جلس نومريس وحيدًا، وقد كان السيف أمام صدره، معلقًا في الهواء. كان متكئًا إلى الخلف، مغمض العينين، غارقًا في أفكاره، حين انفتح الباب ودخلت مارغريت.
كانت تضم يديها أمام صدرها، وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة.
"هل تأخرت؟"
فتح نومريس عينيه، ثم اعتدل في جلسته.
"قليلًا."
أجابته مارغريت وهي تتقدم إلى الداخل:
"كانت هناك بعض الأمور الصغيرة التي كان عليّ حلها."
"إذًا… هل حُلّت؟"
"لا."
تنهدت مارغريت قليلًا، ثم تابعت:
"لدي بعض الأمور التي يتوجب عليّ تنفيذها بسرعة، لذلك سأحتاج إلى بعض الوقت. عندما أعود، سنتحدث، أو سأترك فورتكس يخبرك ببعض الأشياء."
أومأ نومريس برأسه دون أن يعلّق.
نظرت إليه مارغريت للحظات، ثم قالت:
"حسنًا، يمكنك الانصراف. لا بد أنك جائع…"
نهض نومريس من مقعده، وأومأ لها برأسه، ثم غادر الغرفة الواسعة.
بقيت مارغريت تحدق في ظهره لبعض الوقت، حتى اختفى خلف الباب.
عندها عادت إلى مكتبها وجلست خلفه، ثم أخرجت ملصق نومريس من بين أغراضها.
ثبتت عينيها على صورته للحظات، وكأنها تحاول قراءة شيء مخفي خلف تلك الملامح الهادئة.
ثم وقفت من جديد.
في القاعة، جلس نومريس إلى إحدى الطاولات بمفرده، يتناول طعامه بهدوء، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الحين والآخر نحو الملصقات المعلقة على الجدار.
كانت الملصقات الجديدة قد ظهرت بين تلك القديمة، تحمل صور أشخاص مطلوبين وأسماءهم ومكافآت القبض عليهم.
ولم يكن هو الوحيد الذي لاحظها.
فقد بقي بعض رواد النزل واقفين أمام الجدار، يتفحصون المطلوبين الجدد بفضول، ويتبادلون التعليقات فيما بينهم.
وفي تلك الأثناء، كانت مارغريت تقف مع فورتكس وتتحدث إليه، بينما ظل فورتكس بين الحين والآخر يلقي نظرات نحو نومريس.
كان يبدو عليه شيء من الدهشة، وكأن أمرًا ما لم يستطع فهمه بعد.
ـــ
غادرت مارغريت النزل.
كانت الشمس السوداء تختفي ببطء خلف الأفق، ولم يبقَ منها سوى آخر أشعتها الباهتة التي تلقي ضوءًا شاحبًا فوق أراضي القبيلة.
تلبدت السماء بالغيوم الداكنة، وفي البعيد كان البرق يتراقص بين السحب، يضيء السماء للحظات قبل أن يبتلعه الظلام من جديد.
هبت رياح قوية، فحرّكت خصلات شعر مارغريت بعنف.
رفعت بصرها نحو أرجاء القبيلة.
كان أفرادها قد بدأوا يتفرقون بسرعة؛ بعضهم يركض نحو منزله، وآخرون يسارعون إلى جمع ما تركوه في الخارج، خوفًا من اشتداد العاصفة.
وسط تلك الفوضى، شعرت مارغريت بنظرات تراقبها.
التفتت قليلًا.
لم تهتم.
اكتفت بتجاهل الأمر، ثم وجهت نظرها نحو الجنوب.
وبعد لحظات، توقفت عربة أمامها مباشرة.
لم تتردد.
فتحت بابها، وصعدت إلى داخلها، ثم أغلقت الباب خلفها.
تحركت العربة مبتعدة عن المكان.
في مكان غير بعيد، كان الجنديان التابعان لكنيسة اتحاد الأمم يراقبان المشهد من مسافة.
تابعا العربة بأعينهما حتى بدأت تبتعد، ثم التفت أحدهما إلى الآخر.
"هل نخبر السيد ليجولاس بهذا؟"
هز الآخر رأسه.
"لا داعي."
ثم أعاد نظره نحو النزل.
"نحن وُضعنا هنا من أجل الفتى، ولا علاقة لنا بتلك المرأة."
فكر الجندي الآخر للحظات، ثم أومأ برأسه.
"معك حق."
عاد الاثنان إلى مراقبة النزل بصمت.
"سننتظر فقط."
جلس فورتكس أمام نومريس، الذي كان قد فرغ لتوّه من طعامه، وأخذ يمعن النظر فيه طويلًا، وكأنه يحاول اكتشاف شيء لم يستطع فهمه منذ وصوله إلى النزل.
رفع نومريس عينيه إليه: "ماذا؟"
أجاب فورتكس دون أن يشيح بنظره عنه:
"لا شيء… كنت أفكر فقط."
هل نظر إلى وجهي يساعدك على تفكير ام ماذا.
توقف لحظة، ثم مال قليلًا إلى الأمام: "أي شيء مميز فيك قد يكون هو ما جذب تلك المرأة إليك."
ظل نومريس يحدق فيه بصمت، ولم يجد ما يقوله أمام ملاحظة كهذه.
بعد لحظات، تابع فورتكس:
"أنت ممسوس، أليس كذلك؟ متى أيقظت جنينك؟"
لم يجب نومريس.
حدق فورتكس فيه بضيق، ثم تنهد.
"تحدث. هل تظن أنني أحب إضاعة وقتي هكذا؟ لولا أن مارغريت هي من كلفتني بشرح بعض الأمور لك، لما كلفت نفسي عناء الحديث معك أصلًا."
أجاب نومريس بعد تردد قصير:
"لقد أخبرتها… قبل خمس أيام على ما أظن."
توقفت عينا فورتكس عند السيف الأسود المعلق إلى جانب نومريس.
ثم أشار إليه بذقنه.
"هل تعرف استخدامه؟"
حوّل نومريس نظره إلى سيفه.
"لم أستخدمه قط."
رفع فورتكس حاجبه.
"هذه معضلة فعلًا… وتلك المرأة تريد إرسال شخص مثلك في مهمة."
هز رأسه باستغراب، ثم تمتم:
"يا لها من امرأة…"
نهض من مقعده، وأشار إلى نومريس: "تعال معي."
رفع نومريس رأسه.
"إلى أين؟"
استدار فورتكس نحو الباب، ثم أجاب:
"إن أردت أن تتعلم كيفية استخدام ذلك الشيء الذي تحمله، فاتبعني."
لم ينتظر ردًا، واتجه نحو الباب الخلفي للنزل.
تبعه نومريس، وخرجا إلى المكان الذي كان قد قطع فيه الخشب في الليلة الماضية.
كانت الرياح تهب بقوة في ذلك الجانب من النزل، بينما بدأ الليل يفرض سيطرته على السماء. وعلى امتداد الجدران، كانت قناديل زيتية معلقة، تبعث ضوءًا باهتًا متراقصًا وسط الظلام.
توقف فورتكس، ثم استل سيفه الأسود.
أمسك المقبض بثبات، ووجه النصل نحو نومريس.
"هاجمني."
تردد نومريس للحظة، وبقي واقفًا في مكانه دون أن يتحرك.
حدق فورتكس فيه باستنكار.
"أيها الأحمق، استل سيفك بسرعة. ألم تأتِ إلى هنا لتتدرب عليه؟"
ابتلع نومريس ريقه.
ثم مد يده إلى غمد السيف، وقبض على مقبضه، قبل أن يستله ببطء.
وفي اللحظة التي خرج فيها النصل الأسود من غمده… تغير الجو.
شعر فورتكس ببرودة مفاجئة تزحف عبر المكان، وكأن درجة الحرارة انخفضت في لحظة واحدة.
ثم سمع صوتًا غريبًا.
خربشات… كأن فرشاة خشنة تحك سطحًا ما.
جاء الصوت من كل اتجاه.
استدار فورتكس بسرعة، وأخذ يتفحص المكان بعينيه.
"ما هذا…؟"
ظل واقفًا للحظات، يصغي إلى الصوت، ثم أعاد نظره إلى نومريس.
ضاقت عيناه.
"هل قدرتك مرتبطة بهذا السيف؟"
أجاب نومريس بصوت خافت:
"لا أعرف."
نظر إليه فورتكس باستغراب.
"لا تعرف؟ هذا غير ممكن."
ثم أضاف:
"مباشرة بعد حصول المرء على قدرته، يمكنه إدراك كيفية استخدامها."
أجاب نومريس بهدوء:
"أعرف كيفية استخدام قدرتي… أما هذا السيف فلا."
صمت فورتكس لحظة، ثم هز كتفيه.
"حسنًا، لا يهم الآن."
رفع سيفه مجددًا.
"هاجمني."
أومأ نومريس.
أمسك السيف بيده اليمنى، بينما بقيت يده الأخرى قابضة على غمده. ثم تقدم نحو فورتكس بخطوات مترددة، وما إن اقترب منه حتى لوّح بسيفه.
لم تكد ضربة نومريس تصل حتى رفع فورتكس سيفه واعترضها.
طَـن!
ارتج المكان بصوت اصطدام المعدن بالمعدن، وتطايرت شرارة صغيرة بين النصلين.
لكن فورتكس لم يتراجع سوى نصف خطوة.
أما نومريس، فقد اهتزت ذراعه من قوة الاصطدام، واضطر إلى التراجع.
قال فورتكس دون أن يهاجمه:
"سيئ."
حدق نومريس فيه.
"ماذا؟"
خفض فورتكس سيفه.
"كل شيء."
ثم أضاف وهو يشير إلى وقفته:
"طريقة وقوفك، طريقة إمساكك بالسيف، وحتى الطريقة التي وجهت بها الضربة."
نظر نومريس إلى سيفه بصمت.
تابع فورتكس:
"أنت لا تستخدم سيفًا، بل تحمل قطعة من الحديد وتحاول أن تجعلها تؤذي شخصًا."
لم يعرف نومريس كيف يرد.
رفع فورتكس سيفه وأشار به إلى قدميه.
"أول شيء ستتعلمه ليس كيف تضرب."
تقدم خطوة.
"بل كيف تقف."
رفع نومريس حاجبه.
"كيف أقف؟"
"نعم."
تقدم فورتكس نحوه، ثم دفع قدمه قليلًا بطرف حذائه.
"قدماك متقاربتان."
عدل نومريس وقفته.
"اجعل إحداهما أمام الأخرى."
نفذ ما قاله.
"ليس هكذا."
اقترب فورتكس وعدل قدمه مرة أخرى.
"إذا فقدت توازنك، لن ينفعك السيف مهما كان حادًا."
ثم أشار إلى ركبتيه.
"اثنهما قليلًا. لا تقف وكأنك تنتظر حكمًا بالموت."
خفض نومريس جسده قليلًا.
"أفضل."
ثم نظر إلى كتفيه.
"وأرخِهما."
أرخى نومريس كتفيه.
"الآن ذراعك."
رفع نومريس السيف أمامه.
أمسك فورتكس معصمه.
"لا تجعلها مستقيمة تمامًا. اترك مجالًا للحركة."
ثم نظر إلى قبضته.
"وأنت تمسك المقبض كما لو أنك تخشى أن يهرب منك."
أرخى نومريس أصابعه قليلًا.
"هكذا."
ابتعد فورتكس عنه.
"السيف لا يحتاج إلى قوة يدك وحدها. القوة تأتي من جسدك كله."
نظر نومريس إليه باهتمام.
"من القدمين، إلى الساقين، إلى الخصر، ثم الكتف والذراع."
حرّك فورتكس سيفه ببطء أمامه.
"النصل هو آخر شيء يتحرك."
ثم ثبت عينيه على نومريس.
"تذكر ذلك."
دوّى الرعد في السماء.
قَصْف!
ارتجت القناديل المعلقة على الجدران، وتراقصت ألسنة النار داخلها.
رفع نومريس رأسه نحو السماء للحظة.
ومضة برق شقت الغيوم السوداء، فأضاءت الساحة كاملة، قبل أن يعود كل شيء إلى عتمته.
قال فورتكس:
"الآن، اضربني."
تقدم نومريس.
رفع سيفه.
هذه المرة لم يندفع مباشرة.
تذكر قدميه.
ثبت توازنه.
ثم وجه ضربة نحو فورتكس.
اعترضها الأخير بسهولة.
طَـن!
"أفضل."
تراجع فورتكس.
"مرة أخرى."
كرر نومريس الضربة.
اعترضها فورتكس.
"مرة أخرى."
كررها.
طَـن!
"مرة أخرى."
ومرة أخرى.
ثم مرة خامسة.
لم يكن فورتكس يهاجم.
كان يترك نومريس يكرر الحركة نفسها، ويصحح خطأً واحدًا في كل مرة.
"لا ترفع كتفك."
ضربة.
"لا تنظر إلى النصل."
ضربة.
"لا تتقدم بجسدك قبل قدميك."
ضربة.
"لا تحبس أنفاسك."
ضربة.
بعد مرور وقت طويل كان نومريس يلهث.
بدأت قطرات المطر الأولى تسقط على الأرض.
قطرة…
ثم أخرى…
حتى أخذت الأرض تكتسب لمعانًا رطبًا تحت ضوء القناديل.
قال فورتكس:
"كفى."
توقف نومريس.
مسح العرق عن جبينه.
"لماذا توقفنا؟"
ابتسم فورتكس.
"لأنك لم تفهم بعد."
نظر نومريس إلى سيفه.
"ما الذي فعلته غير صحيح؟"
صمت فورتكس للحظة، ثم أردف:
"أنت قضيت وقتك كله تحاول توجيه الضربات، ولم تفهم حتى الآن أن أهم جزء من القتال يحدث قبل أن تضرب."
رفع فورتكس سيفه.
"المسافة."
اقترب خطوة.
"التوازن."
خطوة أخرى.
"الوقت."
ثم توقف.
"والملاحظة."
حدق نومريس فيه.
"الملاحظة؟"
"راقب خصمك."
وأشار إلى عينيه.
"لا تحاول أن تخمن ما سيفعله. راقب كتفه، قدميه، طريقة تنفسه، اتجاه نظره."
ثم ابتسم.
"الجسد يتحدث قبل السيف."
تذكر نومريس الحركة التي أداها فورتكس قبل قليل.
وضع قدمه.
حركة كتفه.
اتجاه معصمه.
كل شيء بقي واضحًا في ذهنه.
اندفع نومريس.
لم يتحرك فورتكس.
وفي اللحظة التي اقترب فيها، تحرك جانبًا.
مر نومريس بجانبه.
"بطيء."
استدار نومريس.
اندفع مرة أخرى.
تراجع فورتكس خطوة.
"متوقع."
مرة ثالثة.
هذه المرة حاول نومريس تغيير اتجاهه.
لكن فورتكس ابتعد قبل أن يصل إليه.
"أفضل."
توقف نومريس ليلتقط أنفاسه.
هطل المطر بقوة أكبر.
تساقطت القطرات فوق شعره وملابسه، بينما بدأت البرك الصغيرة تتشكل تحت قدميه.
رفع فورتكس عينيه إلى السماء.
ومضة برق ضخمة أضاءت الغيوم.
ثم دوّى الرعد بعدها بثوانٍ.
"استمع."
نظر نومريس إليه باستغراب.
"ماذا؟"
"للرعد."
"الرعد؟"
"نعم."
رفع فورتكس سيفه.
"أنت متوتر عندما تهاجم."
اقترب ببطء.
"لذلك تتعجل."
ثم أضاف:
"لا تجعل عقلك يركض أسرع من جسدك."
ثبت نومريس عينيه عليه.
"انتظر اللحظة المناسبة."
تحرك فورتكس فجأة.
اندفع نحو نومريس.
رفع نومريس سيفه بسرعة.
طَـن!
اصطدم النصلان.
تراجع نومريس.
لكن فورتكس لم يتبع الضربة.
بل توقف.
"لماذا رفعت سيفك؟"
"للدفاع."
"خطأ."
تفاجأ نومريس.
"خطأ؟"
"كنت تستطيع الابتعاد."
وأشار إلى المساحة خلف نومريس.
"السيف ليس الشيء الوحيد الذي يحميك."
ثم قال:
"إذا استطعت تفادي ضربة دون استخدام سيفك، فافعل."
نظر نومريس إلى الأرض.
كانت الكلمات بسيطة.
لكنها جعلته يفكر.
السيف ليس كل شيء.
يمكنه التحرك.
يمكنه التراجع.
يمكنه تفادي الهجوم.
يمكنه انتظار اللحظة المناسبة.
قال فورتكس:
"مرة أخرى."
رفع نومريس سيفه.
لكن هذه المرة لم يندفع.
بقي ثابتًا.
يراقب.
تحرك فورتكس ببطء.
راقب نومريس قدميه.
ثم كتفه.
ثم يده.
فجأة…
تحرك فورتكس.
تراجع نومريس إلى الجانب بدل أن يرفع سيفه.
مرت ضربة فورتكس أمام صدره.
توقف الأخير.
رفع حاجبه.
"ها."
نظر نومريس إليه.
"ماذا؟"
ابتسم فورتكس.
"هذه أول مرة تفعل فيها شيئًا صحيحًا."
ثم اندفع نحوه مرة أخرى.
تراجع نومريس.
خطوة.
ثم أخرى.
كان فورتكس يضغط عليه باستمرار، لكنه لم يكن يوجه ضربات حقيقية.
كان فقط يجبره على التحرك.
وفي كل مرة، كان نومريس يلاحظ شيئًا جديدًا.
طريقة انتقال وزن فورتكس.
زاوية قدميه.
حركة كتفه قبل الهجوم.
حتى التغير الطفيف في تنفسه.
كانت التفاصيل تتجمع في ذهنه واحدة تلو الأخرى.
وكأن عقله لا يسمح لأي شيء يراه أن يضيع.
رفع نومريس سيفه.
وعندما اندفع فورتكس مجددًا…
لم يتراجع.
بل تحرك إلى الجانب، ثم استدار بجسده، ووجه سيفه نحو كتف فورتكس.
توقف النصل قبل أن يلامسه بقليل.
ساد الصمت.
نظر فورتكس إلى السيف.
ثم إلى نومريس.
خفض نومريس سيفه ببطء.
لم يبدُ عليه الفرح.
بل بدا وكأنه هو نفسه لم يفهم كيف فعلها.
دوى الرعد فوقهما.
ثم شق البرق السماء، فانعكس ضوؤه على النصل الأسود.
قال فورتكس:
"لم تكن حركة سيئة."
ثم أضاف:
"لكن لا تفرح."
رفع سيفه من جديد.
"لو كان هذا قتالًا حقيقيًا، لكنت ميتًا منذ البداية."
حدق نومريس فيه. كان يعرف ذلك.
قوي جدًا.
ابتسم فورتكس.
"لأن خصمك لن يقف أمامك وينتظر أن تتعلم."
ثم اندفع نحوه.
هذه المرة كانت الضربة أسرع.
رفع نومريس سيفه متأخرًا.
طَـن!
تراجعت يده بعنف.
ثم تبعتها ضربة ثانية.
وثالثة.
أخذ نومريس يتراجع تحت الضغط، يحاول تذكر كل ما تعلمه.
القدمين.
التوازن.
التنفس.
المسافة.
الملاحظة.
لكن المطر كان يزداد، والأرض أصبحت زلقة، والرؤية تزداد سوءًا مع الظلام.
ثم حدث شيء غريب.
في اللحظة التي رفع فيها نومريس سيفه، شعر بذلك البرد مرة أخرى.
بردٌ تسلل إلى المكان.
وتبعته الخربشات نفسها.
صوت فرشاة تحك سطحًا خشنًا…
من خلفه.
ومن جانبه.
وفوقه.
تجمد نومريس للحظة.
وتوقفت حركة فورتكس أيضًا.
نظر حوله بعبوس.
"ذلك الصوت…"
ثم رفع عينيه نحو نومريس.
كان وجهه هذه المرة خاليًا من المزاح.
"من أين يأتي؟"
لم يجب نومريس.
كان يحدق في السيف الأسود.
وشعر بشيء يتحرك في أعماقه.
شيء لم يفهمه.
شيء يشبه الخوف…
لكنه لم يكن خوفًا منه.
بل خوفًا يخرج منه.
ثم دوّى الرعد.
وأضاء البرق السماء للحظة.
وفي ذلك الضوء، بدا السيف الأسود وكأنه يبتلع انعكاس البرق بدل أن يعكسه.
تراجع فورتكس خطوة.
أما نومريس…
فبقي واقفًا في مكانه.
لا يعرف إن كان ما يحدث بسبب السيف…
أم بسبب جنينه.
أم بسبب شيء آخر لم يفهمه.
"حسنًا، كفى لهذا اليوم."
خفض فورتكس سيفه، ثم تنفس ببطء.
نظر إليه نومريس باستغراب.
"لماذا؟"
أجاب فورتكس وهو يعيد سيفه إلى غمده:
"ألا تعرف كم الوقت الآن؟"
قطب نومريس حاجبيه.
"كم مضى من الوقت؟"
حدق فورتكس فيه للحظات، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الاستغراب:
"هل أنت وحش أم ماذا؟"
نظر إليه نومريس بصمت.
تابع فورتكس:
"لم تتعب إلا قليلًا، رغم أن الوقت تجاوز منتصف الليل. لقد مرت خمس ساعات كاملة وأنت تتدرب."
نظر نومريس إلى السماء.
لم يدرك حقًا أن كل ذلك الوقت قد مر.
قال فورتكس:
"المهم، سنكمل التدريب غدًا. أما الآن، فسأذهب للنوم."
استدار وغادر.
لكن عندما بلغ الباب، توقف للحظة.
كان نومريس لا يزال واقفًا في مكانه، لا يتحرك.
التفت فورتكس إليه.
"ألن تذهب للنوم؟"
أجاب نومريس دون أن ينظر إليه:
"سأبقى قليلًا."
ثم أضاف وهو ينظر إلى سيفه:
"أريد أن أتدرب قليلًا."
زفر فورتكس بخفة، ثم هز رأسه.
"حسنًا، هذا شأنك. لا علاقة لي بك."
ثم أغلق الباب خلفه، تاركًا نومريس وحيدًا في الساحة.
ساد الهدوء من جديد.
لم يبقَ سوى صوت المطر، وصفير الرياح وهي تمر بين أرجاء المكان، يتخلله بين الحين والآخر دوي الرعد.
رفع نومريس رأسه نحو السماء.
كانت الغيوم السوداء تغطيها بالكامل، والبرق يشقها بين لحظة وأخرى، فيغمر المكان بومضة بيضاء خاطفة، ثم يعيده إلى ظلامه.
تساقطت قطرات المطر على وجهه، وانحدرت ببطء فوق بشرته داكنة، بينما كانت ومضات البرق تنعكس في عينيه الحمراوين.
ظل واقفًا هناك للحظات.
ثم خفض بصره نحو السيف الأسود.
ابتسم ابتسامة خافتة.
"لن أرتخي بعد اليوم."
ضم أصابعه حول مقبض السيف.
"إذا أردت أن أجعل أمي تعيش حياة هادئة في هذا العالم…"
توقف لحظة.
ثم نظر إلى النصل.
"فعليّ أن أصبح أقوى."
ساد الصمت مجددًا.
وبعد لحظات، اتسعت ابتسامته قليلًا.
"سأفكر في اسم لك قريبًا."
مرر نظره على السيف وكأنه يخاطبه.
"لا تقلق."
ثم أغمض عينيه.
استعاد في ذهنه كل ما قاله فورتكس.
الوقفة.
التوازن.
حركة القدمين.
المسافة.
التنفس.
مراقبة الخصم.
وتحريك الجسد قبل النصل.
تنفس بعمق، ثم أطلق زفيرًا هادئًا.
وبينما كانت السماء تضج بالرعد، فتح عينيه ببطء.
نظر أمامه.
ثم همس:
"أخرج."
نهاية الفصل