خطوة… خطوة…
ترددت خطوات ريماس داخل ممر طويل غارق في الظلام.
كان المكان باردًا بشكل غريب، حتى إن جسدها بدأ يرتجف.
ضمت يديها إلى جانبيها، ونظرت حولها بحذر.
مهما التفتت، لم تجد سوى الظلام.
أخي…
تردد صوتها في أرجاء الممر.
لكن لم يأتِها أي رد.
سيليستيا…
نادَت مرة أخرى، بصوت أكثر ارتجافًا.
أين الجميع…؟
وفجأة، سمعت ضحكات الأطفال قادمة من مكان قريب.
التفتت نحو اليمين.
كان هناك باب على جانب الممر.
اقتربت منه، وارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها.
أنتم هنا!
أمسكت مقبض الباب وفتحته بسرعة.
لكن…
لم يكن هناك أحد.
كانت الغرفة فارغة تمامًا.
اختفت الابتسامة عن وجهها.
تراجعت خطوة، ثم التفتت إلى الخلف.
كان هناك باب آخر في الجهة المقابلة.
تركت الباب مفتوحًا وتوجهت نحو الغرفة المجاورة، بعدما سمعت ضحكات الأطفال من جديد.
أيها الصبية… هل تلعبون معي؟
تسارعت دقات قلبها.
ركضت من غرفة إلى أخرى، تفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر، لكنها لم تجد أحدًا.
ما الذي يحدث…؟
ريماس…
توقفت فجأة.
جاءها صوت يناديها من أمامها.
رفعت رأسها.
كان باب إحدى الغرف مفتوحًا.
اقتربت منه ببطء.
وضعت يديها على جانبي الباب، ثم أطلت برأسها بحذر.
كانت الغرفة ممتلئة بالأطفال.
التفت أحدهم نحوها.
ريماس! تعالي العبي معنا!
لا! ريماس ستلعب معي أنا!
اتسعت ابتسامة ريماس.
أنتم هنا أيها المشاغبون…
كانت على وشك الدخول إلى الغرفة عندما…
اشتعلت النيران فجأة في جسد أحد الأطفال الذي كان يحدق بها مبتسمًا.
اتسعت عيناها، وتوقف قلبها للحظة.
اندفعت نحوه غريزيًا.
لكن قبل أن تصل إليه، اشتعل طفل آخر.
ثم آخر…
ثم آخر.
توقفت ريماس في مكانها.
م… ما هذا؟
انتقلت عيناها من طفل إلى آخر.
كانت النيران تلتهم أجسادهم الصغيرة، بينما ظلوا جميعًا يبتسمون لها.
لا…
ارتجف صوتها.
لا، توقفوا!
لكن لم يتوقف شيء.
حتى المرأة والعجوز اللذان كانا يجلسان بين الأطفال، اشتعلت النيران في جسديهما.
ثم بدأت النيران تنتشر.
الجدران…
الكراسي…
الأسِرّة…
كل شيء اشتعل.
انهمرت الدموع من عيني ريماس.
تراجعت خطواتها، قبل أن تسقط على ركبتيها.
أمام عينيها، كانت النيران تلتهم الجميع.
لكنهم…
ظلوا يبتسمون.
ريماس…
سمعت صوتًا آخر.
كان هادئًا.
هادئًا بشكل غريب.
رفعت رأسها والتفتت نحو اليمين.
لم تعد داخل الغرفة.
كانت واقفة في الممر من جديد.
وفي نهايته…
كان شخصان يقفان هناك.
سيليستيا…
وأخوها.
تجمدت ريماس للحظة، ثم نهضت بسرعة ومسحت دموعها.
سيليستيا!
أخي!
ركضت نحوهما.
لكن كلما اقتربت، ابتعد الاثنان أكثر.
سيليستيا!
زادت سرعتها.
أخي!
ركضت بكل قوتها، لكن المسافة بينهما لم تتغير.
بل…
كانت تزداد.
عضت ريماس على شفتيها، وبدأت دموعها تنهمر من جديد.
أخي… سيليستيا…
لا ترحلا أنتما أيضًا!
وفجأة…
انفتحت أمامها فوهة سوداء هائلة.
بدت عميقة إلى درجة لم تستطع رؤية قاعها.
توقفت ريماس.
تراجعت خطوة.
لكن قدميها تحركتا من تلقاء نفسيهما.
لا…
حاولت التراجع، لكن جسدها لم يستجب.
اقتربت من الفجوة.
ثم سقطت فيها.
آآآآآه!
صرخت بأعلى صوتها.
تردد صراخها في أرجاء الممرات والغرف.
فتحت ريماس عينيها فجأة وهي تصرخ.
كانت سيليستيا بجانب سريرها.
ما إن سمعت صراخها حتى احتضنتها بسرعة، وضمتها إلى صدرها، وراحت تربت على ظهرها.
اهدئي…
أنتِ بأمان.
لم تستطع ريماس الكلام.
ظلت ترتجف بين ذراعيها، بينما كانت دموعها تنهمر دون توقف.
تمسكت ريماس بقوة بسيليستيا، وكأنها تخشى أن تختفي من بين ذراعيها.
كانت عيناها بحيرة من الدموع.
سيليستيا…
أنا هنا.
لا تتركيني…
توقفت يد سيليستيا للحظة.
ثم عادت تربت على ظهرها بهدوء.
لن أتركك.
لكن ريماس لم تهدأ.
رفعت رأسها، ونظرت إلى وجه سيليستيا وكأنها تتأكد من وجودها أمامها.
أنتِ هنا حقًا…؟
ابتسمت سيليستيا ابتسامة خافتة، رغم الحزن الذي كان يثقل عينيها.
انزلقت دمعة من عينيها الواسعتين نعم.
أنا هنا.
أخي أيضًا…؟
صمتت سيليستيا للحظة.
ثم قالت:
إنه بخير.
أخفضت ريماس رأسها من جديد، وعادت لتدفن وجهها في صدر سيليستيا.
ظل جسدها يرتجف.
مرت عدة لحظات دون أن تتحدث أي منهما.
أغمضت عينيها من جديد، بينما واصلت سيليستيا التربيت على ظهرها.
أما في مكان آخر…
كان نومريس يجلس على كرسي خشبي طويل، مسندًا ذراعيه إلى قطعة خشبية أمامه.
كان رأسه منحنيًا إلى الأسفل، وعيناه مثبتتين على الأرض بصمت.
أمامه، وقف رجل عجوز أبيض الشعر.
كان يرتدي زي نادل بسيطًا، يتكون من قميص أبيض بأكمام طويلة، وفوقه سترة داكنة تصل إلى خصره، بينما كان مئزر بني طويل يحيط بخصره وينسدل حتى ركبتيه.
ورغم تقدمه في السن، كانت حركاته هادئة ومنظمة، وهو يمسك إحدى قنينات النبيذ بيد، وكأسًا زجاجية باليد الأخرى.
خلفه، اصطفت قنينات النبيذ على رفوف خشبية مثبتة على الجدار.
كانت جميعها ممتلئة، وبعضها قد فُتح حديثًا، بينما كانت رائحة النبيذ تفوح في أرجاء المكان.
ساد المكان ضجيج صاخب.
ضحكات الرجال ارتفعت من حول نومريس، واختلطت بصوت القنينات وهي تصطدم فوق الطاولات، والكؤوس وهي تُرفع وتُطرق على الخشب.
هاهاهاها!
يا رجل، أقول لك إنك كنت مخمورًا لدرجة أنك لم تستطع حتى الوقوف!
وماذا في ذلك؟ لقد تحدثت معها في نهاية!
ماري؟ أحضروا لي ماري!
انفجر الرجال بالضحك.
رفع أحدهم كأسه ووضعه في فم الرجل الذي يتحدث:
هيا! اشرب بدلًا من أن تتحدث كثيرًا!
ضحك رجل آخر وقال:
اتركه، دعه يتحدث. ربما يصدق كذبته في النهاية!
تعالت الضحكات من جديد.
أما العجوز، فظل يتنقل بينهم بهدوء، يملأ الكؤوس واحدة تلو الأخرى، وكأن هذا الضجيج لم يكن يعنيه.
وبينما كان الجميع منشغلين بالشراب والضحك…
ظل نومريس جالسًا في مكانه.
صامتًا.
لم يرفع رأسه، ولم يشاركهم الضحك.
كان ذهنه عالقًا في شيء آخر تمامًا.
أمسك نومريس بكأسه، وأراد أن يشرب، لكنه توقف عندما اكتشف أنه فارغ.
وضعه أمامه، ثم دفعه قليلًا باتجاه النادل.
نظر النادل إلى الكأس، ثم رفع عينيه نحو نومريس.
دامل، أليس كذلك؟
أومأ نومريس برأسه دون أن يتحدث.
أمسك النادل القنينة، وبدأ يملأ الكأس ببطء.
ظل نومريس يراقب السائل وهو يرتفع داخل الكأس.
وحين امتلأ، أعاد النادل القنينة إلى مكانها والتفت ليبتعد.
انتظر…
توقف النادل.
كان صوت نومريس منخفضًا.
أمسك نومريس الكأس، ثم رفعه إلى فمه وشربه دفعة واحدة.
وضع الكأس أمامه مرة أخرى، ودفعه نحو النادل.
هل تريد المزيد؟
سأل النادل.
هز نومريس رأسه.
ثم وضع رأسه على القطعة الخشبية أمامه، وظل يراقب الكأس.
كانت عيناه معلقتين به…
لكن عقله كان في مكان آخر.
تذكر نومريس ما حدث ليلة أمس.
أطفال…
من نفس عرقه.
كانوا ملقين على الأرض، وقد تحولت أجسادهم الصغيرة إلى أشلاء.
كانت الدماء تملأ الغرفة.
والنيران تلتهم كل شيء من حولهم.
هل هكذا يسير العالم…؟
ترددت كلماته داخل رأسه.
لم يكن هناك مجيب.
خفض نومريس عينيه.
ظل صامتًا للحظات.
هل يقتل القوي الضعيف فقط لأنه يستطيع؟
لم يجد نومريس جوابًا.
بالأمس…
كان هو أيضًا مستعدًا لقتل ذلك الرجل.
ولم يتردد.
لكن…
هل كنت مختلفًا عنه؟
توقفت أفكاره للحظة.
ذلك الرجل قتل الأطفال لأنه أراد ذلك.
أما أنا…
فقد قتلته لأنه كان يحاول قتل طفل.
هل يجعل ذلك الأمر مختلفًا؟
ظل نومريس صامتًا.
لم يكن يعرف.
وللمرة الأولى، لم يكن أكثر ما يخيفه هو العالم من حوله…
بل الإجابة التي قد يجدها عندما يبدأ بالنظر إلى نفسه.
يا لي من شخص تافه…
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه نومريس.
بعد كل ما مررت به…
ما زلت أظن أن العالم يمكن فهمه كما كنت أظنه وأنا صغير.
يا لها من مهزلة…
اعتدل نومريس في جلسته.
أمسك الكأس ورفعه إلى فمه.
ثم شربه دفعة واحدة.
أنزله بقوة حتى ترددت ضربة داخل الحانة.
عليّ أن أستفيق.
العالم لم يكن يومًا كما ظننته…
ولن يكون.
—
فتح نومريس باب المنزل ودخل.
وجد فورتكس جالسًا في مكانه، يحتسي كوبًا من القهوة، بينما كانت ورقة مطوية بين أصابعه.
رفع فورتكس عينيه نحوه.
هل استرحت قليلًا؟
هز نومريس كتفيه بلا اهتمام.
ماذا لدينا؟
وقعت عينا نومريس على الورقة في يد فورتكس.
رفع فورتكس الورقة قليلًا، ثم قال:
آه، تقصد هذه؟
أومأ نومريس.
هذه رسالة من مارغريت. تسأل عن مجريات المهمة.
جلس نومريس على الكرسي المقابل، ثم قال:
أي مجريات؟ نحن لم نفعل شيئًا.
أخذ فورتكس رشفة من قهوته، ثم وضع الكوب جانبًا.
صحيح… لكننا سنفعل الليلة.
اتسعت عينا نومريس قليلًا.
اليوم هو يوم المهمة؟
أومأ فورتكس.
نعم.
لقد تأخرنا كثيرًا. وكلما تأخرنا أكثر، دفع أشخاص آخرون الثمن.
صمت لحظة، ثم تابع:
بالأمس كان دار الأيتام… واليوم قد يكون مكانًا آخر.
ذلك الوغد… لماذا استهدف دار الأيتام؟
نظر فورتكس إليه.
ألم تتذكر ما قاله الحارسان أمس؟
المستهدف كان ابنة عائلة نيفيس… سيليستيا.
سيليستيا…
كرر نومريس الاسم بصوت خافت.
نعم.
هي أصغر شخص في المملكة يمتلك مؤسسة باسمها. بحثت عنها كثيرًا، واكتشفت أنها كانت تنتقد ذلك السجن باستمرار.
دار الأيتام التي أسستها كانت تهدف إلى حماية الأطفال ومساعدتهم على الخروج من ذلك المكان.
توقف فورتكس للحظة، ثم أضاف:
وقد رأيت بنفسك… كان معظمهم من عرقك.
خفض نومريس عينيه.
لابد أنه استغل موت والدها ليبدأ بالتحرك.
نذل…
لا تقلق.
قال فورتكس بهدوء.
اليوم سيكون يومه الأخير.
رفع نومريس عينيه إليه، وظل يحدق فيه للحظات.
ثم سأل:
متى سننطلق؟
ابتسم فورتكس ابتسامة خفيفة.
لماذا كل هذه العجلة؟
لقد قلت لك، اليوم هو يومه الأخير.
دعْه يستمتع قليلًا بما فعله…
فلن يحصل على فرصة أخرى للاستمتاع بوقته.
تغير تعبير نومريس، وضاقت عيناه.
لماذا تبدو بهذا الوجه؟
ضحك فورتكس بخفة.
حسنًا… هناك شيء آخر أريد إخبارك به.
رفع الورقة التي كانت في يده.
هذه الرسالة…
ماذا عنها؟
ألقى فورتكس نظرة على الورقة، ثم قال:
اليوم ستصله دفعة جديدة من العبيد… مخصصة للنبلاء.
صمت نومريس.
لكن فورتكس تابع:
وهذا ليس كل شيء.
هناك شيء آخر وصلني عنه.
ما هو؟
إنه على وشك إبرام صفقة.
صفقة؟
استمع نومريس باهتمام. من نبرة فورتكس، بدا واضحًا أن الأمر هذه المرة مختلف.
صفقة ماذا؟
لقد أخبرتك من قبل…
ذلك الوغد لا يتاجر بالعبيد فقط.
إنه يتاجر بأعضاء البشر كذلك.
نهاية الفصل