الضاحية الجنوبية، شارع رقم 4
داخل سجن العبيد، وقف فورتكس إلى جانب أحد الحراس، يراقبان صفوف العبيد المقيدين خلف القضبان.
قال الحارس وهو يشير إليهم:
هذه دفعة وصلت قبل سبعة أيام. كان صاحبها برادو جون. كما ترى، العبيد في حالة جيدة، ولم يتعرضوا لأي أذى.
دقق فورتكس النظر في المسجونين.
كانوا في حالة يرثى لها من الناحية النفسية. بعضهم يبكي بصمت، وبعضهم يصرخ مطالبًا بإطلاق سراحه، بينما ظل آخرون يحدقون في الفراغ أو يراقبون ما حولهم بعيون خاوية.
سأل فورتكس:
كم من الوقت قد يبقى العبد داخل السجن قبل أن يتم بيعه؟
هز الحارس رأسه.
أظن أن اطول فترة، ظل أحد العبيد لأكثر من شهر. أنت تعرف كيف تسير الأمور هنا… بعض العبيد يذهبون، وآخرون يصلون مكانهم.
نظر فورتكس إلى الصفوف الممتدة خلف القضبان.
هناك الكثير من العبيد.
نعم. كانت هذه الدفعة كبيرة، والدفعة القادمة ستكون أكبر. هذا ما سمعته.
متى ستصل؟
آه… أنسى؟
ثم أضاف الحارس:
لدينا أيضًا دفعة من عرق سومر. وبشر مثلنا، كما تعلم.
ظل فورتكس صامتًا للحظات.
ثم قال:
أظن أن عليّ التفكير في الأمر مطولًا. آخر مرة اشتريت فيها أحدهم، لم تكن التجربة مرضية بالنسبة لي.
ابتسم الحارس ابتسامة خفيفة.
لا مشكلة. خذ وقتك.
وقبل أن يواصل فورتكس حديثه، لمح الحارس رجلًا يمر بالقرب منهما.
انحنى الرجل بسرعة وقال:
مرحبًا، سيد برادو.
رفع فورتكس بصره نحوه.
كان الرجل أشقر الشعر، وعلى وجهه ندبة واضحة تمتد بالقرب من عينه.
أما برادو، فلم يلقِ حتى نظرة على الحارس.
واصل سيره بهدوء، وكأنهما لم يكونا موجودين أصلًا.
تبع فورتكس الرجل بعينيه لبضع ثوانٍ.
ثم ضيّق عينيه قليلًا.
راقب فورتكس الرجل حتى اختفى عن أنظاره، ثم جال بعينيه في أرجاء السجن مرة أخرى.
كان قد تفحص المكان منذ لحظة دخوله، محاولًا حفظ تفاصيله، بينما بقيت حقيبته في يده.
قال:
أظن أنني سأنتظر الدفعة القادمة. وربما أعود غدًا.
قال الحارس:
خذ وقتك، لكن عليك أن تأتي مبكرًا. البضاعة الجيدة لا تبقى طويلًا.
نظر فورتكس إليه للحظة، ثم ألقى نظرة أخيرة نحو الرجل الذي غادر قبل قليل.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
معك حق. سأحرص على أن أكون أول من يصل.
ثم أطلق ضحكة ساخرة، واتجه نحو المخرج.
وقبل أن يخطو إلى الخارج، دخل صاحب السجن برفقة أحد الرجال، وكانا يتبادلان الضحكات فيما بينهما.
انحنى الحارس بسرعة لتحيتهما.
أما فورتكس، فمرّ بالقرب منهما، وألقى نظرة سريعة على ظهر الرجل الذي كان يحمل سوطًا في إحدى يديه، ودفترًا في الأخرى.
توقف للحظة.
كان هدفه أمامه مباشرة.
لم يكن عليه أن يفعل شيئًا الآن.
لكل شيء وقته تمتم فورتكس
ثم تابع طريقه وغادر السجن.
الضاحية الجنوبية، شارع رقم 5
واصل نومريس سيره باتجاه النزل الذي يقيم فيه.
كان يخفي نفسه تحت رداء الأسود الذي كان يلف حوله سيفه، بينما كان صوت أنفاسه المتقطعة واضحًا في الشارع. كان فمه ممتلئًا بالدم، وقد ترك الهجوم المفاجئ أثرًا واضحًا على جسده.
من هذا الشخص الذي هاجمني؟
وكأنه كان يريد قتلي…
لكن لماذا لم يظهر؟ ولماذا اكتفى بتوجيه ضربتين فقط؟
هل كان ينوي قتلي فعلًا؟
لكن… لماذا؟
تخبطت الأفكار في رأس نومريس، ولم يجد أي دليل يفسر سبب مهاجمته في وضح النهار.
توقف للحظة.
هل عليّ العودة إلى النزل الآن؟
ربما أكون مراقبًا… وربما يتبعني أحدهم.
لكن ماذا يمكنني أن أفعل إن لم أعد إلى النزل؟
ظل واقفًا للحظات، محاصرًا بين الاحتمالات.
في النهاية، لم يعد جسده يسمح له بالمزيد من التفكير.
كان عليه أن يعود.
تابع نومريس سيره، متجاهلًا الألم الذي كان يزداد مع كل خطوة.
وبعد ساعتين…
فتح فورتكس باب الغرفة.
تجمد في مكانه.
كان نومريس ملقى على الأرض، وبالقرب من فمه كمية من الدم، كما لو أنه تقيأها قبل أن يفقد وعيه.
ما الذي حدث هنا؟
اندفع فورتكس نحوه، ثم أمسك بكتفه وهزه.
نومريس؟
لم يتلقَّ أي استجابة، راقب محيطه.
ثم حمله ووضعه على السرير، مسح الدم عن فمه بطرف ردائه الأسود.
ظل يراقبه للحظات.
ماذا حدث لهذا الصبي؟
وفجأة، لمح شيئًا ملقى على الأرض خلفه.
السيف الأسود.
اقترب فورتكس منه، ثم انحنى والتقطه من الأرض.
وفي اللحظة التي أغلقت فيها أصابعه حول المقبض، تجمد مكانه.
سرت قشعريرة باردة من كفه إلى ذراعه، ثم امتدت عبر جسده كله.
توقفت أنفاسه للحظة.
لم يكن الألم هو ما شعر به…
بل شيء آخر.
إحساس غريب، ثقيل، تسلل إلى أعماقه دون أن يعرف مصدره.
تراجع فورتكس خطوة، وعيناه مثبتتان على السيف.
ما هذا…؟
حاول أن يثبت يده، لكنه شعر بأن جسده يرفض الاحتفاظ به.
ترك السيف فجأة.
ارتطم بالأرض، فدوّى صوت معدني خافت في الغرفة.
ظل فورتكس يحدق فيه.
لم يتحرك.
لسبب لم يفهمه، شعر وكأن شيئًا كان يراقبه من خلف ذلك السواد.
ابتلع ريقه، ثم نظر إلى يده التي أمسك بها السيف قبل لحظات.
كانت ترتجف قليلًا.
ما الذي حدث للتو…؟
رفع عينيه نحو نومريس.
كان الفتى لا يزال فاقدًا للوعي، غير مدرك لما يحدث حوله.
عاد فورتكس بنظره إلى السيف.
كان سيف يبدو مختلفًا عن أي سيف آخر.
إحساسه به كان مختلفًا تمامًا.
شيء ما في هذا السيف…
ليس طبيعيًا.
ظل فورتكس صامتًا لعدة لحظات، ثم ظهرت فكرة في ذهنه.
لا تقل لي أنه…
وفي تلك اللحظة، تذكر سبب تمسك مارغريت بهذا الفتى منذ البداية.
وبعد مدة، فتح نومريس عينيه ببطء.
رفع يده وأمسك برأسه.
قال فورتكس:
استيقظت إذًا.
أدار نومريس عينيه نحوه بصعوبة.
متى وصلت؟
أظن أنني وصلت قبل مدة. وجدتك ملقى على الأرض.
ثم حدق فيه قليلًا.
هل أنت بخير؟
انتظر نومريس لحظات قبل أن يجيب:
أنا بخير.
سأله فورتكس:
ماذا حدث لك؟
صمت نومريس قليلًا، ثم قال:
سأكذب عليك إن قلت إنني أعرف. حتى أنا لا أعرف من هاجمني… ولا السبب.
فكر فورتكس للحظة.
ألم ترَ شيئًا؟
لا.
ثم أضاف نومريس:
رأيت الهجوم فقط.
خط أسود… نزل من السماء، وكأنه انبثق من العدم.
ضيّق فورتكس عينيه.
هذا غريب نوعًا ما.
صمت للحظة، ثم تابع:
من هاجمك كان قادرًا على قتلك، أليس كذلك؟
أومأ نومريس.
لو تلقيت هجومًا آخر، لمت فورًا.
ظل فورتكس صامتًا.
أما نومريس، فحدق في السقف للحظات، ثم تمتم:
غريب…
أن أموت دون أن أعرف حتى من قتلني… أو لماذا.
لا أريد أن تكون نهايتي بهذه الطريقة.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
إنها طريقة موت بائسة حقًا.
ظل نومريس ممددًا على السرير للحظات، ثم التفت نحو فورتكس وقال:
وكيف مرّ يومك؟
أجاب فورتكس بهدوء:
كان جيدًا. قضيت بعض الوقت في سجن العبيد
اعتدل نومريس في جلسته فور سماعه ذلك.
سجن العبيد؟
أومأ فورتكس.
نعم.
نظر إليه نومريس باهتمام.
وماذا كنت تفعل هناك؟
ابتسم فورتكس ابتسامة خفيفة.
كنت ألقي نظرة فحسب.
نهاية الفصل