ملحمة سليل الخوف الفصل 27 — ملحمة سليل الخوف 27

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 27 — ملحمة سليل الخوف 27 باللغة العربية على مانجا تايم.

اختلط العرق بماء المطر، بينما كانت أنفاس نومريس المتلاحقة تتعالى مع كل حركة. وتداخلت أصوات احتكاك الحديد، كلما اصطدم نصل بنصل، مع دوي الرعد في السماء وتراقص ومضات البرق بين الغيوم.

كان القمر القرمزي يلقي أشعته الباهتة عبر السحب المتراكمة، غير أنه لم يكن ظاهرًا بالكامل، وكأن الغيوم تتعمد حجبه عن هذا المكان.

سقط نومريس على ركبتيه، يحدق في الكيان الأسود أمامه، وقد أنهك جسده تمامًا.

مر الوقت سريعًا منذ مغادرة فورتكس، حتى إن نومريس لم يعد يعرف كم مضى من الليل. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا؛ لقد بلغ من الإرهاق حدًا لم يختبره من قبل.

كانت رائحة العرق تفوح من جسده، إلا أن قطرات المطر الغزيرة سرعان ما غسلتها، وانحدرت فوق وجهه وشعره وملابسه قبل أن تسقط على الأرض المبتلة.

ومع بزوغ الصباح، كان نومريس لا يزال غارقًا في نوم عميق داخل الساحة التي تدرب فيها طوال الليل.

أحاطت المياه بالمكان بعد أن تراكمت فوق لأرضية، بينما بقي هو ساكنًا في وسطها، عاجزًا عن الاستيقاظ من شدة التعب.

فتح فورتكس الباب الخلفي للنزل، وما إن خرج حتى وقعت عيناه على نومريس.

تأمل ملامحه لبضع لحظات، ثم لاحظ أن الفتى كان لا يزال ممسكًا بسيفه، ضامًّا إياه إلى صدره حتى أثناء نومه.

هل قضى هذا الصبي الليل كله في التدريب؟

تساءل فورتكس في نفسه.

دقق النظر فيه قليلًا، لكنه لم يرد إزعاجه. أغلق الباب بهدوء، وترك نومريس يواصل نومه.

وفي الليلة التالية، تكرر الأمر ذاته.

بعد أن تناول نومريس طعامه، عاد إلى التدريب. كان جائعًا بصورة شديدة، نتيجة للطاقة التي استنزفها خلال اليوم، لذلك أخذ قسطًا قصيرًا من الراحة قبل أن يعود إلى الساحة من جديد.

وقف فورتكس يراقبه من بعيد، وكلما لاحظ خطأً في حركته أو وقفته، كان يوجهه ويصحح له ما يفعل.

هذه المرة، لم يكن نومريس يتدرب مع ذلك الكيان، بل اكتفى بالتلويح بسيفه والتدرب على الحركات التي تعلمها.

وبعد فترة، دخل فورتكس الساحة وبدأ التدريب معه أيضًا.

علّمه أشياء أخرى، وشرح له تفاصيل لم يكن نومريس يعرف عنها شيئًا. ومع ذلك، لم يكن الفتى غبيًا؛ كان يتذكر كل كلمة تُقال له، ويحفظ التعليمات بسرعة، كما يتذكر الأحلام التي اعتاد رسمها على الورق.

لاحظ فورتكس علامات الإرهاق الواضحة على جسده، لكنه لم يتوقف.

أما نومريس، فلم يكن يرى في التعب سببًا كافيًا للتراجع.

كان هناك شيء في داخله يدفعه إلى الاستمرار، وكأن التوقف لم يعد خيارًا بالنسبة إليه.

حتى عندما كانت ساقاه تخذلانه ويسقط على الأرض، كان يعود إلى الوقوف من جديد.

وفي كل مرة كان يفكر فيها بالتوقف، كانت صورة أمه تظهر في ذهنه.

أمه…

وكان ذلك كافيًا ليجبر جسده على النهوض مرة أخرى.

بعد مدة، توقف فورتكس عن الحركة تمامًا.

حدق فيه نومريس، ثم سأل وهو يلهث:

"ما بك؟"

أجابه فورتكس بجدية:

"عليك أن تتوقف. ما تفعله الآن غير معتاد على جسدك، ولن يؤدي إلا إلى إنهاكك."

هز نومريس رأسه، وقال وهو يحاول التقاط أنفاسه:

"لا بأس… يمكنني الاستمرار أكثر."

تنهد فورتكس، ثم رد بحزم:

"بلى، عليك أن تتوقف. هذا سيؤثر في جسدك لاحقًا."

صمت لحظة، ثم أردف:

"التدريب لا يكون بهذه الطريقة. عليك أن تتدرج فيه. لو كان جسدك ساخنًا بدرجة كبيرة، ثم خرجت فجأة إلى جو بارد، ماذا تظن أنه سيحدث لجسدك؟"

وقف نومريس صامتًا، ينظر إليه بجهل واضح.

فهو لم يكن يعرف شيء الكثير، ولا عن التدريب، ولا عن هذا العالم أصلًا.

لقد نشأ في قبيلته بعيدًا عن كل هذه الأمور، وفي النهاية لم يكن سوى فتى يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا.

ماذا كان يمكن لفتى في مثل سنه أن يعرف؟

ومع ذلك، كان يمتلك عقلًا قادرًا على التعلم بسرعة.

بعد يومين، عادت مارغريت.

وقفت عند الباب الخلفي للنزل، تراقب فورتكس وهو يتدرب مع نومريس. لم يتبقَّ على موعد المهمة سوى ثلاثة أيام، وكان عليها أن تتأكد من أن الفتى مستعد بما يكفي.

فجأة، لمح فورتكس مارغريت، فتوقف عن الحركة.

لكن سيف نومريس مر بمحاذاة رأسه في اللحظة ذاتها، بعدما تراجع فورتكس بسرعة.

حدق فيه فورتكس بحدة، ثم صاح:

"ماذا تفعل أيها الغبي؟ هل تنوي قتلي؟"

كانت كلماته مبالغًا فيها، لكنه تعمد قولها حتى يشعر نومريس ببعض تقدم.

حدق نومريس فيه باستغراب، ثم أجاب:

"لم أفعل شيئًا. أنت توقفت فجأة."

"حتى لو توقفت، عليك أن تتوقف أنت أيضًا."

صمت نومريس لحظة، ثم أومأ برأسه.

"حسنًا، سأفعل ذلك في المرة القادمة."

ابتسمت مارغريت من بعيد وهي تتقدم نحوهما.

"يبدو أنكما بدأتما تنسجمان."

لوّح فورتكس بيده بلا مبالاة.

"هذا غير ممكن."

ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف:

"هل أكملتِ مهمتك؟"

"ليست مهمة… مجرد بعض العراقيل الصغيرة."

أعاد فورتكس نصله إلى غمده، ثم حدق فيها.

"هل انتهيتِ منها؟"

"بالطبع."

همهمت مارغريت، ثم سألت:

"كيف حال تدريبك؟"

أجاب نومريس:

"بخير."

ابتسمت مارغريت قليلًا.

"لا يزال أمامك وقت طويل، لكن استخدامك للسيف بدأ يتحسن."

أومأ نومريس برأسه دون أن يجيب.

وفجأة، رفعت مارغريت يدها إلى أنفها، وحدقت فيهما باشمئزاز واضح.

"رائحة العرق مقززة. اذهبا واغتسلا."

"لا، ما زلت سأتدرب."

رفض نومريس، وكأنه لم يسمع سوى الجزء الذي يتعلق بالتدريب.

تنهد فورتكس وقال:

"إنه هكذا دائمًا. مهما قلت له، سيواصل إرهاق جسده، ولم يكن يستمع إليّ."

التفتت مارغريت إلى فورتكس.

"عليك أن تغتسل، فورتكس. وأعطه بعض الملابس. سنذهب لشراء بعض الملابس له، فلم يتبقَّ على مهمتكما الكثير."

اعترض فورتكس فورًا:

"ملابسي؟ محال أن أعطي شيئًا منها لهذا الفتى."

نظرت إليه مارغريت باستغراب.

"وإن يكن؟ نحن ذاهبون في الأساس لشراء ملابس له."

تدخل نومريس قائلًا:

"تعجبني هذه الملابس، ولا أريد تغييرها."

مد فورتكس يده نحو نومريس، ثم أشار إليه وهو ينظر إلى مارغريت.

"انظري إليه… رأسه كالحجر. لا يسمع أي كلام."

ابتسمت مارغريت.

"هناك بعض الملابس الجيدة. إن لم تعجبك، فلا داعي لشرائها. لكنك ستحتاج على الأقل إلى ملابس أخرى تغيرها."

ثم التفتت إلى نومريس:

"هيا، استعد."

تردد نومريس قليلًا.

"أيها الفتى، هذا أيضًا جزء من المهمة."

تنهد نومريس، ثم أعاد نصله إلى غمده، قبل أن يعانقه مرة أخرى.

رأت مارغريت ذلك، فحدقت في السيف باستغراب، ثم استطردت:

"لماذا تفعل ذلك بالسيف؟ لماذا تضمه إلى صدرك؟ هل تخشى أن يسرقه أحدهم؟"

لم يجب نومريس، واكتفى بالسير خلفها.

ابتسمت مارغريت عندما رأت ملامحه، ثم واصلت طريقها.

خرج الثلاثة من النزل أخيرًا بعد أن اغتسلوا.

كانت تلك المرة الأولى التي يخرج فيها نومريس من النزل منذ دخوله إليه في اليوم الأول. في ذلك الوقت، كان مرهقًا إلى حد أنه لم يتمكن من رؤية القبيلة كما ينبغي.

أما الآن، فقد وجد نفسه يتأملها بعينين مختلفتين.

كانت القبيلة أكثر ازدحامًا مما تخيل.

مر الناس في الطرقات الترابية، بعضهم يحمل المؤن، وآخرون يقودون الحيوانات، بينما جلس آخرون أمام منازلهم يتبادلون الحديث.

وعلى امتداد المكان، بدت البيوت الخشبية والطينية متقاربة، تتخللها أزقة ضيقة تتفرع في اتجاهات مختلفة.

رفع نومريس عينيه إلى السماء.

كانت الشمس السوداء معلقة فوق رؤوسهم، ترسل أشعتها الشاحبة عبر السماء الصافية.

قالت مارغريت وهي تشير إلى جهة الغرب:

"حسنًا، سنذهب نحو الغرب. هناك متجر للملابس أعرفه، ولديه ملابس مناسبة لأماكن مختلفة."

أومأ الاثنان، ثم بدأوا السير.

كان نومريس يرتدي ملابس خضراء فضفاضة للغاية، إذ كانت أكبر من مقاسه بسبب اختلاف بنيته عن فورتكس.

وفي مكان غير بعيد، كان اثنان من جنود الكنيسة يراقبونهم.

قال أحدهما للآخر:

"إنه ذلك الفتى. سأذهب لإخبار كاهن الكنيسة، وأنت راقبه."

انطلق الجندي بسرعة، بينما واصل الآخر مراقبتهم من مسافة مناسبة.

شعر فورتكس بوجودهما، فالتفت نحو مارغريت وقال بصوت منخفض:

"أليس من المبكر إخراج الفتى بهذه الطريقة؟"

نظر نومريس إلى فورتكس، ولم يفهم عما يتحدث.

أجابته مارغريت بابتسامة عريضة، بينما كانت ترد تحيات أهل القبيلة الذين مروا بهم:

"لا تقلق."

ظل فورتكس يراقب الجندي من طرف عينه.

"أرجو ذلك."

نهاية الفصل