لم يتحرك أحد.
جلس المشترون الثلاثة أمام القضبان، بينما بقي التاجر واقفًا إلى جوارهم، يحمل دفتره الجلدي بيد، ويقلب صفحاته بالأخرى.
كان الصمت الذي خيّم على الزنزانة أثقل من أي ضجيج سبقَه.
لم يكن الأسرى بحاجة إلى الكلام.
كانت عيونهم تقول كل شيء.
كيف يمكن لبشر أن ينظر إلى بشر آخر بهذه الطريقة؟
كيف يمكن لحياة كاملة أن تتحول إلى مجرد اسم يُسجَّل في دفتر، ثم يُحدد لها سعر؟
كانوا ينتظرون.
ينتظرون اللحظة التي سيشير فيها أحد الرجال إلى شخص منهم، فيُساق بعيدًا عن أهله، عن أبناء قبيلته، وربما عن كل شيء عرفه طوال حياته.
أبقى نومريس عينيه منخفضتين، متجنبًا النظر إلى المشترين.
كان يخشى أن تلتقي عيناه بأحدهم.
كان يخشى أن يراه أحد.
أن يشير إليه.
أن يأتي دوره.
وعلى الجانب الآخر، كانت أمه تحدق فيه.
انسابت الدموع بصمت على خديها، دون أن تحاول مسحها.
لم تكن تبكي على نفسها.
منذ أن دخلوا هذا المكان، لم تعد تهتم بما سيحدث لها.
لكن نومريس…
كان مختلفًا.
كان ابنها.
وكانت فكرة أن يُنتزع منها أشد قسوة من أي شيء يمكن أن يحدث لها.
رفع الرجل العريض رأسه.
جالت عيناه بين الأسرى ببطء، بينما أخذ يسير أمام القضبان، خطوة بعد أخرى، يتفحص الوجوه والأجساد كما لو كان يختار شيئًا من بين مجموعة بضائع معروضة أمامه.
توقف.
استقرت عيناه على شاب يجلس بالقرب من الجدار.
أشار إليه بإصبعه.
«هذا.»
ساد توتر خافت بين الأسرى.
تقدم التاجر نحوه، ثم نظر إلى الشاب قبل أن يلتفت إلى الرجل العريض.
ابتسم.
«اختيار ممتاز. بنيته قوية، وسيكون عونًا لك كثيرًا.»
رفع الشاب عينيه ببطء.
التقت عيناه بعيني الرجل العريض.
ثم بالتاجر.
لم يقل شيئًا.
لم يكن هناك ما يمكن قوله.
فقد كان يعرف، كما عرف الجميع، أن القرار قد اتُّخذ بالفعل.
أعاد التاجر دفتره إلى يده، ثم أدخل يده الأخرى داخل معطفه.
أخرج جرسًا صغيرًا من النحاس.
كان معلقًا بسلسلة قصيرة، وقد بدا قديمًا من كثرة ما استُخدم.
حرّكه التاجر حركة خفيفة.
رن الجرس.
رنّة واحدة.
ثم ساد الصمت من جديد.
لكنها كانت كافية.
لم تمر سوى لحظات حتى سُمع صوت خطوات مسرعة في الممر.
اقترب الصوت بسرعة.
ثم ظهر رجل عند الباب، يلهث قليلًا من أثر الركض.
كانت حلقة سوداء عريضة تحيط بخصره، تتدلى منها مجموعة كبيرة من المفاتيح، أخذت تتصادم مع بعضها مع كل خطوة.
نظر التاجر إليه.
ثم أشار إلى الشاب.
«فك قيده.»
أومأ الحارس.
تقدم نحو الأسير، وجثا أمامه، ثم أمسك بالسلسلة المثبتة إلى ساقه.
أدخل أحد المفاتيح في القفل.
تردّد صوت معدني حاد في الزنزانة.
طَق.
ثم أدار المفتاح.
انفتح القيد.
سقط طرف السلسلة على الأرض بصوت ثقيل.
رفع الشاب ساقه ببطء.
تردد للحظة.
كأنه لم يعد يعرف كيف يشعر دون ثقل الحديد حولها.
قال الرجل العريض:
«خذه.»
أمسك الحارس بذراع الشاب.
قاوم الأخير للحظة.
لم تكن مقاومة حقيقية.
مجرد حركة غريزية من جسد يرفض أن يُقاد إلى المجهول.
لكن الحارس ضربه على كتفه.
«تحرك.»
خفض الشاب رأسه.
بدت ملامح العجز واضحة على وجهه، بينما اقتاده الحارس نحو الباب.
تعلقت عيناه للحظة بالوجوه خلف القضبان.
وكأنه يبحث عن وجه يعرفه.
توقف بصره.
التقت عيناه بعيني نومريس.
اتسعت عيناه قليلًا.
ظل نومريس يحدق فيه.
أراد أن يقول شيئًا.
أي شيء.
أن يناديه.
لكن الكلمات ماتت قبل أن تصل إلى شفتيه.
لم يستطع حتى أن يرفع يده.
كان جسده كله يرتجف.
مرّ صديقه من أمامه.
ثم اختفى خلف الباب.
أُغلق الباب.
وعاد صوت القفل.
طَق.
خفض نومريس رأسه.
شعر بيديه ترتجفان.
لم يكن يريد أن يُظهر خوفه.
لم يكن يريد أن يجذب انتباههم.
بعد ذلك، اختار الرجل العريض رجلًا آخر.
ثم امرأة.
لم يتوقف طويلًا أمام أيٍّ منهما.
كان يشير فقط، والتاجر يسجل، والحارس يفتح الأقفال.
كل شيء كان يحدث بسرعة مخيفة.
رجل يُختار.
صوت مفتاح.
صليل سلسلة.
ثم باب يُفتح ويُغلق.
واحدًا تلو الآخر، بدأت الوجوه تختفي من الزنزانة.
أما الباقون، فكانوا يتابعون المشهد بصمت، وكأنهم يخشون أن تتحرك أعينهم أكثر مما ينبغي، فيلتقطها أحد المشترين.
ثم جاء دور الرجل الشاب.
رفع رأسه.
جالت عيناه بين الأسرى، قبل أن تستقرا على فتاتين تجلسان متجاورتين بالقرب من الجدار.
أشار إليهما.
«هاتان.»
رفع التاجر حاجبه.
«كلتاهما؟»
«نعم.»
أومأ التاجر، ثم دوّن شيئًا في دفتره.
لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى فُتحت أقفالهما، واقتيدتا خارج الزنزانة.
فتاتان أخريان اختفتا خلف الباب.
وبقي الباقون.
كان نومريس بينهم.
منذ أن بدأ الاختيار، لم يرفع عينيه عن الأرض تقريبًا.
كان قلبه يخفق بعنف.
نبضة.
ثم أخرى.
حتى أصبح يشعر بأن القفص الصدري نفسه يضيق حوله.
حاول أن يتنفس ببطء.
لم ينجح.
كان يعرف أن دوره سيأتي.
ربما الآن.
ربما بعد لحظات.
وربما بعد شخص آخر.
لكن فكرة أن أحدهم قد يشير إليه كانت تلتهمه من الداخل.
اقترب دور الرجل النحيف.
رفع رأسه ببطء.
ساد الصمت.
حتى التاجر توقف عن تقليب صفحات دفتره.
تجولت عينا الرجل النحيف بين الأسرى.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
شعر نومريس بأن نبضه تسارع أكثر.
خفض رأسه حتى كاد جبينه يلامس ركبتيه.
لا تنظر إليّ.
فقط لا تنظر إليّ.
حاول أن يجعل نفسه غير مرئي.
وبجواره، التفت أحد الأسرى نحوه.
كان شابًا يجلس على مقربة منه.
نظر إليه بدهشة.
«ما بك؟»
لم يجب نومريس.
كانت أنفاسه قصيرة ومتقطعة.
وضع الشاب يده على صدره، وكأنه يحاول تهدئة نفسه.
ثم تمتم:
«إنه قلبك…»
لم يرد نومريس.
كان يشعر بنبضاته تضرب صدره بقوة حتى خُيّل إليه أن الجميع يسمعها.
ثم جاء الصوت.
صوت الرجل النحيف.
«أريد ذلك الفتى.»
تجمد نومريس.
لم يرفع رأسه.
لا.
ربما لم يكن يقصده.
ربما كان يتحدث عن شخص آخر.
ظل ساكنًا.
ثم سمع التاجر يسأل:
«أي فتى؟»
جاءت الإجابة:
«الذي هناك.»
توقف نفس نومريس.
لم يجرؤ على النظر.
لكن شيئًا داخله أخبره.
إنه أنا.
لا…
لا، ليس أنا.
ثم سمع صوتًا آخر.
صوتًا يعرفه أكثر من أي صوت في هذا العالم.
صوت أمه.
«لا…»
ارتجف جسده.
رفع رأسه ببطء.
كانت أمه تنظر إلى الرجل النحيف، ثم إليه.
كانت الدموع تنساب على خديها.
قالت بصوت متكسر:
«لا تأخذوه مني… أرجوكم.»
ثم أشارت إليه بيد مرتجفة.
«هو… ابني.»
تبع نومريس نظراتها.
ثم نظر إلى الرجل النحيف.
إلى التاجر.
إلى الحارس الذي بدأ يقترب منه.
وعندها فقط فهم.
لقد اختاروه.
لقد اختاروه هو.
«أمي…»
خرجت الكلمة من فمه كأنها آخر شيء بقي له من القدرة على الكلام.
ظهرت على وجه أمه نظرة لم يرها من قبل.
لم تكن مجرد حزن.
كانت نظرة شخص أدرك أن الشيء الوحيد الذي ما زال يربطه بالحياة يُنتزع منه أمام عينيه.
«لا.»
هزت رأسها.
«أرجوكم… لا تأخذوه.»
اقترب الحارس من نومريس.
بدأت السلسلة حول ساقه ترتجف مع ارتعاش جسده.
«اهدأ.»
لم يسمعه نومريس.
انحنى الحارس وأمسك بالقفل.
أدخل المفتاح.
توقف للحظة.
ثم أدارَه.
طَق.
انفتح القيد.
سقطت السلسلة على الأرض.
صليل…
وفي اللحظة نفسها، ارتفع صوت آخر من الجهة المقابلة.
صليل عنيف.
كانت أم نومريس تشد سلسلتها بكل قوتها.
«لا!»
صرخت.
«لا تأخذوه مني!»
حاولت التحرك نحوه، لكن القيد شدها إلى الخلف.
لم تتوقف.
بدأت تزحف فوق الأرض الحجرية، وهي تمد يدها نحوه.
«أرجوكم!»
لم يلتفت أحد من المشترين إليها.
أما التاجر، فبقي واقفًا في مكانه.
تقدمت نحوه.
أمسكت بقدمه بكلتا يديها.
«أرجوك…»
كانت تبكي.
«لا تأخذه مني.»
حاول التاجر سحب قدمه.
«ابتعدي.»
لكنها تشبثت به أكثر.
«خذني معه.»
ارتجف صوتها.
«يمكنني العمل… أستطيع القيام بكل شيء.»
رفعت وجهها إليه.
«في البيت… في المزرعة… في رعي الأغنام… أي شيء تطلبه مني سأفعله.»
شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها.
«فقط لا تأخذه بعيدًا عني.»
نظر التاجر إليها باشمئزاز.
«اتركيني، هذا مقزز.»
هزت رأسها.
«أرجوك…»
حاولت الإمساك بثوبه هذه المرة.
أبعد يدها.
فعادت وتمسكت به.
«أرجوك… إنه كل ما تبقى لي.»
كان نومريس يحدق بها.
لم يستطع الحركة.
لم يستطع التفكير.
لم يرَ شيئًا سوى أمه.
المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.
المرأة التي كانت تضع الطعام أمامه.
المرأة التي كانت تبعد شعره عن عينيه.
كانت الآن على الأرض.
تبكي.
وتتوسل إلى رجل غريب كي يسمح لها بالبقاء مع ابنها.
«أمي…»
خرج صوته خافتًا.
لم تسمعه.
«أمي…»
حاول أن يقترب منها.
لكن الحارس أمسك بذراعه.
«تحرك.»
قاوم نومريس.
«أمي!»
صرخ هذه المرة.
حاول أن يسحب ذراعه من قبضة الحارس.
لكن الحارس كان أقوى منه.
التفتت أمه إليه.
«نومريس!»
التقت عيناه بعينيها.
للحظة واحدة فقط، بدا العالم كله ساكنًا.
ثم تحرك التاجر.
رفع يده.
وضربها.
كانت الضربة عنيفة.
سقطت أمه على الأرض بلا حركة.
«أمي…»
تجمد نومريس.
ثم اتسعت عيناه.
«أمي!»
اندفع نحوها.
لكن الحارس أمسكه من الخلف، ولف ذراعه حول جسده.
«اتركني!»
بدأ نومريس يقاوم.
«أمي! أمي!»
لم يجب أحد.
حاول أن يلتفت.
كانت أمه لا تزال على الأرض.
شعرها الأبيض مبعثر حول وجهها.
لم تتحرك.
«أمي!»
هذه المرة خرجت الكلمة ممزقة.
شد الحارس قبضته، وجره نحو الباب.
كانت قدما نومريس تنزلقان فوق الأرض الحجرية.
حاول التمسك بأي شيء.
بالحجارة.
بالقضبان.
بالأرض.
لكن يديه لم تجدا شيئًا.
«أمي!»
كان صوته يتردد في الزنزانة.
«أمي!»
ثم مرّ من أمام الباب.
وفي اللحظة الأخيرة، أدار رأسه.
رآها.
كانت ساكنة.
وحيدة.
على الجانب الآخر من القضبان.
ثم أُغلق الباب بينهما.
طَق.
اختفى وجهها.
وبقي نومريس يحدق في الباب.
لم يعد يسمع شيئًا.
لا أصوات المشترين.
ولا صليل السلاسل.
ولا خطوات الحارس.
فقط صدى صوته الأخير ظل عالقًا في رأسه.
أمي.
أمي.
أمي.
ظل الاسم يتردد في رأسه حتى بعد أن ابتعد عن الزنزانة، وحتى بعد أن اختفت صرخاته خلف الأبواب الحديدية.
لم يعرف كم مضى من الوقت.
حين استعاد وعيه بما حوله، كان جالسًا في عربة خشبية ضيقة..
محشورًا بين عدد من الأسرى الذين اختيروا قبله.
كانت العربة متوقفة في أحد أركان السجن، خلف بوابة حديدية عالية، تحيط بها الجدران الحجرية من كل جانب. لم يكن بوسعهم رؤية العالم الخارجي إلا من خلال الفتحات الصغيرة بين ألواح الخشب.
ومن خلالها، كان آخر ما تبقى من ضوء القمر القرمزي يتسلل إلى الداخل.
كان القمر معلقًا خلف سماء غائمة، وقد بدا لونه الأحمر القاتم باهتًا خلف طبقات السحب، كجرح قديم يحاول الاختباء قبل أن يبتلعه الفجر.
لم يكن الليل قد انتهى تمامًا.
لكنه كان يحتضر.
بدأت السماء في الشرق تفقد سوادها شيئًا فشيئًا، بينما تراكمت الغيوم الثقيلة فوق الأفق، تحجب أي أثر للشمس القادمة.
جلس نومريس في أحد أطراف العربة، وظهره مسند إلى الخشب.
لم يتحدث.
لم ينظر إلى أحد.
كان يحدق أمامه بعينين فارغتين، وكأن جزءًا منه لا يزال عالقًا خلف ذلك الباب الحديدي.
أمام أمه.
آخر صورة رآها.
آخر صوت سمعه
كان صدى الكلمة لا يزال يتردد في رأسه.
وبالقرب منه، كان صديقه جالسًا بصمت.
كان أكبر من نومريس بعام واحد فقط، وقد كان من بين الذين اختيروا قبل أن يأتي دور نومريس.
كان يعرف حاله.
لم يحتج إلى السؤال.
فقط نظر إليه للحظات.
ثم خفض عينيه.
كانت عيناه حمراوين، ووجهه متورمًا قليلًا، لكنه لم يحاول إخفاء دموعه.
كانت تنساب بصمت على خديه.
رآه نومريس.
تعلقت عيناه بوجهه للحظة.
شعر بشيء يتحرك في صدره.
حزن.
ألم.
ربما رغبة في مواساته.
لكنه لم يتحرك.
لم يكن يملك شيئًا يقوله.
كيف يمكن لشخص أن يواسي آخر بعدما فقد كلاهما كل شيء؟
أدار نومريس وجهه نحو فتحة صغيرة في جانب العربة.
كانت الجدران الحجرية للسجن ترتفع خلفها كأنها لا نهاية لها.
فوقها أبراج مراقبة غارقة في الضباب، وفي أعلاها حراس يحملون رماحًا طويلة.
لم يكن السجن مجرد مكان تُحتجز فيه أجسادهم.
كان حصنًا.
مكانًا بُني ليمنع حتى فكرة الهرب.
تسللت نسمة باردة عبر الفتحة، حملت معها رائحة الرطوبة والحجر القديم.
ارتجف نومريس قليلًا.
ثم سمع خطوات.
لم تكن خطوات حارس واحد.
كانت هناك خطوتان.
اقترب الصوت من العربة.
توقف.
رفع نومريس عينيه.
ظهر أحد الحراس أمام الباب.
كان الرجل نفسه الذي اقتاد الأسرى إلى هنا.
وبجانبه وقف رجل آخر.
لم يكن يرتدي زي الحراس.
كان يرتدي معطفًا بنيًا طويلًا، يصل إلى ما تحت ركبتيه، وحذاءً جلديًا داكنًا غطته آثار الطين.
وعند خصره كان سيف طويل داخل غمد أسود.
لم يكن مظهره مخيفًا.
بل على العكس.
كان يبدو متكاسلًا بصورة غريبة.
شعره الذهبي كان مبعثرًا قليلًا، وعيناه نصف مغمضتين، كأن نومه انقطع قبل أوانه ولم يكن سعيدًا بذلك.
حدق في العربة لحظات.
ثم تنهد.
فتح الحارس الباب.
صرير الخشب امتزج بصوت الحديد.
قال بصوت حازم:
«لا يتحرك أحد.»
توقف لحظة، ثم أشار إلى الرجل ذي المعطف.
«سيفحصكم فقط.»
لم يجب أحد.
صعد الرجل إلى العربة.
دخل ببطء، ثم وقف أمام أول أسير.
لم يقل شيئًا.
مد يده ووضع كفه على صدر الرجل.
بقي هكذا لثوانٍ معدودة.
ثم سحب يده.
انتقل إلى التالي.
وضع كفه على صدره.
انتظر.
ثم انتقل إلى الذي يليه.
لم يكن الفحص مؤلمًا.
ولم يستخدم الرجل أي أداة.
مجرد لمسة.
ثوانٍ.
ثم ينتقل إلى شخص آخر.
لكن الطريقة التي كان يفحص بها الأسرى جعلت نومريس يراقبه بحذر.
وصل الدور إلى صديقه.
رفع الرجل يده.
تردد صديقه لحظة، ثم سمح له بوضع كفه على صدره.
مرت عدة ثوانٍ.
ثم ابتعد الرجل.
انتقل إلى نومريس.
توقف أمامه.
رفع نومريس عينيه إليه.
لأول مرة، التقت عيناه بعيني الرجل مباشرة.
كانتا عينين ذهبيتين باهتتين، تحملان قدرًا غريبًا من اللامبالاة.
مد الرجل يده.
تردد نومريس.
ثم سمح له.
وضعت الكف على صدره.
شعر نومريس بدفء خفيف ينتقل عبر القماش.
انتظر الرجل.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث.
ثم رفع يده.
لم يقل شيئًا.
وانتقل إلى الأسير التالي.
استمر الفحص حتى وصل إلى آخر شخص في العربة.
ثم قفز الرجل إلى الخارج.
أغلق الحارس الباب خلفه.
تراجع الاثنان بضع خطوات.
ظل نومريس صامتًا، يراقبهما من خلال الفتحات.
سمع الحارس يسأل:
«هل وجدت شيئًا؟»
تنهد الرجل ذو المعطف، وأدخل يديه في جيبيه.
«لا.»
رفع رأسه نحو السماء الغائمة.
«كل شيء على ما يرام.»
ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
«لا أعرف سبب كل هذا الحذر.»
سكت قليلًا.
ثم أضاف:
«لو كان هذا العرق قادرًا فعلًا على إيقاظ جنينه… هل كانوا سيبدون بهذه الحالة البائسة؟»
نظر إلى العربة مرة أخرى.
كانت عيناه تحملان شيئًا من الشفقة هذه المرة، لكنها اختفت سريعًا.
«يا للإزعاج…»
استدار عن العربة.
«ذلك الغبي طلب مني خدمة.»
تثاءب.
«لو كنت أعرف أن هذه هي الخدمة، لما وافقت أصلًا.»
لم يرد الحارس.
بدأ الاثنان بالابتعاد.
أما داخل العربة، فبقي الأسرى صامتين.
لم يفهم نومريس ما الذي كان يعنيه الرجل.
جنين؟
ما الذي كان يتحدث عنه؟
ولماذا كان يتم فحصهم؟
أسئلة كثيرة مرت في ذهنه.
لكنه لم يملك القوة لطرح أي منها.
أعاد رأسه إلى الخشب خلفه.
وأغمض عينيه.
في الخارج، اختفى آخر خيط من ضوء القمر القرمزي خلف الغيوم.
وبدأ الصباح الباهت يزحف فوق السجن.
لم يحمل معه دفء الشمس.
فقط سماء رمادية.
وضبابًا باردًا.
ويومًا جديدًا من الأسر.
نهاية الفصل