كان لا يزال يمشي في شوارع المدينة، بينما الناس مستغرقون في أشغالهم.
تبا لك، بالأمس كانوا بخمسة سنتات، واليوم بجنيه نحاسي؟
كيف يعقل ذلك؟
توقف نومريس قليلًا عندما سمع صوت رجلين يتجادلان بالقرب من أحد المخابز.
كان الخباز يحمل دلاك العجين، ويراقب الرجل بعينين شرستين.
إن لم يكن لك ما تدفع به، فلا تزعجني، أيها الوغد!
وضع الرجل المال على الطاولة، ثم صاح:
ما هذه؟ أليست نقودًا؟ كل يوم ترفعون السعر سنتًا في الرغيف!
اذهب، يا ابن الكلب، واصرُخ في مكان آخر! أنت تزعج زبائني!
تبا لك، أيها الحقير! هل تراني أتسول أمام متجرك؟
تبادل الزبون وصاحب المتجر الشتائم للحظات، قبل أن يستدير الرجل ويغادر.
لكن ما إن خطا بضع خطوات حتى وجد نومريس يحدق فيه.
ما بك، يا ابن اللعينة؟ لماذا تحدق؟
لم يجب نومريس، بل استدار وغادر، بينما استمر الصخب من حوله.
لم يخطُ سوى بضع خطوات أخرى حتى وجد مشاجرة كلامية جديدة.
هذه المرة كانت بين امرأتين تتشاجران على رجل.
زوجي!
بل زوجي أنا!
كانت إحداهما تشده من ذراعه، بينما أمسكت الأخرى بملابسه، وكل واحدة منهما تحاول جذبه نحوها.
المسكين… لقد مزقتا ملابسه.
تمتم نومريس وهو يشاهد الرجل يقف حائرًا وسط هذه الثرثرة التي لا تنتهي.
واصل سيره، بينما أخذت أصوات الشجار تتلاشى خلفه، لكن صخب المدينة لم يهدأ.
أطفال يركضون في كل مكان، وتجار يصيحون بأعلى أصواتهم، بينما كان فرسان يندفعون بين الممرات ليفرقوا أي شجار ينشب بين الناس.
عربات تعبر الشوارع محملة بالناس والبضائع، وحوافر الأحصنة تطرق الأرض بإيقاع متواصل.
كان نومريس يلتفت بين الحين والآخر، يتابع كل شيء بعينيه.
لم يعتد هذا العدد الهائل من الناس.
في قبيلته، كان يعرف تقريبًا كل وجه يمر أمامه، أما هنا، فكلما نظر في اتجاه وجد عشرات الوجوه الجديدة.
أصوات الباعة تختلط بأصوات العربات، وضحكات الأطفال بصراخ المتشاجرين، وطرقات الحدادين بأصوات حوافر الخيل.
توقف للحظة عندما مرت عربة مسرعة بجانبه، فابتعد عنها غريزيًا.
ثم حدق في ظهرها وهي تبتعد.
بينما التفت سائق وهو يصرخ أيها الوغد ابتعد عن الطريق.
كم عدد الناس الذين يعيشون هنا؟
تابع سيره، لكنه لم يستطع منع عينيه من التجول في كل مكان.
المباني العالية، المتاجر الممتدة على جانبي الطريق، الحشود المتدفقة في الشوارع… كان كل شيء جديدًا عليه.
حتى الفوضى نفسها بدت له غريبة.
خفض نومريس نظره قليلًا، ثم تمتم:
كيف يعيشون هكذا كل يوم؟
ومع ذلك، واصل المشي، محاولًا الاعتياد على الضجيج من حوله.
بقي نومريس على هذه الحال وقتًا طويلًا، يتجول في الشوارع ويراقب كل ما تقع عليه عيناه، حتى ارتفعت الشمس السوداء فوق رأسه، وأخذت أشعتها الباهتة تتسلل من خلف الغيوم البيضاء.
وفجأة، شعر بقرقرة تصدر من بطنه.
فورتكس أخبرني أن أسأل عن الجرائم التي حدثت مؤخرًا… لكن كيف سأفعل ذلك؟
وضع يده على بطنه، ثم تنهد.
حسنًا، قبل أن أبدأ مهمتي، عليّ أن أملأ بطني أولًا.
لكن أين سأجد مطعمًا؟
أخذ نومريس يبحث بعينيه بين المحلات المنتشرة على جانبي الطريق، إلى أن لفت انتباهه مبنى تعالت من داخله أصوات الضحك والحديث.
اقترب منه، فازدادت الأصوات وضوحًا، واختلطت بقرقعة الصحون والملاعق، وطرق الأكواب الخشبية على الطاولات.
حسنا هذا نحن ذا.
توقف نومريس للحظة أمام الباب، ثم دخل.
كان المطعم أكثر ازدحامًا مما توقع.
تجول بصره في أرجائه، فرأى طاولات خشبية صغيرة مصطفة في أنحاء المكان، تحيط بها مجموعات من الرجال والنساء. كان بعضهم يرتدي دروعًا برونزية، بينما انشغل آخرون بتناول الطعام والحديث بأصوات مرتفعة.
اختلطت الضحكات بالأحاديث، وارتفعت أصوات الملاعق وهي تصطدم بالأطباق، بينما كانت الأكواب الخشبية تطرق الطاولات بين حين وآخر.
بقي نومريس واقفًا للحظات، يراقب المشهد بصمت.
حتى هنا، كان الناس مختلفين عما اعتاد رؤيته.
ثم تحرك بصره بين الطاولات، يبحث عن مكان شاغر.
هناك.
وجد طاولة في زاوية قريبة من الجدار، فتوجه إليها وجلس، ثم وضع سيفه إلى جواره.
لم تمضِ سوى لحظات حتى اقتربت منه امرأة تحمل دفترًا صغيرًا وقلمًا.
ماذا تريد؟
رفع نومريس رأسه إليها.
ماذا؟
تنهدت المرأة، ثم أشارت إلى الطاولة.
ماذا ستطلب؟
آه…
نظر نومريس إلى الطاولات الأخرى، وكأنه يحاول فهم الطريقة التي يسير بها الأمر.
أريد… شيئًا آكله.
نظرت إليه المرأة للحظة.
هذا واضح. ماذا تريد تحديدًا؟
صمت نومريس.
لم يكن يعرف أسماء معظم الأطعمة الموجودة في هذا المكان.
أي شيء يملأ بطني؟
لدينا لحم مجفف، ولحم متبل، وأسماك مشوية، وشوربة سمك، وشوربة خضار.
أريد شريحة من اللحم المتبل وشوربة سمك.
هل تريد بعض النبيذ؟
لا، إنه مقرف فقط.
أجاب نومريس دون تردد. لم يكن يحب طعمه.
ثم سأل:
هل لديكم مشروب دامل؟
أومأت المرأة برأسها، ثم أخذت تدقق في ملابسه وملامحه.
هل لديك المال لشراء هذا المشروب؟
فقط أحضري لي كأسًا منه.
ثم أخرج كيس النقود الذي أعطته إياه مارغريت.
ما إن رأت النادلة كيس النقود حتى اطمأنت، فأومأت برأسها ودونت طلباته في دفترها قبل أن تغادر.
راقبها نومريس حتى ابتعدت، ثم أسند ظهره إلى الكرسي.
بدأ يشعر بشيء من الراحة.
على الأقل، كان الحصول على الطعام أسهل مما توقع.
لكن بعد لحظات، عاد الأمر إلى ذهنه.
الجرائم…
رفع نومريس عينيه، وأخذ يتفحص من حوله.
فورتكس قال لي أن أسأل عن الجرائم التي حدثت مؤخرًا.
لكن كيف؟
لن أستطيع أن أسأل شخصًا ببساطة: هل سمعت عن جرائم قتل؟
قد يظنون أنني متورط فيها.
قطب حاجبيه.
وربما يعرف أحد الموجودين هنا شيئًا.
أخذ ينظر إلى الطاولات من حوله، مراقبًا الناس كما فعل طوال الصباح.
كان هناك رجال يتحدثون عن التجارة، وآخرون يتجادلون حول أسعار السلع، وفي زاوية قريبة منه جلس ثلاثة رجال يتحدثون بصوت منخفض.
توقف نظر نومريس عندهم.
كانوا يبدون مختلفين عن بقية الموجودين.
لم يكونوا يضحكون، ولم يشاركوا الآخرين أحاديثهم.
بل كانوا يتحدثون فيما بينهم بنبرة جادة.
وقبل أن يتمكن من التفكير أكثر، عادت المرأة تحمل طبقًا كبيرًا.
وضعت طلباته أمامه، ثم قالت:
ثلاثة عشر جنيهًا نحاسيًا.
نظر نومريس إلى الطعام وكأس دامل، ثم إلى المرأة.
ثلاثة عشر جنيهًا نحاسيًا؟
أخرج المال ودفعه إليها.
أخذ قطعة من الخبز، ثم بدأ يأكل.
لم يكن قد أدرك مدى جوعه إلا الآن.
وبعد اللقمة الأولى، أخذ يأكل بسرعة، وكأن معدته كانت تحتج على تأخره كل هذا الوقت.
ثم مد يده إلى كأس دامل، وأخذ منه رشفة.
ارتفع إلى فمه طعم حلو يشبه توت العنب البري، فرفع حاجبيه قليلًا.
لم يكن سيئًا.
كان دامل عشبة برية نادرة تُخمّر بطريقة خاصة، وتمنحه نكهة مختلفة تشبه النبيذ، إلا أنه لا يسبب السكر، ولذلك كان أغلى منه.
واصل نومريس تناول طعامه، بينما أخذت عيناه تتجولان في المطعم بين الحين والآخر.
كانت مهمته ما تزال في ذهنه.
وفجأة، ارتفع صوت رجل من إحدى الطاولات:
أنت تغش!
توقف نومريس عن الأكل، ورفع رأسه نحو مصدر الصوت.
ماذا قلت؟
ضرب الرجل بيده على الطاولة، فتطايرت أوراق اللعب المصنوعة من الجلد القاسي في الهواء وسقط بعضها على الأرض.
قلت إنك تغش!
نهض الرجل المقابل له غاضبًا، مشيرًا بإصبعه إلى الأوراق المبعثرة.
إياك أن تتهمني بالغش في جولة "الكارنوفيل"، أيها الأحمق!
رأيتك تبدّل ورقة "الكارنوفيل" الملكية عندما لم يكن أحد ينظر!
أنت مجرد خاسر سيئ لا يعرف كيف يدير بطاقات القوة، هذا كل ما في الأمر.
خاسر؟
قبض الرجل على إحدى الأوراق الملقاة أمامه، وكان مرسومًا عليها رمز ذو هيبة يمثل قوة كسر القواعد، ثم رفعها في وجهه:
إذن أخبرني كيف أصبحت هذه الورقة المحددة في يدك بعدما وضعتها أمامك قبل لحظات لتكسر بها ورقة القيصر الخاصة بي؟
ساد الصمت للحظة في زاوية المطعم، بينما أخذ بعض الزبائن والفرسان يلتفتون نحو الطاولة لمتابعة الشجار المحتدم.
ثم ابتسم الرجل بسخرية حادة، ووضع يده قرب مقبض خنجره:
ربما لأنني أجيد قواعد الكارنوفيل أضعاف ما تجيدها، أيها الوضيع.
اشتد غضب الرجل الآخر، ودفع الكرسي خلفه بقوة حتى اصطدم بالطاولة المجاورة.
قلها مرة أخرى إن كانت لديك الشجاعة!
مشاجرة أخرى…
همهم نومريس وهو يراقبهما.
وفجأة، أخرج الرجل الآخر سيفه، ووجهه نحو خصمه.
أوي! اهدآ! ما الذي تحاولان فعله؟
تدخل أحد الرجال الجالسين بالقرب منهما، لكن الرجل لم يصغِ إليه، واندفع بسيفه نحو خصمه.
ارتطم السيف بالخنجر، فدوى صوت الصليل في أرجاء المطعم.
ساد الاضطراب بين الزبائن، وبدأ بعضهم بالابتعاد عن الطاولة.
هل يريدان قتل بعضهما البعض؟
راقب نومريس المشهد باهتمام.
ربما قد تكون هذه هي جريمة القتل الرابعة التي تحدث خلال نصف شهر…
التفت نومريس نحو الرجل الذي كان يجلس بالقرب منه، وقال بنبرة هادئة:
الرابعة؟
رفع رجل حاجبيه.
ألم تسمع بها؟
عن ماذا؟
عن جرائم القتل الأخيرة.
توقف نومريس عن الأكل، وأصغى إليه باهتمام.
أي جرائم؟
نظر الرجل إليه باستغراب.
أنت لا تعرف؟
هز نومريس رأسه.
لا.
أمال الرجل رأسه قليلًا، ثم قال:
كانت هناك ثلاث جرائم قتل خلال الأسابيع الماضية. والغريب أن الحراس لم يجدوا القاتل في أي منها.
توقف نومريس للحظة.
ثلاث جرائم…
ثم نظر إلى الرجل باهتمام أكبر.
أين حدثت؟
أنت عبد، أليس كذلك؟ يبدو أنك لا تعرف شيئًا عن جرائم القتل التي حدثت مؤخرًا.
رفع نومريس حاجبيه.
تابع رجل
تمكّنا من معرفة شيء غريب عن القاتل لم يكن يريد من ضحاياه سوى بعض اللوحات.
لوحات؟
نعم، لوحات فنية.
توقف الرجل للحظة، ثم تابع:
كان من بين الضحايا ألفريدو نيفيس، صاحب شركة تعدين، وصاحب متجر لبيع اللوحات، وحارس أحد السجون.
ضيّق نومريس عينيه.
تابع الرجل: ثلاثة أشخاص مختلفين، ومهن مختلفة… لكنهم جميعاً يشتركون في شيء واحد.
لوحات فنية…
نهاية الفصل