مدينة نيڤيريا؛ الحقبة السابعة.
لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.
حين كان النهار يحل، كان ضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة مرتفعة في الجدار، فيسقط على الأرض الحجرية كخط باهت لا يصل إلى منتصف الزنزانة.
وحين يحل الليل، يختفي الضوء.
لكن السجن لم يكن يصمت.
خلف الجدران السميكة، كانت الحياة تستمر كما لو أن هذا المكان لا علاقة له بالبؤس المحبوس داخله.
كانت تصل من الخارج أصوات متقطعة.
ضحكات.
أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.
صوت عربات تجرها الخيول.
وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.
كان نومريس قد اعتاد تلك الأصوات.
في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.
أما الآن، فلم يعد يهتم.
كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.
كان يعرف أصحابها.
التجار.
الرجال الذين يأتون إلى هذا المكان ويتحدثون عن البشر كما لو كانوا يتحدثون عن الأغنام.
وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.
«كم عددهم؟»
«مئتان تقريبًا.»
«مئتان؟»
«من القبيلة نفسها.»
تبع السؤال ضحكة قصيرة.
«وهل كلهم صالحون للبيع؟»
«معظمهم.»
«والأطفال؟»
ساد صمت قصير.
ثم جاء صوت رجل آخر:
«الأطفال يذهبون بسعر مختلف.»
ضحك أحدهم:
«سأشتري أحد عشر، لكن عليك أن تضع سعرًا مناسبًا.»
«لا تقلق، لا تقلق.»
ثم ابتعدت الأصوات.
لم يكن نومريس يفهم كل ما يقولونه.
في بعض الأحيان كان يسمع صوت امرأة تبكي خلف أحد الأبواب.
وفي أحيان أخرى يسمع طرقًا على الحديد، يتبعه صراخ حارس يأمر أحد الأسرى بالصمت.
وفي الليالي التي يزداد فيها ازدحام السجن، كانت أصوات السلاسل تمتد في الممرات طوال الليل.
جرّ…
جرّ…
جرّ…
حتى أصبح نومريس قادرًا على تمييز السجين من صوت خطواته.
وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.
صوت المفاتيح.
كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.
لأنه لم يكن يعرف أبدًا ما الذي سيحدث بعد أن يتوقف ذلك الرنين أمام زنزانته.
أحيانًا يدخل الحارس.
أحيانًا يدخل رجل غريب.
وأحيانًا يأخذون أحدهم ولا يعود.
في تلك الليلة، كان السجن أكثر هدوءًا من المعتاد.
لم يكن هدوءًا مريحًا.
كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.
جلس صبي في الزاوية الأبعد من الزنزانة، وأسند ظهره إلى الجدار البارد، ثم رفع رأسه نحو النافذة.
كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.
ضم ركبتيه إلى صدره، وأحاطهما بذراعيه، وظل في ذلك الوضع وقتًا طويلًا دون أن يتحرك.
كان القمر ظاهرًا من خلال الفتحة الضيقة.
قرمزيًا.
لم يكن أحمر كالغروب.
ولا برتقاليًا كالنار.
كان أحمر داكنًا، عميقًا، يشبه لون الدم حين يجف فوق قطعة قماش فضية.
حدق نومريس فيه بصمت.
كان يستطيع رؤية جزء صغير فقط من السماء؛ شريطًا ضيقًا محصورًا بين حجارة النافذة وقضبانها الحديدية.
ومع ذلك ظل يراقبه كما لو أن بقية العالم لم يعد موجودًا.
على يمينه، سمع ضحكة مكتومة.
ثم همسًا.
ثم بكاء طفل.
لكنه لم يلتفت.
ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.
لم يكن القمر خلف القضبان.
لم يكن مقيدًا بالسلاسل.
لم يكن ينتظر أحدًا ليقرر سعره.
رفع نومريس يده ببطء، ووضع أطراف أصابعه على الحجر بجانبه، كأنه يستطيع من خلاله الوصول إلى السماء.
ثم سحب يده.
كان الحجر باردًا.
باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.
العشب.
أغمض عينيه.
ولم يعد السجن موجودًا.
كان العشب يصل إلى ركبتيه في بعض أجزاء التل.
كان نومريس يكره ذلك.
لم يكن يحب أن يضطر إلى شق طريقه بين الأعشاب كلما أراد اللحاق بإحدى الأغنام، خصوصًا عندما تبتعد عن القطيع.
لكنه كان يحب الجلوس هناك.
كان التل يطل على القرية كاملة.
من مكانه كان يستطيع رؤية البيوت الحجرية الصغيرة، والأسوار الخشبية، وأعمدة الدخان المتصاعدة من المواقد.
وكان يستطيع رؤية الجبال البعيدة.
وفي الأيام الصافية، كان البحر يظهر خلفها كشريط أزرق رفيع.
جلس نومريس فوق صخرة كبيرة، ووضع لوحًا خشبيًا على فخذيه.
كان في يده ريشة مغموسة بالحبر.
حركها فوق الخشب ببطء.
خط.
ثم خط آخر.
توقف.
نظر إلى الرسم.
عبس.
ثم حكه بإبهامه.
تلطخت أصابعه بالسواد.
فجأة شعر بشيء.
انتفض نومريس.
استدار بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
حدق في العشب.
ثم في الأشجار.
ثم خلفه.
لا شيء.
ظل قلبه ينبض بعنف.
خفض نظره ببطء.
كانت إحدى الأغنام تقف بجواره، تحدق فيه بعينين واسعتين.
ظل ينظر إليها.
ثم تنفس الصعداء.
«أيتها الغبية…»
مد يده وضربها بخفة على رأسها.
ابتعدت خطوتين.
ابتسم نومريس.
«أفزعتني.»
ثم نظر حوله ليتأكد أن أحدًا لم يره.
كان يخجل من خوفه كثيرًا.
كان أطفال القرية يسخرون منه عندما يفزع من أصوات الغابة، أو عندما يرفض دخول الكهف الصغير القريب من القرية، أو عندما يطلب من أمه أن ترافقه إذا اضطر إلى العودة بالقطيع بعد غروب الشمس.
لكن نومريس لم يفهم لماذا كانوا يظنون أن الخوف عيب.
الخوف كان منطقيًا.
الغابة مظلمة.
والوحوش موجودة.
والظلام يخفي أشياء لا تستطيع العين رؤيتها.
بالنسبة إليه، كان الشخص الغبي هو الذي لا يخاف.
أعاد نظره إلى لوحه.
كان يرسم أشخاصًا يقفون متقاربين، بعضهم أطول من الآخر، وبعضهم أقصر، لكن ملامحهم لم تكن واضحة تمامًا.
لم يكن يعرف من يكونون.
لم يرَ أيًا منهم من قبل.
ومع ذلك، كان قد حفظ هيئاتهم جيدًا.
فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.
لم يكن ذلك أول حلم من هذا النوع.
منذ أن كان صغيرًا، كانت تراوده أحلام غريبة؛ أماكن لم يزرها، أشخاص لا يعرفهم، وأحيانًا أشياء لم يكن يستطيع حتى وصفها بالكلمات.
في البداية كان يخبر أمه عنها، فتقول له إن الأحلام ليست سوى أحلام، وإن عقل الإنسان يستطيع أن يصنع أشياء لا وجود لها أثناء النوم.
ومع مرور الوقت، توقف عن إخبارها.
ليس لأنه صدق أنها حقيقية، بل لأنه اعتاد عليها.
كان يستيقظ في الصباح، يتذكر ما رآه، ثم يبحث عن قطعة خشب أو ورقة قديمة، ويمسك ريشته ويبدأ بالرسم قبل أن تتلاشى التفاصيل من ذاكرته.
كان يخشى أن ينساها.
لذلك أصبح يرسم كل شيء، حتى امتلأت غرفته بلوحاته.
وجه رجل لم يلتقِ به قط.
امرأة تقف أمام بوابة حجرية ضخمة.
مدينة لا يعرف أين تقع.
غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.
وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.
لم يكن يعتقد أن لهذه الأحلام معنى.
بالنسبة إليه، كانت مجرد أحلام.
لكنه كان يحب رسمها.
ربما لأن العالم الذي يراه فيها كان أكبر بكثير من قريته الصغيرة.
وضع نومريس آخر لمسة على الرسم، ثم أبعد اللوح قليلًا ونظر إليه.
لم تعجبه الأجساد.
كانت مشوهة بعض الشيء، والوجوه مجرد خطوط غير مكتملة.
لكنه تذكر شيئًا من حلم الليلة الماضية.
أحدهم كان يقف في المقدمة.
لم يستطع رؤية وجهه.
فقط عينان حمراوان تحدقان فيه.
توقف نومريس عن الرسم.
لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة تسري في ظهره.
حدق في الشخص الموجود وسط الرسم، ثم مد يده ببطء ومسح وجهه.
«لا أستطيع تذكره…»
حاول أن يرسمه من جديد.
رسم خطًا للعين.
توقف.
ارتجفت يد نومريس قليلًا.
وضع الريشة جانبًا.
«مجرد حلم»، قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه.
ثم وضع اللوحة بجانبه.
نظر نومريس إلى الرسم مرة أخيرة.
لم يكن راضيًا عنه تمامًا، لكنه لم يجد في نفسه رغبة في تعديله أكثر.
أمسك اللوح من طرفه، ونهض عن الصخرة.
«هيا، علينا العودة.»
في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.
«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»
وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.
كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.
حين نهض نومريس من مكانه، كانت الشمس السوداء قد مالت نحو الأفق، ولم يبقَ على غروبها سوى وقت قصير.
لم تكن تبعث ذلك الضوء الذهبي الذي تتحدث عنه الحكايات القديمة؛ كان نورها شاحبًا، باهتًا، كأن العالم كله قد غُسل من ألوانه قبل أن تُعلَّق الشمس فوقه.
امتدت أشعتها على التلال والبيوت، فبدت الأشياء مضاءة دون أن تكون مشرقة.
كانت بشرة نومريس الرمادية تميل إلى الشحوب تحت ذلك الضوء، وشعره الأبيض يعكس خيوطًا فضية خافتة كلما تحرك رأسه.
أما الظلال، فبدت أطول مما ينبغي.
توقف لحظة.
رفع عينيه نحو الأفق.
ظل يحدق في الشمس السوداء لثوانٍ وهي تنزل ببطء، ثم أسرع خلف القطيع.
لم يكن يحب النظر إليها طويلًا.
كانت تجعله يشعر بشيء غريب.
وكأنها تنظر إليه.
كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.
في البداية كانت مجرد ضوضاء بعيدة، ثم أخذت تتضح شيئًا فشيئًا.
صوت مطرقة تضرب الحديد.
صوت امرأة تنادي طفلًا.
ثغاء الأغنام.
صياح الدجاج.
ضحكات متفرقة.
ورجل يصرخ من مكان ما: «أبعد تلك العربة عن الطريق!»
ثم جاء صوت آخر:
«قلت لك إنني سأفعلها! لا تصرخ في وجهي!»
ابتسم نومريس دون أن يشعر.
هذه الأصوات كانت مألوفة إلى درجة أنه لم يعد ينتبه إليها.
كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.
لكن الروائح كانت تصل قبل البيوت.
أول ما شعر به كان رائحة البحر.
نسمة مالحة باردة مرت فوق وجهه، تحمل معها رائحة الطحالب والرطوبة، ثم اختلطت برائحة التراب الذي جف تحت الشمس.
وبعد خطوات قليلة، وصلت إليه رائحة أخرى أكثر نفاذًا.
روث الحيوانات.
قطب نومريس أنفه.
«مقزز…»
كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.
وعلى جانبي الطريق، كانت آثار حياة القرية واضحة في كل مكان.
كومة من القش قرب أحد البيوت.
برميل خشبي مملوء بالماء.
روث متراكم بجانب حظيرة.
دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.
كلب نحيل مستلقٍ تحت عربة، يفتح عينًا واحدة كلما مر شخص بجانبه ثم يعيد إغلاقها.
وكان هناك دخان يتصاعد من بعض المداخن.
امتزجت رائحة الحطب المحترق برائحة الخبز الطازج، فبدا لنومريس أن معدته تذكرت فجأة أنه لم يأكل منذ الصباح.
مر بجانب امرأة تحمل سلة على رأسها.
«مساء الخير يا نومريس.»
التفت إليها.
«مساء الخير.»
«هل عادت كل الأغنام؟»
نظر نومريس إلى القطيع بسرعة.
بدأ يعدها في رأسه.
«نعم.»
ضحكت المرأة.
«تعدها كل يوم وكأنك تتوقع أن تختفي واحدة منها.»
لم يضحك.
«يمكن أن تضيع.»
«إنها أغنام يا نومريس، وليست أشباحًا.»
تابعت طريقها.
ظل ينظر إليها لحظة.
ثم تمتم:
«الأشباح أيضًا يمكنها أن تضيع.»
سمع ضحكة من الجانب.
التفت بسرعة.
كان صبيان في مثل عمره تقريبًا يقفان قرب سور خشبي.
قال أحدهما:
«نومريس الجبان، هل عدت؟»
تجمد نومريس، لكنه ابتسم.
«جبان؟ لماذا.»
قال الآخر:
«أنت تخاف من كل شيء.»
«هذا ليس صحيحًا.»
أشار صبي بيده:
«إذن ادخل الكهف هناك وحدك.»
سكت نومريس ولم يُلقِ نظرة واحدة نحو الكهف.
ابتسم الصبيان.
«عرفنا.»
عبس، ثم أسرع خلف أغنامه.
كان يكره عندما يفعلون ذلك.
لم يكن يريد أن يكون جبانًا.
لكنه لم يعرف كيف يتوقف عن الخوف.
تابع سيره.
بدأت البيوت تظهر أمامه بوضوح أكبر.
بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.
كانت الأزقة ضيقة ومتعرجة، تفصل بينها ساحات صغيرة تنتشر فيها الحيوانات وأدوات العمل.
وفي نهاية القرية، كان البحر يظهر بين البيوت.
أزرق داكنًا مائلًا إلى السواد تحت ضوء الشمس السوداء، يمتد حتى الأفق بلا نهاية.
كانت رائحة الملح أقوى هنا.
توقف نومريس للحظة.
كان يحب البحر.
لم يكن يعرف لماذا.
ربما لأنه الشيء الوحيد الذي يستطيع النظر إليه دون أن يرى نهايته.
أما هو، فقد كان يشعر دائمًا أن عالمه ينتهي عند الجبال.
لكن البحر كان يقول له شيئًا آخر.
هناك شيء آخر خلف الأفق.
شيء لم يره.
شيء لم يرسمه بعد.
نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.
ثم ابتسم.
«سأرسمه يومًا ما.»
قالها بصوت منخفض.
ثم تابع سيره.
نهاية الفصل