وصل نومريس برفقة مارغريت وفورتكس إلى متجرٍ مخصص للملابس. وما إن لمحهم صاحب المتجر حتى أسرع بالانحناء، ثم استقام وهو يحيي مارغريت باحترام.
"مرحبًا، سيدة مارغريت. متجرنا يتشرف بحضورك."
ابتسمت مارغريت قائلةً:
"أهلًا، سيد هومام. كيف كان يومك؟"
"مشرقًا… وبعد زيارتك لمتجرنا، أصبح أكثر إشراقًا."
انفجر هومام ضاحكًا، بينما اكتفت مارغريت بابتسامة وهي تجول بعينيها بين الملابس المعلقة في أرجاء المتجر.
"أريد ملابس لهذا الفتى."
توقفت عينا هومام على نومريس. بدت الدهشة على وجهه للحظة، إلا أنه سرعان ما أخفاها بعدما أدرك من يكون الشخص الواقف أمامه، أو بالأحرى من تكون مارغريت.
"دعني أرى…"
استدار هومام نحو الملابس، وأخذ يتفحصها بعين الخبير، ثم قال:
"بالمناسبة، سيدتي، قبل يومين عدتُ من مدينة نيڤيريا، وأحضرت معي مجموعة من الملابس الجديدة القادمة من أماكن مختلفة. انتظري قليلًا، سأحضر بعضها."
اختفى هومام خلف إحدى الرفوف، ولم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى عاد وهو يحمل بين ذراعيه عدة قطع من الملابس.
وضع أمامهم خمسة أزياء مختلفة، ثم تنحى جانبًا.
بدأ نومريس يتفحصها بصمت.
لم يكن يعرف الكثير عن الملابس، ولم يكن معتادًا على اختيار ما يرتديه بنفسه. ومع ذلك، توقفت عيناه عند أحد الأزياء دون غيره.
كان أسود قاتمًا، حتى إن لونه بدا وكأنه يبتلع الضوء الساقط عليه.
لفت سواده انتباه نومريس أولًا، ثم راحت عيناه تتنقلان بين طبقاته المتعددة. كان الزي فضفاضًا، تتدلى حول الجسد قطع واسعة من القماش، فيما التف وشاح أسود عريض حول العنق والكتفين، وانساب طرفاه على الظهر وجانبي الجسد.
بدت الأكمام طويلة وواسعة، تتحرك بحرية حول الذراعين، بينما أحاط حزام قماشي عريض بالخصر، تدلت منه عدة أشرطة طويلة وقطع صغيرة من الجلد والمعدن.
وتحت الحزام، ظهر سروال أسود واسع، تجمعت ثنياته حول الساقين قبل أن تضيق أسفل الركبتين بلفافات قماشية محكمة، انتهت عند حذاء أسود خفيف.
لم يكن في الزي شيء من الزخرفة الفاخرة، ولا يحمل مظهر الدروع الثقيلة التي اعتاد نومريس رؤيتها على بعض الرجال. كان بسيطًا، عمليًا، وغامضًا في الوقت ذاته.
شعر نومريس أن كل طبقة فيه صُممت لغرض واضح؛ حرية الحركة، وإخفاء الجسد قدر الإمكان، وربما… الاختفاء في الظلام.
ظل يحدق فيه لثوانٍ، قبل أن يشير إليه دون تردد.
"أريد هذا."
كان هومام لا يزال يتأمل الزي الذي اختاره نومريس، قبل أن يقول:
"اختيار جيد."
أضاف بعد لحظة:
"هذا الزي صُمم أصلًا في قبيلة مياميار، جنوب إقليم سيتان فري، وهو مخصص للرحلات الطويلة.
تصميمه فريد من نوعه، والأفضل من ذلك أنه مصنوع بطريقة تجعله سريع الجفاف. مهما غمرته بالماء، فلن تمر سوى بضع دقائق حتى يجف تمامًا."
نظرت مارغريت إلى الزي، ثم أومأت برضا.
"حسنًا، سنأخذ هذا."
ثم أشارت إلى رداء رمادي كان معلقًا إلى جوار بقية الملابس.
"وأريد ذلك أيضًا."
كان الرداء الرمادي مشابهًا للزي الأسود إلى حد كبير، ولا يختلف عنه سوى بعض التفاصيل البسيطة في التصميم.
بعد أن دفعت مارغريت اربعين قطعة نحاسية، غادر الثلاثة المتجر.
كانت مارغريت تحمل الرداء الرمادي الذي اشترته لنومريس، بينما سار نومريس إلى جانبها وفورتكس يتقدمهما قليلًا، يضم كل من ردائه الجديد وسيفه إلى صدره.
لم يقطعوا مسافة طويلة حتى لمح نومريس مجموعة من الرجال في الجهة المقابلة.
توقف دون وعي.
كان عشرة جنود يقفون في صف واحد، يرتدون زيًا موحدًا يغلب عليه السواد. كانت وقفتهم مستقيمة، وحركاتهم منضبطة إلى درجة جعلت من الواضح أنهم ينتمون إلى جهة واحدة.
لكن الرجل الذي يقف أمامهم كان مختلفًا عنهم.
كان كاهنًا من كنيسة اتحاد الأمم.
ارتدى رداءً أسود طويلًا امتد حتى أسفل ساقيه، تتخلله ألواح من القماش الأبيض على جانبي جسده وعلى أطراف أكمامه، وقد زُينت حوافها بخطوط دقيقة ذات لون فضي باهت.
كانت ياقة الرداء مرتفعة تحيط بعنقه، بينما استقر على صدره رمز السيف الخاص بكنيسة اتحاد الأمم، مثبتًا بوضوح فوق القماش الأسود.
وأحاط حزام عريض بخصره، تدلت منه سلاسل معدنية صغيرة وقطع مختلفة من المعدات، بينما انساب طرفا الرداء خلفه مع كل حركة.
لم يكن مظهره يشبه الجنود المحيطين به؛ فلم يرتدِ درعًا ثقيلًا، ولم يحمل ما يوحي بأنه بحاجة إلى حمايته.
كان زيه أكثر وقارًا، يجمع بين هيئة رجل دين وسلطة رجل اعتاد إصدار الأوامر.
أما غطاء الرأس الأسود الذي أحاط بجانبي وجهه، تاركًا ملامحه ظاهرة جزئيًا، فقد أضفى عليه قدرًا إضافيًا من الهيبة والغموض.
وعلى الرغم من بساطة التصميم، كان شعار الكنيسة حاضرًا في تفاصيل زيه؛ من أطراف الرداء إلى الحزام والمعلقات المعدنية، حيث تكرر رمز السيف بدقة واضحة.
توقفت مارغريت عن السير.
أما فورتكس، فوضع يده بالقرب من سلاحه، وظل يحدق في الرجال أمامهم بحذر.
شعر نومريس بالتوتر فورًا.
لم يكن يعرف من هؤلاء الأشخاص، ولا سبب وقوفهم في طريقهم.
رفع الكاهن ملصقًا أمام مارغريت، ثم قال:
"نومريس، أنت رهن الاعتقال، بسبب جريمة قتل ارتكبتها بحق ابن زعيم قبيلة سربيل."
وفي يده الأخرى كان يحمل كتابًا أسود صغيرًا، ظهر على غلافه شعار الكنيسة نفسه، السيف المحاط بالدائرة.
رفع الكاهن الكتاب قليلًا، ثم قال بنبرة رسمية:
"باسم السيف… عليك التكفير عن جريمتك."
تصلب جسد نومريس، وتسارعت أنفاسه.
ضغط أصابعه بقوة حول مقبض سيفه الأسود.
ليس مرة أخرى…
كان آخر مكان احتُجز فيه هو السجن.
هناك، لم يكن أكثر من عبد يُنقل من يد إلى أخرى، وقد بيعت حياته كما لو كانت سلعة.
ولم يكن مستعدًا للعودة إلى ذلك المكان مرة أخرى.
توالت الأسئلة في ذهنه.
من هؤلاء؟
ومن يكون ابن الزعيم الذي يتحدثون عنه؟
لم يفهم نومريس ما الذي يجري، ولا لماذا يريد هؤلاء القبض عليه.
تقدمت مارغريت خطوة إلى الأمام، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة.
"أنت مخطئ أيها الكاهن. الفتى لم يرتكب أي جريمة."
نظر الكاهن إليها، ثم إلى نومريس، قبل أن يقول:
"آنسة مارغريت، العبد الذي يقف بجانبك قتل شخصًا. هل تتسترين على مجرم؟ إن واصلتِ ذلك، فسوف يضر الأمر بسمعتك."
تغير تعبير مارغريت قليلًا عند سماع كلمة عبد تخرج من فمه.
لكنها لم تفقد ابتسامتها.
"لقد أخبرتك. الفتى لم يرتكب أي جريمة."
تدخل فورتكس بصوت منخفض:
"ماذا سنفعل، مارغريت؟"
أجابته دون أن تلتفت إليه:
"انتظر فقط قليلًا."
رفع الكاهن حاجبه.
"آنسة، أنت تعيقين تقدم الكنيسة. وهذه جريمة لا تُغتفر."
"الكنيسة…؟"
خرجت الكلمة من فم نومريس على هيئة تمتمة.
كانت هذه المرة الثانية التي يسمع فيها هذا الاسم.
المرة الأولى كانت عندما ذكره فورتكس.
أما الآن، فقد فهم أن الجهة التي تقف أمامه تنتمي إليها.
في المنطقة التي عاش فيها نومريس، لم تكن هناك سوى كنيسة واحدة تخدم القبائل الأربع، وكانت تقع داخل قبيلة سربيل. وبما أنه لم يغادر قبيلة ماكنزي قط، لم تكن لديه أي معرفة بها أو بما تمثله.
حدقت مارغريت في نومريس للحظات، ثم سألت:
"أنت متأكد من أن هذا هو الفتى الذي قتل ابن زعيم القبيلة؟"
لكن قبل أن يأتيه جواب، رفع يده وأمر من خلفه:
"أحضروا الفتى. لا جدوى من الكلام."
تحرك الجنود.
تقدموا واحدًا تلو الآخر.
اتسعت عينا نومريس، وقبض يده حول سيفه بقوة أكبر.
لا… لن أعود إلى السجن.
كان على وشك سحب سيفه، حين دوى صوت حوافر مسرعة من خلف الجنود.
التفت الجميع.
كان أحد الجنود يقترب راكبًا حصانًا، وقد بدا من سرعته أنه يحمل خبرًا عاجلًا.
توقف أمام المجموعة، ثم ترجل بسرعة من على السرج، وانحنى وهو يضع يده على صدره.
"المجد للقدماء."
توقفت حركة الجنود جميعًا.
وردوا بصوت واحد:
"المجد للقدماء."
اقترب الجندي من الكاهن، ثم همس في أذنه.
تغيرت ملامح الكاهن فورًا.
أما مارغريت، فقد ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة.
ثم قالت ببساطة:
"هيا بنا."
استدارت ومضت دون أن تنتظر تفسيرًا.
لم يفهم فورتكس ما الذي حدث، لكنه تبعها.
ولم يجد نومريس سببًا للبقاء، فتبعهم هو الآخر.
رفع الكاهن يده نحو جنوده.
"أفسحوا الطريق."
امتثل الجنود فورًا، وتراجعوا جانبًا.
وحين مرت مارغريت من أمامه، قال الكاهن:
"يبدو أنه كان مجرد سوء فهم، يا آنسة مارغريت. نأسف على ما حدث."
لم تجبه مارغريت.
واصلت سيرها، ويداها معقودتان خلف ظهرها، وكأن شيئًا لم يحدث.
ظل نومريس ينظر إلى الجنود والكاهن للحظات، قبل أن يسأل:
"من هؤلاء؟"
التفت فورتكس إليه باستغراب.
"ماذا؟ أنت لا تعرف جنود الكنيسة؟"
هز نومريس رأسه.
تنهد فورتكس، ثم قال:
"يا لك من جاهل… كيف لا تعرف كنيسة اتحاد الأمم؟ إنها أكبر منظمة في العالم، وتفرض نفوذها على مختلف أرجائه."
ألقت مارغريت نظرة على فورتكس قبل أن تهمس:
"الفتى لا يعرف الكثير عن العالم."
أومأ فورتكس لنفسه، ثم تابع:
"حسنًا، سأخبرك ببعض الأمور عن الكنيسة. ومن الأفضل لك، من الآن فصاعدًا، أن تتجنب الاصطدام بهم. إنهم مزعجون للغاية."
سكت لحظة، ثم نظر إلى نومريس بجدية أكبر.
"لن تجد مكانًا في هذا العالم إلا وستجد لهم فيه وجودًا. لقد نشروا جذورهم في كل مكان."
ثم خفض صوته قليلًا.
"حتى الحروب التي تحدث في الخفاء… ستجد فيها خيطًا يقود إليهم."
رفع نومريس حاجبه، وظل يستمع إليه باهتمام.
أما فورتكس، فابتسم ابتسامة غامضة وهو يقول:
"يطلقون على أنفسهم اسم حماة العالم…"
ثم صمت للحظة، قبل أن يضيف:
"لكنهم أعمق من ذلك بكثير."
"حماة العالم…" تمتم نومريس، وهو يحدق في السماء الشاحبة.
لم يكن يعرف إن كان عليه تصديق ما سمعه.
لا تثق بكل ما تسمعه… فهم مجرد مجموعة من الأوغاد.
تابع فورتكس حديثه:
"إنها منظمة ضخمة، ولها تاريخ طويل. يُقال إنها تأسست في الحقبة السابقة، بل إن بعضهم يذهب إلى أنها تعود إلى الحقبة الخامسة."
توقف قليلًا، ثم أردف:
"لكن لا شيء من ذلك مؤكد حتى الآن."
استمع نومريس باهتمام، إلا أن معظم ما قاله فورتكس ظل غامضًا بالنسبة إليه. كان يسمع للمرة الأولى عن منظمة بهذا الحجم، وعن حقبٍ لم يكن يعرف حتى بوجودها.
وبعد لحظة، سأل:
"بالمناسبة… مارغريت، لماذا سمحوا لنا بالمرور؟"
التفتت مارغريت إليه، ثم ضحكت بخفة.
"من يدري؟"
قطب فورتكس حاجبيه.
"من يدري؟ ما هذا المزاح؟ أعرف أن لك يدًا في الأمر. ماذا فعلتِ؟"
ألقت مارغريت عليه نظرة جانبية، ثم أجابت بلا مبالاة:
"أنت كثير الكلام يا فورتكس. لم أفعل شيئًا."
لم يبدُ على فورتكس أنه صدقها، لكنه لم يجد ما يقوله.
—
في مكان آخر…
دخل الكاهن إلى مقر الكنيسة بخطوات هادئة، وما إن وصل إلى إحدى القاعات حتى لمح ليجولاس جالسًا بمفرده يتناول طعامه.
كان المكان صامتا بارد للغاية، بسبب الأحجار التي بنيت بها الكنيسة.
تقدم الكاهن منه، ثم وقف أمامه.
"سيد ليجولاس، ماذا يحدث؟ لقد أُلغيت أوامر اعتقال ذلك الفتى."
ابتلع ليجولاس لقمته ببطء، ثم رفع عينيه إليه.
اتكأ إلى الخلف في مقعده، وقال بهدوء:
"ولماذا أفعل شيئًا كهذا؟"
تردد الكاهن للحظة، ثم سأل:
"إذًا، ماذا حدث؟"
ابتسم ليجولاس.
"زعيم قبيلة سربيل هو من أسقط أمر الاعتقال. أوضح أن ما حدث لم يكن سوى سوء فهم، وأن ابنه قُتل على يد شخص مجهول."
ظل الكاهن صامتًا.
تابع ليجولاس:
"وبناءً على ذلك، أُسقط الملصق أيضًا من جميع الكنائس. الصبي لم يعد مطلوبًا. هذا كل ما في الأمر."
تنهد الكاهن، ثم قال:
"إذا كان الأمر كذلك… فلماذا قد يفعل زعيم قبيلة سربيل هذا؟"
رفع ليجولاس كتفيه بلا اكتراث.
"ذلك شأنه، وليس شأني."
ساد الصمت للحظات، قبل أن يضيف:
"على أي حال، سأتوجه إلى العاصمة نيڤيريا. لدينا اجتماع مهم هناك."
رفع الكاهن رأسه.
"هل هو اجتماع السنة؟"
هز ليجولاس رأسه.
"لا. اجتماع السنة سيكون في نهاية الشهر القادم، كما هو مقرر دائمًا."
"إذًا، متى ستغادر، سيد ليجولاس؟"
أجاب ليجولاس بعد لحظة:
"غدًا… على ما أظن."
—
مر الوقت سريعًا.
وكما كان متوقعًا، لم يستطع نومريس الوقوف على قدميه في اليوم التالي، بسبب الإجهاد البدني.
سقط مريضًا، وبقي طريح الفراش عاجزًا حتى عن النهوض.
كان من المقرر أن يغادروا في ذلك اليوم، لكن حالته أجبرت فورتكس على تأجيل الرحلة.
وقفت مارغريت بالقرب منه، ثم نظرت إلى نومريس الراقد على الفراش.
قال فورتكس بنبرة تحمل شيئًا من السخرية:
"لقد أخبرته بذلك، وها هي النتيجة أمامك."
نظرت إليه مارغريت، ثم قالت بهدوء:
"لا عليك، فورتكس. الفتى لديه مبرر لذلك."
توقف فورتكس لحظة، ثم نظر إليها باستغراب.
"لماذا تدافعين عنه؟"
لم تجبه مارغريت، واكتفت بنظرة غامضة.
تأخر موعد الانطلاق يومين آخرين.
وأخيرًا، جاء اليوم الذي وقف فيه نومريس في الخارج إلى جانب فورتكس، بينما كانت مارغريت أمامهما.
نظرت إليهما للحظات، ثم قالت:
"اهتما بأنفسكما."
ابتسم فورتكس بثقة، وأجاب:
"سنفعل ذلك، لا تقلقي."
ثم استدار نحو الطريق وقال:
"هيا بنا."
أومأ نومريس برأسه.
كانت هذه اللحظة التي طالما انتظرها.
فمنذ أن غادر قبيلة ماكنزي، لم يكن في ذهنه سوى وجهة واحدة.
العاصمة.
نيڤيريا.
نهاية الفصل