ملحمة سليل الخوف الفصل 30 — ملحمة سليل الخوف 30

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 30 — ملحمة سليل الخوف 30 باللغة العربية على مانجا تايم.

وقف فورتكس أمام المرآة يعدل بدلته الجديدة.

كانت سوداء أنيقة، تتوسطها ربطة عنق، بينما وضع على رأسه قبعة مستديرة، وانتعل حذاءً أسود لا معًا.

تأمله نومريس بفضول، وما إن لاحظ فورتكس نظرات الفتى حتى التفت إليه.

«ما الذي تحدّق فيه؟»

«ملابسك.»

واصل فورتكس تعديل ربطة عنقه قبل أن يقول:

«ألم تسمع بالمقولة: إذا دخلت بلدًا فأحكم قواعده، أو البس ثوب أهله؟»

لم يفهم نومريس شيئًا مما قاله فورتكس، فتنهد الأخير وأضاف:

«هناك مقولة أخرى تقول: إن كنت في روما، فافعل كما يفعل الرومان.»

ظل نومريس ينظر إليه بصمت

ثم أكمل:

«هذا يعني… التكيّف مع الظروف.»

«التكيّف مع الظروف.» تمتم نومريس بهدوء.

انخفض بصره إلى ملابسه. كانت لا تزال كما هي، البدلة السوداء التي اشترتها له مارغريت.

استدار فورتكس نحوه، ومدّ ذراعيه قليلًا.

«حسنًا، كيف هو مظهري؟»

طالعه نومريس لبرهة، وظل يراقبه بصمت.

«ما بك؟ تحدث.» سأل فورتكس.

«تبدو غريبًا نوعًا ما بالنسبة إليّ.»

رفع فورتكس حاجبه.

«لقد تم اختراع هذه الملابس قبل مئة سنة. تبدو جيدة، أليس كذلك؟»

ثم لوّح بيده وكأنه صرف الأمر عن ذهنه.

«حسنًا، دعك من هذا الهراء. سأغادر للبحث في بعض الأمور، وسأترك لك مهمة صغيرة عليك إنهاؤها.»

تردد نومريس قبل أن يسأل:

«مهمة؟ لن نذهب اليوم إلى مكان قريب من ذلك السجن؟»

«اترك لي هذه المهمة، وأنجز أنت مهمتك.»

فكر قليلًا وقال: «أخبرني ما الذي عليّ فعله.»

«أريدك أن تجمع بعض المعلومات.»

«عن ماذا؟»

«عن حوادث القتل التي حدثت مؤخرًا.»

ضيّق نومريس عينيه.

«وكيف سأفعل ذلك؟»

أمسك فورتكس برأسه.

«سحقًا، لقد نسيت…»

صمت قليلًا وهو يفكر، ثم أردف:

«حسنًا، تكيّف مع الظروف كما أخبرتك. افعل ما تراه مناسبًا، ولا تجذب الأنظار إليك. وإن وجدت نفسك في ورطة، اهرب.»

حدّق نومريس في الرجل الواقف أمامه.

«هكذا فقط؟»

هز فورتكس رأسه.

«نعم، هكذا فقط.»

حمل فورتكس حقيبة جلدية لامعة، ثم عدّل قبعته فوق رأسه.

«حسنًا، اهتم بنفسك.»

فتح الباب وخرج مسرعًا.

بقي نومريس وحده داخل الغرفة الواسعة، يحدّق في الباب الخشبي الذي أغلقه فورتكس بقوة.

ثم مال برأسه نحو النافذة.

«ماذا سأفعل الآن؟»

كانت تلك أول كلمة تخرج من فم نومريس بعد رحيل فورتكس.

الأمور بالنسبة إليّ تبدو فوضوية للغاية…

غرفة غريبة، مدينة غريبة، وناس غرباء.

حتى أنا صرت غريبًا عن نفسي، أتساءل كيف تغيرت حياتي إلى هذا الحد؟

كانت الأجواء في القبيلة هادئة، وصحيح أنني أردت دائمًا أن أجوب العالم، لكن ليس بهذه الطريقة.

وهو يضم سيفه إلى صدره، أخذ نومريس يراقب المارة في الشارع الأسفل؛ عربات الخيول التي تتراكض، وصهيل الأحصنة المتصاعد مع حلول الصباح وتوجه الجميع إلى أعمالهم.

«أنا في المدينة نفسها التي كنت فيها قبل عامين…» صمت نومريس، ثم أردف في مناجاة نفسه: لكن الأمور مختلفة الآن.

ليس هناك قيود تكبل يديّ أو قدميّ، ولا حتى عنقي.

طالما فكرت مليًا في السبب الذي جعل قبيلتنا تتعرض لذلك الهجوم الغاشم، ولم أصل إلى جواب.

لكن بعد أن تم شرائي من قبل قبيلة ماكنزي، علمت أن هناك مستعبدين آخرين من بني عرقنا، ليسوا فقط من القبيلة التي ولدت فيها، بل من مختلف الأماكن.

التفت نومريس وتقدم بخطوات بطيئة حتى توقف أخيرًا.

جلس طويلًا أمام المرآة، لكنه لم يكن يرى انعكاس وجهه، بل كان يرى ذلك الخط الفاصل الرفيع بين ما تربى عليه وما تمليه عليه ظروفه الحالية.

راحت يده تفرك جبهته بعنف وكأنما يحاول محو أفكار تتزاحم في رأسه بلا رادع.

لقد صرت ممسوسًا الآن… لكن حتى لو كنت كذلك، فهناك العديد من الممسوسين على ما أظن.

لست الأقوى بالتأكيد، لكني لست الأضعف أيضًا.

وإن الطريق الذي سأختاره سيحدد الكثير من الأمور.

لم يكن نومريس في هذه اللحظة يفكر في المهمة التي تركها له فورتكس، بل فيما سيفعله هو بحياته؛ فهو ببساطة لا ينتمي إلى أي جهة.

وبمجرد انتهاء هذه المهمة، كان عليه البحث عن أمه، وإن لم يجدها في السجن فسيبحث عنها في مكان آخر.

ماذا عليّ أن أفعل؟

شعر أن الأفكار لم تعد مجرد خواطر عابرة في عقله، بل تحولت إلى كائنات حية تتصارع على البقاء داخل رأسه.

كان يدرك تمام الإدراك أن الوقوف في المنتصف لم يعد خيارًا متاحًا، فالبقاء في المنطقة الرمادية يعني أن تلتهمه الأطراف المتصارعة معًا.

ما كان يشغل بملك بحق هو ما سيترتب عليه إن هو قتل شخصًا ما.

لقد مات رجل على يد ذلك الكيان الخاص به؛ في المقام الأول، كان يظن أن الرجل لا يزال على قيد الحياة، ولم يعلم بموته إلا بعد مرور أيام.

ورغم ذلك، كان كل شيء يسير على ما يرام ولم يشعر بأي ذنب، فقط لأنه لم يقتله بيده مباشرة حتى لو كان السبب الرئيسي في حتفه.

سيأتي يوم عليّ أن أقتل فيه للبقاء على قيد الحياة… إن بقيت على سذاجتي، سأكون مجرد أداة رخيصة تحركها أصابع الآخرين متى شاءوا.

وإن حاولت أن أكون ذكيًا وألعب بالنار، فقد أحرق نفسي ومن أريد حمايتهم قبل أن أصل إلى أي شيء.

وضع نومريس رداءً أسود فوقه، حتى غطّى سيفه، ثم أخفاه تحت ردائه. خرج من الغرفة، ونزل الدرجات بخطوات متثاقلة حتى حطّت قدماه في الشارع، بينما كان ذهنه مشتتًا، يتخبط في أسئلة لم يجد لها جوابًا بعد.

حقيقة أني لا أعرف الكثير عن العالم هي أكبر نقاط ضعفي، رغم أني أدركت بعض الأمور، لكن تلك الأمور لم تزدني إلا إدراكًا لمدى اتساع هذا العالم. كأن جدرانه أخذت تتمدد من حولي، ولم أعد أفهم شيئًا.

كان الشارع مكتظًا بالمارة.

أصوات الباعة تعلو من كل جانب، وعجلات عربات الخيول تحتك بالأرض المبللة، لكن نومريس كان في عالم آخر.

كانت قدماه تسيران آليًا بين الحشود، بينما كان عقله يغلي بالأسئلة المتداخلة والصراع الذي يمزقه من الداخل.

لم يلاحظ الرجل الضخم الذي كان يعترض طريقه، فاصطدم به بعنف حتى كادت الحقيبة الجلدية التي يمسكها الرجل أن تسقط من يده.

التفت الرجل الضخم بملامح غاضبة، ودفعه بصدره، صائحًا بنبرة خشنة مليئة بالاستخفاف:

«أيها العبد الحقير! أعمى أنت أم ماذا؟! ألا تفتح عينيك وأنت تمشي، يا ابن العاهرة؟!»

تقدم رجل آخر كان يرافقه، ورمق نومريس بنظرة احتقار، ثم قال بسخرية مقيتة:

«دعك منه، ألا ترى ملابسه الغريبة؟ يبدو أنه هبط للتو من قرى الهمج، ولا يعرف كيف يسير حتى!»

أبقى نومريس عينيه مسمّرتين في عيني الرجل الضخم. كان طرف سيفه قد برز قليلًا عندما اصطدم به، فتغير تعبير الرجل بمجرد أن لمح النصل.

تجاهل نومريس تمامًا كل تلك الكلمات النابية والشتائم التي كانت تتساقط حوله كالحصى.

انظر إلى هذا المغفل… تغيرت ملامحه عندما لمح طرف السيف.

وفي تلك اللحظة، سمع نومريس امرأة في الجانب وهي تبعد فتاها عنه.

«لا تقترب، يا بني. إنه عبد.»

هذه الكلمة مرة أخرى.

لمح نومريس تلك النظرات الدونية التي انهالت عليه.

لو قمت بقطع رأس هذا الرجل، هل ستتغير أفكارهم؟

نعم… أولًا ستصرخ المرأة، وسيبتعد الرجل الذي يقف بالقرب من هذا الضخم، لكنني سأجذب المشاكل إليّ.

يمكنني فعل شيء آخر.

الاختفاء في زقاق مظلم، واستخدام قدرتي، دون أن يشك أحد بي.

لكن إن فعلت هذا، ماذا سأجني؟

هل ستتغير نظرات الناس إليّ؟

هل ستتغير بسبب هذه الملامح التي أملكها؟

لا.

لن تتغير.

تنهد نومريس، ثم تجاوزهم بهدوء وبطء، بخطوات ثابتة لم تهتز، وكأنهم مجرد أثاث صامت على جانب الطريق.

«توقف!»

تحدث الرجل الضخم.

استدار نومريس، وطالع الرجل لبرهة، ثم قال:

«هل هناك شيء يمكنني مساعدتك فيه؟»

«مساعدتي؟»

ارتعد الرجل الضخم قليلًا وهو يتحدث:

«أين هو سيدك، يا هذا؟»

تسمّر نومريس في مكانه لبرهة.

أين هو سيدي؟

بطبيعة الحال، أنا سيد نفسي.

قالها في نفسه فقط، ولم يهتم بكلام الرجل.

وفي المقابل، وجه إليه السؤال نفسه:

سيدك أنت؟

أين هو؟

«ما الذي تتحدث عنه؟»

قال الرجل بغضب، وكان على وشك أن يشتمه، لكنه صمت عندما تذكر السيف.

ابتسم نومريس.

الخوف دائمًا يجعل قرارات الناس تتغير.

سواء كان الخوف من الموت، أو الخوف من الفشل، أو الخوف من السير في الظلام.

في الحقيقة، كان كلام نومريس صحيحًا.

لو كان المرء يسير في طريق مظلم، ثم ظهر أمامه طريقان، أحدهما مضاء والآخر يواصل امتداد الطريق المظلم، فمن الطبيعي أن يختار الطريق المضيء.

لماذا؟

لأنه يستطيع أن يرى ما ينتظره أمامه.

نهاية الفصل