جون بضيق، ثم ألقى نظرة على العبيد المحتجزين خلف القضبان. ظل صامتًا للحظات، قبل أن يستسلم أخيرًا.

"حسنًا، لك ذلك. لكن علينا إنهاء الأمر بسرعة. لقد أخبرتك أنني أريد الذهاب."

ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه روبرت.

"لن يستغرق الأمر طويلًا. عشرة عبيد فقط، وبعدها ستكون حرًا في الذهاب إلى حانتك."

نهاية الفصل