ملحمة سليل الخوف الفصل 4 — ملحمة سليل الخوف 4

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 4 — ملحمة سليل الخوف 4 باللغة العربية على مانجا تايم.

تحركت العربة.

صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.

جلس نومريس في صمت.

كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.

مرّ العالم أمامه ببطء.

مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.

مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.

عربات أخرى عبرت بجوارهم.

بعضها محمل بالصناديق، وبعضها بالبضائع، وأخرى يقودها رجال بملابس فاخرة، يمرون دون أن يلقوا نظرة ثانية على العربة التي تحمل الأسرى.

كان الناس يتحركون في كل مكان.

باعة يفتحون أبواب متاجرهم.

عمال يجرون عربات صغيرة.

نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.

أطفال يركضون قرب أمهاتهم.

مدينة بأكملها تستيقظ.

خفض نومريس عينيه.

ثم رفعهما من جديد.

كان ينظر إلى كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى.

ربما لأنه كان كذلك.

لم يسبق له أن رأى مدينة بهذا الحجم.

في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.

أما هنا…

فحتى السماء بدت مختلفة.

كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.

بقايا الضوء القرمزي للقمر اختفت خلفها منذ وقت طويل.

ولم يبقَ من الليل سوى ضباب بارد يتسلل بين الأزقة.

واصلت العربة طريقها.

ومع كل دقيقة، بدأت أصوات المدينة تخفت خلفهم.

تراجعت المباني.

اختفت المتاجر.

قلّت العربات.

ثم ظهرت أمامه بوابة ضخمة تحيط بها أسوار المدينة.

مرّت العربة من خلالها.

توقف نومريس عن التنفس للحظة.

نظر إلى الخلف.

كانت المدينة تبتعد.

الأبراج الحجرية أصبحت أصغر.

الجدران العالية التي احتجزته طوال الأيام الماضية بدأت تختفي خلف الضباب.

ظل ينظر إليها حتى غابت عن عينيه.

ثم أعاد وجهه إلى الأمام.

الطريق أصبح أكثر هدوءًا.

لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.

ثم…

ابتسمت امرأة.

كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.

أخرجت شيئًا من سلة تحملها، ثم قدمته إليه.

ابتسم الطفل.

توقفت عينا نومريس.

لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.

بل الطريقة التي نظرت بها المرأة إلى طفلها.

نظرة بسيطة.

دافئة.

مطمئنة.

مثلها تمامًا.

مثل أمه.

تجمدت أنفاسه.

وفجأة، اختفى الطريق.

اختفت العربة.

اختفى الأسرى من حوله.

عاد إلى مكان آخر.

مكان لم يكن فيه سجن.

ولا قضبان.

ولا قيود.

المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.

كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.

توقفت يد نومريس فوق المائدة.

رفع رأسه ببطء.

تبادل النظرات مع أمه.

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

ثم جاء صراخ آخر.

أقرب هذه المرة.

تغيرت ملامح أمه.

«ما الذي يحدث؟»

هز نومريس كتفيه.

لم يكن يعرف.

نهض من مكانه، ودفع الكرسي إلى الخلف، ثم اتجه نحو الباب.

«نومريس، انتظر.»

لكنه لم يتوقف.

وضع يده على المقبض.

تردد للحظة.

ثم فتح الباب.

وتجمد.

لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.

كان رجل يقف أمام المنزل.

رجل غريب لم يره نومريس في حياته من قبل.

كان شعره أشقر، وقد حُلق جانبا رأسه، بينما انسدل الجزء الأوسط منه إلى الخلف. وعلى كتفه استقر سيف عريض، بدا ثقيلاً بما يكفي ليحطم عظام رجل بضربة واحدة.

لكن السيف لم يكن أكثر ما أخاف نومريس.

كانت الابتسامة.

ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.

شعر نومريس ببرودة تسري في جسده.

ثم بدأ قلبه يخفق بعنف.

تراجعت قدمه إلى الخلف.

تعثر.

وسقط على مؤخرته.

«نومريس؟»

جاء صوت أمه من خلفه.

«ماذا هناك؟»

لم يجب، ظل يحدق في الرجل، عاجزًا عن فهم ما يراه.

لم يكن الرجل وحده.

خلفه، كان يقف عدد من الرجال المسلحين، بعضهم يحمل سيوفًا، وآخرون يحملون فؤوسًا ورماحًا. كانوا ينتشرون في أرجاء المكان بهدوء غريب، وكأنهم لم يقتحموا قبيلة بأكملها، بل دخلوا إلى منزل مهجور يعرفون أنه لن يقاوم.

ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.

كان أطول من البقية، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجهه آثار ندبة قديمة تمتد من أسفل عينه إلى فكه.

تجولت عيناه في المكان.

ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»

«مفهوم يا زعيم.»

تحرك الرجال فورًا.

عندها فقط بدأ نومريس يفهم.

لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.

لقد جاؤوا من أجلهم جميعًا.

«نومريس!»

أمسكت أمه بكتفه وسحبته إلى الخلف.

«ادخل!»

استدار نحوها.

كانت ملامحها قد تغيرت تمامًا.

لم تعد المرأة الهادئة التي كانت تجلس إلى جواره قبل لحظات.

كان الخوف واضحًا في عينيها.

«أمي… من هؤلاء؟»

لم تجب.

أمسكت يده بقوة.

«لا وقت لدينا.»

سحبته نحو الجزء الخلفي من المنزل.

لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.

ثم صرخة.

ثم صرخة أخرى.

رفع نومريس رأسه.

من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.

تلطخت ملابسه بالدماء.

تجمد مكانه.

«أمي…»

وضعت يدها على عينيه.

«لا تنظر.»

لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.

بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.

صرخات.

أوامر.

صوت أقدام تركض فوق التراب.

صليل الحديد.

بكاء الأطفال.

ونباح الكلاب.

كل شيء حدث في لحظات.

قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.

«علينا أن نخرج.»

قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.

لكن قبل أن يخطوا أكثر من بضع خطوات، جاء صوت من أمامها.

«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»

توقفت أمه في مكانها.

كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.

ابتسم.

لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.

بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.

تراجعت أم نومريس خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، حتى أصبحت أمام ابنها مباشرة.

رفعت ذراعيها قليلًا، محاولةً إخفاءه خلف جسدها.

«لا تقترب.»

خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.

نظر الرجل إليها للحظات.

ثم مال رأسه قليلًا.

اتسعت ابتسامته.

«يا لها من نظرة…»

أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.

«أحببتها حقًا.»

تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.

كان جسدها يرتجف.

ومع ذلك، لم تتحرك من أمامه.

بقيت واقفة كحاجز وحيد بين ابنها والرجل الذي يقف أمامهما.

أما الرجل، فظل يضحك.

كانت عيناه تلمعان بشيء لم يفهمه نومريس آنذاك.

شيء جعل الخوف في صدره يزداد.

ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.

توقفت ضحكته.

وقال:

«أحب البضاعة التي تقاوم.»

رفع الرجل سيفه.

وانعكس بريقه البارد في عيني نومريس.

ثم هوى.

—

طَق.

ضربت عصا خشبية الأرض.

ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.

«إلى هناك.»

كان الصوت هادئًا.

صوت فتى.

تفرقت ثلاث خراف عن القطيع، فمشى خلفها بخطوات بطيئة، حتى أعادها إلى مكانها.

رفع نومريس رأسه.

في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.

لم يكن يرى سوى اللون الرمادي، يمتد من الأرض حتى نهاية السماء، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعره الأبيض الطويل.

توقف للحظة.

ثم نظر إلى يده.

كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.

لم تعد يد طفل.

كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.

سنتان.

سنتان منذ ذلك اليوم.

سنتان منذ أن انطفأت حياة نومريس القديمة بضربة سيف.

ومنذ ذلك الحين، تغير كل شيء.

لم يعد يعرف كم مرة تغيرت الفصول.

كم مرة هطلت الأمطار.

كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.

وكم مرة نام وهو يتمنى ألّا يستيقظ في اليوم التالي.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.

كان لا يزال يرعى الأغنام.

المفارقة الوحيدة أن نومريس لم يعد يرعاها بجوار أمه.

بل بجوار سيده.

كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.

رفع نومريس عينيه نحو أحدها.

ثم خفضهما سريعًا.

«نومريس!»

جاء الصوت حادًا من بعيد.

استدار.

كان رجل يقف عند مدخل أحد البيوت، يلوح بيده بعصبية.

«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»

نظر نومريس إلى الأغنام وهي قرب حقل ذرة.

ثم إلى الرجل.

«آسف.»

لم يقل شيئًا آخر.

استدار الرجل وعاد إلى منزله وهو يتمتم بكلمات غاضبة.

أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.

لم يشعر بالغضب.

في البداية كان يغضب.

كان يكرههم.

يكره أصواتهم.

يكره أوامرهم.

ويكره الكلمة التي كانوا ينادونه بها.

عبد.

لكن بعد سنتين…

أصبح الغضب رفاهية لا يملكها.

تعلم الصمت.

تعلم الطاعة.

وتعلم قبل كل شيء أن يبقى حيًا.

أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.

ثم سار خلف القطيع.

كان أطول الآن.

أطول بكثير مما كان عليه قبل سنتسن.

أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.

لكن وجهه ظل يحمل شيئًا لم تستطع السنوات محوه.

ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.

فقط عيناه تغيرتا.

العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

فرصة.

مهما كانت صغيرة.

مهما احتاجت إلى سنوات.

توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.

كان ثوبُه الأسود الممزق يرفرف مع الرياح الباردة إلى جانب شعره الأبيض الثلجي، بينما قبض على عصاه في صمت شديد، تخفي عيناه جمرًا ينتظر لحظة الاشتعال.

وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.

وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.

أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.

كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.

«نايلي! أنت تفعل ذلك مجددًا!»

ضحك نايلي، ثم توقف.

«ألم تنتهِ بعد؟»

«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.

«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»

«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»

«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة "جنين"؟»

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»

«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.

التفت نايلي حوله بحذر، وعندما تأكد من خلو التل، انحنى وهمس في أذن نومريس بكلمات معدودة.

اتسعت عينا نومريس وانفرج فكه عن آخره صدمةً مما سمع.

«هل… هل هذا صحيح؟»

نهاية الفصل