ملحمة سليل الخوف الفصل 16 — ملحمة سليل الخوف 16

اقرأ ملحمة سليل الخوف الفصل 16 — ملحمة سليل الخوف 16 باللغة العربية على مانجا تايم.

وقف جوي تحت المطر المنهار وهو يتأمل السماء الداكنة، قبل أن يجول بجهامته في الأرجاء.

كان الجو مظلماً بشكلٍ غير معتاد، وستائر المطر الحبيسة تحجب الرؤية عن المدى البعيد.

تمتم في سريرته: "إنها الفرصة المثالية ليهرب بها ذاك الصبي…"

كان جوي فارع القامة بطولٍ يتجاوز المترين، يمتلك شعراً ذهبياً متوسط الطول، ويرتدي رداءً أزرق داكناً ترصعه جواهر مشرقة تلمع ببريقٍ مكتوم وسط العتمة، بينما يتدلى عند خصره سيفٌ طويل يفيض بالفخامة.

أمسك جوي بمقبض سيفه وتنهد ببرود: "من أين يتوجب عليّ بدء البحث الآن؟ عدم الإمساك به حتى هذه اللحظة يعني أنه يمتلك دهاءً يجعله يجيد التخفي… وإن كان الأمر كذلك، فلا بد أنه لم يتجاوز أسوار القبيلة بعد."

ثم أردف بثبات: «حسناً… لنبدأ الآن.»

خطوةً تلو الأخرى، كانت أقدامه تنغرس وثوقاً في الوحل، حتى أثقل الطين حذاءه الجلدي المتين دون أن يثبط حركة خطاه.

في هذه الأثناء، وعلى مسافةٍ بعيدة من جوي، كان نومريس يتوارى ممدداً فوق سطح أحد الأكواخ المرتفعة؛ كان المطر قد بلله بالكامل حتى التصقت خصلات شعره بوجنتيه، بينما كانت حدقتاه الحمراوتان ترصدان تحركات رجال القبيلة وهم يجوبون الأزقة بأسلحتهم.

ترددت أصوات الحراس من الأسفل وسط هطول المطر:

«ابحثوا جيداً في كل ركن! الضاحية الغربية تم تطويقها بالكامل، والجنوبية كذلك… لم تتبقَّ سوى الشرقية والشمالية!»

«نحن نمشط الضاحية الشمالية الآن، والشرقية تحت إشراف الشيخ مانيس بالفعل… جميع منافذ القبيلة محاصرة، ولن يجد ذاك العبد جحراً يختبئ فيه!»

كان نومريس يراقبهم في سكونٍ تام، ممدداً كالظل فوق القش المبتل.

"ماذا عساي أن أفعل؟ أحتاج إلى معجزة حقيقية حتى أتمكن من النفاد من هذا الحصار… بل إنني أجهل موطئ قدمي وموقعي بالتحديد.

كل ما أعرفه أن عليّ الوصول إلى تلك المدينة بأي طريقة، ولو كانت بحوزتي خريطة لكان الأمر أيسر بكثير."

ثم طافت بذهنه فكرةٌ أخرى: "مدينة نيفيريا… أجل، أنا أتذكر اسمها جيداً. لو كان معي نايلي…"

فجأة، انقطع حبل أفكاره.

ساد الصمت في عقله.

صمتٌ أعمق وأثقل من المطر من حوله.

لبث متصمراً لا يتحرك، قبل أن يهمس بنبرةٍ تفيض بالذهول والحيرة:

"نايلي…؟ من نايلي هذا…؟ ومن يكون هذا الشخص بالذات…؟"

تداعت في رأسه غشاوةٌ كثيفة من الشتات، واجتاحته حيرةٌ صامتة زلزلت كيانه؛ إذ لم يدرِ قط كيف انزلق ذلك الاسم على لسانه تلقائياً، ولا من هو ذاك الغائب الذي اجتثته يدٌ خفية من نسيج ذاكرته وتركت روحه تناديه دون أن يتعرف عليه عقله.

نفض نومريس رأسه بقوة محاولاً طرد هذا الدوار المفاجئ، وأغمض عينيه للحظة ليحبس الصداع المباغت، ثم تمتم قاطعاً أسر الذكريات الميتة:

"على أي حال… يتوجب عليّ التحرك الآن فوراً، ما دامت السماء تمطر بغزارة وتمنحني غطاءً أتحرك تحته."

تحرك نومريس بخفةٍ ورشاقة فوق الأسطح المبتلة، يمر كالظل بين الهشيم والصلصال، حتى إن صرير خطواته العابرة جعل بعض الأهالي يصرخون بحنق من داخل أكواخهم:

«أيها الأوغاد… ابتعدوا عن سطح منزلي وابحثوا عن ذاك الملعون في مكانٍ آخر!»

لم يكن ذاك القروي الغاضب يدرك قط أن الظل القافز فوق رأسه في هذه اللحظة بالذات ليس سوى الصبي الفار الذي أقام القبيلة ولم يُقعدها.

في الأروقة السفلية، امتد صوت جوي الجهوري يخرق صفير الريح وهدير المطر، صارخاً بالرجال: «ابحثوا في مجموعاتٍ منظمة! أي شخصٍ تلمحونه يركض بمفرده احتجزوه وحققوا معه فوراً!»

وما إن أصدر جوي أمره حتى تفرقت التجمعات العشوائية، وتحول البحث السائب إلى طوقٍ منظم؛ صار الحراس والأهالي يجوبون الأزقة في مجاميع متراصة، مطاردين كل من يتحرك بمفرده تحت المطر.

"بدأ الخناق يضيق بي أكثر…" تمتم نومريس بصوتٍ خافت، وهو ينزلق مستتراً داخل برميلٍ خشبي واسع، مركونٍ بجوار حصانٍ أدهم متين.

كان الحصان بني الفراء، وتنبعث من منخريه أنفاسٌ بيضاء دافئة تتصاعد كالبخار وسط صكيك البرد والهطول.

ثبّت نومريس حدقتيه على الحصان، وتأمله برهة: "لم يسبق لي قط أن ركبت حصاناً… فضلاً عن أن امتطائه الآن سيكون بمثابة إعلان جليّ عن موقعي؛ سأجذب أنظار الجميع مجدداً وسيبدأ الكل بمطاردتي."

تنهد بأسى، وقد غمر نصف رأسه في الماء المتجمع داخل البرميل، بينما أبقى على عينيه قريبتين من الحافة يراقب منهما حركة الأزقة.

فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت خطواتٍ ثقيلة تنغرس في الوحل بالقرب منه مباشرة، فكتم أنفاسه فوراً وغطس برأسه كاملاً تحت سطح الماء المتجمّد.

«أين اختفى ذاك الفار الملعون…؟! لقد مشطنا كل شبر، فكيف لم يظهر له أثر بعد؟!»

رد عليه حارسٌ آخر بنبرةٍ يملؤها الشك: «ربما يكون قد تسلل إلى أحد الأكواخ ويتوارى في الداخل… فنحن لم نقتحم المنازل لنفتشها بعد.»

«معك حق… ولكن لا يُسمح لنا باقتحام البيوت دون إذن؛ فتفتيش منازل الآخرين خرقٌ صريح لقوانين القبيلة.»

رد عليه الحارس الأول بسخط: «إذاً انسَ الأمر… يبدو أن قواعد القبيلة هذه ستكون هي السبب المباشر في نفاد ذاك العبد بفعلته!»

تلاشت أصوات الرجال تدريجياً وهي تبتعد في عمق الأزقة، بينما انبثق رأس نومريس من سطح البرميل، يطفو متلهفاً وهو يلتقط أنفاسه المقطوعة بصريرٍ خافت: "عليّ الهرب فوراً… كل ثانية تمر هنا ستجعل الأمور أشد تعقيداً ومواجهتهم مستحيلة."

انزلق خارج البرميل متقاطراً بالماء، وجال بنظراته الصارمة نحو الحصان الأدهم لعدة لحظات، قبل أن يحسم أمره بحركةٍ قاطعة خالية من التردد.

وثب فوق ظهر الحصان بخفة، وقبض بضراوة على خصلات عرفه الطويل لعدم وجود لجام يوجهه، ثم ركزه بضربةٍ حادة من قدميه عند خاصرتيه.

صهل الحصان ببرية ارتفعت معها قوائمه الأمامية في الهواء، قبل أن يندفع كالشرارة بين الأزقة والممرات؛ كانت سرعته الخاطفة تشق ركود الطين، مخلّفاً وراءه رذاذ المطر المتناثر من شعره وثيابه التي ترفرف بحدة مع صفيق الرياح.

صرَّ نومريس على أسنانه بحزم حين تراءت له مجموعةٌ من حراس القبيلة يقفون وسط الطريق، فدفع الحصان بضربةٍ أشد قوة ليزيد من عصف حركته.

تناهى إلى مسامع الحراس صوت وقع الحوافر الثقيلة وهي تطحن الوحل، فتساءل أحدهم بذهول: «من ذاك المعتوه الذي يركب حصانه في وسط هذا الهطول المنهار؟!»

رد آخر بشك: «ربما يكون الشيخ جوي… أفعاله غريبة كعادته.»

لكن مع اقتراب الجسد الأدهم وانكشاف اللثام، صرخ أحدهم بفزع: «أيها الشيخ جوي… ماذا تفعل—؟!»

انقشع الوهم في لحظة، فاندفع الرجال جانباً وهم يصرخون بذعر ليخلوا الطريق أمام جوامح الحصان الذي مر كالعاصفة: «إنه العبد الفار! أوقفوه… إنه يحاول الهرب!»

تداعى الاستنفار في ثوانٍ؛ هرول العشرات في أثره، بينما بادر حراسٌ آخرون بامتطاء أحصنةٍ كانت مركونةً عند أطراف الأكواخ، لتبدأ مطاردةٌ شرسة تسببت في إيقاظ القبيلة بأكملها.

التفت نومريس إلى الخلف؛ كانت هناك خمسة أحصنة على الأقل تدك الأرض خلفه، وتقترب بخطى متسارعة.

جذبت الفوضى العارمة عين كل من في القبيلة، وتحقق بالضبط ما كان نومريس يخشاه ويحسب حسابه بدقة: المطاردة المكشوفة وسط الميدان.

"مشكلةٌ حقيقية…" تمتم نومريس بنبرةٍ خفتت فيها شدة الانفعال لتستقر على هدوءٍ بارد ومريب.

وبعد مناورةٍ خاطفة بين الأكواخ المتراكمة، انفتحت أمام عينيه أخيراً ثغرةٌ واسعة تؤدي مباشرة إلى خارج حدود القبيلة.

اتسعت ابتسامة نومريس، وألقى نظرةً خاطفة إلى الوراء متمتماً: "وداعاً…"

غير أن تعابير وجهه انقلبت رأساً على عقب بمجرد أن أعاد نظره إلى الأمام؛ إذ اعترض طريقه فجأة رجلٌ فارع القامة، يرتدي رداءً أزرق وترتسم على محياه ابتسامةٌ واثقة… كان جوي، بملابسه الذهبية، يترصد السلسلة.

«ظهرت أخيراً أيها الفأر… لقد كنتُ بانتظارك هنا منذ مدة.»

قال جوي بنبرةٍ ساخرة وهو يضع يده على مقبض سيفه: «إن أردت الفرار… فعليك أن تفكر ملياً وتدرس خصمك قبل أن تطرق هذا الباب.»

قبل عشرين دقيقة من تلك اللحظة…

وقف جوي أمام مجموعة من حراسه، وأصدر أمراً ببرود: «أخرجوا بعض الأحصنة من الإسطبلات، واربطوها بصورةٍ مكشوفة عند الطريق المؤدي للضاحية الغربية.»

استغرب أحد الرجال وسأل بحيرة: «أحصنة…؟ ولماذا نفعل ذلك يا سيادة الشيخ؟»

رمقه جوي بنظرةٍ حادة أخرسته: «نفّذ ما تُؤمر به دون جدال.»

تجهّدت حواجب نومريس وهو يدرك المصيدة التي وقع فيها، غير أن المفاجأة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ اندفع من أعلى قمة الكوخ المجاور جسدٌ ثقيل يسقط عليه كالصاعقة… إنه الشيخ مانيس.

في غضون ثانية، التحم الجسدان، واندفعا بقوة ليرتميا أرضاً وسط الطين والوحل، بينما انزلق الحصان الأدهم بفعل الاصطدام المباغت وفقد توازنه ليهوي صريعاً على الأرض المبتلة.

التفَّت حلقةٌ محكمة من رجال القبيلة المدججين بالسلاح حول نومريس والشيخ مانيس، مستديرةً كالسور الحصين دون أن تترك ثغرةً واحدة للنفاد.

نهض نومريس في لمح البصر؛ كان المطر يتساقط على جسده الثقيل، بينما تلطخ شعره ووجهه بالوحل الأسود، وجالت عيناه الحمراوان عبر الوجوه الشاخصة حوله بحثاً عن أملٍ واهٍ أو منفذٍ مستتر، غير أن الدائرة كانت تطوقه تماماً.

انتفض مانيس هو الآخر من الطين، ينفض الوحل عن ردائه بصراخٍ يتفجر بالحنق والوعيد: «أيها العبد الملعون… لقد أثرت الفوضى وجعلتنا نركض كالمجانين تحت المطر! أقسم لتندمنَّ على كل خطوة خطوتها!»

مسح مانيس الطين عن فكه، وتابع بحدةٍ تخرق صوت الهطول: «تظن أن بإمكانك التغفل عنا والنفاد بجلدك؟ مجرد صبيٍّ شقي يحلم بالحرية… أنت مجرد عبد، فكيف تتجرأ حتى على التفكير في الهرب؟!»

ظل نومريس صامتاً كالصخر؛ كانت عيناه الشاخصتان تخترقان حلقة الحراس، بينما يتردد صدى الكلمة في أعماقه بمرارةٍ مكتومة: "عبد…؟"

قبض نومريس على كفيه بحدة، وشعر بضغط الهالة الكثيفة التي تشكلت حوله؛ كان جوي يقف خلف مانيس مباشرة، ممسكاً بمقبض سيفه بنظراتٍ هادئة تراقب كل اختلاجةٍ في جسد الصبي.

"أنت لا تفهم موقعك يا فتى…" أردف مانيس وهو يتقدم خطوةً بثقة، شاهراً سيفه العريض: "العبيد في هذه الديار لا يملكون إرادة الهرب، بل يملكون فقط طاعة سيدهم… وسيدك الآن هو القبيلة بأكملها."

امتدت يد نومريس نحو مقبض سيفه الأسود القابع عند خصره، وجرّه من غمده ببطءٍ وثبات، مدوياً صرير المعدن الصارم فوق هدير المطر.

تجلت على ملامحه برودةٌ قاسية، خالية من كل إشفاق أو وجل، كأنما خمدت في عينيه كل شعلةٍ للبشرية، لتهتف حنجرته بنبرةٍ جافة تشق المدى:

«سأغادر هذه القبيلة مهما كلف الثمن… وحتى إن كان قدري الموت هنا، فسأضمن أن أجرك معي إلى الهاوية!»

في تلك اللحظة بالذات، ترافق صرير استلال سيفه مع انبعاث خربشاتٍ غريبة وصدى شحذٍ مبهم في الهواء، كأنما تجسدت فيه نبرة الموت ذاته، ليتصمر الجميع في أماكنهم، وتتجمد الدماء في عروق الحراس تحت تأثير ذعرٍ مباغت لم يعهدوه.

ولم تكد الدائرة الحصينة تفوق من ذهولها، حتى شق عتمة المطر صراخٌ مذعور ينبعث من مسافاتٍ بعيدة، ممتزجاً مع رنين جرس الطوارئ المدوي في أرجاء القبيلة بزئيرٍ يخلع القلوب:

«نحن نتعرض للهجوم! نحن نتعرض للهجوم! القبائل الأخرى تشن الحرب علينا!»

نهاية الفصل