عجيب أمر هؤلاء الناس… هل صارت الحياة رخيصة إلى هذه الدرجة؟ يمكن أن يقتل أحدهم شخصًا آخر لمجرد أنه غش في اللعب.
ارتشف نومريس رشفة من مشروب دامل، وهو متكئ على الكرسي الخشبي، يراقب الرجلين الهائجين أمامه.
كان أحدهما يلوّح بسيفه بعشوائية، بينما يمسك الآخر خنجره بكلتا يديه، متراجعًا بحذر.
تعالت أصوات الصراخ في أرجاء المطعم، وبدأ بعض الزبائن بالتذمر.
قال أحدهم بغضب:
ألا يمكنكما أن تتشاجرا في الخارج؟!
هذا مزعج… مزعج بشكل غريب.
قال رجل آخر وهو يحاول تغطية أذنيه:
أتيت إلى هنا لأتناول طعامي بهدوء، لا لأستمع إلى صراخكما!
وتذمر رجل ثالث من خلفه:
لقد أفسدتما وجبتي سحقا لكما!
كان بعض الزبائن قد توقفوا عن تناول الطعام، بينما بدأ آخرون بجمع أمتعتهم والاستعداد للمغادرة.
حتى النادلة وقفت بعيدًا عن الشجار، وهي تنظر إلى الرجلين بقلق.
أما نومريس، فظل جالسًا في مكانه، يحتسي دامل بهدوء.
لم يكن الشجار يعنيه كثيرًا.
كان اهتمامه منصبًا على شيء آخر.
أمر القتل الذي حدث مؤخرًا.
أخذ آخر رشفة من مشروب دامل، ثم وضع الكأس على الطاولة.
وقف نومريس وحمل سيفه بين يديه، ثم اتجه نحو باب المطعم.
خرج منه، تاركًا خلفه صخب الشجار.
حسنًا… أظن أنني ابتعدت كثيرًا عن المنزل الذي أقيم فيه.
بدأ يلاحظ محيطه، محاولًا تحديد موقعه.
كانت الشوارع لا تزال مزدحمة، والعربات تمر بين المارة، بينما يتعالى صهيل الخيول من حين إلى آخر.
لمح عربة تقترب منه بسرعة، فرفع يده.
خففت العربة سرعتها، ثم توقفت أمامه.
ركب نومريس فورًا.
وقال للسائق: شارع رقم خمسة، الضاحية الجنوبية من فضلك.
قال صاحب العربة: ثلاثة جنيهات نحاسية.
أخرج نومريس النقود ودفعها بسرعة.
ثم انطلقت العربة مسرعة بين شوارع المدينة.
وفي هذه اللحظة…
كانت فتاة تجلس في غرفة واسعة جدًا.
كانت الغرفة ذات طابع يجمع بين عراقة العصور الوسطى وبدايات العصر القديم.
جدران حجرية عالية، تتدلى عليها لوحات قديمة، بينما كانت نوافذها الطويلة مزينة بإطارات خشبية داكنة.
في أحد جوانب الغرفة، اشتعلت مدفأة حجرية، وفوقها ساعة كبيرة ذات عقارب نحاسية تتحرك بانتظام.
أما في الجانب الآخر، فكانت هناك خزانة خشبية ضخمة، اصطفت داخلها عشرات الكتب والوثائق.
وعلى الطاولة القريبة منها، وُضعت أدوات رسم صغيرة؛ ريش رسم دقيقة، وأقلام فحم، وأوعية صغيرة تحتوي على ألوان مختلفة، إلى جانب لوح ألوان خشبي وقطع من الورق السميك.
كانت الغرفة هادئة بشكل غريب.
لم يكن يُسمع فيها سوى صوت احتراق الحطب في المدفأة.
رفعت إحدى يديها، وأمسكت بريشة دقيقة، ثم غمست طرفها في وعاء صغير من الحبر.
وضعت الريشة على اللوحة أمامها، وبدأت ترسم بخطوط هادئة ومتقنة.
خطًا بعد آخر، بدأت ملامح شيء ما تظهر على الورقة.
كانت ترسم عربة.
توقفت للحظة، وتأملت ما رسمته، ثم تابعت ببطء.
رسمت المنازل، والشارع، والأحصنة، والناس.
كان كل شيء يبدو مثاليًا، وكأنها لم ترسمه من خيالها، بل نقلت مشهدًا حقيقيًا أمام عينيها إلى الورقة.
ضيّقت عينيها قليلًا.
وخلفها، وقف رجل وامرأة يحدقان في اللوحة، يتابعان كل خط ترسمه باهتمام.
قالت المرأة:
هل هو داخل المدينة؟
حل الصمت للحظة، قبل أن تهز رأسها قليلًا.
لا… ليس هو.
تمتمت:
لكنه من سيقودنا إليه.
كانت الفتاة في العشرين من عمرها، ترتدي فستانًا زهريًا فاتحًا، بينما كان شعرها الأشقر ينساب خلف ظهرها، متموجًا وكثيفًا، كأشعة الشمس المتسللة بين أغصان الأشجار.
رفعت عينيها الزرقاوين نحو اللوحة وقالت:
حسنًا… لنبدأ الآن.
رفعت ريشتها ببطء، وغمسَت طرفها في الحبر، ثم وجهتها مباشرة نحو العربة.
رسمت خطًا مائلًا فوق العربة.
سأل الرجل الواقف خلفها:
ماذا تفعلين يا أرتميسيا؟
ابتسمت أرتميسيا، وأمالت رأسها قليلًا.
الهو قليلًا.
في الجهة الأخرى، داخل العربة الصغيرة التي يجرها حصانان، كان نومريس جالسًا قرب النافذة، يراقب المنازل والمارة وهم يمرون أمام عينيه بسرعة.
فجأة…
شعر بقشعريرة باردة تتسلل إلى عموده الفقري.
دون سابق إنذار، فتح باب العربة وقفز منها، متدحرجًا فوق الطريق.
دوّى صوت قوي في المكان، تبعته صرخات النساء في الجوار.
ما هذا؟!
التفت نومريس بسرعة، يراقب ما حوله، بينما وضع يده على مقبض سيفه.
ما الذي يحدث؟
صرخ رجل مارّ وهو يشهر سيفه:
هل هم الأعداء؟!
كان الجميع يحدقون في العربة التي انقسمت إلى نصفين.
خرج صاحب العربة من بين الغبار وهو يسعل، يجر قدمه ببطء، بينما كان يمسك بكتفه الذي يتدفق منه الدم.
تقدم بضع خطوات…
ثم ما لبث أن سقط مغشيًا عليه.
انسكب دمه فوق الحجارة.
وبدأ الغبار بالانقشاع تدريجيًا، كاشفًا ما حدث للعربة.
كان أحد الحصانين قد انقسم إلى نصفين، وتناثرت أحشاؤه أمامه.
لاحظ نومريس العظام البيضاء للحصان، وهي تبرز من بين اللحم الممزق.
تجمد في مكانه.
اتسعت عيناه، وظل يحدق في المشهد أمامه للحظات.
لم يستطع أن يستوعب ما يراه.
لقد قُطع الحصان إلى نصفين…
بضربة واحدة.
تخيل نومريس نفسه في مكان الحصان.
لو تأخرت قليلًا…
لكنت مكان هذا الحصان.
ما الذي يحدث؟
لم يرَ أحدًا.
لكن الخطر لم يختفِ بعد.
التفت نومريس بسرعة، يراقب محيطه، ولاحظ الخوف المرتسم على وجوه الناس من حوله وهم يصرخون.
لم يتردد.
استدار وركض بأقصى سرعته، متجهًا نحو زقاق ضيق.
كان الخطر لا يزال يلاحقه.
وفي مكان آخر…
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه أرتميسيا، عندما رأت ظلًا ينزاح من العربة إلى الجانب.
هذا جيد.
ثم رسمت خطًا آخر.
انقبض قلب نومريس بغتة.
ولم تخطر في بملك سوى كلمة واحدة.
خوف.
أخرج…
وفورًا، انتشرت برودة شديدة في المكان.
تبعتها خربشات غريبة في الهواء.
وفي اللحظة التالية، تجسد الظل الحبري أمام نومريس، وارتفع في الهواء، متلقيًا ذلك الخط الحبري المائل الذي انبثق من العدم.
ضيّق نومريس عينيه.
إذًا… أنا المستهدف.
كانت الضربة سريعة للغاية.
لوّح الظل الحبري بسيفه مباشرة، محاولًا صد الهجوم.
لكن الضربة كانت أقوى منه بكثير.
تحطم سيفه.
ثم اخترقت الضربة جسده وكأنها لم تواجه أي مقاومة.
انفجر الظل الحبري.
اللعنة!
صرخ نومريس وهو يستل سيفه ويلوح به.
لكن قبل أن تصل الضربة إليه، أُفرغ نومريس كمية كبيرة من الدماء من فمه نتيجة ما حدث للظل الحبري.
كانت تلك نتيجة تدميره.
كاد نومريس أن يسقط.
تبا…
أعاد سيفه أمامه ووجهه تجاه الهجوم القادم.
ثم دفعه بعيدًا حتى ارتطم بالحائط.
ضيّق عينيه، محاولًا اكتشاف مصدر الهجوم.
نظر إلى اليمين.
ثم إلى اليسار.
لم يجد شيئًا.
لم يرَ أحدًا.
ولم يشعر بأي شيء.
وقف مستندًا إلى سيفه، والدماء تتدفق من فمه.
لم يجد شيئًا.
ولم يشعر بشيء.
كانت ضربة قوية.
إذا تلقيت أخرى…
فستكون نهايتي.
في مكان آخر، كانت أرتميسيا تحدق في اللوحة أمامها.
استرخت في مقعدها، ثم رفعت عينيها نحو الشخصين الواقفين خلفها.
قالت بهدوء:
هذا أقصى ما يمكنني فعله.
كان الرجل والمرأة ينظران من خلال النافذة، بعيدًا عن اللوحة.
استدارت المرأة نحو أرتميسيا وقالت:
ماذا فعلتِ للتو؟
لم تختفِ الابتسامة عن وجه أرتميسيا.
وقالت:
لقد أخبرتكما… كنت ألهو فقط.
ثم نظرت إلى اللوحة مرة أخرى.
لم تعد الـكا الخاصة بي كافية لتوجيه ضربة أخرى.
لقد استنزفت الكثير منها لو كنت قريبة لكان الأمر يسيرا لكن بعد المسافة يستهلك الكثير.
ظل الاثنان صامتين للحظات، قبل أن تسأل المرأة بقلق: هل روحك بخير؟
التفتت أرتميسيا إليها، ولم تختفِ الابتسامة عن وجهها.
لا تقلقي، أنا بخير.
ثم أضافت بهدوء: أحتاج فقط إلى قليل من الراحة.
تدخل الرجل قائلًا: لا ينبغي لكِ الإفراط في استخدام قدرتك. ستؤذين روحك فقط.
ثم استدار مغادرًا وقال: استريحي الآن واستعيدي الـكا الخاصة بكِ، وبعدها سنتحدث.
نهاية الفصل