ملحمة سليل الخوف الفصل 29 — ملحمة سليل الخوف 29

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 29 — ملحمة سليل الخوف 29 باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت قبيلة ماكنزي تغرق في هدوءٍ ثقيل، حين جلس واتسن أمام سكوادر، ممسكًا بملصق نومريس بين يديه. كانت عبارة «مطلوب حيًا. المكافأة: ألف قطعة فضية» واضحة في أسفل الملصق، بينما استقرت صورة الفتى في منتصفه.

جلس سكوادر قبالته على كرسي خشبي عتيق، وأحاط به شيوخ القبيلة الاثنا عشر، يحدقون في الرجل الغريب بفضولٍ لم يحاول أحد منهم إخفاءه.

رفع واتسن الملصق قليلًا، ثم قال:

"إذًا… هذا هو العبد الذي اشترته قبيلتكم قبل عامين؟"

وبجواره كان دفتر صغير مفتوحًا على ركبته، أخذ يراجع الملاحظات المتفرقة، بينما ظل اسم نومريس حاضرًا أمام عينيه.

قال أحد الشيوخ، بن جامات، مستفسرًا:

"هل تعرف هذا الفتى، سيد واتسن؟"

تأمل واتسن صورة نومريس للحظات، ثم لم يجب عن السؤال. بدلًا من ذلك، رفع عينيه إلى سكوادر وسأل:

"إلى أين ذهب؟"

تبادل الشيوخ النظرات، ولم يجد أحد منهم جوابًا.

أما سكوادر، فظل يقرع أصابعه على فخذه ببطء، قبل أن يقول بنبرة يغلب عليها الفضول:

"ما الذي فعله فتى في مثل سنه بشخصٍ مثلك، سيد واتسن؟ أنا فضولي حقًا لمعرفة ذلك. ومع أن الصبي كان لا يزال صغيرًا عندما قدم إلينا، فإنه لم يكن قد أيقظ جنينه بعد."

اتسعت عينا واتسن قليلًا، وبدا عليه شيء من الدهشة.

"ه… هل أصبح الفتى ممسوسًا؟"

هز سكوادر رأسه.

"نعم. لقد أصبح ممسوسًا داخل القبيلة، بل إنه تسبب في مقتل أكثر من سبعين شخصًا من قبيلتي داخل العالم الروحي."

تجمدت ملامح واتسن للحظة.

نومريس… ممسوس؟ لم أسمع بهذا من قبل.

ثم رفع نظره إلى سكوادر.

"حتى نحن لم نسمع بذلك من قبل. كنا مندهشين في البداية أيضًا. لكن الأمر ازداد غرابة بعدما أسقط زعيم قبيلة سربيل طلب القبض عليه. لا يزال الأمر غامضًا بعض الشيء."

سكت سكوادر لحظة، ثم قال:

"السؤال ليس لماذا أسقط طلب القبض عليه… بل ما دافع زعيم تلك القبيلة لفعل ذلك؟"

صمت ثم أضاف:

"لقد قدمت طلبًا للقبض عليه، كما أنه في الأساس عبد تابع لقبيلتي. والعبد يجب أن يبقى عبدًا حتى تُدفع فديته.

أرسلت كذلك استفسارًا إلى زعيم قبيلة سربيل، ومن المفترض أن يصل المرسول قريبًا. عندها سنعرف سبب تراجعه."

ظل واتسن صامتًا لبرهة، ثم أغلق دفتره ونهض من مكانه.

"يبدو أنني أتيت إلى المكان الخطأ."

ثم تنهد وأردف:

"لكن عليّ أن أجده بسرعة. كلما طال الأمر، ازدادت الأمور سوءًا."

نظر إلى الملصق مرة أخرى.

من كلام هؤلاء الأشخاص، لا يفقه الفتى شيئًا عن الطرق أو الأماكن التي يوجد فيها. غالبًا ما يكون تائهًا في إحدى الغابات. وإن لم تفترسه الوحوش، فمن المرجح أن يموت جوعًا.

أعاد الملصق إلى يده، ثم قال:

"أقرب قبيلة إلى هنا تبعد نحو عشرين ميلًا. سأبدأ البحث من هناك."

توقف للحظة، ثم أضاف بنبرة حازمة:

"ولا ينبغي لأحد أن يعرف بأمر تلك الرسمة… قبل أن أجده."

استدار واتسن وغادر، تاركًا خلفه سكوادر والشيوخ يتابعونه بنظرات متباينة.

وقبل أن يخطو واتسن أولى خطواته خارج الغرفة، جاءه صوت سكوادر من خلفه:

"هل سترحل هكذا فحسب؟"

توقف واتسن، ثم أدار رأسه نحوه.

"قدومي إلى هنا كان من أجل الفتى في الأساس. وبما أنه لم يعد موجودًا، فلا سبب يدعوني للبقاء."

ضحك سكوادر بخفة، ثم قال:

"أرجو منك، يا صديقي، أنه إذا لمحت أي أثر له، أن تخبرنا بذلك. فنحن نتطلع إلى استعادة العبد وتسليمه إلى صاحبه."

ارتسمت على وجه واتسن ابتسامة ساخرة.

"بالطبع."

ثم استدار وغادر، واختفى خلف باب الغرفة.

وما إن غادر حتى التفت جميع الشيوخ إلى سكوادر.

كان أول من تحدث مانيس، وقد عقد حاجبيه وهو يسأل:

"ما الذي سنفعله الآن، أيها الزعيم؟"

أجاب سكوادر دون تردد:

"ما الذي سنفعله برأيك؟ سنحاول، بطبيعة الحال، القبض على الفتى وإعادته."

ثم نظر إلى مانيس، وأردف:

"ستُكلَّف أنت والشيخ بن جامات ودونتيس بالبحث عنه."

ساد الصمت للحظات، قبل أن يتنهد سكوادر ويقول:

"كان من المفترض أن تكون المهمة سهلة لو كان جوي لا يزال في القبيلة، لكن اختفاءه جعل بعض الأمور أكثر صعوبة مما توقعت."

ثم أطرق قليلًا، وتمتم:

"ترى… إلى أين ذهب؟ أفعاله غريبة مثله."

مدينة نيڤيريا، الشارع رقم 5، الضاحية الجنوبية

اليوم الثاني والعشرون من تشرين الثاني

تسلل ضوء قرمزي باهت من خلف ستائر ذهبية تتدلى أمام نافذة كبيرة، وانسكب بخفوت على أرضية غرفة واسعة، فصبغ أطراف الأثاث بوهجٍ أحمر شاحب.

كانت المدينة في الخارج تضج بحركةٍ بعيدة، بينما ظل داخل الغرفة هادئًا على نحوٍ يكاد يكون منفصلًا عن العالم.

في مكانٍ ما خلف تلك الستائر…

جلس شخصان متقابلين في الغرفة.

كان نومريس يضم سيفه الأسود إلى صدره، بينما يحدق باهتمام في شيء غريب يحوم فوق رأسه، يشع بألوان مختلفة تتبدل بهدوء، كأنها أضواء حية لا تستقر على حال.

ابتسم فورتكس وهو يراقب ملامح الفتى التي امتلأت بفضولٍ لم يره عليه من قبل.

رفع نومريس رأسه نحوه، وقال بنبرة اعتذار:

"لم أرَ شيئًا كهذا من قبل… اعذرني، لقد سهوت قليلًا."

"لا عليك."

ظل نومريس للحظات يراقب ذلك الشيء، قبل أن يعيد نظره إلى فورتكس.

"إذًا… ماذا سنفعل الآن؟ من هو الشخص الذي سنقوم باغتياله؟"

ثم تردد قليلًا، قبل أن يستطرد:

"لكن قبل ذلك… لم تخبرني من قبل عن الشخص الذي تسعى إلى لقائه في هذه المدينة."

صمت فورتكس لحظة، ثم نظر إليه باهتمام.

أجاب نومريس بنفسه، وكأنه لم يعد يرى سببًا لإخفاء الأمر:

"أريد البحث عن أمي. لم أرها منذ عامين… وهي في أحد سجون هذه المدينة."

توقف قليلًا، ثم أضاف:

"يمكن القول… المكان الذي يُسجن فيه العبيد."

ضيق فورتكس عينيه قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.

شعر نومريس بالفضول.

"لماذا تبتسم؟"

ظل فورتكس ينظر إليه للحظات، ثم سأل:

"هل كنت مسجونًا أنت أيضًا في ذلك المكان؟"

أومأ نومريس برأسه.

"نعم. بعد أن تمت مهاجمة قبيلتنا، أحضرونا جميعًا إلى هذه المدينة."

اختفت ابتسامة فورتكس فورًا.

"قبيلة بأكملها… ثم جرى اقتيادها إلى السجن؟"

"نعم."

خفض نومريس عينيه، وشدت أصابعه على مقبض سيفه.

"لقد تم بيع الكثير منا. لا أعرف إن كانت أمي لا تزال في ذلك السجن… أو إن كانت قد بيعت. لكن يجب عليّ أن أعرف الشخص الذي بيعت له."

خرجت الكلمات من حلقه مخنوقة، وكأن كل كلمة كانت تنتزع من داخله بالقوة. كان يشعر بالعجز، وهذا الشعور وحده كان كافيًا ليجعله يكره نفسه.

راقبه فورتكس بصمت، ثم سأل بجدية ظهرت بوضوح على ملامحه:

"هل تريد الانتقام من الأشخاص الذين فعلوا ذلك بقبيلتك؟"

ظل نومريس صامتًا للحظات.

لم يكن يعرف الإجابة.

"في الحقيقة… لا أعرف."

رفع عينيه، وتغيرت ملامحه قليلًا.

"لكن هناك شخصًا واحدًا أتمنى أن أقطع يده."

توقفت أنفاسه للحظة، حين عادت إلى ذاكرته صورة الرجل صاحب الندبة، وهو يجر أمه من شعرها.

شد نومريس قبضته.

ثم قال فورتكس:

"سبب ابتسامتي قبل قليل هو أن هدفنا في هذه المهمة هو مدير ذلك السجن… روبرت فيسك."

ابتلع نومريس ريقه.

"هل هذا صحيح؟"

ثم أضاف بحذر:

"وهل هذا شيء سأضطر إلى الكذب فيه فعلًا؟"

أخرج فورتكس دفترًا صغيرًا من جيبه، وفتحه على إحدى صفحاته.

"روبرت فيسك… مدير سجن العبيد في المدينة."

مرر عينيه على السطور، ثم تابع:

"يتلاعب بالعديد من الأمور في الخفاء. يتاجر بالأطفال، وخصوصًا الفتيات، كما يتاجر بأعضاء البشر."

توقف لحظة، قبل أن يضيف بنبرة أكثر قتامة:

"لكن أقبح ما يُعرف عنه… هو اغتصاب الأطفال."

ظل نومريس يستمع باهتمام، وكلما سمع شيئًا جديدًا ازدادت ملامحه قتامة.

"كل هذه الأشياء…"

قبض على يده.

"هذا ليس إنسانًا… إنه وحش."

أغلق فورتكس دفتره، ثم قال بهدوء:

"وهل يمكن أن نطلق عليه لقبًا غير ذلك؟"

ساد الصمت للحظات.

عادت إلى ذهن نومريس ذكريات نزل مارغريت، حين كانت تحاول إقناعه بالانضمام إليها، وحين أخبرته أن بعض من ستكلفه بقتلهم ليسوا سوى أشخاصٍ يؤذون الآخرين.

أدرك الآن ما كانت تقصده.

إنهم أشخاص سيئون في الأساس… قتلهم سينقذ عددًا كبيرًا من الناس.

رفع نومريس عينيه إلى فورتكس.

"متى سنبدأ؟"

أجاب فورتكس:

"الأمر ليس بهذه السهولة."

ثم أعاد الدفتر إلى مكانه، واستطرد:

"علينا أولًا تريت قليلاً، ومعرفة الوقت الذي يكون فيه روبرت فيسك بمفرده داخل السجن."

صمت قليلًا، ثم أردف:

"وبما أن حادثة قتل وقعت هناك مؤخرًا، فالأمر سيكون معقدًا بعض الشيء."

نظر إلى نومريس، ثم ابتسم بثقة.

"لكن لا تقلق… سننفذ مهمتنا."

بعد أن أنهى فورتكس حديثه، خيم الصمت على الغرفة للحظات.

لم يجد نومريس ما يقوله. ظل يفكر في روبرت فيسك، وفي السجن الذي قد تكون أمه ما تزال محتجزة فيه.

وبعد وقت قصير، قرر الاثنان أن يتركا الحديث إلى الغد.

كان اليوم طويلًا، ولم يكن هناك ما يمكن فعله في تلك الليلة.

استلقى نومريس على السرير، ووضع سيفه الأسود إلى جواره، ثم أغمض عينيه.

أما فورتكس، فجلس في الجهة الأخرى من الغرفة لبعض الوقت أمام نافذة والقمر القرمزي في السماء الصافية.

تدريجيًا، خفتت الأصوات القادمة من الشارع، وغرقت الغرفة في السكون.

وانتهت تلك الليلة دون أن يعرف نومريس ما الذي ينتظره في اليوم التالي.

—

مع بزوغ الصباح…

بدأت خطواتهما الأولى نحو هدفهما.

نهاية الفصل