سحقًا!
تراجع الرجل مترنحًا، والعرق يتصبب من جبينه. رفع يده أمام أنفه، محاولًا حجب الدخان المتصاعد من الأرضية المشتعلة، بينما راحت ألسنة النار تزحف حول قدميه.
وفجأة اندفعت ريماس نحوه.
لوحت بسيفها بكل قوتها، ثم هوت بضربة مائلة خاطفة.
رفع الرجل سيفه في محاولة لصدها، لكن نصل سيفه لم يصمد أمام الضربة.
انكسر.
وفي اللحظة التالية، ارتطم سيف ريماس بكتفه.
شق النصل اللحم، وسقط الرجل على ركبته وهو يطلق صرخة مدوية ارتج لها الرواق.
آآآآآآآآآه!
تناثرت الدماء على الجدار، واختلطت برائحة الدخان والنار التي بدأت تلتهم المكان.
نظرت إليه ريماس ببرود.
هل تظن أنه من السهل التسلل إلى هذا المكان والخروج منه سالمًا؟
لم يكن الأمر بهذه البساطة التي تخيلتها.
رفع الرجل رأسه بصعوبة، وقد انقبض وجهه من الألم.
اللعنة عليك أيتها العاهرة!
كان عليك أن تفكر قبل أن تجرؤ على الدخول إلى هنا.
ظلت ريماس تحدق فيه للحظات، تراقب ملامحه المشوهة بالغضب، ثم قالت:
من أرسلك إلى هنا؟
اشتعلت عينا الرجل بشرارة كراهية، لكنه لم يجب.
انتظرت ريماس لحظة.
ثم رفعت سيفها.
وبحركة خاطفة، مر النصل أمام عنقه.
شهق الرجل، ثم انطلقت من حلقه غرغرة مكتومة، قبل أن يتدفق الدم بغزارة.
لا وقت لدي لأسئلة أخرى.
أدارت ريماس رأسها.
وفي اللحظة نفسها، تذكرت شيء ما.
الأطفال…
استدارت بسرعة.
—
كان الباب موصدًا، والنار تشتعل في كل مكان حوله.
بوم! بوم! بوم!
كانت الضربات تتوالى على الباب بعنف، لكنه ظل صامدًا.
ومن خلفه، كان بكاء الأطفال يعلو وسط صرخاتهم المذعورة.
أيها الأطفال! ابتعدوا قليلًا!
كان رجل مسن يواصل الاندفاع نحو الباب، يضربه بجسده مرة تلو الأخرى.
إلى جانبه، وقفت امرأة تضع يدها على فمها وهي تبكي، بينما كانت صرخات الأطفال تتعالى خلف الباب.
أيها العم سام!
لم تكن لدى الرجل العجوز القوة الكافية.
بدأ يلهث، وصدره يرتفع ويهبط بعنف، لكنه لم يتوقف.
واصل الاندفاع نحو الباب بكل ما تبقى لديه من قوة.
في الداخل، وقف جميع الصبية فوق أسرّتهم.
كان معظمهم من عرق سومر.
حدقوا في ألسنة النار وهي تزحف عبر الجدار، تقترب منهم شيئًا فشيئًا.
ركض أحد الصبية نحو النافذة.
فتحها بسرعة، ثم حاول أن يطل منها ليرى ما يحدث في الخارج.
لكن في اللحظة التالية اندفعت ألسنة النار فوق رأسه.
صرخ وسقط على مؤخرته.
انتهينا…
قالها أحدهم بصوت مرتجف.
وفجأة…
توقف صوت الضربات.
ساد الصمت.
رفع الجميع رؤوسهم نحو الباب.
لم يعد هناك أي صوت يأتي من خلفه.
أيها العم سام؟
هل ما زلت هناك؟
لم يجب أحد.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم…
بوممممم!
انفجر الباب إلى الداخل بقوة هائلة.
انقسم الخشب إلى نصفين، واندفع الدخان إلى الغرفة.
غطى الأطفال أعينهم بأذرعهم، وتراجع بعضهم مذعورًا.
أيها العم سام!
صرخ أحد الأطفال.
لكن صوته انقطع فجأة.
تغيرت ملامح الجميع.
فمن بين الدخان الكثيف، ظهر ظل رجل عريض المنكبين.
كان يمسك سيفًا بيده اليمنى.
وتعلقت على وجهه ابتسامة هادئة.
خطا الرجل خطوة إلى الأمام.
ثم قال:
لقد وجدتكم أخيرًا… أيها الأطفال.
صليل!
في الجهة الأخرى، ارتفعت أصوات اصطدام السيوف ببعضها، بينما كانت ريماس تخوض مواجهة شرسة مع ستة رجال.
كانوا يهاجمونها من جميع الجهات، محاولين محاصرتها بسيوفهم، لكنها كانت تتحرك بينهم بسرعة وقوة، تصد ضربة وترد بأخرى، وكأنها ذئبة هائجة تدافع عن صغارها.
تراجعت ريماس خطوة، ثم صدت ضربة موجهة إلى جانبها، قبل أن تدور بجسدها وتوجه ضربة سريعة إلى أحد الرجال.
تراجع الرجل وهو يمسك بيده التي سال منها الدم.
هذه الحقيرة… إنها قوية!
صرخ أحدهم.
رفعت ريماس سيفها أمامها، ثم قالت ببرود:
أيها الحمقى… ستدفعون ثمن جرأتكم على مهاجمة هذه المؤسسة.
أنزلت سيفها ببطء.
ثم توقفت.
ساد الصمت للحظات.
كان الرجال الستة يحدقون بها، وأنفاسهم تتسارع بعد الاشتباك.
أغمضت ريماس عينيها قليلًا.
ثم فتحتهما.
تغير شيء في نظرتها.
بدأت تتقدم نحوهم ببطء.
خطوة…
ثم أخرى.
كان وقع قدميها يتردد في المكان، وكلما اقتربت، شعر الرجال بثقل غريب يضغط على صدورهم.
ابتلع أحدهم ريقه وهو يراقبها.
كانت تقترب منه مباشرة.
صرخ محاولًا إخفاء خوفه:
أيتها الحقيرة! أتريدين الموت؟!
اندفع نحوها بكل قوته.
رفع سيفه، واستهدف عنقها مباشرة.
وفي اللحظة التي اقترب فيها منها…
تغير كل شيء.
—
أيتها الحقيرة! أتريدين الموت؟!
اندفع الرجل نفسه من جديد.
نفس الكلمات.
نفس الحركة.
نفس الضربة التي استهدفت عنقها.
لكن هذه المرة، تغيرت ملامح الرجال الخمسة الذين يقفون خلفه.
حدقوا فيه بذهول.
لقد رأوا هذا المشهد من قبل.
وفي اللحظة التالية، سقط الرجال الخمسة خائفين.
اقتربت من الرجل بهدوء، ثم رفعت سيفها.
أيتها الحقيرة، أتريدين…
لم يكمل جملته هذه المرة.
هوى جسده إلى الأرض، بينما ارتفع رأسه في الهواء قبل أن يسقط بعيدًا.
تجمد الرجال الخمسة في أماكنهم.
إنها…
ارتجف صوت أحدهم.
إنها ممسوسة!
اهربوا!
استدار الرجال الخمسة واندفعوا للفرار.
ركضوا بكل ما لديهم، وتفرقوا في اتجاهات مختلفة.
أما أحدهم، فقد ركض بعيدًا عن المكان بأقصى سرعته.
لم يلتفت خلفه.
كان كل ما يريده هو الابتعاد عن تلك الفتاة.
لكن بعد لحظات…
توقف.
نظر حوله.
تغير وجهه.
كان يقف في المكان نفسه الذي بدأ منه.
لا…
استدار وركض في الاتجاه الآخر.
ركض لمسافة طويلة، ثم وجد نفسه في النقطة ذاتها مرة أخرى.
توقف وهو يلهث.
ماذا يحدث؟
نظر حوله.
لم يجد أحدًا.
اختفى الرجال الأربعة الآخرون.
اللعنة!
أين ذهب أولئك الأوغاد؟!
استدار وبدأ يركض من جديد، لكنه عاد إلى النقطة نفسها مرة أخرى.
عندها فقط أدرك الحقيقة.
لم يكن يهرب.
كان يدور في المكان نفسه.
وفجأة…
شعر بيد تمسك شعره من الخلف.
شهق الرجل.
رفعت ريماس رأسه بيدها اليسرى، وشدت شعره بقوة، فأجبرته على إمالة رأسه إلى الخلف.
حاول النظر إليها من جانب عينيه.
كان جسده يرتجف.
لم يعد الغضب في عينيه.
حل الخوف مكانه.
بدأت الدموع تنهمر من عينيه.
الرحمة… يا سيدتي.
لم تجبه ريماس.
أمالت رأسه إلى الخلف قليلًا، حتى ظهر عنقه أمامها بوضوح.
رفعت سيفها.
وبحركة هادئة، مر النصل عبر عنقه.
أطلق الرجل شهقة أخيرة، ثم تدفق الدم من جرحه بغزارة، وتناثر على وجه ريماس.
تركته يسقط على الأرض.
نظرت إلى جسده للحظة، ثم تنهدت.
مع الأسف…
لم يكن بمقدوري حصر الآخرين معه.
ثم استدارت.
واندفعت مسرعة من جديد.
—
تحت الضوء الباهت للقمر القرمزي، كان نومريس وفورتكس يندفعان عبر الأزقة بأقصى سرعة.
اقتربنا؟
سأل نومريس وهو يواصل الركض.
نعم، لم يبقَ الكثير.
أجابه فورتكس، ثم شد قبضته بقوة حتى برزت عروق يده.
هؤلاء الأوغاد يهاجمون أطفالًا صغارًا…
هل يريدون الموت؟
رفع نومريس عينيه إلى الأمام.
كانت نهاية الشارع تقترب.
وبعد لحظات، تجاوز الاثنان آخر منعطف.
لكن ما ظهر أمامهما جعلهما يتوقفان للحظة.
نيران.
نيران هائلة كانت تلتهم المؤسسة بأكملها، وترسل ألسنتها إلى السماء.
انعكست ألوانها المتوهجة داخل عيني نومريس.
لم يكونا وحدهما.
كانت مجموعة كبيرة من الناس متجمعة حول المكان، يحدقون في المشهد بذهول.
تعالت صرخات النساء، بينما اندفع الرجال وهم يحملون الدلاء، محاولين إخماد النيران التي كانت تنتشر بسرعة هائلة.
تبا…
لقد تأخرنا.
تمتم فورتكس.
لكن نومريس لم يجبه.
كان يحدق في إحدى نوافذ الطابق الثاني.
ظل واقفًا لثانية واحدة فقط.
ثم اندفع إلى الأمام.
نومريس! ماذا تفعل؟!
لم يلتفت إليه.
واصل الركض نحو المؤسسة المشتعلة.
حاول أحد رجال الحراسة منعه.
توقف مالذي تحاول فعله!
لكن نومريس تجاوزه دون أن يتوقف، ثم اختفى بين ألسنة اللهب.
تبا!
تنهد فورتكس.
ثم اندفع خلفه.
—
كانت المؤسسة من الداخل غارقة بالكامل في النيران.
ارتفعت درجة الحرارة إلى حد خانق، حتى اضطر نومريس إلى رفع طرف ردائه الأسود وتغطية وجهه.
لم يتوقف.
صعد الدرجات بسرعة، بينما كانت النيران تلتهم الجدران من حوله.
كان الدخان يملأ المكان، والأخشاب المحترقة تتساقط من السقف.
لكن نومريس واصل الصعود.
كان عليه أن يصل إلى الطابق الثاني.
بأسرع وقت ممكن.
—
وقفت ريماس أمام غرفة الأطفال.
لم تتحرك.
اتسعت عيناها الحمراوان، وتجمدت ملامحها أمام المشهد الذي امتد أمامها.
تدفقت الدموع من عينيها دون أن تشعر.
كانت النيران تلتهم جسدي الرجل والمرأة الممددين على الأرض، وقد غطت الدماء ملابسهما.
كانت يد الرجل مقطوعة، بينما استقر ثقب عميق في صدر المرأة التي لم تتجاوز الأربعين.
أما الرجل العجوز، فقد اخترق جسده شيء ما، وتناثرت خصلات شعره الأبيض فوق وجهه الملطخ بالدماء.
ماذا حدث هنا…؟
خرجت الكلمات من فم ريماس بصوت مرتجف، محملة بألم لم تستطع إخفاءه.
رفعت رأسها ببطء.
كان الباب مفتوحًا في الجانب الآخر.
تجاوزت جسدي الرجل والمرأة، ثم دخلت الغرفة.
وهناك…
انقبض قلبها.
أخيرًا وصلتِ.
جاء الصوت من وسط الغرفة.
لقد كنت أنتظرك منذ مدة.
تنفست ريماس بصعوبة.
كانت عيناها تتحركان فوق أرضية الغرفة، وكأنها تبحث عن شيء لم تكن تريد العثور عليه.
ثم تراجعت خطوة.
كانت الدماء تنساب ببطء فوق الأرض، وتتجه نحو قدميها.
هل أنت سعيدة الآن؟
قال الرجل الجالس في منتصف الغرفة.
لو لم تتجاوز سيدتك حدودها كثيرًا، لما حدث كل هذا.
ولكان هذا المكان ينعم بالسلام.
لكن للأسف…
تلك الحقيرة، رغم صغر سنها، كانت مثل شوكة عالقة في الحلق.
تسارعت دقات قلب ريماس.
ظلت تحدق أمامها، غير قادرة على استيعاب ما تراه.
كانت جثث الأطفال مبعثرة في أرجاء الغرفة.
أشلاء صغيرة…
وجوه لم تعد تتحرك…
وأجساد لم يبقَ فيها شيء من الحياة.
ثم لاحظت شيئًا.
صبيًا واحدًا.
كان لا يزال حيًا.
كان في الخامسة عشرة من عمره تقريبًا، جالسًا وسط الجثث، ودموعه تنساب بصمت على وجهه.
وقف الرجل خلفه، ممسكًا برأسه، بينما استقر سيفه عند عنقه.
لم يكن يحتاج سوى إلى حركة بسيطة.
عندها سيتدفق الدم من حلقه.
اتسعت عينا ريماس.
عرفته.
كان أخاها.
أخي…
خرجت الكلمة من شفتيها بصوت يكاد لا يُسمع.
لكنها أسرعت بإكمالها:
لا تقل شيئًا… أرجوك.
فقط اصمت.
لم تكن تريد للرجل أن يعرف الحقيقة.
لو عرف أنه أخوها، فسيستغل الأمر لصالحه لن يتركه حيًا وهي كذلك.
كان نقطة ضعفها الوحيدة.
تدفقت الدموع من عينيها بغزارة.
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
دخل نومريس إلى الغرفة المحترقة.
رفع الرجل رأسه.
تغير تعبير وجهه عندما رأى شخصًا آخر يدخل وسط النيران.
لكن الصبي لم يستطع منع نفسه.
اختي…
خرجت الكلمة من بين شفتيه.
تجمدت ريماس.
وانكمش وجهها، بينما تدفقت المزيد من الدموع على خديها.
ثم…
انفجر الرجل بالضحك.
هاهاهاهاهاها!
أخته؟
إذًا… تلك الفتاة هناك هي أختك؟
نظرت ريماس إلى أخيها بحزن.
ثم أعادت عينيها إلى الرجل.
اتركه.
صرخت، وقد اختلط صوتها بالبكاء والغضب.
هاهاهاهاها!
وماذا لو لم أفعل؟
ضغط الرجل بطرف سيفه على عنق الصبي.
انفتح جرح صغير، وانسابت قطرة من الدم على النصل.
ابتسم الرجل.
هذا ممتع جدًا…
أن أرى الأخت والأخ في مثل هذه الحالة.
نهاية الفصل