ملحمة سليل الخوف الفصل 31 — ملحمة سليل الخوف 31

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 31 — ملحمة سليل الخوف 31 باللغة العربية على مانجا تايم.

كان الطريق مزدحمًا بالمارة. كان بعضهم يلقي عليهما نظرات سريعة ثم يواصل طريقه، بينما توقف بعض الفضوليين لمعرفة ما يجري.

ماذا تقول أيها الوغد؟

وبّخ الرجل نومريس بعدما شعر بالحرج.

ماذا؟ ألم يعجبك الأمر بعدما طرحت عليك السؤال نفسه؟

احمرّ وجه الرجل، وتصاعد الغضب في داخله.

عبد همجي يتجرأ على التحدث معي بهذه الطريقة؟

رفع حقيبته الجلدية في الهواء، ولوّح بها باتجاه نومريس.

حرّك نومريس سيفه قليلًا، متذكرًا كلام فورتكس أثناء التدريب، ثم خطا إلى الأمام بسرعة.

دفع مقبض سيفه في فم الرجل، وأسقطه إلى الخلف بقوة، ثم جلس فوق بطنه الكبير.

كان مقبض السيف لا يزال في فم الرجل عندما قال نومريس:

إياك أن تجرؤ على رفع يدك نحوي.

في المرة القادمة.. قد يتم قطعها.

فاجأ هذا التغير جميع الحاضرين، فتراجعوا بسرعة وهم في حالة من الذعر.

يا للهول، ما الذي يحدث؟

من هذا العبد؟ إنه قوي!

صرخ صاحب الرجل بغضب:

عبد يتجرأ على أسياده؟! أين الحراس؟!

تفرّق الناس بسرعة، تاركين نومريس والرجل في الحلقة التي صنعوها، بينما أخذوا يراقبون من بعيد.

ظهر الذعر على وجه الرجل، حتى إنه صار يتنفس بصعوبة.

ثم احمرّ وجهه، لكن ما أرعبه أكثر كان تلك العينان القرمزيتان الباردتان اللتان تحدّقان فيه مباشرة.

من هذا الشخص؟

تساءل الرجل في رعب مكتوم.

كان نومريس صامتًا، يراقب ملامح الرجل.

من وجهه يبدو أن الخوف يتملكه.

كان يريد ضربي بعدما سخرت منه أمام هؤلاء الناس.

إنه ضعيف جدًا، ولا يقوى حتى على لمسي. باستطاعتي قتله لو أردت.

لو كنت قويًا، يمكنك فعل ما تشاء، لكنني لا أملك القوة لفعل ما أشاء.

هذه معضلة أخرى.

تنهد نومريس وهو يراقب وجه الرجل الخائف:

لا جدوى من فعل أكثر من هذا.

سحب سيفه.

وقف، ثم سمع همهمات من خلفه.

ما هذا السيف؟

بسرعة، أخفى نومريس سيفه تحت ردائه، وقال:

من حسن حظك أن السيف لم يخرج من غمده.

ثم استدار وغادر.

هذه المرة، لم يكن هناك أي شخص يصرخ خلف ظهره.

كان الجميع يراقبون اختفائه، حتى الرجل الضخم نفسه، الذي نهض ومسح ظهره وملابسه، غادر بسرعة كبيرة إلى الجهة المقابلة.

أوي، لوني! صرخ الرجل إلى صديقه.

لكن الأخير ركض، لأنه لم يستحمل المهانة التي تعرض لها.

ـــ

في الضاحية الشرقية، شارع رقم 8، منزل عائلة نيفيس.

الروح هي جوهر الحياة. إنها مصدر الفضيلة والوعي. بدون الروح، لا توجد حياة. وبدونها، لا يستطيع الجسد أن يتحرك. الروح هي الوعي، والروح هي الإدراك، والروح هي المعرفة. الروح هي كل شيء.

كان المتحدث رجلًا مسنًا يقف جانبًا.

كانت سيليستيا تجلس بجانب أخيها وأمها، بينما تقف حارستها خلفها. ظلت تستمع باهتمام إلى كلام الرجل، ولم تقاطعه حتى انتهى.

بعد لحظة من الصمت، سألت:

هل يكون هذا الاختبار في العالم الروحي نفسه؟

لا توجد صورة واضحة تبيّن أين يقع الاختبار، لكن معظم الأشخاص العظماء استقروا على أن الاختبار ليس إلا وهمًا يقع بين عالمنا والحيز الكوني، الذي يُسمى الآن بالعالم الروحي.

توقف الرجل قليلًا، ثم نظر إلى سيليستيا بجدية.

قبل دخول الاختبار، عليك أن تكوني مستعدة لأسوأ السيناريوهات.

ظل فتى في العشرينات من عمره يحدّق في سيليستيا بعينين هادئتين. بدا وكأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة للتحدث.

وقبل أن ترد سيليستيا، قال:

هل أنت متأكدة من أنك فكرت في هذا الأمر جيدًا؟

نعم، فكرت جيدًا.

قالت سيليستيا ذلك بهدوء، دون أن تتردد.

ما كان لوالدي أن يسمح لك بفعل ذلك لو كان على قيد الحياة.

ظهرت لمحة من الحزن في عيني سيليستيا. بقيت صامتة للحظة، ثم أخفت ذلك الحزن سريعًا.

بل كان سيسمح لي بذلك. أنا متأكدة من ذلك.

ثم نظرت إلى أخيها وقالت:

أخي بران، لا أستطيع الاعتماد عليك دائمًا. أنت تعرف أنك لن تكون معي دائمًا.

أشار بران بيده، وكأنه يحاول تذكيرها.

ريماس معك دائمًا.

كانت ريماس حارستها، وهي من عرق سومر.

رغم ذلك، أرغب في الذهاب. أنت تعرفني جيدًا.

تنهد بران بخفة، ثم نظر إليها.

نعم، أعرفك جيدًا. وأنت، هل تعرفين أنك قد تهلكين هناك؟

أعرف.

أجابت دون أن يتغير هدوء صوتها.

حتى لو كان ذلك، فلا بد لي من الذهاب.

ظلت عينا بران عليها للحظات، وكأنه كان يحاول معرفة مدى إصرارها، لكنه لم يجد في ملامحها أي تردد.

وقفت امرأة بشعر أشقر وعينين عسليتين من مقعدها. كانت تحمل صورة ألفريد في يدها، فنظرت إليها للحظة قبل أن تضعها على الأريكة.

بنيتي، بما أنك اتخذت القرار، فلماذا لا تنتظرين حتى تبلغي الثامنة عشرة من عمرك؟ سنتان فقط، ويمكنك دخول ذلك العالم.

نظرت سيليستيا إلى أمها، وبدا الحزن في عينيها هذه المرة واضحًا.

لا يمكنني الانتظار أكثر من ذلك يا أمي. آسفة، فقد يمر خلال هاتين السنتين الكثير.

كان الرجل العجوز يحدق فيهم ويستمع إلى ما يقولونه. ظل صامتًا للحظات، ثم اقترب من سيليستيا.

سيدة سوزي، سيد بران، لا بد لسيليستيا من دخول اختبار الجنين. العالم يتغير، خصوصًا بعد ظهور تلك الهالة قبل أيام.

حل الصمت في المنزل.

تبادلوا النظرات عندما تذكروا تلك الهالة المرعبة التي ضيقت الأنفاس على الجميع.

أومأت الأم برأسها ببطء. لم تكن تود قول الكثير، لأنها كانت تعرف أن ما سيحدث سيحدث.

إذا اتخذت قرارك بالفعل، فلا مزيد من الانتظار. علينا الذهاب في الحال.

تحدث يوهي بذلك بحزم هادئ.

وقفت سيليستيا واقتربت من الرجل.

عدّلت أم سيليستيا وقفتها، ثم تطلعت إلى الرجل.

يوهي، اعتنِ بها.

لا تقلقي، سيدة سوزي. سيليستيا ذكية جدًا، ولا بد أن تتجاوز الاختبار بسهولة.

نظرت ريماس إلى سيليستيا، وظهر الحزن على وجهها.

سيليستيا، اعتني بنفسك.

ابتسمت سيليستيا لها.

لا تقلقي، سأعود قريبًا.

صمتت قليلًا، ثم أضافت:

اعتني بمؤسستنا ريثما أعود. إن احتاج أي شخص إلى شيء، فلبِّ لهم طلباتهم.

كوني مطمئنة، سيليستيا. لا تقلقي.

غادرت سيليستيا برفقة يوهي، بينما وقفت سوزي وبران خلف النافذة، ينظران إلى اختفاء سيليستيا داخل العربة.

نظرت إليهما سيليستيا من نافذة العربة ولوّحت بيدها.

لوّحا لها بدورهما، وبقيت أعينهما معلقة بالعربة حتى ابتعدت.

ما رأيك؟ تمتمت سوزي وهي تحدث ابنها.

ظل بران صامتًا للحظة، قبل أن يجيب:

لا فكرة لدي. الاختبار يكون على حسب روح الشخص. إن كان الاختبار صعبًا، تكون القدرة جيدة، بل وممتازة.

نظرت سوزي إلى الطريق الذي اختفت فيه العربة.

كيف كان اختبارك أنت؟

لم يكن صعبًا، لكنه لم يكن سهلًا أيضًا.

ساد الصمت بينهما للحظات.

ثم قالت سوزي:

لكن للحصول على قدرة، عليها أن تضحي بشيء ما. هل تستطيع هي أن تتحمل ذلك؟

لم يجب بران.

نظرت سوزي إليه، ثم قالت:

أنت…

توقفت للحظة، قبل أن تنظر إلى يده اليمنى.

ولو دقّق شخص فيها، لعرف أنها مجرد يد مركبة وليست يده الحقيقية.

يمكنني حمل السيف بيدي اليسرى.

لكنها ليست اليد التي كنت تعتمد عليها دائمًا.

خمس سنوات كانت كافية لي لأتدرب عليها. أنت تعرفين ذلك. صحيح أنها ليست مثل الأخرى، لكنها تفي بالغرض.

ساد الصمت من جديد في منزل عائلة نيفيس.

قبل أن يسمعا طرقًا على الباب.

توقف رجل عن عمله في المطبخ، ثم خرج متجهًا نحو الباب وفتحه. كان يرتدي رداءً رسميًا، وشعره أبيض.

تقدّم الرجل ذو الشعر الأبيض بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة، وظهر على محياه الاحترام الشديد وهو ينحني برأسه قليلًا تحية لسوزي وبران.

توقفت سوزي عن تأمل النافذة والتفتت نحوه، بينما ضيق بران عينيه ناظرًا إلى الورقة التي يمسكها الرجل بيده المرتجفة قليلًا.

قال الرجل بصوت خافت ومتزن:

سيد بران، سيدة سوزي.. المعذرة على المقاطعة في مثل هذا الوقت، لكن الأمر لا يحتمل التأجيل. نائب الراحل سيد ألفريد يصر على توقيع هذه المستندات قبل نهاية اليوم لتثبيت حقوق العائلة في الصفقات التجارية الأخيرة.

تقدّم بران بخطوات بطيئة، ومدّ يده اليسرى لتناول الورقة، بينما بقيت يده اليمنى المركبة مستقرة بجانبه دون حراك. أخذ يقلب البصر في السطور المكتوبة بخط متناسق، مستعرضًا بنود الصفقة وتفاصيلها المالية بدقة.

قال بران بنبرة جافة وخالية من التعبير:

هذا الوغد لا يضيع وقتًا. يعلم جيدًا أن أبي قد رحل، ويحاول استغلال الفراغ الحالي لصالحه.

رفعت سوزي رأسها ونظرت إلى ابنها بقلق، ثم قالت:

هل البنود واضحة؟ وهل تعرض شركة لأي مخاطر؟

أجاب بران وهو يواصل قراءة السطور الأخيرة:

ليس تمامًا يا أمي. إنها صفقة استيراد المعادن النادرة من حدود إقليم كوردو، وهي مرتبطة بطريقة أو بأخرى بتلك الشبكات التجارية القديمة التي تخضع لرقابة كنيسة اتحاد الأمم، لكن الشروط مقبولة إلى حد ما.. ولا خيار أمامنا سوى التوقيع إن أردنا الحفاظ على سيطرتنا على السوق.

رفع بران الورقة إلى مستوى عينيه، ثم أخرج قلمًا فضيًا من جيبه باحترافية، ووقّع بخط حاسم ومتزن مستخدمًا يده اليسرى، على الرغم من غرابة الحركة وصعوبتها مقارنة بالسابق.

مدّ الورقة مجددًا إلى الخادم ذي الشعر الأبيض، وقال ببرود:

خذه.. وأبلغه أن عائلة نيفيس ليست ميتة.

انحنى الخادم باحترام، وأخذ الورقة بحرص شديد، ثم استدار بخطوات سريعة ليغادر الغرفة ويعود من حيث أتى.

عادت سوزي لتجلس على الأريكة، ووجهت نظرها نحو الصورة الموضوعة هناك، بينما استند بران بظهره إلى الجدار، محدقًا في الفراغ، وكأن ذهنه قد عاد إلى ما قبل موت والده، حين كان كل شيء يسير على ما يرام.

نهاية الفصل