ملحمة سليل الخوف الفصل 36 — ملحمة سليل الخوف 36

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 36 — ملحمة سليل الخوف 36 باللغة العربية على مانجا تايم.

كان الليل قد ابتلع الضاحية الجنوبية.

تسلل ضوء القمر القرمزي بين المباني، ملقيًا ظلالًا طويلة على الأزقة الضيقة، بينما غطت السحب جزءًا من السماء، فبدت المدينة وكأنها غارقة في بحر من الدم الباهت.

في أحد الأزقة، تحرك ظلّان بصمت.

كانا يسيران بمحاذاة الجدران، يختبئان كلما مر أحد في الشارع، ويتوقفان للحظات قبل أن يتابعا طريقهما.

لم يصدر عن خطواتهما سوى صوت خافت بالكاد يُسمع.

توقف أحدهما عند زاوية أحد المباني، ثم أطل برأسه بحذر.

كان الشارع أمامه مضاءً بضوء المصابيح الزيتية المعلقة على الجدران، وانتشر عدد من الحراس في المنطقة، بعضهم يقف عند المداخل، بينما كان آخرون يجوبون الشوارع بانتظام.

ظل يراقبهم للحظات.

ثم تراجع إلى الظلام.

جنود الكنيسة أكثر مما توقعت.

همس الآخر:

هل يمكننا تحرك؟

نعم.

إذًا تحرك.

انتظرا حتى ابتعد أحد الحراس، ثم عبرا الشارع بسرعة واختفيا خلف مبنى آخر.

مرا لتوهم خلف كنيسة ضخمة وفوقهما، كان القمر القرمزي يراقب المدينة بصمت.

لم يكن الليل هادئًا كما بدا.

كان شيء ما يجري في الخفاء.

وشخصان فقط كانا يعرفان إلى أين يقودهما ذلك الطريق.

تقدم الظلان بين الأزقة الضيقة، مستغلين ظلمة الليل والمباني المتراصة لإخفاء حركتهما.

كلما ظهر حارس في نهاية أحد الشوارع، توقفا في مكانهما، والتصقا بالجدار حتى يمر من أمامهما.

كان ضوء المصابيح الزيتية يتراقص على الجدران، فيكشف أجزاءً من الطريق ثم يعيدها إلى الظلام.

وفي الأعلى، ظل القمر القرمزي معلقًا في السماء، يلقي ضوءه الباهت على أسطح المباني.

اقترب أحد الحراس من الزقاق.

تبادل الظلان نظرة سريعة.

ثم تراجع أحدهما إلى الخلف، واختفى خلف كومة من الصناديق الخشبية، بينما انحنى الآخر حتى كاد جسده يلامس الأرض.

مر الحارس بالقرب منهما.

توقفت خطواته للحظة.

رفع رأسه ونظر حوله.

ظل الظلان بلا حركة.

وبعد لحظات، تابع الحارس طريقه.

انتظر الاثنان حتى ابتعد صوته تمامًا، ثم واصلا التقدم.

بعد عدة دقائق، وصلا إلى سور حجري مرتفع.

خلفه ظهرت مباني سجن العبيد، وقد أحاطت بها أضواء خافتة وحراس يقفون عند المداخل.

توقف أحد الظلين ونظر إلى الأعلى.

كان السور مرتفعًا، وفوقه صف من القضبان الحديدية.

قال الآخر بصوت خافت:

من هنا؟

أشار رفيقه إلى سطح المبنى المقابل.

هناك.

ثم تراجع بضع خطوات.

وفي اللحظة التالية، اندفع نحو الجدار وقفز.

وضع قدمه على حافة حجرية بارزة، ثم دفع جسده إلى الأعلى، وأمسك بالحافة العليا للسور.

تبعته عيناه للحظة، ثم قفز الآخر خلفه.

هبطا فوق السور دون أن يصدر عنهما سوى صوت خافت.

تواريا خلف الحاجز الحجري، وأخذ كل منهما يراقب الساحة الداخلية.

كان عدد من الحراس يتحركون بين المباني، بينما وقف آخرون بالقرب من الأبواب الحديدية.

وفي وسط الساحة، كان سجن العبيد غارقًا في صمت ثقيل.

نظر أحدهما إلى الآخر.

ثم أشار إلى الجانب الآخر من السور.

تحركا.

تقدما فوق السور بخطوات حذرة، ثم قفزا إلى سطح مبنى قريب.

انحنى أحدهما، وأخذ يراقب الحراس من خلف حافة السطح.

واحد… اثنان… ثلاثة…

انتظر.

تحرك الحارس الثالث بعيدًا.

الآن.

قفزا من السطح إلى سطح آخر، ثم نزلا خلف أحد المباني.

وبقي الطريق إلى سجن العبيد أمامهما.

كان القمر القرمزي ينعكس على قضبان النوافذ الحديدية، بينما امتدت ظلالهما فوق الأرض للحظات قبل أن تبتلعها العتمة من جديد.

لم يعرف أحد بوجودهما.

ولم يكن الحراس يعلمون أن شخصين قد دخلا بالفعل إلى المكان الذي لا يُسمح لأحد بدخوله دون إذن.

لم يكن هذان الظلان سوى نومريس وفورتكس.

كان هذا هو يوم مهمتهما.

توقفا خلف أحد الجدران، ينتظران اللحظة المناسبة للتحرك، لكن الحارسين القريبين منهما لم يبدوا أي اهتمام بعملهما.

كانا يقفان في منتصف الطريق، يحمل كل منهما كأسًا من النبيذ، ويتبادلان الضحكات بصوت مرتفع.

قال أحد الحارسين وهو يحدق في رفيقه:

لأصدقك القول، سأحزن إن حزنت… فأنا مغرم بها كثيرًا.

هاهاها!

أطلق الحارس الآخر ضحكة قوية، ثم قال:

إذا كنت كذلك، فأنت لست وحدك.

ماذا؟ هل أنت أيضًا مغرم بها؟

انفجر الرجلان بالضحك، وهما يراقبان ملامح بعضهما.

ثم قال أحدهما:

لكن للأسف، لقد اعترضت طريق الرجل الخطأ. كم تظن أنهم سيموتون اليوم داخل تلك المؤسسة؟

كان نومريس وفورتكس يسمعان كلمات الحارسين بوضوح، فقد كانا قريبين منهما بما يكفي لالتقاط كل كلمة.

ساد الذهول وجه فورتكس.

عن ماذا يتحدث هذان الأحمقان؟

واصل أحد الحارسين حديثه وهو يرفع كأسه:

هاهاها… تريد تغيير نظام المملكة؟ العالم كله يسير وفق هذا النظام. الحياة لن تكون سهلة من دون عبيد.

تريد حريتهم؟

حسنًا…

الرئيس سيمنحهم حريتهم.

وهي الموت.

مؤسسة بلا… بلا…

توقف لحظة، وكأنه يحاول تذكر الاسم، ثم بدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة.

ضحك رفيقه وقال:

مؤسسة نيفيس… أحضان دافئة.

يا له من اسم غريب.

ثم ارتشف من كأسه وأضاف:

لكن للأسف، كل شيء سيصبح رمادًا في الغد.

ظل نومريس صامتًا للحظات.

كان يفكر في كلمات الحارسين، ثم ألقى نظرة سريعة نحو فورتكس.

يبدو أنهم على وشك فعل شيء.

أعلم.

تمتم فورتكس، ثم أضاف:

علينا العودة. سنؤجل هذه المهمة إلى يوم آخر.

هل أنت متأكد؟

استفسر نومريس بصوت خافت.

نعم. أنا أعلم ما أقول.

هيا بنا.

تراجع الظلان بهدوء، ثم اختفيا بين الأزقة كما ظهرا، دون أن يجذبا أي انتباه.

وفي الجهة الشرقية من المدينة، على بعد ثلاثة كيلومترات من الضاحية الجنوبية، كان الليل أكثر هدوءًا.

كان حي الأنوار غارقا في السكون، لا يُسمع فيها سوى أصوات الرياح وهي تمر بين المباني، ونباح بعيد يتردد بين الأزقة من حين إلى آخر.

جلست ريماس قرب نافذة غرفتها، وقد أسندت ظهرها إلى المقعد الخشبي، بينما تسلل ضوء القمر القرمزي الباهت من بين ستائر النافذة وألقى على وجهها مسحة حمراء خافتة.

ظلت تحدق في الخارج بصمت.

كانت المدينة تبدو مختلفة من هنا.

هادئة…

ساكنة…

وكأن شيئًا لا يحدث خلف تلك الجدران.

أخذت تراقب القمر المعلق فوق أسطح المنازل.

كان ضوءه القرمزي ينساب إلى الغرفة ببطء، فيلامس الأرضية الخشبية وأطراف الأثاث، قبل أن يتلاشى في زوايا الغرفة المظلمة.

لكن ريماس لم تكن تشعر بالهدوء.

كان هناك شيء ما يثقل صدرها، إحساس غامض لم تستطع تفسيره.

أبعدت عينيها عن النافذة للحظة، ثم عادت لتنظر إلى الخارج.

سيدة سيليستيا… للحصول على قدرتك، لا بد أن تدفعي ثمنًا.

لكنني أتساءل…

ما الذي سيكون ثمن قدرتك؟

أتمنى أن يكون شيئًا بسيطًا بالنسبة إليك.

وأيضا أن تكوني بخير، فأنت أمل الكثير من الأشخاص.

ثم وجهت ريماس نظراتها إلى الجدار المقابل لها.

خلف ذلك الجدار كانت توجد غرفة واسعة، تمتد فيها صفوف طويلة من الأسرة الخشبية.

كان قرابة ثلاثين شخصًا يغطون في نوم عميق، تتراوح أعمارهم بين الخامسة والخامسة عشرة.

بعضهم كان يتقلب في نومه بين الحين والآخر، بينما ظل آخرون ساكنين تمامًا، لا يُسمع منهم سوى أنفاسهم الهادئة التي ملأت الغرفة بصوت خافت ومتواصل.

كانت البطانيات تغطي أجسادهم الصغيرة، وقد بدت وجوههم البريئة هادئة تحت ضوء المصابيح الخافت.

توقفت ريماس للحظات، وكأنها تستطيع رؤية الغرفة من خلال الجدار.

ثم خفضت عينيها قليلًا، عادت أفكارها إلى سيليستيا.

عودي بخير نحن ننتظرك.

في الخارج، وعلى بعد عشرة أمتار من هذه المؤسسة الصغيرة، كانت تقف مجموعة من الرجال في ظلال أحد المباني.

كانوا قرابة عشرة أشخاص، يتقدمهم رجل ضخم البنية، عريض الكتفين، يرتدي معطفًا أسود طويلًا يخفي معظم جسده.

وقف الرجل صامتًا، يحدق في المؤسسة بعينين باردتين.

خلفه، حمل الرجال أوعية معدنية صغيرة، وجرارًا مملوءة بمادة قابلة للاشتعال، إلى جانب قطع من القماش ملفوفة حول عصي قصيرة.

كان أحدهم يحمل صندوقًا خشبيًا مليئًا بالزجاجات، بينما حمل آخر حزمة من القماش والزيت.

تحركوا بصمت، وتبادلوا الإشارات بدلًا من الكلام، وكأنهم نفذوا مثل هذه المهمة من قبل.

رفع الرجل الضخم يده، فتوقف الجميع في أماكنهم.

نظر إلى المؤسسة مرة أخرى.

كانت النوافذ مضاءة بضوء خافت، ولم يكن أحد في الداخل يعلم بوجودهم.

ثم خفض يده ببطء.

بدأ الرجال بالانتشار حول المبنى، وكل واحد منهم يحمل ما يكفي لإشعال النيران في أكثر من موضع.

وفي تلك اللحظة وقفت ريماس من على كرسيها مستشعرة بذلك الخطر المتمركز خلف الجدران وضعت يدها على مقبض سيفها ثم ركضت بسرعة.

تفرق الرجال بسرعة، وانطلق كل واحد منهم نحو المكان المحدد له.

اتجه بعضهم إلى النوافذ، بينما بدأ آخرون بإعداد المواد القابلة للاشتعال حول المبنى. وفي الوقت نفسه، تسلل عدد منهم إلى الداخل، مستغلين الأبواب الجانبية.

أما الرجل الضخم، فبقي في الخارج يراقب تحركاتهم بصمت.

اندفعت ريماس عبر الممر المؤدي إلى الجهة الخلفية للمؤسسة، وقد أمسكت بمقبض سيفها بقوة.

لم تكن تعرف من هؤلاء الرجال، ولا ما الذي يخططون له، لكنها أدركت شيئًا واحدًا.

إنهم يستهدفون المؤسسة.

توقفت فجأة عندما لمحت رجلًا يقف بجانب أحد الجدران.

كان يمسك بجرّة صغيرة، ثم رفعها وضربها بقوة على الأرض.

تحطمت الجرّة، وانسكب الزيت على الأرض وامتد بمحاذاة الجدار.

ثبتت ريماس في مكانها، وحدقت فيه لثوانٍ.

ثم قالت ببرود:

من أنت؟ وماذا تفعل؟

التفت الرجل إليها لم يشعر بقدومها.

تجمد للحظة، قبل أن تتبدل ملامحه إلى ابتسامة ساخرة.

موتك أيتها العبدة.

نهاية الفصل